وهو على ضربين متبع ومبتدع. فالأول كتابة المصاحف. والثاني ما اصطلح عليه الكتاب وقاسه النحويون ورسمه العروضيون.
وجملة الأمر أن مداره على معرفة ثمانية أشياء. وهي: الممدود، والمقصور، والمهموز، والوصل، والقطع، والحذف، والزيادة، والبدل. وهذا هو الفصل الأخير من فصول المقدمة والحاجة إليه داعية والغلط فيه كثير. وسأذكر من ذلك ما لا غناء عنه بمشيئة الله تعالى.
فكل ما يتعلق بالمصاحف فمسلم متبع لا يجوز العدول عنه، مثل (بسم الله الرحمن الرحيم). فيها ثلاث ألفات محذوفات من الخط. الأولى من «بسم» التي هي ألف وصل دخلت توصلًا إلى النطق بالساكن. والثانية ألف اسم الله تعالى التي قبل الهاء. والثالثة ألف الرحمن. كل ذلك حذف من الخط لكثرة الاستعمال. والعروضيون يثبتون الألف من الرحمن، والألف من اسم الله تعالى لما يراعونه من الأوزان فيجتنبون ما يفسد عليهم من زيادة أو نقصان.
والقرآن العظيم في أعلى رتب البيان، وليس له تعلق بالأوزان. فمنه ما يأتي على أقيسة النحويين وهو الأكثر، ومنه ما يأتي على غير أقيستهم. وخاصة ما يتعلق بالمصاحف، مصاحف أهل الكوفة. وكل مسلم متبع، كالنص الذي يرتفع معه حكم القياس فلا يجوز العدول إلى القياس مع وجوده. وفي بسم الله الرحمن الرحيم من القياس الموافق للإتباع ما ذكرناه من كثرة الاستعمال. فإن
[ ٢ / ٤٣٤ ]
كثرة الاستعمال له أصل كبير في العربية. ألا تراهم يجتزئون بالحرف الواحد عن الجملة لكثرة استعمالهم، مثل:
* قلنا لها: قفي، فقالت: قاف *
أي: وقفت. ومثله: ألا تا، يريد: ألا تركبون، قال الشاعر:
نادوهم أن ألحموا ألا تا
قالوا جميعًا كلهم ألا فا
ومن ها هنا حذف العامل في الباب من قوله (بسم الله الرحمن الرحيم)، ومعلوم أنه لابد لكل حرف جر من شيء يتعلق به. لأن حروف الجر إنما دخلت توصلًا لإيصال معاني الأفعال إلى الأسماء. ولولا ذلك وما يجري مجراه لم يحتج إليها.
ولما كان كذلك وجب أن تكون الباء مطالبة بعامل يعمل فيها، وتقديره يحتمل أمرين. أحدهما «بدأت» أو «أبدأ». والآخر: «ابتداي».
[ ٢ / ٤٣٥ ]
فإذا كان المقدر فعلًا كانت الباء متعلقة بذلك الفعل الذي هو في حكم الموجود. وإذا كان المقدر اسمًا كانت الباء متعلقة بمحذوف آخر، كما تتعلق به في كل موضع يكون خبرًا عن مبتدأ. كأنه قال: ابتداي كائن بسم الله، أو واقع بسم الله تعالى. فعلى هذا يكون الجار والمجرور من بسم الله في موضع رفع، لأنه نائب مناب الخبر. وعلى القول الأول يكون الجار والمجرور في موضع نصب، لأنه مفعول لذلك / الفعل المحذوف. وليس في الجار والمجرور على هذا القول ضمير مستتر، وفيه على القول الآخر ضمير مسترر.
فأما قوله سبحانه (باسم الله مجراها ومرساها)، فإن باسم الله يصلح أن يكون في موضع نصب، ويصلح أن يكون في موضع رفع. فوجه كونه في موضع نصب أن يكون متعلقًا بـ (اركبوا) تعلق الأحوال، أي: اركبوا فيها متبركين باسم الله. ووجه كونه في موضع رفع أن يكون خبرًا مقدمًا لـ (مجراها ومرساها)، فيكون (مجراها) في موضع رفع بالابتداء، و(باسم الله) خبرًا مقدمًا، وتتعلق الباء بمحذوف مقدر، أي: مجراها كائن باسم. كما تقول: باسم الله كل خير، ومع اسم الله كل خير. فعلى هذا الوجه يجوز الوقف على قوله (اركبوا فيها)، ويبتدأ (باسم الله مجراها ومرساها). وعلى الوجه الأول لا يصح الوقف
[ ٢ / ٤٣٦ ]
أحكام الخط تدور على ثمانية أشياء
الممدود
على (اركبوا فيها)، لأنه لا يوقف على العامل في الحال دون الحال. و(مجراها) على قول من جعل (باسم الله) حالًا في موضع نصب على الظرف، أي: وقت جريها، فيكون اسمًا للوقت، بخلاف الوجه الآخر. والألف في باسم الله ثابتة في الوجهين جميعًا، لأنه لم يكثر هذا في الاستعمال.
وكذلك (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، الباء في قوله تعالى (اقرأ باسم ربك) يجوز أن تكون متعلقة بموجود إذا جعلتها مفعولًا لقولك (اقرأ)، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف إذا جعلتها حالًا، كأنه قال: اقرأ مستفتحًا باسم ربك، ففي الجار والمجرور على هذا الوجه مضمر مرفوع. وليس فيه على التقدير الآخر ضمير مرفوع، بل الضمير المرفوع في قوله (اقرأ) لا غير. فاعرف هذه المواضع الدقيقة اللطيفة فإنها كاشفة للمعاني، نفعك الله بذلك.
وأما قولنا: «ومداره على معرفة ثمانية أشياء، وهي: الممدود والمقصور والمهموز والوصل والقطع والحذف والزيادة والبدل».
قال الشيخ ﵀: فغنما قلنا مدار على معرفة هذه الثمانية لأنه لا يخرج شيء من أحكام الخط عنها. والأصل هو التغيير لأمر يوجب ذلك على ما يبين في كل فصل من هذه الفصول الثمانية.
***
فأما الممدود فهو كل ما كان آخره همزة بعد ألف زائدة، مثل: حناء
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وكساء وحرباء وحمراء. وإنما مثلنا بهذه الأمثلة الأربعة لأن كل واحد منها أصل في بابه. إذ الهمزة المتطرفة في الممدود لا تخلو من أن تكون أصلية، أو منقلبة عن حرف أصلي، أو زائدة للإلحاق، أو زائدة للتأنيث. فمثلنا لكل واحد من هذه الأقسام الأربعة بمثال لتقيس عليه النظائر، وتعمل بما يوجبه الحكم في التثنية [والجمع] والنسب والتصغير.
فالذي همزته أصلية مثل: حناء. لأنه من قولهم: حنأت رأسه بالحناء، فتجد الهمزة ثابتة بالتصرف في الفعل. وكذلك قثاء همزته أصلية، لقولهم: أرض مقثأة. وكذلك [قولك]: رجل وضاء، أي: حسن الوجه، لأنه من الوضاءة، ومن معناه: توضأت. فهذا ونحوه همزته أصلية.
والثاني ما همزته منقلبة عن حرف أصلي، وهو كساء [وردا] وعطاء وإناء وشقاء ونحوه، الهمزة منقلبة عن حرف علة [أصلي]، إما واو، وإما ياء. فالواو في مثل «كساء» لأنه من الكسوة. وكذلك العطاء، لأنه من عطا يعطو إذا تناول وكذلك شقاء، لأنه من الشقوة. فأما رداء فإن الهمزة بدل من
[ ٢ / ٤٣٨ ]
ياء، لقولهم: فلان حسن الرذية. وكذلك إناء، لأنه من أني يأني، وإذا بلغ، وإن لم يكن إياه. لأن الأنى في البلوغ مقصور، وإناء الآنية ممدود. فهذا أصل ثان.
والثالث ما همزته زائدة للإلحاق، لا أصلية، ولا منقلبة عن أصلي. وذلك مثل: حرباء وزبراء وقيقاء وسيساء. كل هذا مهموز همزته زائدة للإلحاق لا أصلية، بوزن فعلال، مثلت بسرداح وسربال. وقد جاء في المضموم أيضًا مثل قوباء الذي هو ملحق بقرطاس.
الرابع ما همزته زائدة للتأنيث مثل حمراء وصفراء وما أشبهه من كل ما لا ينصرف لأنه الثلاثة الأول مصروفة وهذا وحده غير مصروف، / لأنه أجري في التأنيث ولزوم التأنيث مجرى الألف المقصورة في سكرى وبابه. إلا أن الحاجة في معرفة جميع هذه الهمزات على اختلاف أنواعها أنها تكتب في
[ ٢ / ٤٣٩ ]
الخط بألف واحدة في حال الرفع والجر، وبألفين في حال النصب. سوى ما لا ينصرف فإن نصبه كجره.
ومثال ذلك كله في الرفع: هذا حناء وكساء وحرباء وحمراء. ومثاله في الجر: مررت بكساء وحناء وحرباء وحمراء. فإذا صرت إلى النصب كتبته بألفين، مثل: رأيت حناأً وكساأً وحرباأً، وحمراء بألف واحدة، وإنما كتبت هذا كله في [حال] النصب بألفين - سوى ما لا ينصرف - لأن الأصل ثلاث ألفات: الألف التي قبل الهمزة - وهي ألف المد، وألف الهمزة نفسها، والألف المبدلة من التنوين في حال النصب. فلما كان الأصل ثلاث ألفات حذفت واحدة من الثلاث تخفيفًا، فبقيت ألفان، وكتبت بألفين، سوى ما لا ينصرف فإنه في حال النصب بألفين فحذفت واحدة فلم يبق إلا واحدة، فكتب بألف واحدة. ولهذه العلة كتب المرفوع كله والمجرور بألف واحدة لأن أصله ألفان فحذفت واحدة تخفيفًا.
فإن ثني جميع هذا الممدود كتب كله بألفين في حال الرفع. لأنه كان قبل دخول ألف التثنية بألفين، فلما دخلت ألف التثنية صارت ثلاث ألفات، ولما صارت ثلاث ألفات ذهبت واحدة وبقيت اثنتان فقلت: هذان حناآن، وكساآن [وحرباآن وحمراآن]. فالألف الثانية هي ألف الإعراب لا يجوز حذفها لا لفظًا ولا خطًا، لأنها علامة الرفع.
فإن اتصل بهذا الممدود ضمير مخاطب أو غائب كتب كله بالواو في حال الرفع، وبالياء في حال الجر، وبالألف في حال النصب، على حد حركة الهمزة فمثال الرفع: هذا حناؤك، وكساؤك، وحرباؤك، وحمراءك. ومثاله في الجر:
[ ٢ / ٤٤٠ ]
عجبت من حنائك، وكسائك، وحربائك، وحمرائك. ومثال النصب: رأيت حناأك، وكساأك، وحرباأك، وحمراأك. لأن الهمزة مع الإضافة صار حكمها حكم المتوسطة فكتبت على حد حركة الإعراب.
ولو أضفت هذا كله إلى نفسك لكان بالياء كله. مثل: حنائي وكسائي وحربائي وحمرائي، لأن ياء الإضافة لا يكون ما قبلها إلا مكسورًا.
فهذه معرفة الخط في الممدود.
ولو كان هذا كله منسوبًا لما كان إلا بألف واحدة في جميع الإعراب كله. لأن ياء النسب يغير لها ما قبلها. فإن كان أصليًا مثل: حناء، قلت حنائي. فالهمزة الأخيرة تصير ياء في الخط، وهي همزة في اللفظ، وإن كانت منقلبة عن أصلي جاز وجهان، الهمز والقلب واوًا. فتقول: كسائي، وكساوي. والأجود الهمز كالأصلي.
وإن كانت للإلحاق فوجهان أيضًا، أجودهما القلب واوًا، فتقول: حرباوي وحربائي.
وإن كانت للتأنيث فوجه واحد، وهو القلب واوًا. فتقول: حمراوي وصفراوي، ونحوه.
فإن صغرت جميع ذلك لم يكن فيه ألف بحال، ما خلا باب حمراء. لأن ألف المد تنقلب ياء لانكسار ما قبلها، وتدغم ياء التصغير فيها، فتجتمع الياءان في تصغير البنية. فتقول في تصغير حناء: حني، بالتشديد وهمزة معربة.
[ ٢ / ٤٤١ ]
فالتشديد هي ياء التصغير، وقعت ياء التصغير ثالثة بين النون الشديدة - والمقدرة بنونين - فانفك الادغام، ثم انقلبت ألف المد ياء لأجل الكسرة التي بعد ياء التصغير، وبقيت الهمزة على حالها. وهذه الهمزة هي الأصلية تعرب بجميع الإعراب. تقول: هذا حنييء، ورأيت حنيئًا، ومررت بحنيء. ومثله: قثاء ووضاء وبابه مما همزته أصلية من هذا الوزن.
وتصغير مثل كساء وبابه فيه وجهان. من جميع بين ثلاث ياءات أعربه إعراب المنقوص فقال: هذا الكسيي، ورأيت الكسيي، ومررت بالكسيي. كل ذلك بثلاث ياءات، فالأولى ياء التصغير، والثانية هي المنقلبة عن ألف المد المدغم فيها، والثالثة هي المنقلبة عن الهمزة التي هي لام الكلمة التي زالت بزوال المد. ومن كره الجمع / بين ثلاث ياءات حذف اللام، وأعربه إعراب الصحيح، وكان بياء واحدة مشددة. فيقول: هذا الكسي، ورأيت الكسي، ومررت بالكسي.
فإن صغرت مثل حرباء وبابه فبياء مشددة لا غير. لأنه لم يجتمع فيه ما اجتمع في
[ ٢ / ٤٤٢ ]
كساء من التقاء الياءات، فتقول: هذا حريبي، ورأيت حريبيًا، ومررت بحريبي. فالياء الأولى هي ألف المد انقلبت ياء لانكسار ما قبلها. والياء الثانية هي المنقلبة عن همزة الإلحاق لزوال المد. فلم يجتمع في هذا ما اجتمع في كساء. فإن صغرت مثل حمراء وصفراء فلا قلب فيه ولا إدغام. لأن همزة التأنيث بمنزلة تاء التأنيث، لا تتغير في التصغير، ويكون ما قبلها مفتوحًا على حاله. فتقول: هذه حميراء، ورأيت حميراء، ومررت بحميراء. حكمها في الخط مصغرة كحكمها في الخط مكبرة، لأن همزتها في التصغير لم تزل.
فأما معرفة هذه الهمزات في التثنية فقد ذكرناها فيما مضى من فصل التثنية. فأما معرفتها في جميع التكسير فإن المد يتغير ويزول في جميعها. ألا ترى أنك تقول في حناء: حنان، وفي كساء: أكسية، وفي حرباء: حرابي، وفي صحراء: صحاري وصحارى وصحارٍ.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
المقصور
فصل
قال الشيخ ﵀: وأما المقصور فهو كل ما كان في آخره ألف مفردة في اللفظ. وقد مضت العلة في تسمية هذا مقصورًا بأنه ضد الممدود، وبأنه قصر عن جميع الإعراب وحبس عنه. فسمي مقصورًا لذلك.
والألف في الخط في مثله تختلف كثيرًا. فمتى كانت الألف رابعة فما زاد - مثل: المولى والمجتبي والمستدعى ونحوه - فإنه يكتب بالياء ما لم يكن قبل آخره ياء. فإن كان قبل آخره ياء فإنه يكتب بالألف مثل: الدنيا والعليا والروايا والعطايا. إلا كلمتين شدتا، وهما يحيى وربى، في الاسمين العلمين، فإنهما كتبا بالياء.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
والعلة في كتب فصل «المولى» بالياء لأنه لو صرف من الرباعي أو الخماسي فعل لم يكن إلا بالياء، ولو كان من ذوات الواو، مثل: أعطيت واستدعيت، وأعطى يعطي، واستدعى يستدعي، فحمل على ذلك.
والعلة في كتب فصل «الدنيا» وبابه بالألف كراهية اجتماع ياءين في الخط، فصور الألف حملًا على اللفظ.
والعلة في شذوذ «يحيى» و«ريى» حتى كتبا بالياء أنهما علمان، والأعلام يقع من التغيير فيها ما لا يقع في غيرها، لأنها منقولة في أصلها، والتغيير يؤنس بالتغيير. ألا ترى إلى إمالتهم العجاج والحجاج. وجمعهم بين الياء والواو وقد سبق الأول منهما بالسكون في مثل «رجاء بن حيوة»، وتصحيحهم الواو في مثل «مكوزة ونحوه. وليس لجميعه علة في الشذوذ أكثر من كونه علمًا. فهذا حكم المقصور فيما زاد على الثلاثة».
وإن كانت [الألف] ثالثة نظر أصلها، فإن كان واوًا كتبت بالألف، مثل: العصا والعلا وشبهه. وإن كان أصلها ياء كتبت بالياء، مثل الغنى والفتى والهوى [والقرى].
والعلة في اعتبارهم الفرق في الثلاثي بين بنات الواو وبنات الياء أنه إذا صرف الفعل من بنات الواو كان بالواو، مثل: دعا يدعو، ودعوت دعوة.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
وإن كان من ذوات الياء صرف بالياء، مثل: رمى يرمي، ورميت رمية. فلما وقع الفرق في التصريف، كذلك وقع في الخط إذا تصرف، تكتب ذوات الواو بالألف، وذوات الياء بالياء.
فإن اتصل جميع المقصور بمضمر على اختلاف أنواعه، من ثلاثيه وما زاد عليه، فإنه كله يكتب بالألف. مثل: فتاه ورحاه وعصاه ورضاه، ونحوه من الأسماء. وغزاه ورماه ودعاه، ونحوه من الأفعال.
والعلة في ذلك أن الألف لما اتصلت بالمضمر توسطت وبعدت من محل التغيير، فحملت على لفظها في الكتب بالألف، ولم تتغير. كما لم تتغير ألفات العيون في الأسماء والأفعال من مثل «باب» و«ناب»، ومثل: «قال» و«باع».
فإن قيل: فبأى شيء تعرف بنات الواو من بنات الياء؟ .
فقل: بأحد ثمانية أشياء. إما بالتثنية المسموعة مثل: الفتيان والعصوان. وإما بالجمع: مثل: القنوات، جمع قناة، والحصيات، جمع حصاة. وإما بوزن فعلة من نحو: الغزوة والرمية [والدعوة]، لأن الفعلة تكون ساكنة العين فتظهر بنات الواو من بنات الياء.
وإما برد الفعل إلى نفسك في الثلاثي مثل: غزوت ورميت، لأن تاء المتكلم يسكن ما قبلها، فترجع الألف فيه إلى أصلها، فينكشف لك أمرها.
وإما بالفعل المستقبل مثل: يغزو ويرمي، ونحوه من الثلاثي. لأن المعتل الثلاثي إذا كان ماضيه على «فعل» لم يخل مستقبله أن يكون بوزن «يفعل» مثل:
[ ٢ / ٤٤٦ ]
يغزو ويدعو، أو بوزن «يفعل» مثل: يقضي ويرمي، فتظهر أيضًا بنات الواو من بنات الياء.
وإما أن يكون في أول الكلمة واو مثل: وعى ووقى وودى، فإن ألفه منقلبة عن ياء. لأنه ليس في كلامهم ما فاؤه ولامه واو إلا لفظة واحدة لا غير، وهي «واو». فلذلك قطع على مثل باب: وعى ووقى وودى ووشى ونحوه أنه من ذوات الياء فكتب بالياء.
وإما أن تكون عين الكلمة واوًا مثل: عوى وشوى، فإن ألفه منقلبة عن ياء في الغالب لأن المستقبل منه أبدًا على يفعل، مثل: عوى يعوي، وشوى يشوي، وطوى يطوي، وغوى يغوي، فلذلك حكم على انقلاب ألفه من الياء، وأن لا يعتد بمثل «القوة» لقلتها وندورها.
وإما بالإمالة مثل: «متى» و«بلى». فهذا وإن لم يكن متصرفًا، فإنه يعلم انقلاب ألفه عن الياء تشبيهًا بالمتصرف لما سمع فيه من الإمالة، التي بابها أن تكون في الأفعال، أو في الأسماء المشبهة بها. فالأفعال مثل: رمى وسعى وقضى. والأسماء مثل: الهدى والهوى. فـ «متى» اسم للاستفهام، مبني، غير متصرف، وقد سمع فيه الإمالة فغلب على ألفه الانقلاب عن الياء. فلو سميت بها وثنيت لقلت: متيان. و«بلى» تمال، وإن كانت حرفًا، لأنها تشبه بالأسماء من حيث كانت على ثلاثة أحرف، وأنها تكفي في الجواب، فلذلك خالفت «لا» التي تكفي في الجواب، فأميلت، ولم تمل «لا» لأنها على حرفين.
فأما كتبهم مثل «على» و«إلى» بالياء، وليس مما يمال، فإنه لما كان يرجع إلى الياء مع المضمر في قولك: إليك وعليك، كتب بالياء حملًا على ذلك. وأما «حتى» فمكتوبة بالياء، وإن لم تدخل على المضمر، لأنها للغاية، بمعنى «إلى» فأجريت مجراها فكتبت بالياء.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وأما «كلا» فمكتوبة بالألف على الأصل، بخلاف «حتى» لأنها لا تدخل على مضمر، ولا تشبه ما يدخل على مضمر، فبقيت على أصلها.
وأما كلى وكلتى فيكتبان بالياء لإمالتهما، ولأنهما اسمان لا إشكال فيهما. وقد ألزمت ألفهما الياء مع المضمر في حال النصب والجر، مثل: رأيتهما كليهما وكلتيهما، ومررت بهما كليهما وكلتيهما. وقد تقدم الكلام عليهما.
فقد صار اعتبار بنات الواو من بنات الياء بأحد هذه الأشياء الثمانية المذكورة. وإذا جهل أصل الألف من جميع هذه الجهات كتبت بالألف حملًا على اللفظ، لأنه الحاصل في اليد، مثل ألف «ما» وألف ذا وألف «تا».
***
[ ٢ / ٤٤٨ ]
المهموز
فصل
قال الشيخ ﵀: «وأما المهموز فإنه ينظر. فإن كانت الهمزة أولا صورت ألفًا بأي حركة تحركت، مثل أم وأخٍ وإبلٍ.
فإن هذا هو الفصل الثالث من فصول الخط وهو أصل كبير. فمتى كانت الهمزة أولًا لم تصور قط إلا ألفًا، لأنه ليس لها أصل ترجع إليه في التخفيف فتحمل عليه. فإذا كانت الهمزة أولًا في كلمة مبتدأ بها فلا تخففها، من حيث كان تخفيفها تقريبًا لها إلى الساكن. فكما أن الساكن لا يجوز الابتداء به، فكذلك ما قرب منه. وإذا لم يجز تخفيفها لم يبق لها حكم إلا تصويرها ألفًا محركة بضم
[ ٢ / ٤٤٩ ]
كأم، أو فتح كأخ، أو كسر كإبل.
فإن دخل على هذه الهمزة ألف استفهام والثانية مفتوحة كتبت بألفين على حد تخفيفها. مثل: أأخوك زيد، أأبوك عمرو، ونحوه. ما لم تكن الثانية همزة وصل فإنها تسقط وتكتب بألف واحدة. مثل أبنك خير أم غلامك، تذهب ألف الوصل، لأنه قد توصل إلى النطق بالساكن بهمزة الاستفهام / فأغنت عنها، ولم يبق معك إلا همزة واحدة فتكتب جميع ذلك بألف واحدة. ومثله [قوله سبحانه]: (أصطفى البنات على البنين) بألف واحدة، وهي ألف الاستفهام.
ولو لم تكن استفهامًا وكانت خبرًا لكانت أيضًا بألف واحدة، ولكنها في الاستفهام مفتوحة مقطوعة، وفي الخبر مكسورة موصولة.
فإن كانت ألف الوصل مفتوحة من مثل الرجل والغلام، وقد دخلت عليها ألف الاستفهام، كتبت بألفين. مثل: ءآلرجل عندك، ءآلغلام في الدار. ومثله قوله تعالى (ءآلله أذن لكم)، (ءآلذكرين حرم أم الأنثيين)، وما أشبه ذلك. فالأولى ألف الاستفهام، والثانية ألف الوصل. وإنما ثبتت صورتها في الخط ليفرق بين الاستفهام والخبر. إلا أنها لا تحقق بحال، وإنما يحقق ما كانت همزته قطعًا.
فأما قراءة أبي جعفر (آلم الله)، بقطع الهمزة من اسم الله تعالى،
[ ٢ / ٤٥٠ ]
فإنه لما كان مذهبه الوقف على فواتح السور وقفة يسيرة صارت همزة الوصل كالمبتدأ بها، لا كالموصولة. وكما أنها تكون محققة في حال الابتداء بها بلا خلاف، كذلك أجراها مجرى ما هو في حكم الابتداء.
فإن قيل: ولم لا تكون همزة الرجل والغلام والهمزة من اسم الله تعالى قطعًا، كما قال الخليل [﵀] إن أصلها القطع كحروف المعاني التي على حرفين؟ قيل: الخليل ﵀ وإن كان قد قال ذلك فإنه أصل قد انتقل وبطل استعماله في حال الوصل، فلا ينبغي أن يستند إليه. ألا ترى أن سيبويه [﵀] يقول التعريف باللام وحدها وإن الهمزة إنما دخلت توصلًا إلى النطق بالساكن في حال الابتداء به. فاعرف ذلك.
[قال الشيخ ﵀]: وأما قولنا: «وإن كانت الهمزة وسطًا نظرت، فإن كانت ساكنة دبرها حركة ما قبلها مثل: رأس وبئر وسؤر، على حد تخفيف الهمزة. وإن كانت متحركة نظر ما قبلها، فإن كان ساكنًا لم يكن لها صورة حرف مثل: أرءس واستلئم [الرجل واستلئم يا رجل] واسئل. وهذا هو الوجه المختال». وإنما كان مختارًا لأن الهمزة إنما تصور على حد تخفيفها، وهذه الهمزة لو خففت لألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها، وذهبت بالجملة. فلذلك لم تكن لها صورة في الخط أكثر من تمثيل همزة معها، حركتها إن كانت ضمة كانت بين يديها، وإن كانت فتحة كانت فوقها، وإن كانت كسرة كانت تحتها.
ومن الناس من يصور المفتوحة في هذا ألفًا، مثل: استلأم، واسأل، والمكسورة ياء مثل: استلئم، والمضمومة واوا مثل: أرؤس. وحجة هذا أنه ألقى حركتها على ما قبلها فسكنت، ثم قلبها على حركة ما قبلها فصورها بصورتها.
[ ٢ / ٤٥١ ]
والمذهب الأول أقيس، لما تقدم من أن الهمزة المتحركة الساكن ما قبلها تذهب في التخفيف من اللفظ أبدًا، فكذلك ينبغي أن تذهب صورتها.
وإن كان ما قبل الهمزة متحركًا رجع إليها في نفسها ونظرت حركتها، فإن كانت فتحة دبرها حركة ما قبلها، مثل: جؤن ومئر وسأل، لأن الفتح أخو السكون، وإذا كان أخاه في الخفة تدبرت الهمزة بما قبلها، فلذلك كانت واوًا في [مثل]: جؤن ويؤاخذ ويؤخر. وياء في مثل: مئر ومة وفئة. وألفًا في مثل: سأل وجأر. لكن هذه المفتوحة المفتوح ما قبلها لا يكون تخفيفها إلا بين بين، بخلاف المفتوحة المضموم ما قبلها أو المكسور فإنها لا تكون بين بين، وإنما تكون مبدلة على [حد] حركة ما قبلها.
وإن كانت حركة الهمزة غير فتحة من ضم أو كسر دبرها أبدًا حركة نفسها. فكتبت واوًا إذا انضمت، وياء إذا انكسرت. وذلك قولك في المضمومة: قد لؤم الرجل، وفي المكسورة: قد سئل. لأنها لو خففت لكانت على هذا الأصل، وهو جعلها بين بين، فتكون مع الضمة بين الهمزة والواو في «لؤم»، وبين الهمزة والياء / في «سئل».
وإن كانت الهمزة متطرفة كتبت أبدًا على حركة ما قبلها، سواء تحركت أو سكنت، نحو: قد قرأ، بالألف، ولن يقرأ، وهو يقرأ، وهو يقريء،
[ ٢ / ٤٥٢ ]
وهو يدفؤ. لأنها إذا كانت متطرفة فهي معرضة للسكون في الوقف. وإذا سكنت دبرها في التخفيف ما قبلها، فكانت ألفًا مع الفتحة في «قرأ» و«لن يقرأ» [وهو يقرأ]. وياء مع الكسرة في نحو: «يقريء» و«ينييء». وواوًا مع الضمة في مثل قوله: قد دفؤ يومه يدفؤ [ووضؤ] وجهه يوضؤ. وإذا كان هذا هكذا في الهمزة المتطرفة المتحركة فأحرى وأولى أن يكون في الساكنة [في] مثل: لم يقرأ، ولم يقري، ولم يدفو. فإن اتصل بهذه المتطرفة المتحركة ضمير خرجت عن حكم الطرف، وصار حكمها حكم المتوسطة في جميع ما ذكرناه. مثل: هو يقرؤه، ولن يقرأه، ولم يقرأه، وهو يقرؤه السلام. لأن جميع ذلك محمول على حكم التخفيف، فصورت الهمزة بالوصل التي يقتضيها التخفيف.
***
[ ٢ / ٤٥٣ ]
الوصل والقطع
فصل
[قال الشيخ ﵀]: وأما القطع والوصل فأكثر ما يكون ما «ما» و«لا» و«ها». وهذا هو الفصل الرابع من فصول الخط. وإنما كثر الوصل والقطع في هذه الحروف الثلاثة لما حدث معها ووجب [من] التركيب
[ ٢ / ٤٥٤ ]
وتشاكل اللفظ، أو ترك التركيب وحمل كل شيء على أصله، على ما يأتي بيانه [إن شاء الله]. فـ «ما» توصل أبدًا بحروف المعاني إذا كانت على حرف واحد، اسمًا كانت أو حرفًا. مثل قوله سبحانه (فبما نقضهم ميثاقهم) و(كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم).
والعلة في وصلها مع الحرف الواحد أن الحرف الواحد لا يستقل بنفسه، فوجب وصله بها أبدًا.
فإن كانت حروف المعاني على أكثر من حرف مثل: أن وليت ولعل وإلى وحتى، ونحوها، كتبت «ما» منفصلة إذا كانت اسمًا بمعنى «الذي»، مثل: (إن ما عند الله هو خير لكم). وتكتب متصلة إذا كانت حرفًا مثل: (إنما الله إله واحد)، فرقًا بين الاسم والحرف. وذلك أن «ما» إذا كانت كافة «إن» عن عملها فقد اتصلت بها اتصال المانع لها عن عملها، فوجب ألا تكون منفصلة عنها. وليس كذلك إذا كانت بمعنى «الذي»، لأنها اسم منفصل، ومعمولة «إن»، وواقعة موقع «الذي». فكما أنها مع «الذي» تكون منفصلة فكذلك مع ما هو بمعناها.
فإن كانت [ما] استفهامية كتبت متصلة، وإن كانت اسمًا، لأجل الحذف الذي يلحقها، مثل: إلام تنظر، وحتام تغيب، و(فبم أنت من ذكراها). فعلامة الوصل في «حتام» كتب «حتى» بالألف. وكذلك علامته في «إلام» كتبها بألف. ولو وقفت على هذه الاستفهامية لفصلتها، وألحقتها هاء للسكت، وكتبتها إلى مه، وحتى مه، وعلى مه. لأنها ياء السكت قد صارت على أكثر
[ ٢ / ٤٥٥ ]
من حرف واحد ففصلت.
فقد صار في جملة الأمر أن «ما» إذا كانت اسمًا غير استفهامية كتبت منفصلة مع ما هو أكثر من حرف واحد. وإذا كانت حرفًا، أو استفهامًا، أو مع حرف كتبت متصلة. فعلى هذا تقول: أين ما وعدتنا، فتفصلها لأنها بمعنى «الذي»، وأينما تعدنا تكن، فتصلها لأنها ها هنا حرف وليست باسم. وقد كتبت وهي بمعنى «الذي» في مواضع متصلة، وذلك مع «من» و«عن» لأجل الإدغام والأجود فصلها. تقول: صفحت عن ما صفحت عنه، وعما صفحت عنه. وهربت من ما هربت منه، ومما هربت منه. وإنما كان فصلها أجود كما يكون مع غير هذين الحرفين من نحو «في»، تقول: قد قلت في ما قلت. والعلة في جواز وصلها هو ما اقتضاه اللفظ من إدغام النون في الميم، فلما أدغمت فيها وصلت بها. وليس الإدغام عندنا بموجب للإتصال. ألا ترى أن التنوين يدغم في الميم في مثل (على أمم ممن معك)، ولا يوجب الإدغام وصل هذه الأشياء فاعرف ذلك.
قال الشيخ [﵀]: و«كلما» إذا كانت ظرفًا كتبت معها «ما» متصلة مثل: كلما قمت قمت. وإن كانت اسمًا كتبت «ما» منفصلة مثل: كل ما عندي لك. لأن «ما» ها هنا اسم بمعنى «الذي». وكذلك كل ما في الدنيا فان وليست كذلك إذا كانت ظرفًا.
وهذا الكلام على وصل ما وفصلها.
فإما «لا» فتكتب متصلة مع «أن» إذا كانت [أن] ناصبة للفعل. ومنفصلة إذا لم تكن ناصبة [له]، مثل [قوله سبحانه] (وحسبوا ألا تكون فتنة)
[ ٢ / ٤٥٦ ]
و(أن لا تكون) فمن نصب «تكون» وصلها، ومن رفع «تكون» فصلها لأن التقدير مع الرفع: وحسبوا أن لا تكون فتنة، فلما كانت الهاء مقدرة بين «أن» و«لا» فصلت.
وتكتب [لا] مع «إن» في الشرط متصلة، مثل: إلا تدع شنمي أعاقبك، وإلا تذهب أذهب.
وكذلك مع «هل» إذا خرجت إلى معنى الإنكار والتوبيخ، مثل: هلا خرجت، لأن التركيب لما أخرج الكلمة إلى معنى الإنكار صار الحرفان كالحرف الواحد فكتب متصلًا. وكذلك حالها في التحضيض إذا قلت: هلا تخرج. فإن قلت: كيف يصح معنى التوبيخ والإنكار في مثل قوله تعالى (لولا أخرتني إلى أجل قريب)، وهو بمعنى هلا أخرتني؟ .
قيل: فيه جوابان. أحدهما: أن هذا يجري مجرى مخاطبة الإنسان لنفسه موبخًا لها، وإن كان في الظاهر خطابًا للرب. والآخر: أن هذا دعاء، لأن كل ما كان من هذا النوع لمن هو دونك فهو في معنى الأمر، وما كان لمن هو مثلك فهو في معنى السؤال، وما كان لمن هو فوقك كان دعاء، أو هو في معنى الدعاء، وإن اشترك اللفظ فالمعنى مختلف. فهذا ما عرض.
انقضى الكلام على فصل «لا» ووصلها.
فأما وصل «ها» فإنها توصل مع «ذا»، فتكتب متصلة بغير ألف إذا لم يكن معها كاف خطاب. مثل: هذا زيد، وهذه هند، وهذان الزيدان، وهؤلاء الزيدون، لأنهما قد جعلا كالشيء الواحد. فـ «ها» تنبيه، و«ذا» إشارة فإن
[ ٢ / ٤٥٧ ]
دخلت كاف الخطاب كتبت منفصلة بألف، مثل ها ذاك وهاذانك [وهاتاك] وهاتانك وهاؤلائك. لأن كاف الخطاب تقوم مقام التنبيه فلذلك فصلت.
فأما امتناعهم من مثل «هاذالك» فلما فيه من المخالفة. لأن «ذا» إشارة للقريب، واللام للبعيد، والكاف للخطاب، والهاء للتنبيه، فلم تجتمع اللام مع «ها». فـ «ذا» لأقرب ما يكون، و«ذاك» لما يليه في البعد، وذلك لأبعد الثلاثة.
انقضى فصل القطع والوصل.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
الحذف
فصل
قال الشيخ [﵀]: وأما قولنا: «وأما الحذف فأكثر ما يكون مع حروف المد واللين والحروف المضاعفة إذا كانت من كلمة واحدة مثل كر وبر وشد ومد».
فإن هذا هو الفصل السادس من فصول الخط والعلة في جواز الحذف إنما هو للتخفيف والاستغناء بشيء عن شيء. لأن حروف المد واللين معها حركات تدل
[ ٢ / ٤٥٩ ]
عليها. والتضعيف معه تشديد يرتفع معه اللسان ارتفاعة واحد. فمتى كان المضاعف من كلمة واحدة، في اسم كان أو [في] فعل، فإنه يكتب بحرف واحد، مثل: كر وبر، ونحوه في الأسماء. وشد ومد ونحوه في الأفعال. وأصله: شدد ومدد. فإن أظهر كتب بحرفين مثل: شددت ومددت.
ومتى أدغم كتب بحرف واحد.
فإن كان التضعيف من كلمتين لم يحذف منه شيء، بل يكتب كل حرف على صورته مثل: اللحم، بلامين، واللبن بلامين، والليل، بلامين. لأن الألف واللام وإن تنزلتا منزلة الجزء من الكلمة فإنهما على كل حال زائدتان على الكلمة. ولم يخرج عن هذا إلا «الذي» و«التي»، و«الذين» في الجمع، فإنه يكتب جميعه بلام واحدة، وإن كان أصله لامين، لأن الصلة والموصول قد صارا كالشيء الواحد، وأمن اللبس وكثر الاستعمال فخفف بالحذف.
فإذا كان «الذي» و«التي» للمثنى كتبا بلامين فرقًا بين التثنية والجمع، فتقول: رأيت اللذين قاما واللتين خرجتا. وإنما خصت / التثنية بالإثبات دون الجمع لأن التثنية يختلف طريق الإعراب فيها، والجمع يتفق طريق الإعراب فيه. وأما حروف المد واللين المحذوفة وهي الألف والواو والياء، فإن الألف المحذوفة من مثل: آدم وآخر وآزر - وأصله أأدم وأأخر وأازر - كانت همزة، فأبدلت الهمزة الثانية ألفًا، وكره الجمع بين ألفين فحذفت الثانية التي أبدلت.
ومثل الواو المحذوفة من داود وطاوس ويقرءون، بواو واحدة، وأصله بواوين، كراهية الجمع بين واوين والأولى منهما مضمومة. فإن كانت الأولى مفتوحة مثل: استووا وغووا وشووا كتبت بواوين.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
ولم يخرج من القسم الأول -[أعنى طاوس وبابه]- إلا قولهم: القوم ذوو مال، فإنهم كتبوه بواوين والأولى منهما مضمومة لئلا يلتبس بالواحد. ومثل حذف الياء من المستهزين والمستقرين، كراهية للجمع بين ياءين، والأولى منهما مكسورة. فإن كان مثنى كتب بياءين، مثل: المستهزبين والمستقربين، لأن ما قبل ياء التثنية مفتوح، والفتحة غير مستثقلة فثبتت صورة الياء الأولى مع الياء الثانية.
وكل منقوص مثل قاض وغازٍ وداعٍ، إذا كان منونًا فإنه يكتب كله بغير ياء في حال الرفع والجر، لأن الياء انحذفت بعد أن حذفت حركتها المستثقلة عليها، ثم حذفت هي في نفسها لالتقاء الساكنين.
فإن صرت إلى النصب كتبت هذا المنقوص بالياء، فقلت: رأيت قاضيًا وداعيًا وغازيًا. لأنه لما ثبتت حركتها - وهي الفتحة - لخفتها ثبتت الياء أيضًا لزوال ما يوجب الحذف، فثبتت لفظًا وخطًا. وجملته أنها تثبت في الخط في المكان الذي تثبت فيه في اللفظ، وتحذف من الخط في المكان الذي تحذف فيه من اللفظ. فلذلك إذا دخلت الألف واللام في القاضي والداعي، أو الإضافة في قاضيك وداعيك ثبتت الياء في جميع الوجوه الثلاثة لعدم ما يوجب الحذف. ومن الحذف حذف همزة لام التعريف إذا دخل عليها لام الابتداء أو لام الجر. مثال لام الابتداء: للرجل خير من المرأة. ومثال لام الجر: للرجل عندي حق. لأنه قد اتفق لفظ الحرفين في الصورة. وأغنى الحرف الأول في
[ ٢ / ٤٦١ ]
الإيصال إلى الساكن عن همزة الوصل مع أنه لو ثبتت الألف في مثل هذا لالتبس بصورة النفي إذا قلت: زيد قال لك ذلك لا الرجل.
ولو كان بغير لام مما هو على حرف واحد [أو على غير حرف واحد] لم تحذف الألف، مثل: بالرجل، وكالرجل، [ومن الرجل].
ومن الحذف حذف ألف الوصل من «ابن» إذا وقع [مفردًا] صفة بين علمين، أو كنيتين، أو لقبين، سواء اتفق ذلك أو اختلف. مثال العلمين: هذا زيد بن عمرو. ومثال الكنيتين: هذا أبو القاسم بن أبي محمد. ومثال اللقبين: هذا القائد بن القائد. ومثال المختلفين: هذا زيد بن الأمير، وهذا زيد بن أبي القاسم، وهذا أبو القاسم بن زيد. وما أشبه ذلك من المتفقين والمختلفين. لأن «ابنا» في هذا كله صفة قد جعل مع الموصوف كالشيء الواحد، فكما حذفت التنوين من الموصوف كذلك حذفت الألف من «ابن». ولو قلت: هذا زيد ابن أخينا، وهذا أخونا ابن زيد - وجعلت «ابنًا» نعتًا - لأثبت الألف [من ابن] لأنه لم يقع بين علمين. وكذلك: إن زيدًا ابن عمرو، لأنه لم يقع ههنا صفة، إنما وقع خبرًا لإن. وكذلك: هذا زيد وعمرو ابنا خالد، لأنه ههنا مع المثنى الذي لم يكثر استعماله كثرة الواحد فثبتت الألف والتنوين في الموصوفين. وكذلك لو صغرت «ابنًا»، وجعلته صفة بين علمين لأثبت التنوين في
[ ٢ / ٤٦٢ ]
الموصوف [المصروف] مثل: هذا زيد بني عمرو. لأن هذا لم يكثر كثرة المكبر الذي يحذف التنوين فيه من الموصوف. والألف من «ابن» لم تنحذف في مثل هذا لأجل التنوين، وإنما انحذفت لتحرك الباء بضمة التصغير. فاعرف هذه الشروط.
***
[ ٢ / ٤٦٣ ]
الزيادة
فصل
ثم قال: وأما السابع وهو الزيادة فأكثرها شاذ وإنما يقدم عليها لإرادة الفرق بين ملتبسين. فمن ذلك زيادة الألف بعد واو الجماعة إذا لم تكن متصلة بمضمر، مثل: أكلوا وشربوا ودعوا، فرقًا بينها وبين واو يدعوا [ويغزوا] التي من نفس الكلمة. والمحققون من أصحابنا لا يثبتون ألفًا في جميع ذلك، لأنه ليس في اللفظ ما يقتضي / إثبات الألف. ولا يكاد مثل هذا يلتبس في إخبار ولا صفة ولا صلة ونحوه، لأن المخبر عنه والموصوف والموصول يدل توحيده وجمعه على المقصود به، فلا التباس فيه.
ثم قال: ومنها «مائة» تكتب بالألف فرقًا بينها وبين منه، فصارت مع زيادتها كالعوض من حذف لام الكلمة. لأن الأصل مئية، وجمعها مئي،
[ ٢ / ٤٦٤ ]
أصله فعول، كما قال:
* وحاتم الطائي وهاب المئي *
ففعل به ما فعل بعتي وجثي، وقد قالوا: أخذت منه مئيًا كثيرة. فقد صارت الألف في «مائة» عوضًا وفرقًا، فلذلك تحذف في الجمع في قولك: مئات ومئون. لأنه قد زال الالتباس بالجمعية، فلم يحتج إلى إثبات الألف.
ويزيدون الواو في «عمرو» في حال الرفع والجر، فرقا بينه وبين «عمر». فإذا صرت إلى النصب لم تثبت الواو، لأن الألف المبدلة من التنوين قد قامت مقام الواو في الفرق، ألا تراك تقول: رأيت عمرًا، ورأيت عمر.
وزادوا الواو في «أولئك» فرقًا بينها وبين «إليك». وخصوا الزيادة بأولئك لكونه اسمًا، فهو أحمل للزيادة.
وزادوا هاء السكت في: عه وشه وقه، إذا لم تصل الكلام. فإذا وصلت حذفتها فقلت: ع كلامًا، وش ثوبًا، وق زيدًا. لأن هاء السكت لا تكون غالبًا في الوصل، وإنما تكون في الوقف لبيان الحركة الموقوف عليها. وإذا وصل الكلام بعضه ببعض أغنى وصله عنها.
***
[ ٢ / ٤٦٥ ]
البدل
فصل
وأما قولنا: «وأما البدل فمثل إبدال التنوين في حال النصب ألفًا مثل: رأيت زيدًا وبكرا، فرقًا بينه وبين النون الأصلية». وهذا هو الفصل الثامن من فصول الخط. وإنما أبدلوا من تنوين المنصوب ألفًا لخفته ولم يبدلوا من تنوين المرفوع ولا من تنوين المجرور لثقلهما. وقد حكي أن منهم من يبدل في الرفع والجر فيقول: زيدوا [في الرفع]، وزيدي في الجر. وليس على هذه اللغة كبير معول وهي بالقوافي أشبه منها بالكلام وبالقرآن العظيم.
ومن البدل إبدال تاء التأنيث هاء في الأسماء نحو: قائمه وقاعده، فرقًا بينها وبين تاء التأنيث المتصلة بالأفعال من نحو: قامت وقعدت. وإنما خصت
[ ٢ / ٤٦٦ ]
الأسماء بحالتين مختلفتين في الوصل والوقف لتمكن الأسماء وقوتها وفضل مرتبتها. فالتأنيث فيها راجع إلى أمر يختص بها في نفسها، وليس التأنيث في الأفعال راجعًا إلى أمر يختص بها في نفسها، وإنما هو لتأنيث فاعلها من نحو: قامت هند، وقعدت جمل.
والحروف كحلها غير مؤنثة غير ثلاثة أحرف حكى فيها التأنيث، وهي لا ولات، وثم وثمت، ورب وربت. لأن هذه الحروف [كلها] تأتي لمعان في غيرها، وتكون عاملة، فشبهت بالأفعال في ذلك، فكتبت بالتاء وصلًا ووقفًا كالأفعال المخالفة للأسماء.
ومن البدل الشاذ كتبهم الصلوة والزكوة والحيوة بالواو ما دام مفردًا، فإذا كان مضافًا أو مثنى كتب بألف مثل: هذه صلاتك وزكاتك وحياتك، وحياتان وصلاتان وزكاتان. وإنما خصوا الواحد بذلك لأنه الأصل. وقد قيل إن القصد به الإبانة عن تفخيم مستعمل في هذه الأسماء. وعلى هذا جاء تفخيم «الصلوة» على قراءة ورش [﵀] من غير طريق العراقيين، فجعلت الواو مؤذنة بالتفخيم.
ومن البدل قولهم: يومئذ وحينئذ [وساعنئذ]. الياء بدل من الهمزة،
[ ٢ / ٤٦٧ ]
لأنه «يوم» ركب مع «إذا» تركيب الشيء الواحد. فكتبت متصلة بما قبلها، وذلك على مذهب من بني، لأن المبنيين كالشيء الواحد. فأما من أعرب فإنه يكتبها بهمزة منفصلة حملًا على الأصل، إذ لم يعرض ما يوجب الاتصال. [وبالله التوفيق وله الحمد أولًا وآخرًا، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلواته على محمد وآله وصحبه وسلامه].
[ ٢ / ٤٦٨ ]