أما قولنا: «الحرف ما أبان عن معنى في غيره، ولم يكن أحد جزأي الجملة، خلافًا للاسم والفعل. من نحو «من» و«إلى» وشبهه».
فإن القصد بهذه الزيادة الاحتراز من الذي [والتي]، وسائر الأسماء الموصولات، فإنها أسماء لا تفيد إلا بصلاتها، كالحروف التي لا تفيد معنى إلا في غيرها، لكنها تكون تارة مبتدأ، وتارة خبر ابتداء، وتارة فاعلة [وتارة مفعولة]. وليس لشيء من الحروف مثل ذلك. مثال الفاعل: جاءني الذي عندك، ومثال المبتدأ: الذي عندك جاءني، ومثال الخبر: هو الذي عندك، [ومثال المفعول: رأيت الذي عندك].
وأما قولنا: «وإنما لقب هذا النوع حرفًا لأنه أخذ من حرف الشيء، وهو طرفه. من حيث كان معناه في غيره، فصار كأنه طرف له».
فإن هذا كلام بين في تفسير الاشتقاق كتفسير اشتقاق الاسم «لم سمي اسمًا»، واشتقاق الفعل «لم سمي فعلًا».
[ ١ / ٢١٥ ]
القسم الأول: الحروف العاملة
إن وأخواتها
وأما قولنا: «وقسمنه ثلاثة: حروف عاملة، وحروف غير عاملة، وحروف تعمل على صفة ولا تعمل على [صفة] أخرى».
فإن هذه قسمة الحروف التي تسبب بها إلى حصرها كما تسبب في معرفة قسمة الأفعال والأسماء إلى حصرها.
وأما قولنا: «وأما الحروف العاملة فثمانية وثلاثون حرفًا».
فإنه نظر إلى جميع الحروف العاملة. ولما كان عملها لا ينفك من أقسام أربعة: نصب الأسماء، وجر الأسماء، ونصب الأفعال، وجزم الأفعال، حصر ذلك بالعد، فإن الحروف العاملة مشكلة جدًا. ونبدأ بالأولى فالأولى منها على الترتيب. فلذلك قلنا:
«منها ستة تنصب الاسم وترفع الخبر ما لم يكن معها «ما»، وذلك إن وأنوكأن ولكن ولبيت ولعل، مثل: إن فلانًا فاعل، وإنما فلان فاعل. وكلها تعمل عملًا واحدًا. وكلها إذا دخل عليها ضمير الشأن والقصة ارتفع الاسمان بعدها، مثل: إنه زيد قائم. وكلها إذا دخلت عليه «ما» كفتها. وكل ما جاز أن يكون صلة للذي وأخواتها جاز أن يكون خبرًا لها. وكلها لا يجوز أن تتقدم أخبارها على أسمائها إلى إذا كان الخبر ظرفًا، أو جارًا ومجرورًا. وكلها لا تدخل اللام في خبرها إلا في «إن» وحدها. وكلها لا يعطف على
[ ١ / ٢١٦ ]
موضعها بالرفع إلا في «إن» و«أن».
فإن جميع هذه الأحكام الثمانية المجملة لا غنى بك عن معرفتها لكثرة دورها وانتشارها.
فالعلة أولًا في إعمال هذه الحروف أنها مشبهة للأفعال من جهة لفظها ومعناها. فلفظها بناؤها على الفتح، واتصال الضمير بها. وأنها شابهت الأفعال لاتصال نون الوقاية بها نحو: إنني. ومعناها التأكيد والتشبيه والاستدراك والتمني والترجي. فأعطيت بهذا القدر من الشبه حكمًا من العمل، وهو نصب الاسم ورفع الخبر، فلذلك قلنا: «إن فلانًا فاعل»، بنصب الأول ورفع الثاني.
فإن دخلت «ما» كفت [إن] عن العمل لأنها ليست بمستحقة للعمل إلا بحكم الشبه، فإذا دخل عليها مانع نقلها إلى حال الابتداء. فصارت هذه الحروف حينئذ حروف ابتداء، وارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر، فقلت: إنما فلان فاعل، و(إنما الله إله واحد).
[ ١ / ٢١٧ ]
والعلة في [كونها] كلها تعمل عملًا واحدًا أنها كالأفعال التي يعمل كل جنس منها عملًا واحدًا، فما اقتضى معناه أن يتعدى إلى واحد تعدى إليه، وما اقتضى معناه أن يتعدى إلى اثنين تعدى إليهما، على ما تراه فيما بعد. فلذلك لم يختلف جنس العمل.
وجعل المنصوب مقدمًا على المرفوع لأنها شبهت من الأفعال بما تقدم مفعوله على فاعله.
والعلة في أنها إذا دخل عليها ضمير الشأن والقصة ارتفع الاسمان بعدها في مثل: إنه زيد قائم، [هو] أن ضمير الشأن والقصة لا يفسر أبدًا إلا بجملة، والجملة محكية مؤداة على ما هي عليه، فصارت في الظاهر كأنها لم تعمل شيئًا، وهي في التقدير عاملة. لأنك إذا قلت: إنه زيد قائم، فالهاء في موضع نصب، وليست براجعة على مذكور [قبلها]، وإنما هي مفسرة بما بعدها، وذلك الذي بعدها هو الجملة المذكورة، تالية [مبينة] لها، فلا تحتاج من هذه الجملة إلى عائد لكونه إياها، إذ الهاء هي قولك «زيد قائم».
والعلة في كون أخبارها مقسمة تقسمة الصلة أن الصلة لا توصل إلا بجملة خبرية محتملة الصدق والكذب. والجمل الخبرية لا تنفك من أربعة أقسام: مبتدأ وخبر، ومثاله: إن زيدًا أبوه منطلق. وفعل وفاعل، ومثاله: إن زيدًا انطلق أبوه. وشرط وجزاء، ومثاله: إن زيدًا إن انطلق أبوه انطلق
[ ١ / ٢١٨ ]
أخوه. وظرف، ومثاله: إن زيدًا عندك. وهذا الظرف يقدر تارة بالجملة وتارة بالمفرد. والأجود إذا وقع خبرًا أو صفة أو حالًا أن يقدر بالمفرد، لأنه أخصر من الجملة. / وإذا وقع صلة فلا يقدر إلا بالجملة، لأن «الذي» وأخواتها [٣٣] لا تقدر صلاتها إلا بجملة. فاعرف ذلك.
والعلة في امتناع تقديم أخبارها على أسمائها في جميع المذكور، سوى الظرف والجار والمجرور، هو أن هذه الحروف إنما عملت بحكم الشبه ولم يبلغ من قوتها أن يكون حكمها حكم «كان وأخواتها» التي هي أفعال. لأنها لما تصرفت في أنفسها تصرفت في أخبارها بالتقديم لها على أسمائها، وعليها في أنفسها. وليس كذلك «إن» وأخواتها، لأنه لا يجوز أن يتقدم شيء بحال عليها في أنفسها. فأما على أسمائها فلا يجوز إلا في الظرف والجار والمجرور. مثال الظرف: إن عندك زيدًا. ومثال الجار والمجرور: إن في الدار زيدًا، و(إن فيها قومًا جبارين). وإنما جاز هذا خاصة في الظرف والجار والمجرور لاتساعهم في الظروف وما نزل منزلتها. ألا تراهم قد فصلوا بالظرف بين المضاف والمضاف إليه في مثل قولهم:
* لله در اليوم من لامها *
[ ١ / ٢١٩ ]
فـ «من لامها» في موضع جر بالإضافة إلى «در»، وقد فصل بينهما باليوم. فهذه الحروف أولى بأن يفصل بينها وبين أسمائها بالظروف، لأن هذه الظروف وإن تعقلت بالاستقرار المحذوف فإن ذلك المحذوف لا يقدر إلا أخيرًا، فإذا قلت: إن عندك زيدًا، فتقديره: إن عندك زيدًا مستقر. لأن تقديره أولًا قبل الظرف، أو بعد الظرف بينه وبين الاسم، يؤديك إلى تقديم خبر «إن» على اسمها بغير الظرف، وهذا غير جائز. ولذلك قدر أخيرًا. وكذلك يقدر في مثل: (إن فيها قومًا جبارين)، أي: إن فيها قومًا جبارين مقيمون، لأن جبارين من نعت القوم، وهو من تمام الاسم، وليس بحال لأن الحال لا يحسن من النكرة.
والعلة في امتناع اللام من الدخول في خبر هذه الحروف سوى «إن» المكسورة [هو أن ما سوى إن المكسورة] مثل: ليت ولعل وكأن ولكن قد غيرن معنى الابتداء. واللام في الأصل هي لام الابتداء فلم يجز دخولها مع هذه الحروف المغيرة المعنى. لا يجوز: ليت زيدًا لقائم، ولا: لعله لقائم، ولا: كأنه لقائم، ونحوه.
وإنما يجوز هذا مع «إن» وحدها. وجوازه مع «إن» في ثلاثة مواضع، مع الخبر في مثل: إن زيدًا لقائم، ومع الاسم إذا تأخر بعد الخبر مثل: إن في الدار لزيدًا، ومع الفضلة إذا كانت قبل الخبر مثل: إن زيدًا لطعامك آكل.
والذي لا يجوز ثلاثة أيضًا. لا يجوز الجمع بين إن واللام، لا تقول:
[ ١ / ٢٢٠ ]
إن لزيدًا قائم، ولا: إن لفي الدار زيدًا، ولا: إن زيدًا آكل لطعامك. لأنك في هذه الأخيرة قد أدخلتها على فضلة بعد الخبر. وفي الأولين [قد] جمعت بين حرفين مؤكدين.
والعلة في أنه لا يعطف على موضعها بالرفع إلا في إن المكسورة [وحدها] بلا خلاف، و«أن» المفتوحة بخلاف، أن ما عدا «إن وأن» حرف قد غير معنى الابتداء. فقد بطل حكم الحمل على موضع الابتداء. ولا خلاف في الحمل على موضع «إن» المكسورة، لأنها لمجرد التأكيد من غير تعلق بعامل يعمل فيها يغير معناها.
وأما «أن» المفتوحة ففيها قولان: أحدهما مذهب الفارسي وأمثاله من المحققين. أنه لا يجوز العطف على موضع «أن» المفتوحة، لأن أن المفتوحة لا تكون مفتوحة إلا بعامل، وذلك العامل لا يخلو من أن يكون رافعًا أو ناصبًا أو جارًا. فالرافع مثل: أعجبني أنك منطلق، أي أعجبني انطلاقك، والناصب مثل: كرهت أنك منطلق، أي كرهت انطلاقك، والجار [مثل]: عجبت من أنك منطلق، أي عجبت من انطلاقك. أفلا ترى أنها في هذه الأحوال الثلاثة قد ارتفع عنها معنى الابتداء، إذ المبتدأ لا يكون فاعلًا، ولا مفعولًا، ولا
[ ١ / ٢٢١ ]
مجرورًا بعامل يتعلق بفعل يدخله في جملته ويخرجه عن حد الابتداء وحكمه. ولأجل ذلك اتفق الكل على أنه لا يجوز الابتداء بأن المفتوحة، لأنه لابد لها من عامل لفظي، ولا يعمل فيها الابتداء بحال. وإذا امتنع [من] أن يبتدأ بها لهذه العلة [المذكورة] ولما تقدم ذكره، فقد ظهر أنه قد ارتفع عنها معنى الابتداء. وإذا ارتفع [معنى الابتداء] لم يبق لها موضع ابتداء. [وإذا لم يبق لها موضع ابتداء] فعلى أي شيء يحمل العطف قبل دخولها.
ومن جوز الحمل على موضعها تعلق بنفس ظاهرها، وأجراها مجرى «إن» في كونهما حرفين مؤكدين لفظيين. وليس اتفاق اللفظ مما يوجب اتفاق المعنى، لأن في كلامهم أشياء كثيرة متفقة اللفظ مختلفة المعنى، في الأسماء والأفعال والحروف والحركات. مع أنه أيضا ما اتفقا من كل وجه. لأن «إن» محركة همزتها بالكسر بالأصل، و«أن» محركة همزتها بالفتح. وأن «إن» المكسورة [٣٤] عاملة غير معمولة، و«أن» المفتوحة عاملة / ومعمول فيها. وأن «إن» المكسورة مقدرة تقدير الجمل، و«أن» المفتوحة مقدرة تقدير المفرد. ولأن
[ ١ / ٢٢٢ ]
المواضع التي تقع فيها «إن» ليست المواضع التي تقها فيها «أن». حتى [أنه] إذا اتفق أن يقعا في مسألة واحدة كان المعنى مختلفًا، مثل: خرجت فإذا إنه عبد، وإذا أنه عبد.
وإذا ثبت بهذه الوجوه كلها معرفة المخالفة فأي موضع يبقى لها من الابتداء حتى يعطف عليه. لأن أحكامها في جميع وجوهها أحكام المفرد، والمفرد لا مدخل له في المبتدأ. وأحكام المكسورة أحكام الجملة، [لأنك] تسقطها فتبقى جملة تامة. وهذا أوضح من أن يزاد عليه ما لا يحتاج إليه.
فأما إيرادهم الآية في قوله ﷿ (أن الله بريء من المشركين ورسوله) فإنه إذا حسن الظن بمن جوزه فإنما هو محمول على الرواية بكسر «إن»،
[ ١ / ٢٢٣ ]
وهي تروى عن الحسن البصري، وهارون عن أبي عمرو. وليس هناك داع يدعو إلى الحمل على موضوع «أن» في الآية، لأن في الكلام مندوحة عنه وهو العطف على المضمر في «بريء». لأنه قد سد طول الكلام بالجار والمجرور مسد التأكيد، بقوله «من المشركين»، وطول الكلام يسد كثيرًا مسد التأكيد مثل: (ما أشركنا ولا آباؤنا) فلا إشكال في عطف الآباء على المضمر المرفوع من «أشركنا»، ولا تأكيد هناك ولا فصل ولا شيء أكثر من طول الكلام بقوله «ولا»، مع أن الطول بعد الواو، وإنما المراعى أن يكون الطول قبل حرف العطف، مثل: (فأجمعوا أمركم وشركاؤكم). على من رفع الشركاء،
[ ١ / ٢٢٤ ]
لأنه يرفعه بالعطف على الواو في «فأجمعوا»، وقد سد «أمركم» المنصوب مسد التأكيد للطول به.
وأما أن يكون «الرسول» مرفوعًا بالابتداء، والخبر محذوف، فمنهج مسلوك ونظيره كثير في القرآن.
وإنما امتنع أن يكون محمولًا على موضع «أن» لأن «أن» في الآية لا تخلو من أن تكون مبتدأ، أو خبر مبتدأ، أو مفعولة. فكونها مبتدأة لا يجوز أن المفتوحة لا يبتدأ بها [بإجماع]. وكونها خبر مبتدأ، لا تخلو من أن تكون خبر مبتدأ محذوف، أو خبر «أذان». فكونها خبرًا لأذان ممتنع، لأن أذانا نكرة، وأن المفتوحة باسمها وخبرها مقدرة تقدير المعرفة. والتلخيص «أذان براءة الله ورسوله من المشركين». وكونه خبر مبتدأ محذوف دعوى تحتاج إلى [إقامة] دليل، وتكلف تقدير محذوف، فلم يعتد به. فلم يبق إلا أن يكون معمولًا لأذان على تقدير جاز، كأنه قال: «وأذان بأن الله»، وإذا كان معمولًا للجار، فالجار والمجرور في موضع نصب بأذان. وإذا كان في موضع نصب بأذان فقد صار في موضع المفرد الذي هو مفعول به. وإذا صار في موضع المفرد الذي هو مفعول به بطل حكم الابتداء. وإذا بطل حكم الابتداء بطل أن يكون «الرسول» محمولًا على ذلك. وهذا واضح.
[ ١ / ٢٢٥ ]
الحروف الناصبة للفعل المستقبل
وإنما وسع الكلام في هذه المسألة حسب ما سألت أيها الأخ - وفقك الله - وحكيت من جريانها بحيث جرت ووقع التنازع فيها على الصفة التي انتهت. ولكل اجتهاده. والله الموفق للإجابة [والسلامة] ومجزل الخير لمن تولى في مثله حسن النيابة. وبالله التوفيق.
***
وأما قولنا: «ومنها تسعة أحرف تنصب الفعل المستقبل. وهي: «أن» الخفيفة المصدرية إذا كان قبلها فعل طمع واشفاق. و«لن» على كل حال، ومعناها نفي المستقبل. و«إذن»،ومعناها الجواب والجزاء، إذا لم يعتمد ما بعدها على ما قبلها، ولم يكن معها حرف عطف، ولم يكن الفعل فعل الحال. و«كي» على كل حال، ومعناها الغرض، و«حتى» إذا كانت بمعنى «كي»، أو «إلى أن» و«الفاء» إذا كانت جوابًا لاستفهام، أو أمر، أو نهي، أو جحد، أو عرض، أو تمن، أو تحضيض، أو دعاء. و«الواو» إذا كانت جوابًا بمعنى الجمع. و«أو» إذا كانت بمعنى «إلا أن». «واللام» في الموجب وغيره. كل هذه إذا كانت على هذه الصفة المخصوصة نصبت الفعل المستقبل من نحو: أريد أن تفعل، وليفعل، [ولن يفعل].
[ ١ / ٢٢٦ ]
فإن هذا فصل مختصر مستوفى الاختصار، مجمل المعاني في الحروف الناصبة للفعل المستقبل [ومعانيها].
والأصل منها «أن» لأنها الدائرة الكثيرة الاستعمال ظاهرة ومقدرة.
وهذه التسعة على ثلاثة أقسام. منها أربعة لا تنصب إلا بوجودها ظاهرة. وهي «أن» إذا لم يخلفها حرف، و«لن» و«إذن» و«كي». وخمسة تنصب [بأن] مقدرة وهي ما بعد «حتى» و«الفاء» و«الواو» و«أو»، و«اللام» في النفي. فإن هذه [الحروف] الخمسة لا تنصب بنفسها، وإنما تنصب بإضمار «أن» مقدرة بعدها. لأن كل حرف من هذه الحروف الخمسة - سوى / اللام - تدخل على الأسماء وعلى الأفعال. وليس عملها في الأسماء [٣٥] بأولى من عملها في الأفعال، ولا عملها في الأفعال بأولى من عملها في الأسماء. ولذلك كان حكم النصب لغيرها، وهي «أن» المقدرة بعدها. فإذا قلت: سرت حتى تسير، فتقديره: سرت حتى أن تسير. فتسير منصوب بأن، وأن تسير ي موضع جر بحتى، و«حتى» وما بعدها في موضع نصب بسرت. هذا هو التحقيق.
وكذلك الحكم فيما بعد الفاء والواو وأو، أعنى بتقدير «أن». مثال الفاء: أتقوم فأقوم، أي فأن أقوم. فـ «أقوم» منصوب بأن، و«أن أقوم» في تأويل الاسم، وذلك الاسم محمول على تأويل المصدر، مصدر الفعل المتقدم.
[ ١ / ٢٢٧ ]
وتلخيص الكلام: أيكون قيام منك وقيام مني. فالفاء وإن كانت جوابًا فأصلها العطف. وليس هذا المعنى كمعنى الرفع إذا قلت: أتقوم فأقوم. لأن الأول استفهام محض، والثاني خبر محض.
ومثال الواو: لا تقم وأقوم، أي وأن أقوم، أي لا يجتمع قيام منك وقيام مني. وعلى هذا قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، بنصب الباء. لأن النهي يتناول الجمع بينهما، أي لا يكن منك أكل للسمك وشرب للبن معًا. ولو جزمت فقلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، لكان النهي يتناولهما جميعًا مفردين ومجتمعين. فمتى تناول أحدهما دون الآخر فقد عصى الناهي، وليس كذلك في المسألة الأولى، فمتى تناول أحدهما دون الآخر لم يكن عاصيًا. ولو رفع فقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وجعل الواو واو حال، أي: وأنت تشرب اللبن، لكانت الجملة في موضع نصب على الحال. أي لا تأكل السمك شاربًا للبن، أي: لا تأكله على هذه الحال. [وهذا] بمنزلة من مضغ المطعوم وهو يشرب الماء. وهو خلاف المعنيين المتقدمين. فاعرف ذلك، فإنه يكشف [لك] المعاني، ويؤكد في نفسك
[ ١ / ٢٢٨ ]
عظم قدر هذا العلم، وشدة الحاجة إلى معرفته على التحقيق، لما تحته من المعاني المدفونة.
ومثال «أو»: لألزمنك أو تفضيني حقي. أي: أو أن تقضيني حقي، أي ليكونن لزوم مني أو قضاء حق فيرتفع اللزوم. ووجه آخر وهو أن يكون معنى الكلام معنى «إلى أن» فيكون غاية، أي: لألزمنك إلى أن تقضيني حقي.
ومثال «اللام» ما أكرمتك لتكرمني، وما أردتك لتريدني. أي لأن تريدني. فالنصب أيضًا بإضمار أن. ولا يجوز إظهارها ولا استعمالها. كما لا يجوز مع الأربعة التي قبلها، لأن الحرف قد ناب في اللفظ عنها واستغني بذكره عن ذكرها.
فإن كانت اللام في الموجب جاز أن تأتي بها وألا تأتي بها، فتقول: جئتك لتجيئني، وأردتك لتريدني، وإن شئت: لأن تريدني، أي: أردتك لإرادتك [إياي]. وهي لام الجر، ولام العلة.
وأما معاني هذه الحروف فقد أشرت إليها. فمعنى «أن» الخفيفة كمعنى المصدر. وهي تصرف الكلام إلى وجهين وتنقله [نقلين، تنقله] إلى الاستقبال،
[ ١ / ٢٢٩ ]
وتنقله إلى تأويل الاسم. فإذا قلت: أطمع أن تغفر لي، فتقديره أطمع في الغفران المرجو.
ولن تخلو الأفعال الواقعة قبل «أن» من ثلاثة أقسام. إن كانت أفعال طمع وإشفاق كانت الناصبة للفعل [المستقبل]. وإن كانت أفعال علم ويقين كانت المخففة من الثقيلة، فلم تنصب الفعل المستقبل. وإن صح فيها الأمران جاز فيها الوجهان. مثال الأول: أطمع أن تغفر لي، وأرجو أن تهب لي، وأخاف أن تفوتني، وأشفق أن يتغير علي. ومثال الثاني: أعلم أن ستقوم، وأتحقق أن ستفلح، وأرى أن لا يخيب، كل هذه مخففة من المشددة التي تنصب الاسم وترفع الخبر. ومثال الثالث أفعال الحسبان والظن. لأن في الحسبان والظن ضربًا من العلم وضربا من الشك، فيجوز أن يقع بعدها الناصبة للأفعال والناصبة للأسماء، وهي المخففة من المشددة. وعلى ذلك يحمل قوله سبحانه: (وحسبوا ألا تكون فتنة). على القراءتين جميعا،
[ ١ / ٢٣٠ ]
من نصب جعلها الناصبة [للفعل]، وكتبها متصلة، ومن رفع جعلها المخففة من الثقيلة، وكتبها منفصلة. لأن التقدير: وحسبوا أنه لا تكون فتنة. حذف الاسم، وخففت «أن»، ودخلت «لا» عوضًا مما لحق «أن»، فاجتمعت مع نون «أن» فأدغمت فيها لفظًا وفصلت في الخط تقديرًا. والناصبة للأفعال ليست مخففة من المشددة بل أصلها أن. والمخففة من المشددة التي يرتفع الفعل بعدها أصلها أن، على ما بيناه.
ولأن المخففة قسمان آخران. أحدهما أن تكون بمعنى أي، وهي التي بمعنى التفسير، كقوله سبحانه: (وانطلق الملأ منهم أن امشوا) بمعنى أي امشوا، فهذه لا تعمل شيئًا. ومثله: أمرتك أن قم، [بمعنى] أي قم. والقسم الآخر أن تكون زائدة، مثل: (فلما أن جاء البشير) / أي فلما جاء البشير. وهذه [٣٦] أيضًا لا تعمل شيئًا. فهذه أربعة أقسام.
وأما «لن» فقسم واحد. وفيها قولان. أحدهما أنها مفردة. والآخر قول الخليل [﵀] أنها مركبة. أصلها «لا أن» فحذفت الألف والهمزة تخفيفًا، فبقيت «لن». والصحيح قول سيبويه أنها مفردة لجواز تقديم معمول فعلها عليها، مثل: زيدًا لن أضرب. فلو كان أصلها «لا أن» لم يجز التقديم
[ ١ / ٢٣١ ]
لأن «أن» لا يتقدم عليها ما في صلتها. ومعناها في القولين نفي [الفعل] المستقبل.
وأما «إذن» ففيها أيضًا قولان، أحدهما لسيبويه [﵀] أنها مفردة كلن. والآخر للخليل [﵀] أنها مركبة أصلها: «إذ أن» ألقيت حركة الهمزة على الذال وحذفت [الهمزة] فصارت إذن. ومعناها في القولين جميعًا الجواب والجزاء. ولا تعمل في القولين جميعًا إلا بالشرائط المذكورة، وهي ثلاث. أن لا يعتمد ما بعدها على ما قبلها. ومثال الاعتماد قولك: زيد إذن يقوم، ترفعها ها هنا لأن ما بعد إذن خبر لمبتدأ فقد اعتمد عليه. وكذلك: إني إذن أقوم، وإن الزيدين إذن يقومان. والثاني فعل الحال. ومثال فعل
[ ١ / ٢٣٢ ]
الحال الذي لا تعمل فيه «إذن» أن يحدثك إنسان بحديث فتقول له في الحال: إذن أظنك صادقًا، وإذن أكذبك، لأن فعل الحال يشبه الأسماء، فلا تعمل فيه النواصب والجوازم شيئًا. والثالث العطف، ومثاله أن تقول: زيد يقوم وإذن تقعد، فهذا لك فيه وجهان: النصب لوقوع إذن قبله في أول جملة، والرفع بالعطف على الفعل الأول وإلغاء إذن. فاعرف ذلك، وقس عليه إن شاء الله تعالى.
وأما «كي» فقسم واحد. ومعناها الغرض [وهي] عاملة على كل حال مثل: قمت كي تقوما يا زيدان، وكي تقوما يا زيدون.
و«حتى» لها في النصب معنيان. أحدهما كمعنى «كي»، وهو إذا كان ما بعدها مسببًا لما قبلها، مثل: قمت حتى تقوم، [أي: كي تقوم]، وصمت حتى يغفر الله لي، أي كي يغفر الله لي. وإذا لم يكن ما بعدها مسببًا لما قبلها كانت بمعنى «إلى أن»، مثل [قولك]: سرت حتى تطلع الشمس، بمعنى إلى أن تطلع الشمس. وليست بمعنى «كي» ها هنا لأن الشمس تطلع
[ ١ / ٢٣٣ ]
سواء سار سائر أو لم يسر. فهذان معنيان للنصب أبدًا. وللرفع معنيان أحدهما: أن يكون الفعل في تأويل الماضي أو في تأويل فعل الحال. فمثال الذي بمعنى الماضي قولك: سرت حتى أدخلها، بالرفع، أي سرت فدخلتها. فليست حتى ها هنا عاملة وإنما هي حرف من حروف الابتداء وكذلك إذا أردت الحال، كأنك قلت: سرت حتى أنا الآن أدخلها. وعلى هذا يقرءون: (وزلزلوا حتى يقول الرسول)، رفعًا ونصبًا.
والفاء إنما تنصب إذا كانت جوابًا لأحد الأشياء الثمانية. الاستفهام. ومثاله أيقوم فأقوم. والأمر، ومثاله: قم فأقوم. والنهي، ومثاله: لا تقم فأقوم. [والجحد، ومثاله: ما قمت فأقوم. والعرض، ومثاله: ألا تقوم
[ ١ / ٢٣٤ ]
حروف الجر
فأقوم]. والتمني، ومثاله: ليتك تقوم فأقوم. والتحضيض ومثاله: هلا قمت فأقوم. والدعاء، ومثاله: رزقك الله العافية فتصح. فقس على ذلك [تصب] إن شاء الله تعالى.
و«الواو» و«أو» و«اللام» في الايجاب والنفي. وقد ذكرت أمثلتها والصفة المخصوصة قد شرحتها.
***
وأما قولنا: «ومنها ثمانية عشر حرفًا تجر الاسم وتوصل معنى الفعل إليه، وهي: من، وإلى، وفي، واللام في أحد أقسامها، وكاف التشبيه، ومذ ومنذ بمعنى الزمان الحاضر، وحتى بمعنى إلى، وواو القسم وتاؤه. وحاشا في الاستثناء، وخلا وعدا في أحد الوجهين. كلها تدخل على المعرفة وعلى النكرة سوى رب. وكلها تكون آخر الكلام وأوله إلا رب. وكلها تدخل على الظاهر وعلى المضمر إلا رب، وكاف التشبيه، ومذ ومنذ، وحتى في أحد أقسامها، وواو القسم وتاءه، وواو رب وفاءها. وكل ما وقع منها خبرًا لمبتدأ، أو صفة لموصوف، أو صلة لموصول، أو حالًا لذي حال، فإنه يتعلق
[ ١ / ٢٣٥ ]
أبدًا بمحذوف. وما عدا ذلك فإن الحرف يتعلق بموجود أو ما هو في حكم الموجود».
فإن الأصل في دخول حروف الجر إنما هي لإيصال معاني الأفعال إلى الأسماء. مثل: خرجت من الدار، وجئت إلى السوق. فـ «من» أوصلت معنى الخروج إلى الاسم. و«إلى» أوصلت معنى المجيء إلى السوق.
ولـ «من» أربعة معان. ابتداء الغاية مع المكان، مثل: خرجت من الدار. والتبعيض، مثل: أكت من الرغيف، أي بعضه. والتبيين في الصفات مثل: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) أي «اجتنبوا الرجس الذي هو وثن». وزائدة مع النكرة في غير موجب، مثل: ما جاءني من أحدٍ. ومثل قوله سبحانه: (ما لكم من إله غيره).
ومعنى «إلى» انتهاء الغاية.
ومعنى «في» الوعاء.
ومعنى «اللام» الملك والاستحقاق.
[٣٧] / ومعنى «الباء» الإلصاق.
[ ١ / ٢٣٦ ]
ومعنى رب وواوها وفائها التقليل، مثل قول الشاعر:
فحور قد لهوت بهن عينٍ نواعم في المروط وفي الرياط
أي رب حورٍ. ومثل قوله:
وبلد عاميةٍ أعماؤه
[كأن لون أرضه سماؤه]
ونحوه.
ومعنى «عن» المجاوزة.
ومعنى «على» الاستعلاء. وأقسامها ثلاثة. الاسمية إذا دخلت عليها من مثل: جئت من عليه. والفعلية إذا تصرفت، مثل: (ولعلا بعضهم على
[ ١ / ٢٣٧ ]
بعض). والحرفية، وهي التي توصل معنى الفعل إلى الاسم، مثل: جلست على الأرض، وعلوت على الدابة، [ونحوها].
ومعنى الكاف التشبيه.
ومعنى مذ ومنذ ابتداء الغاية في الزمان. فمتى جر بهما فهما للزمان الحاضر، مثل: ما رأيته مذ الليلة، ومنذر اليوم، أى في هذا الوقت. وإذا ارتفع ما بعدهما كان معناهما للزمان الماضي، وكانتا اسمين. مثل: ما رأيته مذ يومان، ومنذ ليلتان.
ومعنى «حتى» الجارة كمعنى إلى، وهو الغاية. لأن لحتى أربعة أقسام. جاره [للأسماء] وهي هذه، ومثالها (سلام هي حتى مطلع الفجر). وناصبة للفعل، وقد مضى تفسيرها على معنيين. وحرف من حروف الابتداء، وهي التي يقع بعدها المبتدأ والخبر، والفعل مرفوعًا. مثل: قام القوم حتى زيد قائم، [وضربت القوم حتى ضربت زيدًا]، ونحوه. وعاطفة، وهي التي يكون
[ ١ / ٢٣٨ ]
ما بعدها على حد إعراب ما قبلها، مثل: قدم الحاج حتى المشاة. [ورأيت الحاج حتى المشاة] [ومررت بالحاج حتى المشاة].
ومعنى واو القسم كمعنى تاء القسم وباء القسم، من قولك: تالله لأفعلن، ووالله لأفعلن، وبالله لأفعلن. إلا أن التاء تختص باسم الله تعالى وحده، والواو لكل مظهر، والباء لكل مظهر ومضمر.
ومعنى حاشا وخلا وعدا كمعنى إلا في الاستثناء. إلا أن حاشا عند سيبويه جارة، وعند المبرد ناصبة لاعتقاده فيها الفعلية. فيقول أبو العباس: كذب الناس حاشا زيدًا، ويقول سيبويه: حاشا زيدٍ، لأنها عنده حرف.
وخلا وعدا فيهما وجهان الجر والنصب. إن اعتقدت الفعلية نصبت وقلت: قام القوم خلا أخاك، وعدا أباك. وإن اعتقدت الحرفية جررت، وقلت: خلا أخيك، وعدا أبيك. وإن دخلت «ما» نصبت على كل حال لأنها مع «ما» فعل لا غير، فتقول: قام القوم ما خلا زيدًا.
وكل هذه الحروف تدخل على المعرفة وعلى النكرة سوى «رب». لأن «رب» معناها التقليل. والتقليل يتصور في النكرات الشائعات ولا يتصور في غيرها. فلذلك تقول: رب طعامٍ أكلته، ولا تقول: رب الطعام، ونحوه.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وكلها تكون آخر الكلام وأوله إلا «رب». لأن [رب] معناها التقليل. وتقليل الشيء يقارب نفيه. والنفي له صدر الكلام. ومن ثم قال الشاعر:
ربما أوفيت في علمٍ ترفعن ثوبي شمالات
فأدخل النون الخفيفة في قوله «ترفعن» لما كان التقليل يقارب النفي. فلذلك تقول: رب طعام أكلته [نفعني]. ولا يجوز: نفعني رب طعامٍ أكلته، لأن «رب» لها صدر الكلام. والباقي يجوز فيه التقديم والتأخير، مثل: خرجت من الدار، ومن الدار خرجت. وجئت إلى الدار، وإلى الدار جئت. لأن الجار والمجرور مفعول، والمفعول يجوز تأخيره وتقديمه إذا كان فعله متصرفًا لا مانع يمنع من تقديمه.
وكلها تدخل على الظاهر والمضمر إلا الستة المذكورة. وهي: رب، لأن رب لا تدخل إلا على نكرة، فلا يصح أن يقع بعدها المضمر لأنه معرفة. فلا يجوز: ربك، ولا ربه، ولا: ربي، وأنت تعني مذكورًا جرى ذكره. فأما قولهم: ربه رجلًا، [وربه امرأةً]، فهذا ضمير مجهول فسر بنكرة
[ ١ / ٢٤٠ ]
بعده، فلا يقاس عليه المضمرات التي تقدمت ظواهرها. وإنما يقاس على هذا أمثاله من قولك: ربه رجلًا، وربه امرأةً، ونحوه.
والكاف استغني عن وقوع المضمر بعدها بـ «مثل» فتقول: أنت مثله، ومثلي، وهو مثلك. ولا يجوز شيء من ذلك مع الكاف.
وكذلك «منذ» و«مذ». لا يجوز: مذه، ولا منذه. استغني عن ذلك بالأمد إذا قلت: أمده يومان.
وكذلك «حتى» استغني عنها بـ «إلى». فلا يجوز: حتاه، ولا حتاك، ولا: حتاي.
وواو القسم بدل من ياء القسم، فاقتصر بها على الظاهر دون المضمر.
وإذا اقتصر في الواو فأحرى أن يقتصر في تاء القسم.
و«واو رب» و«فاء رب» جارية مجرى «رب» لا يجوز استعمالها مع المضمر.
وكل ما وقع من حروف الجر خبرًا لمبتدأ، أو صفة لموصوف، أو صلة لموصول، أو حالًا لذي حال، فإنه يتعلق [أبدا] بمحذوف. مثال الخبر: زيد من الكرام، تقديره: زيد كائن من الكرام، أو مستقر من الكرام. ومثال الصفة: هذا رجل من الكرام. ومثال الصلة: هذا الذي من الكرام. ومثال الحال: هذا زيد من الكرام، أي كائنًا من الكرام، أو مستقرًا من الكرام.
[ ١ / ٢٤١ ]
حروف الجزم مع ما حمل عليها
حذفت هذا العامل وأقمت هذا الجار والمجرور مقامه، ونقلت الضمير الذي كان مضمرًا في العامل إلى [هذا] المعمول.
وما عدا هذه المواضع الأربعة فإن حرف الجر يتعلق بموجود، أو ما هو في [٣٨] حكم الموجود. فالموجود مثل: مررت بزيدٍ. / والذي هو في حكم الموجود مثل: بسم الله الرحمن الرحيم. فهذا في حكم الموجود في الكلام، ألا تراك تركت ذكره لأنه مستقر في الأفهام. ومتى قدرت «ابتدائي بسم الله الرحمن الرحيم» كان من القسم الأول الذي عامله محذوف، لأن الابتداء المقدر مبتدأ، و«بسم الله» جار ومجرور في موضع الخبر للمبتدأ. فهو يتعلق بمحذوف آخر، تقديره: ابتدائي كائن، أو الابتداء كائن بسم الله الرحمن الرحيم. فبسم الله على هذا في موضع رفع، وعلى التقدير الأول في موضع نصب. والجملة في هذا التقدير مركبة من مبتدأ وخبر، وفي التقدير الأول مركبة من فعل وفاعل. فاعرف ذلك وقس عليه، فإنه من أدق ما تحتاج إلى معرفته. وهو للعربية أكشف شيء للمعاني.
***
وأما قولنا: «ومنها خمسة تجزم الفعل المستقبل، وهي: لم، ولما، ولام الأمر، ولا في النهي، وإن في المجازاة - مع ما حمل عليها من الأسماء
[ ١ / ٢٤٢ ]
والظروف. والذي حمل عليها من الأسماء: من، وما، وأي، ومهما. ومن الظروف: أين، ومتى، وأيان، وأنى، وحيثما، وإذ ما في أحد القولين، و«إذا» في الشعر، وكيفما عند الكوفيين. كل هذه تجزم فعلين مستقبلين. والاستفهام والأمر والنهي والعرض والتمني والتحضيض والدعاء تجزم فعلًا واحدًا، إذا لم يكن معه فاء فإن كان معه الفاء كان منصوبًا مع [هذه] المعاني السبعة، ومرفوعًا مع الشرط.
فإن هذا [الفصل] هو الفصل الرابع من الحروف العوامل وهي الجوازم. وإنما جزمت لما اختصت بالدخول على الأفعال، ومن شأن الحرف إذا اختص ولم يتنزل منزلة الجزء من الكلمة أن يعمل.
فـ «لم» يجزم فعلًا واحدًا. ومعناه نفي الماضي. مثل: لم يقم فلان لفظه لفظ المستقبل ومعناه الماضي. ألا ترى إلى حسن «أمس» معه، مثل: لم يقم أمس. ولا يجوز: لم يقم غدًا.
ومعنى «لما» كمعنى «لم» في النفي. إلا أنها نفي فعل معه «قد»، و«لم» نفي فعل ليس معه قد. يقول القائل: قد قام زيد، فتقول: لما يقم، فإن قال: قام [زيد]، قلت: لم يقم.
[ ١ / ٢٤٣ ]
ولها ثلاثة معان، أحدها ما ذكرناه، وهو كونها بمعنى «لم» في نفي الماضي المقدر بقد. الثاني: أن تكون اسمًا، وهو إذا كانت ظرفًا يقع بعدها الفعل الماضي ويعمل فيها جوابها. ومثالها: لما جئتني جئتك، أي حين جئتني جئتك، فهي ظرف منصوب بجئتك الأخير لا بالأول، لأن الأول مضاف إليه، والمضاف لا يعمل فيه المضاف إليه. والثالث: أن تكون بمعنى إلا، تقول العرب: أقسمت عليك لما فعلت، بمعنى إلا فعلت، وهي ها هنا حرف. وقد يكتفى بها في الجواب، أعني الجازمة، تقول العرب: فعلك [ذلك] ولما، أي فعلت [ذلك] ولما تفعل، فيحذفون المجزوم وهو مراد على طريق الاتساع. فاعرف ذلك.
ومعنى لام الأمر للغائب، مثل: ليقم فلان، ولا يكون إلا مع فعل الغائب في الغالب. لأنه إذا كان للمخاطب كان مبنيًا، ولم تدخل عليه لام، مثل: «قم» و«اذهب» فأما قراءة من قرأ (فبذلك فلتفرحوا)، بالتاء. فإنه استعمل الأصل المتروك. لأن الأصل في المواجهة أن يكون بلا حرف مضارعة، وأن يقال: فبذلك فافرحوا، لأن المواجهة أغنت عن تاء المخاطبة. ومثله في الشذوذ: «لتأخذوا مصافكم»، وأصله «خذوا مصافكم»، ولكنه جاء
[ ١ / ٢٤٤ ]
على الأصل [المتروك] زيادة في تأكيد المخاطبة والمواجهة. فقد صار فعل الأمر على ضربين، إن كان باللام كان معربًا، وسمي مجزومًا. وإن كان بغير لام ولا حرف مضارعة كان مبنيًا، وسمي موقوفًا.
ومعنى «لا» في النهي يتناول المخاطب والغائب. مثل: لا تفعل يا زيد، ولا يفعل زيد. [لأنه] ليس له غير هذه الصيغة الواحدة. وهو معرب مجزوم أبدًا، إلا أن يكون معه نون تأكيد فيكون مبنيًا، على ما قدمنا شرحه.
«وإن» في المجازاة تجزم فعلين. وهذان الفعلان إن كانا مستقبلين كانا مجزومين، وظهر الجزم فيهما مثل: إن تقم أقم. وإن كانا ماضيين كانا مبنيين على حالهما، وكان الجزم فيهما مقدرًا، مثل: إن قمت قمت. وإن كان الأول ماضيًا والثاني مستقبلًا فعلى هذا الحكم، مثل: إن قام أقم، الأول مبني والثاني معرب. ولا يجوز عكس هذا الوجه. لا يكون الأول مستقبلًا والثاني ماضيًا، لا يجوز: إن تقم قمت.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وجميع ما حمل على «إن» في المجازاة فإنه جار هذا المجرى، أعني في الفعلية. والذي حمل عليها من الأسماء أربعة: «ما» «ومن» و«أي» و«مهما». فـ «من» شرط فيمن يعقل، مثل: من يقم أقم معه.
و«ما» شرط فيما لا يعقل، مثل: ما تأكل آكل.
و«أي» شرط في بعض من كل، مثل: أي إنسان يقم أقم معه، وأي طعام تأكله آكله.
«مهما» شرط في جميع الأفعال، كبيرها وصغيرها. فإذا قال القائل: [٣٩] / مهما تصنع أصنع، فمعناه لا أصغر عن كبير فعلك ولا أكبر عن صغيره. وفيها خلاف، منهم من يجعلها اسمًا واحدًا مبنيًا. ومنهم من يجعلها مركبة من شيئين، أصلها «ما ما تفعل أفعل». فأبدل من الألف الأولى هاء، لأن الألف والهاء من مخرج واحد. ومنهم من يقول: [هي] «مه» اسم للفعل وزيدت عليها «ما» وجوزي بها.
والصحيح أنها اسم. والدليل على اسميتها عود الضمير إليها من [نحو] قوله سبحانه: (مهما تأتنا به من آية) فالهاء في «يه» عائدة على «مهما»، والعوائد إنما تعود على الأسماء.
[ ١ / ٢٤٦ ]
والظروف التي يجازى بها أربعة [أيضًا]: أين وأنى ومتى وحيثما. فـ «أين» شرط في الأمكنة، مثل: أين تقم أقم. و«أنى» شرط في جهة، مثل: أنى تكن أكن. و«متى» شرط في الزمان، مثل: متى تصنع أصنع. و«حيثما» شرط مبهم في المكان، مثل: حينما تكن أكن. إلا أن «حيث» لا يجازى بها إلا مع «ما» لتكون قاطعة لها عن إضافتها. لأنها من ظروف المكان التي ألزمت الإضافة، وليست أين وأنى ومتى بمضافات، بل هي مفردات، فلذلك جوزي بها بـ «ما» وبغير «ما»، مثل: أين تكن أكن، وأينما تكن أكن، و[قال الله تعالى]: (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا)، [و(أينما تكونوا يدرككم الموت)].
وإذ ما في قول سيبويه ﵀ حرف. وفي قول غيره ظرف. وحجة سيبويه أنها لما ركبت مع «ما» وأخرجت عن معناها الذي كان لما مضى من الزمان، وصارت لما يستقبل من الزمان، جرت مجرى إن في الحرفية، فتقول: إذ ما تقم أقم، كما تقول: إن تقم أقم. وهي عند غيره ظرف منصوب بالفعل الأخير المجزوم بها.
فأما «إذا» فلا خلاف أنها ظرف على بابها. لأنها لم يتنقل معناها، لأنها موضوعة للزمان المستقبل، فلم يدخل عليها ما يخرجها عن أصلها. إلا أنه
[ ١ / ٢٤٧ ]
لا يجزم بها إلا في الشعر إذا كان معها «ما».
وأما «كيفما» فإنها يجزم بها عند الكوفيين دون البصريين. يقول الكوفيون: كيفما تصنع أصنع. والبصريون يرفعون ذلك. وكيف عند سيبويه اسم، وعند الأخفش ظرف. والدليل على مذهب سيبويه أنها اسم أنك [تبدل] منها الاسم فتقول: كيف زيد أصالح أم سقيم. ولو كانت ظرفًا لأبدلت منها الظرف كما تبدل من «أين» و«متى»، وفي عدم ذلك دليل على صحة مذهب سيبويه في الاسمية. وحجة الأخفش في الظرفية أنها تتقدر بالجار والمجرور. وهو أنك
[ ١ / ٢٤٨ ]
إذا قلت كيف زيد، فمعناها عنده «على أي حال هو». والحروف للظروف. وليس في ذلك دليل، لأن حروف الجر قد تقدر فيما لا إشكال في اسميته ولا يخرجه ذلك إلى الظرفية. ألا ترى أن كل مضاف ومضاف إليه لا يخلو من أن يكون مقدرًا باللام أو بمن، مثل: غلام زيدٍ، تقديره: غلام لزيدٍ، وثوب خز، تقديره: ثوبٌ من خز، ونحوه. وهذا شيء عرض فذكر.
ثم نعود إلى ما نحن بصدده وهو أن هذه الأشياء كلها تجزم فعلين مستقبلين لفظًا ومعنى، وفي الماضي تقديرًا، على ما قدمنا.
فإن أوقعت موقع هذا لأشياء أحد سبعة أشياء - وهي الاستفهام والأمر والنهي والعرض والتمني والتحضيض والدعاء - جزمت فعلًا واحدًا إذا لم يكن معك [فاء] فمثال الاستفهام: أتقوم أقم، ومثال الأمر: قم أقم. وكذلك الباقي. لأن هذه الجمل نابت عن أفعال شرطية، كأنه قال: أتقوم إن تقم أقم.
[ ١ / ٢٤٩ ]
القسم الثاني الحروف غير العاملة
حروف الابتداء
فإن دخلت الفاء بطل الجزم، ورفعت أو نصبت. مثال النصب: أتقوم فأقوم، لأن الجواب بالفاء يكون منصوبًا على ما أصلناه في الحروف الناصبة للفعل. ولو كانت الفاء مع الشرط المحض لكان ما بعد الفاء مرفوعًا، مثل: إن تقم فأقوم. فهذا مرفوع، لأن ما بعد الفاء مبتدأ مقدر، كأنه قال: فأنا أقوم، والفاء دخلت لتعلق الجواب بالشرط. وكذلك تفعل بالفاء في باقي كل ما يشرط به. فاعرف ذلك فان هذه جملة كافية في هذه المقدمة، [إن شاء الله تعالى].
***
فصل
وأما قولنا: «وأما الحروف التي ليست بعاملة فنيف وأربعون حرفًا. منها خمسة عشر حرفًا للابتداء، وهي إنما. وأنما، وكأنما، ولكنما، وليتما، ولعلما، وأما بمعنى التفصيل، وأما [خفيفة] بمعنى الاستفتاح، ولولا بمعنى الامتناع، وحتى في أحد أقسامها، وألا بمعنى التنبيه، ولام الابتداء، وواو الحال، وإن الخفيفة في أحد أقسامها، ولكن الخفيفة. وإنما سميت بذلك لكثرة وقوع المبتدأ بعدها».
[ ١ / ٢٥٠ ]
حروف العطف
فإن العلة في كون هذه الحروف غير عاملة هو ما عرض فيها من كف أو اشتراك على ما يأتي تفصيله. فالكف نحو الستة الناصبة للاسم الرافعة للخبر. وهي إن وأخواتها لما دخلت عليها «ما» كفتها عن العمل، ولما كفتها عن العمل ارتفع الاسم الذي كان منصوبًا بعدها، فصار ارتفاعه بالابتداء فقلت: إنما زيد قائم، وعملت أنما زيد قائم، وكأنما زيد قائم. وكذلك / باقيها. [٤٠] وقد يجوز أن يعتقد أن «ما» زائدة لا كافة. وإذا اعتقدت ذلك بقيت هذه الحروف على حالها فقلت: كأنما أخاك قائم، ولكنما أخاك قائم، وليتما أخاك قائم، ولعلما أخاك قائم. وهو في هذه الأربعة [المتأخرة]- أعني النصب وزيادة «ما» - أحسن منه في «إنما» و«أنما». لأن هذه [الحروف] قد غيرت معنى الابتداء فقوى التصلب فيها. ومعانيها كلها كمعانيها إذا لم يكن فيها «ما»، إلا أنها بـ «ما» أقوى تأكيدا، وأقوى للمعنى الذي تختص به.
ومعنى «أما» لتفصيل ما أجمله المدعي. ومثالها: أما زيد فقائم، فزيد مبتدأ، وقائم الخبر، والفاء دخلت لما في «أما» من معنى المجازاة.
[ ١ / ٢٥١ ]
لأن أصلها: مهما يكن من شيء فزيد قائم، فنابت «اما» مناب فعل الشرط واسمه، وتقدم الاسم المبتدأ الذي كان بعد الفاء فصار قبل الفاء، بينها وبين «أما»، لئلا يجمع بين حرفين. وبقي الخبر مرفوعًا على حاله بعد الفاء. ولهذا لا يفصل بين «أما» وجوابها مجملة تامة إنما يفصل بمفرد، إما مبتدأ، وإما ظرف، وإما مفعول به. وإما بجملة ناقصة تقوم مقام المفرد. مثال المبتدأ قد ذكر. ومثال الظرف: أما في الدار فزيد، وأما في السوق فعمرو. ومثال المفعول به: أما زيدًا فضربت، وأما عمرًا فتركت. ومثال الجملة الناقصة: أما إن كان كذا وكذا فسيكون كذا، والجملة الشرطية ناقصة لافتقارها إلى جواب، فجاز أن يفصل بها بين «أما» وجوابها. قال الله سبحانه: (فأما إن كان من المقربين، فروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسلام لك من أصحاب اليمين). هكذا رتبة الثلاثة، وفي الكلام بخلاف هذا. فالفاء جواب «أما»، وقد سد جواب «أما» بطول الكلام مسد جواب الشرط، إذ كان معك شيئان محتاجان إلى جواب. فاعرف ذلك.
[ ١ / ٢٥٢ ]
ومعنى «أما» الخفيفة الاستفتاح. ومثالها: أما زيد قائم. وتكون بمعنى «حقًا» فتفتح «أن» بعدها، فتقول: أما أن هقائم، بمعنى: حقا أنه قائم. فلا تكون ها هنا حرف ابتداء، ولكنها في تأويل الاسم. وإذا كانت في تأويل الاسم فذلك الاسم مقدر تقدير الظرف، وتقدير ذلك [الظرف] «أفي حق أنك منطلق»، فتكون «أنك منطلق» في موضع رفع بالظرف، على قول الأخفش. وبالابتداء عند سيبويه في هذا الموضع خاصة. فاعرفه.
ومعنى «لولا» امتناع الشيء لوجود غيره. ومثالها: لولا زيد لأكرمتك. فـ «لولا» حرف ابتداء، معناه ما ذكرنا. و«زيد» مبتدأ. وخبر المبتدأ محذوف أبدًا بعد «لولا» لا يظهر بحال، تقديره «لولا زيد موجود»، ونحوه. وإنما حذف للطول وسد طول الكلام بجواب «لولا» مسده. وليس جواب «لولا» بخبر عن المبتدأ، ومن قال ذلك فهو مخطيء، لتعريه من العائد. فإذا كانت «لولا» بمعنى «هلا» لم تكن حرف ابتداء، وكانت حرف تحضيض تليها الأفعال، مثل (لولا أنزل عليك ملك)، أي «هلا أنزل عليه ملك»، ومثل:
[تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطرى]، لولا الكمي المقنعا
[ ١ / ٢٥٣ ]
أي «لولا تعدون الكمي المقنعا»
ومعنى «حتى» قد ذكر في حروف الجر، وأقسامها الأربعة التي أحدها كونها حرف ابتداء. ومثاله [قول الشاعر]:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله والزاد حتى نعله ألقاها
[ ١ / ٢٥٤ ]
وهي ها هنا حرف ابتداء إذا رفعت «النعل»، ويكون «ألقاها» في موضع رفع بكونه خبرًا للنعفل، أي «حتى نعله ملقاة». ومن نصب [النعل] أو جر فليست حرف ابتداءز
ومعنى «ألا» التنبيه، ومثالها: ألا زيد قائم، [وألا إن زيدًا قائم]، كقوله [تعالى]: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
ومعنى لام الابتداء التأكيد. ومثالها: لزيد قائم، ولأنت أحب إلي من عمرو. وقال الله سبحانه (وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون). وقال تعالى: (إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون). كل هذه لام ابتداء. بخلاف قوله [تعالى]: (لهم ما يشاءون فيها)، و(لهم جنات النعيم).
فهذه لام الجر، فتحت لكونها مع المضمر، وهي تتعلق بمحذوف لكونها خبر ابتداء. وليست كذلك اللام الأولى. لأنها لام ابتداء وهذه لام جر. والضمير في الأولى مرفوع في التقدير. والضمير في الثانية مجرور في التقدير.
وواو الحال معناها الحال، ومثالها: جاء زيد ويده على رأسه، وأقبل
[ ١ / ٢٥٥ ]
وهو يضحك. وفي كتاب الله سبحانه: (يغشى طائفةً منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم)، فالطائفة الثانية مبتدأ و«قد أهمتهم أنفسهم» الخبر، والجملة في موقع نصب على الحال، والواو واو الحال. وسيبويه ﵀ يقدرها بإذ، ليعلمك أن الحال معمولة لما قبلها، كما أن «إذ» ظرف معمول لما قبله. فاعرفه فإنها نكتة [حسنة]. وجملته أن الحال تكون بالمفرد وبالجملة. فإذا [٤١] كانت / بالمفرد كانت منصوبة. وإذا كانت بالجملة كان الإعراب مقدرًا بالنصب. كما أن خبر الابتداء يكون مفردًا ويكون جملة، وكما أن صفات النكرات تكون مفردة وتكون جملة. لكن الواو لا تكون في الصفات، ولا تكون في خبر المبتدأ. وإنما تكون في الحال رابطة، وخاصة إذا عدم العائد، مثل: جاء زيد والناس يصلون، لم يجز، لأنه لا رابطة، ولا عائد، ولا ما يقوم مقام العائد. فاعرف ذلك، فإن تحته كثيرًا من الفوائد.
و«إن» الخفيفة في أحد أقسامها، ومثالها: إن زيد لقائم. فهذه المخففة من الشديدة، ولما خففت بطل عملها، ولما بطل عملها ارتفع ما بعدها بالابتداء [والخبر]، ودخلت اللام للفرق بينها وبين النافية. قال الله سبحانه (إن كل نفس لما عليها حافظ)، (وإن كل لما جميع لدينا محضرون). فـ «إن» حرف ابتداء، لابتداء الكلام بعدها، واللام دخلت للفرق المذكور. لأن «إن»
[ ١ / ٢٥٦ ]
الخفيفة تنقسم على أربعة أقسام. تكون شرطًا، وقد ذكرت في باب الشرط وتكون مخففة من الثقيلة، وقد ذكرت هنا. وتكون نافية فلا يكون معها لام، كقولك: إن زيد قائم، بمعنى: ما زيد قائم، قال الله ﷾: (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه). فإن نافية، أي في الذي لم نمكنكم فيه، أو: في الذي ما مكناكم فيه. والرابعة تكون زائدة، مثل قولك: ما إن زيد قائم، وكقول الشاعر:
وما إن طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا
أي ما طبنا جبن.
و«لكن» الخفيفة، مثالها: لكن زيد قائم، و(لكن الله يشهد بما أنزل
[ ١ / ٢٥٧ ]
إليك) فاسم الله مبتدأ، و«يشهد» الخبر. وكان أصلها [لكن] مشددة تنصب، كما قال الله تعالى: (ولكن الله يفعل ما يريد)، فإذا خففت بطل النصب لارتفاع المشابهة بينها وبين الفعل. فإذا ارتفعت صارت حرف ابتداء، وإذا صارت حرف ابتداء ارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر. فلذلك سميت هذه الحروف الخمسة عشر المشروحة حروف ابتداء لوقوع المبتدأ بعدها. وبالله التوفيق.
***
[قال الشيخ ﵀]: وأما قولنا: «ومنها عشرة للعطف وهي: الواو، والفاء، وثم، وأو. وإما - مكسورة مكررة، وأم، وبل، ولكن بعد النفي، ولا بعد الإيجاب، وحتى في أحد أقسامها. سميت بذلك لأنها تدخل ما بعدها في إعراب ما قبلها وتعطفه عليه».
فإن معنى «الواو» الجمع بين الشيئين، وليس فيها دليل على الأول منهما، مثالها: قام زيد وعمرو، ورأيت زيدًا وعمرًا، ومررت بزيدٍ وعمروٍ. وللواو ستة أقسام. هذا أحدها، أعني العطف، وهي الجامعة العاطفة. والثاني: أن تكون جامعة غير عاطفة، وهي التي تكون بمعنى «مع»، تنصب ما بعدها من الأسماء. ومثالها: استوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة، أي مع الطيالسة. الثالث أن تكون قسمًا فتجر المقسم به، نحو: والله لأفعلن. الرابع: أن تكون واو حال، مثاله: جاء زيد وهوي ضحك، وقد ذكرت. الخامس أن تكون
[ ١ / ٢٥٨ ]
ناصبةً للفعل المستقبل باضمار «أن» بعدها، مثل: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وقد ذكر. السادس: أن تكون بمعنى رب فتجر [المظهر]، مثل:
وبلدٍ عامةٍ أعماؤه كأن لون أرضه سماؤه
وقد ذكر.
وأما «الفاء» فمعناها العطف بلا مهلة. ولها ثلاثة أقسام. أحدها: أن تكون متبعة عاطفة، مثل: جاء زيد فعمرو، ورأيت زيدًا فعمرًا، ومررت بزيد فعمرو. والثاني: أن تكون متبعة غير عاطفة. وذلك في الشرط والجزاء. مثل: إن تفعل خيرًا فالله تعالى يعلمه. الثالث: أن تكون زائدة عند الأخفش بين المبتدأ وخبره، مثل: زيد فمنطلق، أي زيد منطلق، وينشد:
وقائلةٍ خولان فانكح فتاتهم وأكرومة الحيين خلو كما هيا
[ ١ / ٢٥٩ ]
أي «خولان انكح فتاتهم».
و«ثم» معناها العطف بمهلة، مثل: جاءني زيد ثم عمرو. وليس لها غير معنى واحد.
و«إما» المكسورة المكررة في العطف لها أربعة معان، الشك، والتخيير، والإباحة، والإبهام، فالشك في الخبر، مثل: جاءني إما زيد وإما عمرو. والتخيير في الأوامر فيما أصله الحظر، مثل: خذ إما دينارًا وإما درهمًا. والإباحة فيما ليس أصله الحظر، مثل: تعلم إما فقهًا وإما نحوًا. والإبهام فيما يقصد به غرض من الأغراض، مثل قول القائل [لمخاطبه]: جاءني إما زيد وإما عمرو، وهو يعلم من جاء منهما، وإنما أبهم على سامعه [لضرب من المصلحة]. فهذه أربعة أقسام لإما التي تأتي بها في العطف مكسورة مكررة. فأما التي لا تكون مكررة بل هي مكسورة فهي التي تقع في الشرط. وهي مركبة من «إن» و«ما»، مثل: (فإما ترين من البشر أحدًا فقولي )، و(فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي )، و(فإما تثقفنهم في
[ ١ / ٢٦٠ ]
الحرب فشرد بهم من خلفهم). أصله إن / تثقفنهم. فـ «إن» هي [٤٢] حرف الشرط، و«ما» زائدة للتأكيد، ولذلك دخلت النون الشديدة في فعل الشرط، ولا يجوز دخولها بغير «ما».
و«أو» لها في العطف [أيضًا] أربعة معانٍ كمعاني إما في جميع ما ذكرنا. مثل: جاءني زيدٌ أو عمرو، [ورأيت زيدًا أو عمرًا، ومررت بزيدٍ أو عمروٍ] وخذ دينارًا أو درهمًا، وتعلم فقهًا أو نحوًا. إلا أن الفرق بينهما أن الكلام مع «إما» مبني على الشك وغيره من أول وهلة، ومع «أو» مبني على اليقين ثم يأتي الشك وغيره بعد أن بني الكلام على اليقين، فيسري من آخر الكلام إلى أوله فيعود معناه كمعنى «إما».
و«أم» معناها الاستفهام وهي في العطف على ضربين، متصلة ومنقطعة. فالمتصلة هي المعادلة لألف الاستفهام في العطف، المقدرة بأي، المقتضية للتعيين. كقولك: أزيد عندك أم عمرو، وتقدير: أيهما عندك. وجوابك أن تعين أحد الاسمين. والمنقطعة هي التي تكون بين جملتين، وتقدر ببل
[ ١ / ٢٦١ ]
والهمزة، ولا تعادل همزة الاستفهام، ولا تقتضي تعيينًا. وذلك قولهم: إنها لإبل أم شاء. تقديره: بل أهي شاء، كأنه أضرب عن الكلام الأول واستأنف الكلام عن الجملة الثانية. وجواب هذا «نعم» أو «لا». وكذلك إذا كانت «أو» مع همزة الاستفهام كان جوابها «نعم» أو «لا» من غير تعيين، كقول القائل: أزيد عندك أو عمرو، فتقول: «نعم»، أو «لا». لأنها [ها هنا] مقدرة بالأحدية لا بأي. كأنه قال: أحدهما عندك أو لا. وهذا لا يقتضي إلا «نعم» أو «لا». فالسؤال أولًا بالهمزة [وأو]، ثم السؤال ثانيًا بأم، لأن التعيين بعد الاستقرار.
و«بل» معناها الإضراب عن الأول وإثبات الحكم للثاني. مثل: جاءني زيد بل عمرو. وما جاءني زيد بل عمرو.
و«لكن» معناها الاستدراك بعد النفي في باب العطف. مثل: ما جاءني زيد لكن عمرو. وتكون حرف ابتداء، وقد ذكرت مع حروف الابتداء. و«لا» معناها إخراج الثاني مما دخل فيه الأول. ولا يعطف بها إلا بعد موجب، مثل: قام زيد لا عمرو. ولـ «لا» أقسام كثيرة، تكون عاطفة،
[ ١ / ٢٦٢ ]
حروف الجواب
وقد ذكرت. وناهية فتجزم، مثل: لا تفعل. وجوابًا للقسم في مثل: والله لا تقوم فلانة. ومبنية مع النكرة العامة، مثل: لا رجل في الدار، ولا شك، ولا ريب، ولا إله إلا الله. وتكون بمعنى «لم» مثل: (فلا صدق ولا صلى)، أي لم يصدق ولم يصل.
و«حتى» تكون عاطفة بشرطين. أن تعطف قليلًا على كثير، ومن جنسه. مثل: قام القوم حتى زيد، ورأيت القوم حتى زيدًا، ومررت بالقوم حتى زيد. وقد ذكرت مع أقسام حتى في موضعين متقدمين.
والعلة الجامعة في تسمية هذه الحروف كلها حروف عطف ما ذكر في المقدمة من كونها مدخلة ما بعدها في إعراب ما قبلها وعاطفة له عليه. وسيأتيك من ذلك أصول آخر في فصل التوابع من هذه المقدمة إن شاء الله تعالى.
***
وأما قولنا: «ومنها ستة للجواب، وهي: نعم، وبلى، وإي وجير في القسم، وأجل، وإن في أحد أقسامها».
فإن هذه [الستة] كلها حروف معناها في غيرها. وفي «نعم» لغتان:
[ ١ / ٢٦٣ ]
نعم ونعم. وقد قريء بهما جميعًا. ومعناها العدة والتصديق. فالعدة بعد الأوامر وشبهها، من نحو: افعل كذا وكذا، فتقول: نعم. والتصديق بعد الإخبار وغيره، يقول القائل: زيد قائم، فتقول: نعم، مصدقًا لكلام المخبر. وكذلك المستخبر إذا كان مخرجه مخرج المستعلم أو المقرر.
ومعنى «بلى» الإيجاب بعد النفي والاستفهام. يقول القائل: أليس زيد قائمًا، فتقول: بلى. أي هو قائم. ولو قال في [هذه] المسألة: «نعم» لكان غير قائم. ومثله [قوله تعالى]: (ألست بربكم قالوا بلى) ولو كان ها هنا «نعم» لكان كفرًا معاذ الله، إنما أخرج الجواب إيجابًا وتقريرًا.
[ ١ / ٢٦٤ ]
و«إي» معناها كمعنى «نعم»، وهي فصيحة جدًا ما لم تفسد بالزيادة العامية. وهي قولهم «إيوه». والفصاحة المجيء بها كمجيئها في القرآن الكريم (قل إي وربي إنه لحق). وهي كثيرة الاستعمال في القسم كالآية. وكذلك «جير لأفعلن»، بمعنى «نعم» في القسم أيضًا. لكن هذه تنوب عن المقسم به كثيرًا، وقلنا يستعمل معها المقسم به.
و«أجل» فصيحة في كلام الرسول ﷺ، وهي جواب. و«إن» في أحد أقسامها تكون بمعنى «نعم»، كما قال: «إن وراكبها» ومثله قوله:
[بكر العواذل في الصبو ج يلمنني وألومهنه]
ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت، فقلت: إنه
[ ١ / ٢٦٥ ]
حروف التحضيض
ومثل [قوله تعالى]: (إن هذان لساحران) فيمن رفع في أحد الوجوه. وقد ذكرنا معنى إن في غير هذا الحد.
***
وأما قولنا: «ومنها أربعة للتحضيض وهي: لولا وهلا ولوما وألا. إذا وليهن الفعل المستقبل كن تحضيضًا. وإذا وليهن الماضي كن توبيخًا».
[٤٣] فإن هذه الأربعة مربكة من حرفين، ولهن هذان المعنيان. / وتختص
[ ١ / ٢٦٦ ]
حروف المضارعة
حروف الإعراب
في هذين المعنيين بالأفعال. ومثال الماضي معهن: لولا فعل، وهلا فعل، ولوما فعل، وألا فعل، كل هذا توبيخ. ولو قال: لولا تفعل، وهلا تفعل، ولو ما تقوم، وألا تقوم، لكان تحضيضًا على الفعل لتفعله. والأول توبيخ على الفعل لم لم يفعله.
***
وأما قولنا: «ومنها أربعة للمضارعة. وهي: الهمزة، والنون، والتاء، واةلياء».
فإن هذه الحروف هي التي تكون في أول الفعل المستقبل. مثل: أقوم، ونقوم، وتقوم، ويقوم. وإنما سميت حروف مضارعة لأن بها ضارع الفعل الأسماء فأعرب كما أعربت الأسماء. والمضارعة المشابهة. وقد مضى ذكر ذلك.
***
وأما قولنا: «ومنها أربعة للإعراب. وهي: الياء، والواو، والألف، والنون».
فإن هذه الأربعة هي التي تكون في المعربات من آخرها. فالواو والياء والألف هي في الأسماء الستة وفي التثنية والجمع السالم. والنون علامة الرفع في الأفعال
[ ١ / ٢٦٧ ]
الحروف التي تختص بالفعل من أوله
الخمسة التي ثباتها فيها علامة الرفع، وسقوطها علامة الجزم والنصب.
***
وأما قولنا: «ومنها أربعة تختص بالفعل من أوله. وهي: قد، ولو، والسين، وسوف».
فإن «قد» معناها التقريب والتوقع مع الماضي، مثل: قد فعل. والتقليل مع المستقبل، مثل: قد يفعل.
و«لو» معناها امتناع الشيء لامتناع غيره، مثل: لو جئتني جئتك. فالمجيء الثاني امتنع لامتناع المجيء الأول. ولو دخلت «لم» عليها وعلى جوابها لانقلب المعنى فيها، وكان معناها وجود الفعل لوجود غيره. كقولك: لو لم تجئني لم أجئك، فقد كان المجيئان [جميعًا]. ولو كانت «لم» مع الأول دون الثاني مثل: لو تجئني لجئتك، لكان الأول قد وقع والثاني لم يقع. وعكسه عكس هذا المعنى، كقولك: لو جئتني لم أجئك، فالأول لم يكن والثاني قد كان. فاعرف ذلك فإنه من ألطف شيء.
و«السين» و«سوف» معناهما قد ذكر، وهو التنفيس وإخلاص الفعل للاستقبال. ومنه: (ولسوف يعطيك ربك فترضى). ولا يجوز دخول هذه اللام على السين وحدها. لو قلت: إن زيدًا لسيقوم، لم يجز، ويجوز: إن زيدًا لسوف يقوم، كالآية. لأن سوف بكونها ثلاثة أحرف قد خرجت إلى شبه الأسماء، فجاز أن تدخل عليها لام الابتداء.
[ ١ / ٢٦٨ ]
حروف الاستفهام
قال الشيخ رحمه الله تعالى: فأما قولنا: «ومنها ثلاثة للاستفهام. وهي الهمزة وهل وأم. وما عداها مما يستفهم به فليس بحرف».
فإن هذه الحروف الثلاثة إذا دخلت على الكلام غيرت المعنى دون اللفظ. لأن الاستفهام قد كان قبل دخولها خبرًا، فلما دخلت على الجملة صارت استفهامًا واستخبارًا. كقولك: زيد قائم، ثم تقول: أزيد قائم؟، وهل قام زيد؟، وأزيد قائم أم عمرو؟ .
والحروف في تغيير الجمل وترك تغييرها على أربعة أقسام، حرف يغير المعنى دون اللفظ، وهي هذه. وحرف يغير اللفظ دون المعنى. وهي «إن» و«أن»، لأن معناهما التأكيد والتأكيد لا يغير معنى. وحرف يغير اللفظ والمعنى جميعًا، مثل: «ليت» و«لعل» و«كأن». تقول: زيد قائم، فإذا قلت كأن زيدًا قائم، تغير اللفظ كما ترى. وقد صار المعنى [مع كأن] تشبيهًا، ومع «ليت» تمنيًا، ومع «لعل» ترجيًا، فقد تغير اللفظ والمعنى. وحرف لا يغير لفظًا ولا معنى، وهي لام الابتداء، كقولك: زيد قائم، ولزيد قائم. وأما قولنا: «وما عداها مما يستفهم به فليس بحرف» فهو إشارة إلى [التسعة] الأسماء التي يستفهم بها. وقد شرحت في فصل الأسماء.
***
[ ١ / ٢٦٩ ]
حروف التأنيث
وأما قولنا: «ومنها ثلاثة للتأنيث. وهي: التاء، والألف المقصورة، والألف المقصورة، والألف الممدودة».
فإن مثال التاء: قائمة وغرفة وامرأة وقمحة ونسابة وزنادقة ومهالبة وبرابرة. كل هذه تاءات للتأنيث، تتفق في الدلالة على التأنيث وتفترق في أشياء أخر ليس هذا موضع ذكرها. وكلها يوقف عليها بالهاء. والتأنيث إنما هو بالتاء لا بالهاء، خلاف ما يقول الكوفيون إن التأنيث بالهاء. لأنهم راعوا الصورة الثابتة في الخط. والبصريون راعوا الأصل، وهو الوصل الثابت في النطق تاء، والوصل هو الأصل، والنطق كذلك، ولا يعتبر بعوارض الوقف.
ومثال الألف المقصورة في التأنيث: حبلى وجمادى وحبارى، ونحوه من التأنيث بالألف. والكوفيون يقولون [إن التأنيث] بالياء، مراعاة للخط لكونها ياء في الخط. والبصريون يقولون التأنيث بالألف، مراعاة للفظ على ما تقدم.
ومثال الألف الممدودة حمراء وقفها وأنبياء. فالكوفيون يقولون [إن] التأنيث بالهمزة [مراعاة للفظ]. والبصريون يقولون [التأنيث] بالألف
[ ١ / ٢٧٠ ]
حروف التنفيس
حرفا التوكيد
حرف التعريف
الممدودة، لأنها التي كانت مقصورة فمدت لما وقع قبلها ألف المد.
وأما قولنا: «ومنها حرفان للتنفيس، وهما السين وسوف».
وقد ذكرناهما والفرق بينهما فلا معنى لاعادتهما. إلا أنك لو سميت / رجلًا [٤٤] بسوف لأعربت ولم تزد على الكلمة شيئًا سوى الإعراب، فتقول: جاءني سوف. ورأيت سوفًا، ومررت بسوفٍ. ولو سميت رجلًا بالسين من «سيقوم» لاحتجت إلى زيادتين تزيدهما على الكلمة، لأنه لا يكون اسم معرب على حرف واحد، فيجري فمجرى التسمية بالفاء [التي] للعطف، ولام الابتداء. فتقول: جاءني فاء ولاء وساء. لأن السين المستعملة من «سيقوم» ليست هي السين من «سوف»، لأن الحروف لا تصريف فيها، بل لكل حرف منها حكمه على ما تقتضيه الأصول. وهذا شيء عرض.
***
وأما قولنا: «ومنها حرفان لتأكيد الفعل، وهما النونان الشديدة والخفيفة». فقد ذكرا في فصل الأفعال وحكمهما وحكم ما قبلهما.
***
وأما قولنا: «ومنها حرف للتعريف. وهو اللام عند سيبويه، والألف واللام عند الخليل».
فإن هذه مسألة خلاف عند سيبويه ﵀، يقول: إذا قلت: الرجل والغلام، فالتعريف إنما هو باللام وحدها، والهمزة إنما دخلت توصلًا إلى النطق
[ ١ / ٢٧١ ]
حرف التنكير (التنوين)
بالساكن. والحجة له في كون التعريف باللام وحدها [هو] أن اللام في مقابلة التنوين الذي هو في أصله للتنكير، فكما ثبت أن التنوين على حرف واحد وبه وقع التنكير، فكذلك التعريف بحرف واحد.
والحجة للخليل ﵀ في [أن] التعريف بهما جميعًا [هو] أن حروف المعاني أكثرها يأتي على حرفين، مثل: هل وبل وأو وإن وأم، وغير ذلك مما يطول ذكره، فأجرى الألف واللام هذا المجرى، واعتقد أن الحكم لهما جميعًا. إذا كان ما هو [على] حروف واحد - مثل باء الجر ولامه وكاف التشبيه وغيرها - قليلًا ليس في كثرة ما هو على حرفين فتمسك بالأكثر.
***
وأما قولنا: «ومنها حرف للتنكير مثل تنوين ما لا ينصرف والأسماء المبنيات».
[ ١ / ٢٧٢ ]
حرف النسب
فإن التنوين نون ساكنة تخرج من الخيشوم بلا كلفة، بدليل أن الممسك إذا أمسك أنفه لم يخرج للنون مخرج بل تحبس، وإنما الحركة التي تراها بعدها في مثل: (أحدن الله) إنما هي حركة التقاء الساكنين، وإلا فهي في الأصل ساكنة. ولذلك تبدل ألفًا في النصب من «رأيت زيدًا» ونحوه. وقد ذكر أقسام التنوين وأحكامه فيما تقدم. [فافهم ذلك وفقك الله تعالى].
***
قال الشيخ: وأما قولنا: «ومنها حرف للنسب، وهي الياء المشددة». فإن الياء المشددة التي للنسب إذا دخلت على الكلمة الجامدة جعلتها في حكم المشتق، وحملت الاسم الضمير، وجعلته صفة بعد أن لم يكن كذلك، ونقلت الإعراب الذي كان قبلها إليها، وقلبت الألفات واوات. ولها آثار كثيرة في النسب. فلذلك تقول: هذا رجل زيدي وعلوي وفتوي وحنفي، وشبهه. فتجد ما ذكرته لك.
وكل هذه الياءات حروف وليست بأسماء عند البصريين، خلافًا لما يقول بعض الكوفيين من أنها أسماء. ويحتجون بقول بعض العرب: «رأيت التميمي عدي» جر «عدي» على البدل من الياء. قالوا: فدل [ذلك] على
[ ١ / ٢٧٣ ]
القسم الثالث الحروف التي تعمل على صفة ولا تعمل على صفة أخرى
حروف النداء
كونها أسماء، لأنه لا يبدل الاسم إلا من الاسم. وهذا غلط في التأويل عند البصريين. بل الياء في «رأيت التيميمي» حرف نسب لا موضع له من الإعراب، وجر «عدي» إنما هو على حذف مضاف مراد، كأنه قال: «رأيت التيمي تيم عدي»، فعدي مجرور بالإضافة، لا [على] ما قالوا من البدل. فاعرف ذلك. إن شاء الله تعالى.
***
فصل
قال الشيخ رحمه الله تعالى: [وأما قولنا:] «وأما الحروف التي تعمل على صفة ولا تعمل على أخرى فهي تسعة. سبعة للنداء وهي: «يا» و«أيا» و«هيا» و«أي» و«آ» و«الهمزة» و«وا». فهذه إذا وليها المفرد المعرفة أو المقصود كان مضمومًا، مثل: يا زيد، ويا رجل، إذا أقبلت [٤٥] عليه. وإذا وليها المضاف، أو الاسم الطويل، أو النكرة التي ليست مقصودة / كان منصوبًا، مثل: يا عبد الله، ويا طالعًا جبلًا، ويا رفيقًا بالعباد. ويا رجلًا، ويا غلامًا، إذا لم تعين شخصًا بعينه».
وإنما جعلنا هذه الحروف خارجة عما تقدم لهذا الاختلاف الواقع بعدها. ولأن حرف النداء فيها ناب مناب الفعل. فإذا قلت: يا عبد الله، فكأنك قلت:
[ ١ / ٢٧٤ ]
أنادي عبد الله، فنابت «يا» عن الفعل. والدليل على نبيابته عن الفعل جواز إمالة حرف النداء. والحروف لا تمال. وقد قالوا يا عبد الله [ممال]، ويا زيد. فلولا النيابة عن الفعل لما جازت الإمالة. ولأنه قد وقع بعدها المنصوب والمجرور بحرف جر كما يقع بعد الفعل. فالمنصوب قولك: يا عبد الله. والمجرور قولك: يا لزيدٍ، كما تقول: ناديت عبد الله، وصحت لزيدٍ. فدل ذلك كله على نيابة حرف النداء عن الأفعال.
وهذه الحروف تختلف معانيها. فـ «أيا» و«هيا» و«أي» و«آ» لنداء البعيد والمستثقل في نومه. والهمزة لنداء القريب والذي بين يديك. و«وا» لنداء المندوب. و«يا» هي أم الباب تستعمل للقريب والبعيد، وفي الاستغاثة والندبة وغير ذلك، لأنها قاعدة الباب وعليها المدار. وأحكام ما بعدها قد ذكرت. فكل مفرد علم صحيح يكون مضمومًا في النداء، مثل: (يوسف أعرض عن هذا). وكل مضاف أو طويل يكون منصوبًا على ما مثلنا. وكل نكرة مفردة فهي على ضربين. إن كانت مقصودة بالإقبال عليها كانت مضمومة، كالعلم المفرد، مثل: يا رجل، ويا غلام. وإن كانت غير مقصودة كانت منصوبة، مثل: يا رجلًا أقبل، ويا غلامًا، فمن أجابك فقد أتى على غرضك، لأنك لم تقصد شخصًا بعينه.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وأما قولنا: «ومنها [ما وهي] حرف يرفع الاسم وينصب الخبر في النفي عند أهل الحجاز، ما دام خبرها متأخرًا بعد اسمها، لم يتقدم هو ولا معموله، ولم تدخل «إلا» ولا «إن» المخففة. وذلك قولك: ما زيد قائمًا، و«ما هذا بشرًا). وترفع في لغة تميم على كل حال».
فإن الحجة لبني تميم في رفع جميع هذه المسائل وشبهها أن «ما» حرف نفي يدخل على الجملة من المبتدأ والخبر، والجملة من الفعل والفاعل. وهي كحروف الاستفهام الداخلة على الجملتين. فكما أن حروف الاستفهام لا تعمل شيئًا فكذلك «ما» عند بني تميم.
والحجة لأهل الحجاز في إعمالها أنها عندهم مشبهة بـ «ليس» التي ترفع الاسم وتنصب الخبر. والشبه الذي بينهما من وجوه، أنهما جميعًا للنفي. وأنهما جميعًا داخلان على مبتدأ وخبر. وأنهما لنفي الحال. فلذلك نصب خبر «ما» بما كما نصب خبر «ليس» بليس. ولما كانت «ليس» فعلًا عملت على كل الوجوه بقوة الفعلية. ولما كانت «ما» حرفًا ضعفت عن العمل على كل حال، فبطل عملها إذا تقدم الخبر، مثل: «ما قائم زيد». وبطل إذا تقدم معمول الخبر مثل: «ما طعامك زيد آكل». «طعامك» مفعول «آكل» لما تقدم بطل نصب «آكل» وبطل عملها. وكلك إذا دخلت «إلا»، مثل:
[ ١ / ٢٧٦ ]
لا النافية للجنس
«ما زيد إلا قائم»، قال الله تعالى (ما هذا إلا بشر مثلكم) وبطل إذا دخلت «إن» مثل: «ما إن زيد قائم». لأن إن كفت «ما» عن عملها كما كانت «ما» تكف «إن» عن عملها.
***
وأما قولنا: «ومنها «لا». وهي تنصب النكرة ما دامت [النكرة] تليها، وما دام النفي مستغرقًا الجنس مثل: لا إله إلا الله. فإن وقع فصل بطل النصب، مثل: (لا فيها غول) ونحوه».
فإن جملة الأمر في «لا» أنها على ضربين. تارة يكون النفي بها نفي استغراق. والأخرى لا يكون نفي استغراق بل نفي اختصاص. فمتى كان النفي نفي استغراق، وهو ما كان جوابًا لحرف مستغرق مثل أن يقول القائل: هل من أحد في الدار، فتقول: [أنت]: لا أحد في الدار، بمعنى لا من أحد [في الدار]. وكذلك: هل من رجل، فتقول: لا رجل، بمعنى لا من رجل، فبنيت النكرة هنا مع «لا» لتضمنها معنى حرف الاستغراق. والبناء يقتضي أن يكون مجاورًا للمبني لا فاصل بينهما، ويقتضي أن يكون مفردًا لا مضافًا.
فإذا وقع فصل بين «لا» والنكرة بطل البناء، ووجب أن تقول: لا فيها رجل، ولا فيها أحد. وكذلك إذا كان مضافًا كان معربًا لا مبنيًا، مثل: لا غلام
[ ١ / ٢٧٧ ]
رجل [في الدار] ولا صاحب امرأةٍ فيها، لأن المضاف غير مبني في الغالب. وإنما حملت «لا» في عمل النصب على «إن» التي للإيجاب لأن العرب تحمل الأشياء على أضدادها كما تحملها على نظائرها، فقلت لا غلام رجل في الدار، ولا رجل في الدار. كما تقول: إن الرجل في الدار. فـ «لا» في العمل مثل «إن»، وإنما تخالفها في أشياء أخر. فـ «لا» تعمل في النكرة لا غير، و«إن» تعمل في المعرفة والنكرة، و«لا» تبنى مع النكرة [و«إن» لا تبنى مع النكرة]. و«إن» لا يحسن حذف خبرها، و«لا» يحسن حذف [٤٦] خبرها، نحو: / لا بأس، ولا خوف. وإن يجوز العطف على موضعها بعد الخبر ولا يجوز قبل الخبر، و«لا» يجوز العطف على موضعها قبل الخبر وبعد الخبر، مثاله: لا رجل وامرأة في الدار، ولا رجل في الدار وامرأة، ولا يجوز أن تقول: إن الرجل والمرأة في الدار، إنما تقول: إن الرجل في الدار والمرأة، إذا أردت الحمل على الموضع. فأما نصبهما جميعًا فلا إشكال في ذلك. فهذه كلها فروق بين «إن» و«لا» في العمل.
والفرق بين «لا» إذا بنيت مع ما بعدها من النكرة وبينها إذا لم تبن قد ذكر، أعني الاستغراق وترك الاستغراق. ومثالها في الاستغراق: لا حول ولا قوة إلا بالله، نفيت كل حول وكل قوة على جهة العموم أن يكون لأحد استجلاب
[ ١ / ٢٧٨ ]
لهما أو دفع لحلولهما إلا بالله جل وعز الذي هو فاعل كل شيء تعالى علوًا كبيرًا. وخبر «لا حول» محذوف لدلالة الثاني عليه، التقدير لا حول إلا بالله ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم] والخبر على التحقيق فيهما [جميعًا] محذوف كأنه قال: «لا حول لمخلوق إلا بالله ولا قوة لمخلوق إلا بالله». والجار والمجرور المقدر هو الخبر المتعلق بالاستقرار المقدر على الأصل [المقرر،] لأن إلا إنما دخلت للاستثناء، والاستثناء إنما هو من مستثنى، وذلك المستثنى هو الخبر المحذوف على التحقيق. وبالله التوفيق.
[ ١ / ٢٧٩ ]
الجزء الثاني
[ ٢ / ٢٨٠ ]
لطاهر بن أحمد بن باشاذ
المتوفى سنة ٤٦٩ هـ
_________________
(١) الجزء الثاني تحقيق خالد عبد الكريم
[ ٢ / ٢٨١ ]
الطبعة الأولى
١٩٧٧
[ ٢ / ٢٨٢ ]