قال الشيخ ﵀: أما قولنا: «الجر ما جلبه عامل الجر».
فإن تفسيره على حد ما ذكرنا في الرفع والنصب قصدًا لإرادة الفرق بين حركة الإعراب وحركة البناء. فما كان جره بعامل من حرف أو اسم مثل: مررت بزيد، وغلام عمروٍ، فكسرته يقال لها جر، لأنها بعامل جالب لها. وما كان بغير عامل مثل: هؤلاء وأمس ونزال وتراك، وما أشبه ذلك من جميع المبنيات على الكسر، فإنه يقال له كسر ولا يقال له جر. [٥٩]
[ثم قال]: وله ثلاث علامات/، الكسرة والياء والفتحة. فبدأنا بالكسرة لأنها الحقيقة في الجر إذ كانت من الياء، أو الياء منها على الخلاف. وليست الفتحة في هذا الباب بحقيقة في الجر، بل هي محمولة على النصب فيما لا ينصرف في قولك: مررت بأحمد، وبابه، كما تقول: رأيت أحمد.
ثم قال: فالكسرة تكون في الاسم السالم المنصرف، مثل: مررت بزيدٍ وعمروٍ. وإنما خص ذلك بالاسم المنصرف لأنه إذا كان سالمًا من حروف العلة لم تثقل الكسرة عليه، مثل: زيد وعمرو. وإذا لم يكن مشبهًا للفعل كان
[ ٢ / ٣٢٩ ]
جملة المجرورات ستة
مجرورات الملك والملابسة
مجرورات النوع والجنس
منصرفًا، وإذا كان منصرفًا دخل مع الجر التنوين. فلذلك احترزنا بالاسم المنصرف، لأن غير المنصرف لا يدخله جر، مثل: مررت بابراهيم واسماعيل.
وأم الياء فإنها تكون علامة الجر في أشياء ثمانية، الأسماء الستة المعتلة المضافة، والتثنية، والجمع. مثل: مررت بأبية وأخيه وحميه وفيه وهنيه وذي مال والزيدين والزيدين.
***
[ثم قال]: «وجملة المجرورات ستة». لأنا لما حصرنا المرفوعات والمنصوبات حصرنا أيضًا في هذا الفصل المجرورات وقلنا: مجرورات ملكٍ وملابسة، ومجرورات نوع وجنس، ومجرورات لفظ وتخفيف، ومجرورات تشبيه، ومجرورات وصف وحذف، ومجرورات تعدية».
فالأول مثل: غلام زيدٍ، ونحوه من إضافة الملك. ومثل: سرج الدابة وأخي زيد، ونحوه من إضافة الملابسة. وكله مقدر باللام، والأصل: غلام لزيدٍ، وسرج للدابة، وأخ لزيد، فحذفت اللام إيجازًا لما أريد من التعريف أو الاختصاص. لأنه كان الاسم الأول مع وجود حرف الجر نكرة ومبهمًا، فلما زال صار الأول معرفًا بالثاني إذا أضيف إلى المعرفة مثل: غلام زيدٍ، أو مختصا إذا أضيف إلى نكرة مثل: غلام رجلٍ، وسرج دابةٍ، وغلام أخٍ،
[ ٢ / ٣٣٠ ]
مجرورات اللفظ والتخفيف
ونحوه. فلهذه العلة أضيف. ولهذه العلة لم يجز في الاسم الثاني غير الجر، سواء ظهر حرف الجر أولم يظهر. فإذا أظهرته كان الجر بحرف الجر. وإذا لم تظهره وأضيف كان الجر بالإضافة التي هي نائبة عن الحرف، فعملت عمله.
***
والثاني مثل: ثوب خز وباب ساج وخاتم ذهبٍ، ونحوه من مجرورات النوع والجنس. فهذا ونحوه مقدر بمن، وأصله ثوب من خزٍ، وباب من ساج، وخاتم من ذهب. فعمل به مثل ما تقدم، من حذف الجار والجر بالإضافة. لكن هذا النوع يجوز في الاسم الثاني منه أبدًا ثلاثة أوجه، الإضافة بحكم الاسمية. والنصب مع التنوين على التمييز، مثل قولك: ثوب خزًا وبابٌ ساجًا، وخاتم ذهبًا. وقد ذكر أصل هذا في التمييز. والثالث إتباع الاسم الثاني الأول في إعرابه من رفع أو نصب أو جر، فتقول: هذا ثوب خز، ورأيت ثوبًا خزًا، ومررت بثوبٍ خزٍ. ولهذا تفسيران، أحدهما: أن يكون الأخير نعتًا. والآخر: أن يكون بدلًا. فإذا جعلته نعتًا قدرت فيه الاشتقاق، لأن النعت يكون بالمشتق. كأنك قلت: هذا ثوب لين، أو ناعم، ونحوه. وإذا جعلته بدلًا بقيته على الجنسية مبينًا للأول تبيين الأبدال كلها. والأحسن إذا أبدلت نكرة من نكرة أن تنعت النكرة الثانية ليكون فيها زيادة فائدة.
***
والثالث من المجرورات مثل: هذا ضارب زيدٍ اليوم، وآكل خبزٍ غدًا،
[ ٢ / ٣٣١ ]
ونحوه من مجرورات اللفظ والتخفيف. لأن الأصل في اسم الفاعل إذا كان للحال أو الاستقبال أن يكون منونًا عاملًا فيما بعده لجريانه على الفعل العامل. فلذلك جاز في هذا النوع أبدًا وجهان إثبات التنوين والنصب، فتقول: هذا ضارب زيدًا اليوم، وآكل خبزًا غدًا. والوجه الآخر حذف التنوين تخفيفًا والجر، فتقول هذا ضارب زيد اليوم، وآكل خبر الساعة. فهذه إضافة لفظية لا حقيقية، لأنها لم تفد [الاسم] الأول تعريفًا، بل الاسم نكرة على حاله، فلذلك جرى نعتًا للنكرة، مثل قوله سبحانه (هذا عارض ممطرنا). ولهذا جاز أن تدخل عليه «رب» كما قال الشاعر:
يا رب غابطنا لو كان يطلبكم لاقى مباعدةً منكم وحرمانا
[٦٠] / ولو كان اسم الفاعل في جميع هذا للماضي كانت إضافته حقيقية، ولكان اسم الفاعل متعرفًا بما يضاف إليه من معرفة ولم يجز أن يقع حالًا. مثل ذلك:
[ ٢ / ٣٣٢ ]
مجرورات التشبيه
هذا زيد مكلمنا أمس. فمكلمنا نعت لزيد، ولا يجوز نصبه على الحال. فإن قلت: «مكلمنا غدًا» لم يكن نعتًا، وكان منصوبًا على الحال.
فاعرف الفرق بين اسم الفاعل إذا كان لما مضى وإذا كان للحال والاستقبال. فليس فيه إذا كان لما مضى إلا وجه واحد، وهو الإضافة. وإذا كان للحال والاستقبال فوجهان، التنوين تارة، والإضافة أخرى، على ما بيناه.
***
والربع من المجرورات مثل: حسن وجهٍ، وكريم أبٍ، وطاهر ذيل، وعفيف يدٍ، ونحوه من مجرورات المشبهة، وهي الصفات المشبهة بأسماء الفاعلين. فهذه ونحوها يجوز فيها أبدًا ثلاثة أوجه [من الإعراب]، الرفع، والنصب، والجر. مثال الرفع: هذا رجل عفيفة يده. فهذا مبتدأ، ورجل خبره، وعفيفة نعت للرجل، وقد جرى على غير من هوله وهو في الحقيقة لليد، ويده مرفوعة بعفيفة ارتفاع المرفوع المسبب بالصفة. والعائد من الصفة إلى الموصوف الهاء في «يده». فإن أسقطت الهاء من «يده» ومن «عفيفة»، ونسبت العفة إلى الرجل في الجملة قلت: هذا رجل عفيف يدًا، أو عفيف يدٍ، فأشعت العفة في جملته ثم بينها بعد ذلك بجارحة من جوارحه. وإذا أتيت بالهاء رفعت من أول وهلة، فقد قصرت العفة على الجارحه المذكورة. وكذلك: حسن وجهه،
[ ٢ / ٣٣٣ ]
وكريم أبوه، وطاهر ذيله، كله جار هذا المجرى. فالنصب على التمييز، وقد قيل على التشبيه بالمفعول به. والأحسن قولك «تمييز»، لأنه يجرى مجرى باب «تفقأ زيد شحمًا» و«تصبب عرقًا»، فكما تسمي ذلك تمييزًا لما كان منصوبه فاعلًا في المعنى كذلك تسمى منصوب هذا الباب تمييزًا لكونه فاعلًا في المعنى.
فأما إن أدخلت الألف واللام على «الوجه» ونصبته فإن لا يحسن أن تقول «تمييز»، لأن التمييز لا يكون بالمعرفة. وكذلك يجوز أيضًا مع الألف واللام في الثاني ثلاثة أوجه فتقول: هذا رجل عفيف اليد، وعفيف اليد، وعفيف اليد، وكذلك البقية. فهذه ستة أوجه.
فإن أدخلت الألف واللام على الأول جاز ثلاثة أوجه أخر، فقلت: هذا الرجل العفيف اليد، واليد، واليد، فصارت تسعة. فإن أدخلت الألف واللام على الأول وأسقطتها من الثاني جاز وجهان، ويسقط وجه آخر، وهو الجر. لا يجوز: هذا الرجل العفيف يدٍ، فتجمع بين صريح المعرفة وصريح النكرة. ويجوز الوجهان الآخران، أغني رفع «وجه» ونصبه، فصار أحد عشر وجهًا.
فأما «عفيف يده»، بجر اليد مع المضمر، فمذهب سيبويه [﵀] أنه جائز عنده كما جاز مع الألف واللام في قولك: هذا رجل عفيف اليد، لأن الألف واللام عاقبت الإضافة إلى المضمر. وليس احتجاج من احتج عليه بأنه قد أضاف الشيء إلى نفسه حجة، لأن هذه إضافة لفظية لا حقيقية. وعليها أنشد سيبويه [﵀]:
أمن دمنتين عرج الركب فيهما بحقل الرخامى قد عفا طللاهما
[ ٢ / ٣٣٤ ]
مجرورات الوصف والحذف
أقامت على ربعيهما جارتا صفًا كميتا الأعالي جونتا ممصطلاهما
فموضع الشاهد أنه وصف قوله «جارتا صفًا» بقوله «كميتا الأعالي»، ثم وصفه بقوله «جونتا مصطلاهما»، وقد أضاف «الجونتين» إلى «المصطلى» المضاف إلى الضمير، فهو وزان مسألته في الجواز. فاعرف ذلك.
***
والخامس من المجرورات مثل: مسجد الجامع، وصلاة الأولى وجانب الغربي، وحق اليقين، ودار الآخرة، ونحوه من مجرورات الوصف والحذف. فهذا النوع الخامس كان أصله: صلاة الساعة الأولى، فالأولى من نعت الساعة. ومسجد الجامع، أصله: مسجد المكان الجامع. وجانب الغربي، أي: جانب
[ ٢ / ٣٣٥ ]
مجرورات التعدية
المكان الغربي، وحق اليقين، أي: حق الشيء اليقين أو النبأ اليقين. ودار [٦١] الآخرة، أي: / دار الكرة الآخرة، حذفت الموصوف من هذا كله وأقمت صفته مقامه. وإنما اعتقدت هذا الاعتقاد لأنه لا يصح إضافة الشيء إلى صفته. لا يجوز أن تقول: جاءني زيد العاقل، لأن زيدًا هو العاقل، والشيء لا يضاف إلى نفسه. وكذلك «مسجد الجامع»، لا يصح أن يكون المسجد مضافًا إلى الجامع لكونه صفته في الأصل، ووجب أن يقدر الحذف المذكور.
فإن أتيت بالألف واللام فيهما بطلت الإضافة وصار الثاني نعتًا لا غير، فقلت: هذا المسجد الجامع، ولا يجوز: هذا المسجد الجامع. وكذلك «الصلاة الأولى» في موضع النعت لا في موضع الإضافة. وكذلك «الجانب الغربي» و«الحق اليقين» و«الدار الآخرة». ولهذا قرأ من قرأ: (وللدار الآخرة)، ولم يقرأ أحد «وللدار الآخرة». فاعرف ذلك وقس عليه تصب إن شاء الله تعالى.
***
[قال الشيخ ﵀]: والسادس من المجرورات مثل: مررت بزيدٍ، ونزلت على عمرو. فهذا ونحوه من مجرورات التعدية إنما دخل حرف الجر فيه للتعدية وإيصال معنى الفعل إلى الاسم، فلا يجوز فيه إلا وجه واحد وهو الجر، إلا أن يكون الحرف زائدًا فيسقط ويرجع إلى الأصل، مثل: ليس زيد بقائم، وليس زيد قائمًا. فكل جار ومجرور وقع مفعولًا فإن لفظه لفظ الجر وموضعه نصب. فلذلك يجوز في العطف عليه وجهان، مثل: مررت بزيدٍ
[ ٢ / ٣٣٦ ]
المبني على الكسر
وعمروٍ، وعمرا. فالجر على اللفظ، والنصب على الموضع. لأن حرف الجر بمنزلة الجزء من الاسم تارة، وبمنزلة الجزء من الفعل تارة، فلذلك يجوز الوجهان.
***
قال الشيخ ﵀: فأما قولنا: «فهذه جملة المجرورات، وما عداها فمبني على الكسر، مثل: نزال وتراك وحذام وقطام وبداد وفساق وغدار وفجار. ومثل: هؤلاء وأمس. ومثل: سيبويه وعمرويه ونفطويه، ونحوه من الأسماء المركبة مع الأصوات».
فإنما أوردنا هذا الفصل آخر المجرورات ليحكم على حركاتها بأنها حركات بناء، لا حركات إعراب. لأنها كلها مبنيات.
وباب «فعال» يأتي على أربعة أقسام. اسماء للفعل كنزال وتراك. وهذا اسم للفعل. وفعله انزل واترك، أتي به للاختصار على ما تقدم من الكلام عليه في صهٍ ومهٍ.
وحذام وقطام اسمان علمان مبنيان كبناء أسماء الأفعال. وإنما بنيا - وليس أصلهما فعلًا - لأحد أمرين، احدهما علة أبي العباس أنه كان فيه التعريف والتأنيث، فلما اجتمع إلى ذلك العدل عن حاذمة وقاطمة بني، لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء.
والعلة الصحيحة أنه بني لتضمنه معنى الحرف الذي هو تاء التأنيث من
[ ٢ / ٣٣٧ ]
«حاذمة» و«قاطمة». لأن الاسم إذا تضمن معنى الحرف بني. وليس كثرة العلل موجبة للبناء. ألا ترى أن في «أذربيجان» ونحوه التعريف والتأنيث والتركيب والعجمة والألف والنون، فهذه خمس علل ومع هذا فلم يبن. فليس كثرة العلل موجبة للبناء.
وبداد وفجار اسمان للمصدر الذي هو البدة والفجرة، كأنه بني المصدر في هذا الوزن كما بني في الأعلام في حذام وقطام، وفي أسماء الأفعال في نزال وتراك، والعلة كالعلة.
وأما فساق وغدار فصفة معدولة عن فاسقة وغادرة، تستعمل في النداء، فيقال: يا فساق ويا غدار، كما يقال للمذكر: يا فسق ويا غدر.
فهذه أربعة أقسام كلها مبنية لما ذكرنا. وبنيت على حركة لالتقاء الساكنين، الحرف الأخير والألف الذي قبله. وخص بالكسر على أصل التقاء الساكنين.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وقيل: إنما خص بالكسر لأن هذه الألفاظ وضعت للمؤنث. والكسرة من علامات التأنيث فخص بالكسر لذلك. والدليل على أن أسماء الأفعال مؤنثة قول الشاعر:
ولأنت أشجع من أسامة إذ دعيت نزال ولج في الذعر
فأنث فعل «نزال» حين قال «دعيت نزال». و«نزال» اسم ما لم يسم فاعله في موضع رفع.
وأما هؤلاء وأمس فقد مضى الكلام عليهما. وكذلك مضى الكلام على عمرويه وسيبويه ونفطويه، ونحوه. وقد ذكرنا أنها أسماء وأصوات. فالاسم «سيب»، والصوت «وبه». والحركة لالتقاء الساكنين: الياء والهاء. والكسر على أصل التقاء الساكنين [وبالله التوفيق].
[ ٢ / ٣٣٩ ]