باب: "نعم" و"بئس" وما جرى مجراهما (١)
فعلين لا اسمين على الأولى جعل "نعم" و"بئس" الأصل فيهما "فَعِل"
واستعمل الأصل و"فِعْل" و"فِعِل". الأربع استعملن في نحو: "كحل"
والاسم أيضا هكذا، ففي "فخذ". يقال "فخذ" مع "فِخْذ" و"فِخِذ".
كلاهما فعل به الإنشا قصد لذلك (٢) التصريف منهما (٣) فقد
في "نعم" و"بئس" أربع لغات:
"نعم" و"بئس" وهو الأصل.
_________________
(١) ش سقط "وما جرى مجراهما"
(٢) هـ "كذلك".
(٣) س ش ع "فيهما".
[ ٢ / ١١٠٠ ]
و"نعم" و"بئس" (١) و"نعم" و"بئس" بالإتباع و"نعم" و"بئس" بالسكون بعد الاتباع.
وهذه اللغات الأربع جائزة في كل ما كان من الأفعال أو الأسماء ثلاثيا، أوله مفتوح، وثانيه حلقي مكسور.
فيقال في "شهد": (٢) "شهد" و"شهد" و"شهد"
وكذا يقال في (٣) "فَخِذ": "فَخْذ" و"فِخِذ" و"فِخْذ"
قال الشاعر:
(٧١٥) - إذا غاب عنا غاب عنا ربيعنا وإن شهد أجدى خيره ونوافله
ومن مجيء "نعم" على الأصل قوله طرفة:
(٧١٦) - ما أقلت قدم (٤) إنهم نعم الساعون في الأمر المبر
_________________
(١) هـ "باس"
(٢) ع "وشهد"
(٣) ع سقط "في"
(٤) هـ سقط "قدم"
(٥) من قصيدة من الطويل قالها الأخطل في مدح بشر بن مروان بن الحكم ورواية الديوان ص ٢٢٤: إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا وإن شهد أجدى فيضه وجداوله أجدى: أغنى ووسع، والجدا: العطية، والجداء: الغناء والنفع. الجداول: مجاري الماء
(٦) من الرمل من قصيدة لطرفة بن العبد "الديوان ص ٥٨". ورواية الديوان خالتي والنفس قدما أتهم نعم الساعون في القوم الشطر والبيت متعلق ببيت قبله هو: ففداء لبني قيس على ما أصاب الناس من سر وضر ما أقلت: ما ارتفعت، والإقلال: الرفع.
[ ٢ / ١١٠١ ]
وحكى أبو علي: "بيس" -بفتح الباء، وياء ساكنة-
و"نعم" و"بئس" فعلان غير متصرفين.
ويدل على فعليتهما اتصال تاء التأنيث الساكنة بهما في كل اللغات، واتصال ضمير الرفع بهما في لغة حكاها الكسائي.
والقول بفعليتهما هو قول البصريين، والكسائي.
وزعم الفراء، وأكثر (١) الكوفيين أنهما اسمان (٢)
واستدلوا على ذلك بدخول حرف الجر عليهما كقول بعض العرب لمن بشره ببنت:
"والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة" (٣) وكقول بعضهم، نعم السير على بئس العير.
ولا حجة في هذا؛ لأن حرف الجر قد (٤) يدخل (٥) على ما
_________________
(١) ع "وكثير".
(٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ١١٩، ٢/ ١٤١.
(٣) ينظر أمالي الشجري ٢/ ١٤٧، ١٤٨.
(٤) ع وك سقط "قد".
(٥) هـ "يدل".
[ ٢ / ١١٠٢ ]
لا خلاف في فعليته كقول القائل:
(٧١٧) - عمرك (١) ما ليلى بنام صاحبه
(٧١٨) -[ولا مخالط الليان جانبه] (٢)
فيتأول ذلك بما يتأول هذا.
ومما يستدل به من زعم اسميتها قول الراجز:
(٧١٩) - صبحك الله بخير باكر
(٧٢٠) - بنعم طير وشباب فاخر
ولا حجة فيه أيضا لأن "نعم" فيه (٣) محكية، ولذلك فتحت ميمها مع دخول حرف الجر عليها.
ويطلبان فاعلا تالي "أل" أو ما يتاليها مضافا (٤) اتصل
_________________
(١) هـ لعمرك
(٢) ع وك سقط ما بين القوسين
(٣) ع وك سقط فيه
(٤) هـ "مضافا ما اتصل". ٧١٧، ٧١٨ - رجز لم ينسب لقائل معين ورواية الصاغاني: ما زيد بنام صاحبه. قال الصاغاني: أي: ما زيد برجل نام صاحبه. الليان: مصدر "الأشموني ٣/ ٢٧". ٧١٩، ٧٢٠ - رجز لم ينسب إلى قائل معين وهو من شواهد العيني ٤/ ٢ ولم يقف على اسم قائله. باكر: سريع عاجل. بنعم طير: بخير طير.
[ ٢ / ١١٠٣ ]
أو مضمرا مميزا بنكرة كـ"نعم مجموعا كتاب التذكرة"
ومع ظهور الفاعل التمييز دع في رأي عمرو وهو في ذا لم يطع
والعلم بالتمييز أغنى عنه في "بها ونعمت" فلذا به اكتفي (١)
وبعضهم فاعل "نعم" نكرا بغير قيد نحو: "نعم ذو قرى".
وهكذا "نعم خليل العلا". و"نعم من هو" رووا مستعملا
ويذكر المخصوص بعد مبتدا أو (٢) خبر اسم لا يبين أبدا
وإن يقدم مشعر به كفى كـ"العلم نعم المقتنى والمقتفى"
ورفع "نعم" مضمر اسم قدما لم يأت إلا في شذوذ فاعلما
وانصب على التمييز "ما" في "نعم ما" و"بئسما" والرفع بعضهم نمى
_________________
(١) هـ تقدم هذا البيت على البيت الذي قبله
(٢) هـ "وخبر".
[ ٢ / ١١٠٤ ]
لسيبويه، وادعى التعريف مع تمام "ما" وظاهرا قد اتبع
الغالب في غالب "نعم" و"بئس" أن يكون معرفا بالألف واللام، أو مضافا إلى ما هما فيه، [أو مضافا إلى مضاف إلي ما هما فيه] (١)، أو ضميرا مستترا مفسرا بنكرة منصوبة على التمييز
فالأول كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٢).
والثاني كقوله تعالى (٣): ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِين﴾ (٤).
والثالث كقول الشاعر:
(٧٢١) - فنعم ابن أخت القوم غير مكذب زهير حسام مفرد من حمائل
ومثال الرابع قوله (٥) تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٦)
_________________
(١) ع سقط ما بين القوسين.
(٢) من الآية رقم "٤٠" من سورة "الأنعام".
(٣) سقط من الأصل "تعالى"
(٤) من الآية رقم "٣٠" من سورة "النحل".
(٥) ع وك "كقوله".
(٦) من الآية رقم "٥٠" من سورة "الكهف".
(٧) من الطويل من قصيدة لأبي طالب بن عبد المطلب في مدح رسول الله ﷺ. وزهير: هو ابن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وأمه عاتكه بنت عبد المطلب.
[ ٢ / ١١٠٥ ]
وقول (١) الشاعر:
(٧٢٢) - نعم موئلا المولى إذا حذرت بأساء ذي البغي واستيلاء ذي الإحن
وقد يعلم جنس الضمير فيستغنى عن التمييز كقوله عليه الصلاة (٢) والسلام: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت" (٣).
[أي: ونعمت سنة الوضوء] (٤)
ومنع سيبويه (٥) الجمع بين التمييز وإظهار الفاعل.
وأجاز المبرد (٦) ذلك. وإجازته أولى كقول (٧) الشاعر:
_________________
(١) هـ "وكقول".
(٢) هـ "سقط الصلاة"
(٣) أخرجه البخاري في الوضوء ٢٦، ومسلم في الطهارة ٨، ١٢، وأبو داود في الطهارة ٣٢، ٥١، ١٢٨، والترمذي في الطهارة ٤٥، والجمعة ٩، وابن ماجه في الطهارة ٦، ٤٧، ومالك في الموطأ ص ٤٧.
(٤) سقط ما بين القوسين من الأصل ومن هـ.
(٥) كتاب سيبويه ١/ ٣٠٠.
(٦) المقتضب ٢/ ١٥٠.
(٧) هـ والأصل "لقول".
(٨) من البسيط لم يقف العيني له على قائل ٤/ ٦. موئلا: ملجأ، البأساء: الشدة، البغي: الظلم، الإحن: الأحقاد.
[ ٢ / ١١٠٦ ]
(٧٢٣) - تزود مثل زاد أبيك فينا فنعم الزاد زاد أبيك زادا
وأظهر من هذا البيت (١) قول الآخر:
(٧٢٤) - والتغلبيون بئس (٢) الفحل فحلهم فحلا وأمهم زلاء منطيق
ولا يمنع منه زوال الإبهام بدونه؛ لأن التمييز (٣) قد (٤) يجاء به توكيدا كقوله ﷿ (٥): ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ (٦)
ومثله قول أبي طالب:
(٧٢٥) - ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
_________________
(١) هـ سقط "البيت".
(٢) هـ "نعم الفحل".
(٣) هـ "بدون التمييز".
(٤) هـ "وقد يجاء".
(٥) هـ "كقول الله تعالى" ع وك "كقوله تعالى".
(٦) من الآية رقم "٣٦" من سورة "التوبة".
(٧) من الوافر قاله جرير بن عطية من قصيدة في مدح عمر بن عبد العزيز "الديوان ص ١٣٥"
(٨) من البسيط قاله جرير بن عطية من قصيدة في هجاء الأخطل التغلبي وقومه "الديوان ٣٩٥". الزلاء: الرسحاء وهي اللاصقة العجز الخفيفة الآلية. المنطيق: التي تأتزر بحشية تعظم بها عجيزتها.
(٩) واحد من أبيات خمسة قالها أبو طالب بن عبد المطلب "الديوان ص ٤، غاية المطالب في شرح ديوان أبي طالب وروايته ص ١٧٧: وعرضت دينا قد علمت بأنه . . . . . . . . . . وهي من البحر الكامل.
[ ٢ / ١١٠٧ ]
وحكى الأخفش أن ناسا من العرب يرفعون بـ"نعم" النكرة مفردة، ومضافة (١).
فإلى (٢) ذلك أشرت بقولي:
وبعضهم فاعل "نعم" نكرا بغير قيد. . . . . . . . . . .
أي: بغير اشتراط (٣) إضافة أو إفراد.
فيقال: "نعم خليلٌ العلاءُ" و"نعم جليسُ قومٍ هو "
[(٤) ومنه قول الشاعر:
بئس قرينا يفن هالك أم عبيد، وأبو مالك
_________________
(١) قال ابن يعيش في شرح المفصل ٧/ ١٣١ بعد ذكر مذهب الأخفش وأدلته: "قال أبو علي: وذلك ليس بالشائع، ولا يجوز ذلك على مذهب سيبويه".
(٢) هـ "إلى" ع وك "فإلى".
(٣) هـ "أي باشتراط".
(٤) هـ سقط ما بين القوسين
(٥) من السريع قال أبو علي القالي في الأمالي ٢/ ١٨٠: أنشدنا أبو بكر بن دريد قال: أنشدنا أبو عثمان الأشنانداني: بئس قريبا ". اليفن: الشيخ الكبير، أم عبيد: الفلاة، وقيل: هي الأرض الخالية وأخطأها المطر، أبو مالك: كنية الجوع، أو كنية المسن والهرم.
[ ٢ / ١١٠٨ ]
ويقال أيضا:
"نعم من هو" و"نعم ملجأ من قصده"] (١) ومنه قول الشاعر.
(٧٢٧) - ونعم مزكأ من ضاقت مذاهبه ونعم من هو في سر وإعلان
فجعل فاعل "نعم" مضافا إلى "من" وهي نكرة موصوفة أو موصولة.
وجعل فاعل "نعم" الثانية ضميرا مفسرا بـ"من" وهي هنا نكرة غير موصوفة، والضمير بعدها مخصوص "نعم".
كذا (٢) قال أبو علي في التذكرة.
_________________
(١) وقع اضطراب في الأصل في هذا الموضع حيث تكررت بعض الفقرات.
(٢) في الأصل "كذى".
(٣) من البسيط استشهد به المصنف مع بيت آخر قبله هو: وكيف أرهب أمرا أو أراع له وقد زكأت إلى بشر بن مروان. ولم ينسبهما لقائل ولم ينسبهما أحد بعده كصاحب الخزانة ٤/ ١١٥، والمقاصد النحوية ١/ ٤٨٧، وهمع الهوامع ١/ ٩٢ مزكأ: اسم مكان من زكأ بمعنى لجأ واستند.
[ ٢ / ١١٠٩ ]
قلت: ويجوز جعلها فاعل "نعم" وتكون موصولة و"هو" مبتدأ خبره "هو" آخر محذوف. والتقدير: ونعم من هو هو في سر وإعلان، أي: هو الذي شهر في سر وإعلان و"في" متعلقة بـ"هو" المحذوف لأن فيه معنى الفعل.
وفي قولي (١):
ويذكر المخصوص. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى آخره (٢) بيان افتقار "نعم" إلى اسم غير فاعلها هو المخوص بالمدح.
وأنه إما مبتدأ خبره "نعم". وفاعلها، وإما خبر مبتدأ ملتزم حذفه.
ثم بينت أن المخصوص قد يتقدم على "نعم" ما يغني عن ذكره بعدها كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ (٣).
(٧٢٨) - وكقول الشاعر:
إني اعتمدتك يايز يد ونعم معتمد الوسائل
_________________
(١) في الأصل "قوله".
(٢) ع وك "إلى آخرها".
(٣) من الآية رقم "٧٥" من سورة "الصافات".
(٤) من مجزوء الكامل قاله الطرماح من قصيدة في مدح يزيد بن المهلب بن أبي صفرة "الديوان ١٦٠" ورواية العيني ٤/ ١١ "فنعم معتمد الوسائل".
[ ٢ / ١١١٠ ]
ثم بينت أن "نعم" إذا ذكرت بعد ما يُغنى عن المخصوص لا تتحمل ضميره عند أكثر العرب.
بل تأتي (١) مجردة للإسناد إلى ما بعدها نحو: "الزيدان نعم الرجلان" أو "نعم رجلين" و"الزيدون نعم الرجال" أو (٢) "نعم رجالا".
هذا هو المشهور، وحكى الكسائي عن بعض العرب:
"نعما رجلين" و"نعموا رجالا" وإليه أشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . إلا في شذوذ. . . . . . . . . . .
ثم بينت أن "ما" في "نعما" و"بئسما" نكره بمعنى "شيء". وموضعها نصب على التمييز. والفاعل مضمر.
وإلى هذا ذهب الزمخشري (٣) وكثير من المتأخرين وظاهر قول سيبويه أن "ما" فاعله. وأنها اسم تام معرفة (٤).
[وندر تمامها معرفة هنا كما ندر تمامها نكرة في "باب التعجب".
قال ابن خروف: وتكون "ما" تامة (٥) معرفة] بغير صلة نحو: "دققته دقا نعما".
_________________
(١) ع "يأتي"
(٢) ع وك "ونعم".
(٣) قال الزمخشري في المفصل: وقوله تعالى "فنعما هي" نعم" فيه مسند إلى الفاعل المضمر، ومميزه "ما" وهي نكرة لا موصولة ولا موصوفة والتقدير "فنعم شيئا هي"
(٤) ينظر كتاب سيبويه ١/ ٣٧.
(٥) هـ سقط ما بين القوسين.
[ ٢ / ١١١١ ]
قال سيبويه: أي: نعم الدق، و"نعما هي" (١) أي: نعم الشيء إبداؤها (٢)، فحذف المضاف (٣) وهو الإبداء وأقام ضمير الصدقات مقامة. و"نعما صنعت" و"بئسما فعلت" أي: نعم الشيء شيء (٤) صنعت.
هذا كلام ابن خروف معتمدا على كلام سيبويه.
وسبقه إلى ذلك السيرافي، وجعل نظيره قول العرب: "إني مما أن أصنع" (٥) أي: من الأمر أن أصنع فجعل "ما" وحدها في موضع الأمر (٦) ولم يصلها بشيء، وتقدير الكلام: إني من الأمر صنعي كذا وكذا (٧)، فالياء اسم "إن" و"صنعي": مبتدأ، و"من الأمر": خبر "صنعي" والجملة في موضع رفع (٨) خبر "إن".
هذا كلام السيرافي.
قال شيخنا جمال الدين -أدام الله بقاءه (٩):
_________________
(١) من الآية رقم "٢٧١" من سورة "البقرة".
(٢) ع "ابتداؤها".
(٣) هـ سقط "المضاف".
(٤) ع "نعم الشيء شيئا صنعت" ك "نعم الشيء ما صنعت".
(٥) من أمثلة سيبويه ١/ ٣٧.
(٦) هـ سقطت الواو من "ولم".
(٧) هـ "من الأمر صنعي وكذلك".
(٨) ك سقط "رفع".
(٩) هكذا في الأصل وفي هـ "قال محمد" وفي ع وك "قال الشيخ العلامة جمال الدين رحمة الله".
[ ٢ / ١١١٢ ]
ويقوي تعريف "ما" بعد نعم كثرة الاقتصار عليها في نحو: "غسلته غسلا نعما" (١) والنكرة التالية "نعم" لا يقتصر عليها.
وأيضا فإن التمييز يرفع إبهام المميز، و"ما" تساوي (٢) المضمر في الإبهام فلا تكون (٣) تمييزا.
ويقوي تعريف "ما" في نحو: "مما أن أصنع" [كونها مجرورة بحرف مخبر به، وتعريف ما كان كذلك أو تخصيصه لازم بالاستقراء.
وكلام السيرافي موافق لكلام سيبويه فإنه ﵀ قال:
"ونظير جعلهم "ما" وحدها اسما قول العرب: "إني مما أن (٤) أصنع"] أي: من الأمر أن أصنع" (٥) فجعل "ما" وحدها اسما.
و"مثل" ذلك "غسلته غسلا نعما" أي: نعم الغسل"
فقدر "ما" بـ"الأمر" وبـ"الغسل" ولم يقدرها بـ"أمر" ولا بـ (٦) "غسل" فعلم أنها عنده معرفة.
_________________
(١) من أمثلة سيبويه في الكتاب ١/ ٣٧.
(٢) ع ك "يساوي".
(٣) ع ك يكون
(٤) هـ سقط ما بين القوسين
(٥) الكتاب ١/ ٣٧.
(٦) سقطت الباء من الأصل.
[ ٢ / ١١١٣ ]
و"بئس" في الذمو "ساء" استعملا كـ"نعم" في جميع ما قد فصلا
واستعملوا استعمال "نعم" "فعل". من الثلاثي مصوغا بولا (١)
ومثل "نعم" "حبذا الفاعل "ذا". وإن ترد ذما فقل: "لا حبذا"
ودون إفراد وتذكير فلا تعدل بـ"ذا" فهو يضاهي المثلا
وأول "ذا"من "حيذا" اسما مثل ما أولى تالي "نعم" واعدل فيهما
وقبل أو بعد اذكرن مميزا كـ"حبذا البيت الحرام حيزا".
وربما استغنى بالتمييز عن مخصوص "حبذا" كقول من فطن
"ولو عبدنا غيره شقينا فحبذا ربا وحب دينا"
وغير "ذا" أرفعه بـ"حب" فاعلا أو جره بالبا عليه داخلا
وحاء "حب"فتحها مع "ذا" يجب واضمم أو افتح (٢) عند ترك ذا تصب
_________________
(١) ع "مؤولا"
(٢) هـ "وضم وافتح".
[ ٢ / ١١١٤ ]
قد تقدم الإعلام بتساوي "نعم" و"بئس" في: الفعلية، وعدم التصرف، وأن فيهما أربع لغات، وأنهما يفتقران إلى فاعل مقيد بالقيود المذكورة.
ثم أفردت "نعم" بالذكر فيما (١) بعد ذلك فنبهت الآن على أن "بئس" مشاركتها في جميع ما عُزي إليها.
وأن "ساء" جارية أيضا (٢) مجرى "بئس".
ثم نبهت على أن العرب تبنى من كل ثلاثي فعلا على "فعل" وتجريه مجرى "نعم" كقولهم: "علم الرجل زيد"
فـ"الرجل" و"زيد" بعد "علم وشبهه كما هما بعد "نعم" إذا قلت: "نعم الرجل زيد".
ثم نبهت على أن "حبذا" بمنزلة "نعم" وفاعلها، و"لا حبذا" بمنزلة "بئس" وفاعلها.
وقد دعاهم إجراء "حبذا" مجرى "نعم" وفاعلها أن ذكروا بعدها مخصوصا بالمدح كما يذكرون بعد "نعم" وفاعلها وقد يستغنون عن مخصوص "حبذا" بمثل ما يستغنون عن مخصوص "نعم".
وأحسن ما يكون ذلك بعد تمييز وذلك كقول بعض
_________________
(١) هـ "فيها".
(٢) ع وك سقط "أيضا".
[ ٢ / ١١١٥ ]
الأنصار ﵃ (١):
(٧٢٩) - باسم الإله وبه بدينا
(٧٣٠) - ولو (٢) عبدنا غيره شقينا
(٧٣١) - فحبذا ربا وحب دينا
وقد يستغنى عن المخصوص من دون (٣) تمييز كقول الشاعر:
(٧٣٢) - ألا حبذا لولا الحياء وربما منحت الهوى ما ليس بالمتقارب
ومثال استغنائهم عن بئس بـ"لا حبذا" قول الشاعر:
(٧٣٣) - ألا حبذا أهل الملا غير أنه إذا ذكرت مي فلا حبذا هيا
_________________
(١) ع ك وهـ سقط "﵃".
(٢) ع "ولقد".
(٣) ع "من ذوي". ٧٢٩، ٧٣١ - رجز قاله عبد الله بن رواحة ﵁ "الديوان ص ١٠٧". بدينا: بدأنا وهي لغة الأنصار.
(٤) من الطويل نسبه أبو تمام إلى مرداس بن همام الطائي والرواية في ديوان الحماسة ٢/ ٢٢٣ وشرح الحماسة للتبريزي ٢/ ١٦٣. ألا حبذا الوما الحياء. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ونسبه الشنقيطي في الدرر اللوامع ٢/ ١١٦ للمرار بن هماس الطائي تبعا للعيني ٤/ ٢٤.
(٥) واحد من أبيات من الطويل نسبت في ديوان الحماسة ٢/ ٣٤٩. والأغاني ١٦/ ١٢٠ وشرح المقامات ٢/ ٤٠، والخزانة ١/ ٥٢، وأمالي الزجاجي ٥٧، وأخبار النساء ٧٩ إلى كنزة أم شملة المنقري قالتها في مية صاحبة ذي الرمة. وهي في ديوان ذي الرمة ص ٧٦٠ منسوبة إليه ولها قصة ذكرها صاحب الدرر ٢/ ١١٨.
[ ٢ / ١١١٦ ]
والحاصل أن "حب" (١) فعل فاعله: "ذا، ولا يؤنث، ولا يثنى، ولا يجمع؛ لأنه بمنزلة المثل، والأمثال لا تغير.
ولا يصح قول من قال (٢):
"حبذا" في موضع رفع بالابتداء والخبر ما بعده.
ولا قول من قال:
"حبذا" فعل يرتفع به المخصوص على أنه فاعله.
فإن ذلك تكلف ما لا يحتاج (٣) إليه من إخراج لفط مما هو أصله (٤).
قال ابن خروف بعد أن مثل بـ"حبذا زيد".
"حب: فعل، وذا: فاعلها (٥) وزيد: مبتدأ وخبره: حبذا. هذا قول سيبويه، وأخطأ عليه من زعم غير ذلك".
_________________
(١) في الأصل "حبذا".
(٢) نسب هذا القول في الكتاب ١/ ٣٠٢ للحليا.
(٣) ع وك "حاجة".
(٤) ع وك وهـ "مما هو له".
(٥) هـ "فعلها".
[ ٢ / ١١١٧ ]
هذا قول ابن خروف، وكفى به.
وقال ابن كيسان:
"ذا" من قوله: "حبذا" إشارة إلى مفرد مضاف إلى المخصوص حذف وأقيم هو مقامه.
فتقدير "حبذا هند" حبذا حسنها"
وأشرت بقولي:
وغير "ذا" ارفعه بـ"حب" فاعلا أوجره بالبا. . . . . . . . . . .
إلى أنه يقال: "حب زيدٌ رجلًا" و"حب بزيد رجلًا" قال الشاعر:
٧٣٤ - فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها وحب بها مقتولة حين تقتل
ولك في حاء "حب" إذا جردت من "ذا":
الفتح على الأصل:
_________________
(١) من الطويل من قصيدة للأخطل التغلبي في مدح خالد بن عبد الله بن أسيد أحد أجواد العرب والرواية في الديوان ص ٢٦٣. . . . . . . . . . . . فأطيب بها مقتولة حين تقتل وقد وهم ابن يعيش فنسب البيت في شرحه للمفصل ٧/ ١٢٩. لحسان بن ثابت. قتل الخمر: مزجها بالماء، وأضعف من حدتها.
[ ٢ / ١١١٨ ]
والضم على أن أصله "حبب" فجعلت الضمة على الحاء، وأدغمت الباء في الباء.
وهذا التحويل مطرد (١) في فاء (٢) كل فعل على "فعل" مقصود به المدح.
_________________
(١) ع وك "يطرد".
(٢) سقطت "فاء" من الأصل ومن هـ.
[ ٢ / ١١١٩ ]