كل فصل من هذه الفصول فهو مشتمل على ثلاثة أشياء، ما هو في نفسه وما قسمته، وما حكمه. لأن بمعرفة هذه الأشياء الثلاثة يتحصل الغرض في كل ما يفسر [في هذه المقدمة] وبالله التوفيق.
قال الشيخ ﵀: أما قولنا: «الاسم ما أبان عن مسمى، شخصًا كان أو غير شخص، مثل: رجل وامرأة وزيد وهند ونحوه من المرئيات. وعالم ومعلوم ونحوه من الصفات. وعلم وقدرة وفهم ونحوه من المعاني».
فإن هذا جواب عن السؤال الأول، وهو ما الاسم؟ . ولما كانت الأسماء الظاهرة لا تنفك من أن تكون عبارة عن أشخاص، أو عبارةً عن صفات، أو عبارةً عن معانٍ، انقسمت إلى هذه الأقسام المذكورة. فالأشخاص تعرفها بأنها مرئيات، كرجل وامرأة وزيد وهند [وشبه ذلك]. ولما كانت الأشخاص لا تنفك من أن تكون مذكرة أو مؤنثة مثل بالأمرين. ولما كان المذكر والمؤنث لا ينفك من أن يكون معرفةً أو نكرة مثل أيضًا بالمعرفة كما مثل بالنكرة، وهو زيد وهند [ورجل وامرأة]. والصفات تعرفها بأنها تكون جارية على الموصوفين. ومثال جريانها قولك: هذا رجل عالم، ورأيت رجلًا عالمًا، ومررت برجلٍ
[ ١ / ٩٤ ]
عالم. وكذلك كل صفة من نحو آكل وشارب ونحوهما من صفات الفعلية. وأحمر وأصفر ونحوهما من صفات الحلية. ومصري ومغربي ونحوهما من صفات النسبة. كل هذه صفات لأنها جارية على الموصوفين.
والمعاني تعرفها بأنها مصادر كالعلم والقدرة، مصدر علم علمًا، وقدر قدرة. ولا تجري هذه صفات كالتي قبلها. لا تقول: هذا رجل علم، كما تقول: هذا رجل عالم. فإذا أردت ذلك ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تأتي بـ «ذي» التي بمعنى «صاحب»، فتقول: هذا رجل ذو علمٍ، ورأيت رجلًا ذا علمٍ، ومررت برجل ذي علمٍ.
والوجه الثاني: أن تقول: هذا رجل له علم. فيكون «علم» مبتدأ، و«له» خبرًا مقدمًا [عليه]، والجملة في موضع [رفع على] الصفة لرجل. والكلام جملتان. فـ «هذا» مبتدأ، و«رجل» خبره، و«له علم» جملة ثانية في موضع الصفة لرجل لا تتغير في نصب ولا جر. تقول في النصب: رأيت رجلًا له علم، فموضع الجملة [الثانية] نصب. وتقول في الجر: مررت برجلٍ له علم، فموضع الجملة الثانية جر أيضًا، نعت لرجل. وليس للجملة الأولى موضع من الإعراب. لأن الجمل التي لها موضع من الإعراب ثلاث، الجملة التي تكون خبرًا لمبتدأ، والجملة التي تكون صفة، والجملة التي تكون حالًا. فالجملة التي تكون صفة قد مثلناها. والتي تكون خبرًا كقولك: هذا أبوه منطلق، فـ «أبوه» منطلق جملة من مبتدأ [وخبر في موضع رفع خبر لـ «هذا» الذي هو مبتدأ أول، «وأبوه» مبتدأ] ثانٍ، و«منطلق» خبر للأب، والأب وخبره خبر «هذا» والجملة التي تكون حالًا نحو قولك: هذا زيد أبوه منطلق. فـ «هذا» مبتدأ،
[ ١ / ٩٥ ]
اشتقاقه
و«زيد» خبره، و«أبوه منطلق» جملة من مبتدأ وخبره في موضع نصب على الحال. كأنك قلت: هذا زيد منطلقًا أبوه، أي أشرت إليه في حال انطلاق أبيه.
[٤] فقد بان/ لك [معرفة] الجمل التي لها موضع من الإعراب، من الجمل التي لا موضع لها من الإعراب. وهذا يأتي في موضعه مستوفى إن شاء الله تعالى. وإنما ذكر هذا القدر لما ذكر الاسم الذي هو معنى، وكيف يصح أن يوصف به. وقد بان [لك] أنه إن وصفت به على طريق الإفراد قلت: هذا رجل ذو علم. وإن وصفت به على طريق الجملة قلت: هذا رجل له علم. وإن وصفت به على طريق الاتساع والمبالغة، على حد قولهم: هذا رجل عدل، وهذا رجل رضى، فإنك تقول على هذا: هذا رجل علم. كأنه لكثرة علمه وفهمه جعلته نفس العلم. كما جعلته عدلًا لما كثر عدله، ورضى لما كثر الرضى عنه [ألا ترى أنك لو قلت قولًا محققًا قلت: هذا رجل مرضي عنه فطال [ذلك]، وعرفت الأشخاص بما قدمته لك، فليس يخرج عن ذلك اسم ظاهر معرب.
وأما قولنا: «وإنما لقب هذا النوع اسمًا لأنه سما بمسماه فأوضحه وكشف
[ ١ / ٩٦ ]
معناه». فإن هذه طريقة البصريين، لأن الاسم عندهم مشتق من السمو، والسمو هو العلو. فالاسم هو الذي أبان عن المسمى، شخصًا كان أو صفة أو معنى، فرفعه إلى العقل وأخرجه إلى الوجود. فلولا الاسم لما عرف المسمى. وقال الكوفيون: إن الاسم إنما سمي اسما لأنه اشتق من السمة التي هي العلامة. والصحيح هو [القول] الأول أن اشتقاقه من السمو. لأن لام السمو واو تكون أخيرًا، وفاء السمه واو تكون أولًا، من وسمت [اسم] سمة. فلو كان الاسم مشتقًا من السمة لوجب أن يقال في جمعه «أوسام»، وفي قوله «أسماء» دليل على أن أصله «أسماو»، وقلبت الواو الأخيرة همزة [لأن قلبها ألفا] بعد أن قلت ألفًا.
ودليل آخر، وهو قولهم في تصغير اسم «سمي» وأصله «سميو»، قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء. ولو كان من السمة لوجب أن تقول فيه «وسيم» أو «أسيم»، فتقع الواو أولا. فإن شئت أقررتها [على حالها] وإن شئت همزتها على حد «وقتت» و«أقتت». وفي عدم ذلك وأنه لم يقل دليل على أنه مشتق من السمو [لا من السمه].
[ ١ / ٩٧ ]
الاسم ظاهر ومضمر ومبهم
وأما قولنا: «وقسمة الأسماء [كلها] ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وما بينهما وهو يسمى المبهم».
فإن هذا جواب [عن] القسمة التي تعرف بها الجملة، فتنحصر لك الأسماء كلها، ولا يشذ عنك شيء منها. فإن قيل: فما الحاجة إلى قسمتها ثلاثة، وألا جعلت كلها ظاهرة أو مضمرة [أو أسماء إشارة]؟ . قيل: لكل واحد من ذلك غرض صحيح. فالغرض بالأسماء الظاهرة البيان [عن ذات المسمى] كرجل وزيد. والغرض بالأسماء المضمرة الاختصار من نحو: أنا وأنت وهو. والغرض بأسماء الإشارة التنبيه من نحو: ذا [وذه] وذان وتان وألاء. والغرض بكل واحد من هذه الثلاثة غرض صحيح لا يغني عنه الآخر. ولا يخلو كل اسم ظاهر من جواز الثلاثة فيه.
وأما قولنا: «أما الظاهر فهو كل ما دل بظاهره وإعرابه على المعنى المراد به».
[ ١ / ٩٨ ]
فإن الدلالة دلالتان: دلالة تدل دلالة الذات، ودلالة تدل دلالة الإعراب. فدلالة الذات هي التي تدل على ذات الشيء في نفسه. ودلالة الإعراب هي التي تدل على عوارضه التي تعرض فيه. ألا ترى أنك إذا قلت: ما أحسن زيد [بإسكان النون والدال]، يفهم من «زيد» معنى الشخصية، وهي ذاته. ولا يعرف ما قصدت [إليه] من المعاني، من نفي الإحسان عنه، أو إثبات الحسن له، أو الاستفهام عن ذلك. فإذا أردت النفي قلت: ما أحسن زيد، برفع «زيد». وإذا أردت إثبات الحسن [له] على طريق التعجب قلت: ما أحسن زيدًا، بالنصب. وإذا أردت الاستفهام جررت «زيدا» ورفعت «أحسن» فقلت: ما أحسن زيد؟ . فهذه معانٍ ثلاثة لم يفرق لك بين كل واحد منها وبين الآخر إلا الإعراب. فبان لك أن الاسم الظاهر ما دل بظاهره وإعرابه على المعنى المراد به. وبان لك شدة الحاجة إلى معرفة الإعراب كمعرفة الذات. وكما لا يصح أن تجهل معرفة الذات فيما هذه سبيله، كذلك لا يصح أن تجهل معرفة الإعراب.
لأن البيان مرتبط بهما جميعًا.
وأما قولنا: «وجملة الأسماء الظاهرة المعربة عشرة أنواع».
فإنه لما كانت الأسماء على أنواع كثيرة، من أسماء صحيحة، وأسماء معتلة. وأسماء مفردة، وأسماء مضافة. وأسماء منصرفة، وأسماء غير منصرفة. [وأسماء منقوصة، وأسماء غير منقوصة. وأسماء مقصورة، وأسماء غير مقصورة]. وأسماء مثناة، [وأسماء غير مثناة]. وأسماء مجموعة [جمع السلامة]،
[ ١ / ٩٩ ]
النوع الأول من الأسماء الظاهرة الاسم المفرد الصحيح
المنصرف
[وأسماء مجموعة جمع التكسير]، ولكل واحد من ذلك حكم في الإعراب يخالف الآخر، وجب أن يجمل ذلك على ما ذكرنا من قولنا، ثم يفسر ليقع الحصر. وأن يبدأ بالأقوى فالأقوى على ما يأتي بيانه [إن شاء الله تعالى].
[٥] فلذلك قلنا: «منها نوع أول يدخله الرفع والنصب والجر/ والتنوين. وذلك كل اسم مفرد صحيح منصرف». وقولنا: «مفرد» احتراز من التثنية والجمع [السالم، لأن إعرابه كإعراب التثنية والجمع] بالحروف لا بالحركات. [ما خلا جمع التكسير فإن إعرابه كإعراب الأسماؤ المفردة]. وقولنا: «صحيح» احتراز من المعتل الذي آخره ياء [خفيفة قبلها كسرة] كالقاضي والداعي. أو ألف كالفتى والمولى. فإن هذا لا يدخله رفع ولا جر. وقولنا: «منصرف» احتراز مما لا ينصرف [مثل أحمد وأحمر]. لأن ما لا ينصرف لا يدخله تنوين ولا جر. وكل ما كان على هذا الشرط دخله الرفع والنصب والجر والتنوين، لأنه متمكن أمكن لم يعرض فيه ما يخرجه من التمكن، فاستوعب الإعراب كله. مثل: هذا فلس وفرس، ورأيت فلسًا وفرسًا، ومررت بفلس وفرس.
وأما قولنا: «مثل: فلسٍ، وفرسٍ، وكتفٍ، وعضدٍ، وحبرٍ، وعنبٍ، وإبلٍ، وقفلٍ، وصردٍ، وعتقٍ».
فإن هذه الأمثلة العشرة كلها ثلاثية. وهي جامعة لأصول الثلاثي كله. ورتبت هذا الترتيب لأنه بديء بالأخف فالأخف منها. فأخفها فعل مثل فلس،
[ ١ / ١٠٠ ]
بفتح الأول وسكون الثاني. وفرس أخف من كتف، لأن المفتوح العين أخف من المكسور العين. وكتف أخف من عضد. لأن المكسور العين أخف من المضموم العين. فهذه أربعة أمثلة أولها مفتوح.
ثم ننتقل إلى المكسور الأول الساكن الثاني وهو خبر فتجده أخف من عنب. ثم عنب [فتجده] أخف من إبل، لأن الكسرة الواحدة أخف من الكسرتين. ثم ننتقل إلى المضموم الأول [الساكن الثاني] وهو قفل فتجده أخف من صرد. ثم صرد. [فتجده] أخف من عنق. وعلى هذا الترتيب. فكملت عشرة. وعرفت وجه ترتيبها، والعلة في كثرتها [وكون بعضها أخف من بعض].
وأما قولنا: «ومثل: جعفر، وزبرج، وبرثن، ودرهم، وقمطر وجخدب [عند الأخفش]».
فإن هذه الأمثلة الستة أوزان لجميع أصول الرباعي. ووزن كل واحد غير وزن الآخر. لكنه يجمعها كلها كونها رباعيةً. كما أن العشرة الأول
[ ١ / ١٠١ ]
مختلفة الأوزان ويجمعها كلها كونها ثلاثية.
وأما قولنا: «ومثل: سفرجلٍ، وقرطعبٍ، وجحمرشٍ، وقذعملٍ».
فإن هذه الأمثلة الأربعة أوزان لجميع أصول الخماسي. ووزن كل واحد غير وزن الآخر يجمعها كلها كونها خماسية.
فقد صار أمثلة [الأسماء] الأصول كلها عشرين مثالًا. عشرة ثلاثية، وستة رباعية، وأربعة خماسية. وليس في شيء منها خلاف إلا [في] وزن جخدب. فإن الأخفش. بضم الدال بوزن فعلل كبرثن.
وأما قولنا: «وكل ما جاء من هذه الأسماء [وشبهها] بعد «نفعنى» وشبهه فهو فاعل مرفوع. وكل ما جاء منها بعد «نفعت» وشبهه فهو مفعول منصوب. وكل ما جاء منها بعد «انتفعت بكذا أو من كذا» [وشبهه] فهو مجرور».
فإن القصد بهذا التمثيل تعريف التصرف في إعراب هذه المثل العشرين. وما أشبهها من جميع الأسماء الظاهرة الصحيحة المفردة المنصرفة لتنصرف في ذلك. ولما كانت [هذه] الأسماء لا تخلو من أن تكون مرفوعة أو منصوبة
[ ١ / ١٠٢ ]
أو مجرورة - والرفع إنما يكون للفاعل وما أشبهه، والنصب إنما يكون للمفعول وما أشبهه، والجر إنما يكون بحرف الجر وما أشبهه - مثل لكل واحد من ذلك بمثال لتقيس عليه سائر المثل. فنفعني وشبهه، من ضربني وخاطبني وحدثني، فعل ومفعول [مضمر]، وليس بعد الفعل والمفعول إلا الفاعل. ولذلك وجب أن يكون مرفوعًا. ونفعت وشبهه، من ضربت وخاطبت وحدثت، فعل وفاعل [مضمر]، وليس بعد الفعل والفاعل إلا المفعول. فلذلك وجب أن يكون منصوبًا. وانتفعت بكذا أو من كذا وشبهه من قولك لكذا أو إلى كذا أو عن كذا أو على كذا، فجميع ذلك حروف جر، وليس بعد حرف الجر إلا المجرور. فلذلك وجب أن تقول: نفعني زيد، ونفعت زيدًا، وانتفعت بزيدٍ. وكذلك حكم الرباعي والخماسي في الإعراب.
وأما قولنا: «وكل ذلك إذا وصل بكلام [بعده] ثبت فيه تنوينه وحركته. وإذا وقف عليه سقط منه تنوينه وحركته غالبًا. ما خلا النصب فإنه يبدل من التنوين فيه ألف».
فإن الإعراب له حالتان، حال وصل، وحال وقف. فحال الوصل يقتضي ثبات الإعراب للبيان. وحال الوقف يقتضي زوال الإعراب للاستراحة.
[ ١ / ١٠٣ ]
فلذلك قيل: إذا وصل بكلام ثبت فيه تنوينه وحركته [وإذا وقف عليه سقط منه حركته وتنوينه]. فثبات حركته دليل على رفعه أو نصبه أو جره، وثبات تنوينه دليل على صرفه. وإذا وقف عليه زالت الحركة، ثم تبع الحركة التنوين في الزوال، لأن التنوين تابع للحركة، ولما زالا سكن حرف الإعراب، [٦] فقلت في الرفع: نفعني زيد. وفي الجر: انتفعت / بزيد.
وإنما قلنا «غالبا» احترازًا من وجوه أخر تجوز في الوقف على المرفوع، وهي الإشمام والروم والتضعيف ونقل الحركة. والسكون هو الأصل الأغلب الأكثر من هذه الوجوه فلذلك قلنا «غالبا». فمن سكن فهو الأصل لأنه سلب الحركة [بالجملة]. ومن أشم أو رام أو نقل أو ضاعف فإنما هو حرص على بيان الحركة التي كانت في الوصل. وأما المنصوب فليس فيه في الغالب إلا وجه واحد، وهو أن تبدل من التنوين ألفًا. وإنما تثبت الحركة في المنصوب [في الوقف] لخفتها. وأبدل من التنوين ألف للفرق بين حال الوقف والوصل. ولئلا يلتبس بالنون الأصلية والملحقة. وكل من أسقط الإعراب في الوصل
[ ١ / ١٠٤ ]
النوع الثاني الاسم المفرد الصحيح المنصرف المضاف إلى غير ضمير متكلم، أو ما فيه الف ولام
[فهو] مخطيء. وكل من أثبته في الوقف مخطيء أيضًا. فلذلك شرط [هذا] الشرط المذكور.
وأما قولنا: «ومنها نوع ثانٍ يدخله الرفع والنصب والجر من غير تنوين. وهو جميع ما ذكرناه إذا كان مضافًا إلى غير ضمير متكلم، أو فيه ألف ولام».
فإن هذا النوع [هو] الثاني من الأنواع العشرة. وليس ينقص عن القسم الأول إلا حذف التنوين. وإنما لم يجمع بين «الألف واللام» والتنوين من قبل أن «الألف واللام» دليل على التعريف، والتنوين في الأصل دليل التنكير فلم يجمع بينهما. فلذلك قلنا: نفعني الغلام، ونفعت الغلام، وانتفعت بالغلام. وكذلك الإضافة لا يجمع بينها وبين التنوين، لأن التنوين دليل الانفصال، والإضافة دليل الاتصال، ولا يكون الشيء منفصلًا متصلًا في حال [واحد]. فلذلك تقول: نفعني غلام الرجل، وغلامه وغلامك. وإنما قلنا: «إذا كان مضافًا إلى غير [ضمير] المتكلم» احترازًا من مثل «غلامي»، فإن هذا [ونحوه] لا يدخله إعراب بحال. لأن ياء المتكلم لا يكون ما قبلها إلا مكسورًا إذا كان حرفًا صحيحًا، تقول: نفعني غلامي، ونفعت غلامي، وانتفعت بغلامي.
[ ١ / ١٠٥ ]
النوع الثالث الممنوع من الصرف
وأما قولنا: «ومنها نوع ثالث يدخله الرفع والنصب ولا يدخله الجر ولا التنوين. وهو كل اسم غير منصرف مما قد اجتمع فيه علتان فرعيتان من علل تسع. أو ما يقوم مقامهما. مثل: إبراهيم، وزينب وطلحة، وعمر، وعثمان، وأحمد، وحضرموت، وأحمر، وحمراء، وأحاد، وسكران، وسكرى، ومساجد».
فإن هذا هو النوع الثالث. وهو ينقص عما تقدمه بشيئين، وهما الجر والتنوين. وإنما نقص ذلك لأن كل ما لا ينصرف مشبه للفعل. والفعل لا يكون فيه جر ولا تنوين. وإنما أشبه الفعل لأنه قد اجتمع فيه علتان فرعيتان. وإنما وجب أن يكون مشبهًا للفعل - باجتماع علتين فرعيتين فيه - من قبل أن الفعل نفسه فرع على الاسم. وإنما كان فرعًا على الاسم من وجهين. أحدهما: أن الفعل لا يستقل بنفسه ولابد له من اسم يكون معه. والاسم قد يستقل بنفسه ولا فعل معه. فدل ذلك على أن الفعل فرع على الاسم ومحمول عليه. والجهة الأخرى: أن الأفعال مشتقة من المصادر التي هي أسماء عند المحققين من أصحابنا. وإذا كانت مشتقة منها كانت فرعًا عليها. فقد ثبت أن الأفعال فروع من الأسماء من الوجهين المذكورين.
وإذا وجد في الاسم علتان فرعيتان صار بتلك العلتين الفرعيتين مشبهًا للفعل الذي هو فرع على الاسم.
وبيان ذلك أن علل ما لا ينصرف تسع. وتلك التسع هي: التعريف، والتأنيث، والتركيب، والعجمة، والزنة، والصفة، والجمع، والعدل، والألف
[ ١ / ١٠٦ ]
والنون الزائدتان. وكل واحدة من هذه التسع فرع على غيرها. فالتعريف فرع على التنكير. والتأنيث فرع على التذكير. والتركيب فرع على التوحيد. والعجمة فرع على العربية لأنها مدخلة على كلام العرب. والصفة فرع على الموصوف لأنها بعده. والزنة فرع على الموزون. والجمع فرع على الواحد. والعدل فرع على المعدول [عنه]. والألف والنون الزائدتان فرع على المزيد عليه. فقد ثبت بهذا البيان أن [هذه] العلل كلها فروع. وإذا اجتمع في الاسم علتان فقد اجتمع فيه فرعان. فأشبه بذينك الفرعين الفعل، فامتنع منه الجر والتنوين كما امتنعا من الفعل. وقد مثل في [هذا] العقد باثني عشر اسمًا.
لأن كل اسم منها دليل على باب قائم بنفسه. لأن باب ما لا ينصرف لا ينفك من اثنتي عشر مسألة، فالستة الأول منها احدى علتيها التعريف، وهي ابراهيم، وزينب وطلحة، وعمر، وعثمان/، وأحمد، وحضرموت. ابراهيم: تعريف [٧] وعجمة. زينب تعريف وتأنيث معنوي. طلحة: تعريف وتأنيث لفظي. عمر: تعريف وعدل. عثمان: تعريف وألف ونون مزيدتان. أحمد: تعريف
[ ١ / ١٠٧ ]
وزنة. حضرموت: تعريف وتركيب فهذه الستة متى نكرت انصرفت. تقول: نفعني ابراهيم وابراهيم آخر [ونفعت ابراهيم وابراهيما آخر، وانتفعت بابراهيم وابراهيم آخر]. لما زال التعريف بالتنكير بقيت علة واحدة فانصرف.
وكذلك باقي [هذه] الستة تجري هذا المجرى.
فأما الستة الأخر التي هي: أحمر: صفة ووزن. وحمراء: تأنيث لازم. وأحاد: عدل وصفة. وسكران: مشبهة بباب حمراء. وسكرى: تأنيث لازم: ومساجد: جمع لا نظير له في الآحاد. فجميع هذه [الستة] لا تنصرف وإن كانت نكرة. وإذا لم تنصرف نكرة فأخرى ألا تنصرف معرفة. فللك تقول: نفعني أحمر، وأحمر آخر. ورأيت أحمر، وأحمر آخر. وانتفعت بأحمر وأحمر آخر. وكذلك الباقي.
فإن دخل على جميع ما لا ينصرف الألف واللام، أو الإضافة انجر في موضع الجر. مثل: مررت بابراهيمكم ومساجدكم والمساجد. لأن الألف واللام والإضافة يبعدانه من شبه الفعل [ويقربانه من شبه الاسم المتمكن]
[ ١ / ١٠٨ ]
النوع الرابع جمع المؤنث السالم
فيدخل فيه ما يدخل في الاسم [المتمكن] وهو الجر.
وأما قولنا: «ومنها نوع رابع يدخله الرفع والجر مع التنوين، أو ما قام مقامه. وهو كل [اسم] مؤنث مجموع بالألف والتاء، مثل الزينبات والمسلمات والحبليات والصحراوات. ولا يدخله لفظ النصب».
فإن هذا هو النوع الرابع. وهو يخالف ما قبله من القسم الثالث. لأن لفظ الجر يدخله دون النصب. والذي قبله يدخله لفظ النصب دون الجر. فمنصوب هذا محمول على مجروره. ومجرور ما لا ينصرف محمول على منصوبه. وإنما حمل المنصوب على المجرور في هذا لأن جمع المؤنث السالم فرع [محمول] على جمع المذكر السالم. فكما أنه قد حمل منصوب الجمع المذكر على مجروره في مثل: مررت بالمسلمين ورأيت المسلمين، كذلك حمل منصوب [هذا] المؤنث على مجروره في مثل: مررت بالمسلمات، ورأيت المسلمات. فاعرفه.
ولما كان المؤنث لا يخلو من أربعة أقسام، مؤنث بغير علامة كزينب وسعاد، ومؤنث بعلامة هي تاء كمسلمة وصالحة، ومؤنث بعلامة هي ألف مقصورة كحبلى، وسكرى، ومؤنث بعلامة هي ألف ممدودة مثل صحراء
[ ١ / ١٠٩ ]
وطرفاء، مثل [من] ذلك بأربع مسائل لتقيس أنت عليها كل ما يجري هذا المجرى [إن شاء الله تعالى]. فما كان مثل زينب وسعاد وعقرب [مما لا علامة فيه للتأنيث]، نظرت فإن كان معرفةً زدت على جميع ذلك ألفًا ولامًا [من أوله] ليكون كالعوض من تعريف العلمية الذاهب بالجمعية. وإن كان نكرةً كعقربات وسلهبات، لم يلزمك ذلك. إلا أن تريد تعريف من تخبره أو تخاطبه.
وما كان من هذا النوع - الذي لا علامة فيه للتأنيث - ثلاثيًا ساكن الأوسط مثل: دعد وعدٍ وهندٍ وجملٍ، فإن المفتوح الأول منه يحرك وسطه [في الجمع] فيقال: الدعدات والوعدات. وما كان مضموم الأول جاز فيه ثلاثة أوجه: الضم على الطريق الاتباع، والفتح للتخفيف، والسكون على الأصل. فتقول: الجملات والجملات [والجملات].
وما كان مكسور الأول فكذلك يكسر للاتباع. ويفتح للتخفيف ويسكن على الأصل. فتقول: الهندات والهندات والهندات.
وكل ما كان من هذا النوع الذي علامة تأنيثه تاء فإن فيه حذفًا في الجمع. فإذا قلت: مسلمات، وصالحات [ونحوه]، فإن أصله مسلمتات [وصالحتات]. حذفت التاء الأولى لئلا تجمع بين علامتي تأنيث.
[ ١ / ١١٠ ]
وخصصت الأولى بالحذف دون الثانية لأن الثانية تدل على معنيين، وهما التأنيث والجمع، والأولى تدل على معنى واحد، وهو التأنيث [لا غير]. فكانت أولى بالحذف.
وكل ما جاءك من هذا النوع ثلاثيًا ساكن الأوسط، فما كان منه بوزن فعلةٍ كضربةٍ، وأكلةٍ، وشربةٍ، وجفنةٍ، وقصعةٍ، فإنك تحركه بالفتح في الجمع أبدًا إذا كان اسمًا. مثل: ضربات، وأكلات، وشربات، وجفنات [وقصعات، ونحوه]. فإن كل صفة مثل: جارية خدلةٍ، وحالةٍ سهلةٍ، فإنك لا تحركه بل تبقيه ساكنًا على حاله، فرقًا بين الأسماء والصفات. فتقول: جوارٍ خدلات وحالات سهلات. وإنما لم يحركوا الصفة لثقلها بتضمنها ضميرًا لموصوف.
فلم تزد ثقلًا بالحركة.
وما كان من هذا النوع مضموم الأول كغرفةٍ وظلمةٍ، أو مكسور الأول ككسرةٍ وخرقةٍ، فإنه يجوز فيه ثلاثة أوجه. الضم والفتح والسكون في المضموم. والفتح والكسر والسكون في المكسور. على ما تقدم من العلة. فتقول [في المضموم]: ظلمات، [وظلمات وظلمات]، بالضم / والفتح والسكون. وتقول في المكسور: كسرات وكسرات وكسرات.
[ ١ / ١١١ ]
وهذا كله فيما عينه حرف صحيح. فإن كان العين حرف علة، مثل: جوزة وبيضة وطوبة وتينة، فإن جميع ذلك يبقى ساكنًا لثقل الحركة على حرف العلة كما قال سبحانه (ثلاث عوراتٍ لكم)، وقال تعالى: (في روضات الجنات).
وكل ما كان من [هذا] النوع الثالث - أعني الحبليات والسكريات - فإن ألف التأنيث تقلب فيه ياء. وإنما قلبت ياء، ولم تحذف كما حذفت تاء التأنيث من «مسلمات»، من قبل أن هذه علامة لازمة للتأنيث تتنزل منزلة الجزء من الكلمة. بدليل قولهم: حبلى وحبالى، وكسرى وسكارى. فلذلك ثبتت ولم تحذف. ولما أن تثبت قلبت ياء فقلت «حبليات» [بتحريك الياء].
لأنك لو بقيتها ساكنةً لانحذفت لالتقاء الساكنين، فوجب قلبها ياء. ولم تقلب واوًا ليفرق بينها وبين الألف الممدودة.
وكل ما كان من [هذا] النوع الرابع مثل صحراء وصحراوات، فإنك تبدل همزته واوًا في هذا الجمع فرقًا بينها وبين المقصورة. والعلة في ثباتها كالعلة في ثبات المقصورة. ولا يجمع من هذا النوع شيء بالألف والتاء وهو صفة، مثل حمراوات وصفراوات. وإنما يجمع ما كان اسمًا لا صفةً، مثل: الصحراء والصحراوات، والخنفساء والخنفساوات.
فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ: «ليس في الخضراوات صدقة». قيل: الخضراوات هنا اسم للبقولات، ولم يقصد بها قصد
[ ١ / ١١٢ ]
النوع الخامس: المنقوص
الصفة. وإنما قصد به قصد الاسم فجرى مجرى طرفاء وطرفاوات، فاعرفه. وبالله التوفيق.
وأما قولنا: «ومنها نوع [خامس] يدخله النصب وحده مع التنوين أو ما قام مقامه من ألف ولام أو إضافة. ولا يدخله رفع ولا جر. وهو كل اسم منقوص آخره ياء [خفيفة] قبلها كسرة مثل: القاضي وقاضٍ والمعطي والمنتمي والمستدعي».
فإن هذا هو النوع الخامس. وإنما امتنع أن يدخله الرفع والجر لثقلهما على الياء المكسور ما قبلها. ولذلك سمي منقوصًا لأنه نقص حركتين. وبقي فيه حركة واحدة، وهي الفتحة في حال النصب. فإذا قلت: هذا قاضٍ، ومررت بقاضٍ، ففيه عملان: حذف حركة، وحذف حرف. فالحركة هي الضمة أو الكسرة، حذفت للثقل. والحرف هو الياء حذفت لالتقاء الساكنين. والساكنان هما التنوين والياء.
[ ١ / ١١٣ ]
فإن قيل: فلم حذفت الياء دون التنوين؟ . فقل: لأن الياء على حذفها دليل، وهو انكسار ما قبلها، إذ الكسرة من الياء. وليس على حذف التنوين دليل. فإذا صرت إلى النصب لم تحذف حركة ولا ياءً. تقول: رأيت قاضيًا. لم تحذف الحركة لخفتها، ولم تحذف الياء لتحركها.
فإن كان في هذا المنقوص ألف ولام أو إضافة فليس فيه إلا حذف واحد، وهو الحركة وحدها. لأنه لا تنوين مع الألف واللام ولا مع الإضافة. فتثبت الياء ساكنة في الرفع والجر، ومفتوحة في النصب. مثالها: هذا القاضي، ومررت بالقاضي، ورأيت القاضي.
فإن وقفت على منصوب هذا كان بالسكون لا غير، كالحروف الصحاح. وإن وقفت على المرفوع والمجرور ففيه وجهان. أجودهما إجراء الوقف مجرى الوصل، فيكون بالياء الساكنة، مثل: هذا القاضي. ومررت بالقاضي. والوجه الآخر حذف الياء منهما. تقول: هذا القاض. ومررت بالقاض.
وإنما حذفت الياء على هذا الوجه لأن «الألف واللام» معاقبة للتنوين، فأجريت الياء مع الألف واللام في الحذف مجراها مع وجود التنوين.
[ ١ / ١١٤ ]
والمنصوب ليس في الوقف عليه إلا وجه واحد وهو بالياء الساكنة [لا غير] مثل: رأيت القاضي. ولا يجوز: رأيت القاض، بغير ياء، كما جاز في المرفوع والمجرور. لأن الياء قد قويت بالحركة في حال الوصل فلم تحذف في حال الوقف.
فأما الوقف على المنون المرفوع والمجرور فوجهان أيضًا. أجودهما حذف الياء، فتقول في الوقف: هذا قاض، ومررت بقاض. والوجه الآخر: هذا قاضي، ومررت بقاضي، باثبات الياء. لأن التنوين لما زال في الوقف عادت الياء. فإذا صرت إلى النصب فوجه واحد في الوقف [لا غير]، وهو أن تبدل من التنوين ألفًا فتقول: رأيت قاضيا.
ومتى سكن ما قبل الياء جرى مجرى الصحيح فدخلها الرفع والنصب والجر. وذلك مثل: هذا نحي وظبي ورمي ونهي. ومررت بظبي ونحي وشبهه. لأنه لما سكن ما قبلها خفت فلم تثقل عليها ضمة ولا كسرة.
وكذلك الياء المشددة يدخلها ضم الإعراب / وجره لأن احدى اليائين ساكنة لأجل الإدغام. وذلك قولك: هذا كرسي وولي، ومررت بكرسي وولي. فاعرفه.
فأما التمثيل بالقاضي والمعطي والمنتمي والمستدعي فإنما المقصد به [بيان] أن الطويل من الأسماء المنقوصة والقصير منها هذا حكمه. وأقل
[ ١ / ١١٥ ]
النوع السادس: المقصور
ما يكون على ثلاثة أحرف مثل: عمٍ وشجٍ وندٍ، حكمه كله كحكم قاض.
وأما قولنا: «ومنها نوع [سادس] يدخله التنوين وحده. أو ما قام مقامه من ألف ولام، أو إضافة. ولا يدخله رفع ولا نصب ولا جر. وهو كل اسم مقصور آخره ألف مفرده مثل: العصا وعصًا، والمعطى والمنتمى إليه والمستدعى».
فإن هذا هو النوع السادس ويسمى مقصورًا. وإنما سمي مقصورًا لأنه قصر عن الإعراب كله، أي حبس عنه فلم يدخله رفع ولا نصب ولا جر. وإنما امتنع ذلك من قبل أن الألف ساكنة أبدًا لا تتحرك بحركة. وتحريكها يؤدي إلى ردها إلى أصلها. وردها إلى أصلها يؤدي إلى ثقل استعمالها. لأن الوصل في «عصًا»: عصو. وفي «فتى»: فتي. فلما ثقل هذا وقد تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله، قلبته ألفًا بعد أن حذفت حركة الضمة التي كانت على الواو. لأن حرف العلة لا يقوى بعد إيهانه بالسكون. ولما قلبته ألفًا التقى ساكنان، الألف والتنوين، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. وخصصتها بذلك دون التنوين لأن
[ ١ / ١١٦ ]
على حذفها دليلًا، وهو الفتحة التي قبلها. فإذا قلت: هذه عصًا، ومررت بعصًا. ففيه قلب وحذف على ما شرحناه وهو أن الحذف حذفان، حذف الحركة للإيهان، وحذف الألف لالتقاء الساكنين.
وكذلك النصب، فإذا قلت: رأيت عصًا، ففيه قلب وحذفان. حذف الألف المبدلة من الواو، وحذف الحركة، وقلب الألف المبدلة من الواو.
هذا كله كلام على الوصل. فإذا وقفت عليه كان [هذا] كله بالألف. واختلفوا في هذه الألف. فعند سيبويه [﵀] أنها في حال الرفع والجر المبدلة من لام الكلمة، وفي حال النصب المبدلة من التنوين، وقد انحذفت ألف الأصل. وذهب آخرون إلى أنها في الأحوال الثلاث مبدلة
[ ١ / ١١٧ ]
النوع السابع: ما آخره ألف تأنيث مقصورة
من التنوين. والصحيح [هو] المذهب الأول. لأن [المعتل] مقيس على الصحيح. وقد ثبت أنك في الصحيح لا تحذف شيئًا. ولا تبدل من تنوينه ألفًا، وإنما تبدل في حال النصب، مثل قولك: هذا قلم وقلم، ومررت بقلم وقلم، ورأيت قلما وقلما. فقس على ذلك تصب إن شاء الله.
وأما قولنا: «ومنها نوع [سابع] لا يدخله تنوين ولا إعراب. وهو مع ذلك اسم معرب حكمًا وتقديرًا. وهو كل اسم آخره ألف تأنيث مقصورة، مثل: حبلى وسكرى وذكرى وجمادى».
فإن هذا هو النوع السابع. وإنما حكمنا عليه بأنه معرب - مع عدم الإعراب فيه وعدم التنوين جميعًا - من قبل أنه لم يشبه الحرف فيكون مثل «الذي» و«التي». ولم يتضمن معنى الحرف فيكون مثل «أين» و«كيف». ولم يقع موقع الفعل المبني فيكون مثل «نزال» و«تراك». لأن العلل الموجبة للبناء احدى هذه الثلاث. ولما عدم ذلك حكمنا على هذه الكلم بأنها معربة. وأن لم يكن فيها إعراب.
[ ١ / ١١٨ ]
النوع الثامن: الأسماء الستة
وألف التأنيث لا يدخلها إعراب ولا تنوين بحال من الأحوال، لأنها من جملة ما لا ينصرف، وكل ما لا ينصرف لا ينون بحال من الأحوال. ولا ألفها منقلبة عن شيء. بخلاف المقصور الذي قبلها. فمن قال: هذه دنيًا، فقد أخطأ، وكذلك «حبلى» وما أشبهه. وكذلك قول من قال: حبلاة ودنياة خطأ أيضًا. لأنه جمع بين علامتي تأنيث، وذلك غير جائز. فاعرف ذلك تصب إن شاء الله.
وأما قولنا: «ومنها نوع [ثامن] رفعه بالواو، ونصبه بالألف، وجره بالياء. وهو ستة أسماء معتلة مضافة إلى ظاهر، أوم ضمر ليس بمتكلم، مثل قولك: أخوه، وأبوه، وحموه، وفوه، وهنوه، وذو مال».
فإن هذا هو النوع الثامن. وهو أول شيء أعرب بالحروف، وهو على هذه الحالة. لأن جميع ما تقدم من الأقسام السبعة معرب بالحركات [لفظًا أو تقديرًا على ما بينا]. وإنما أعربت بالحروف، وهي على هذه الحالة - أعني إذا كانت مضافة - لأنها أسماء حذفت لاماتها وضمنت معنى الإضافة. فجعل إعرابها بالحروف كالعوض من حذف لاماتها. وقيل: جعل إعرابها بالحروف
[ ١ / ١١٩ ]
توطئةً لإعراب التثنية والجمع بالحروف، حتى لا يستوحش من الإعراب بالحروف لأن أصل الإعراب أن يكون بالحركات لا بالحروف. وقيل: [إن] [١٠] إعرابها بالحروف على طريق الشذوذ / لأنه لا يقاس على هذه الستة غيرها من نحو يدٍ ودمٍ ونحوه من المحذوف اللام.
فأما تسمية هذه الأسماء الستة معتلة فلأن فيها حرف العلة، وهو الواو في «أخ»، وأصله أخو. وفي «أب»، واصله أبو. وفي «حم»، وأصله حمو. وفي «هن»، وأصله هنو. وفي «ذي مال»، وأصله ذوي. وفي «فم»، وأصله فوه. فهذا وحده لامه هاء. والهاء مشبهة بحروف العلة فحذفت كحذفها. فلذلك سميت أسماء معتلة. أي اعتلت بحذف لاماتها في حال إفرادها، لأنها إذا أفردت أعربت بالحركات لا بالحروف. فيقال: هذا [أخ] وأب وحم وفم وهن. فإذا أضيفت أعربت بالحروف على ما تقدم تمثيله.
وقد اختلف الناس في هذه [الحروف] على أقوال مذكورة في عدة من الشروح. لكن جملة ما تحتاج إلى معرفته في [شرح] هذه المقدمة حسب ما التمست - وفقك الله [تعالى] أن منهم من يقول: إنها حروف
[ ١ / ١٢٠ ]
إعراب دالة على الإعراب. فالواو من قولك: هذا أخوك، هي حرف الإعراب، وعلامة الرفع. وفي حال الجر [من قولك]: مررت بأخيك، الياء هي حرف الإعراب، وعلامة الجر. والألف من قولك: رأيت أخاك، هي حرف الإعراب، وهي علامة النصب. كما تقول في علامة التثنية من قولك: جاءني الزيدان، أنها حرف إعراب، وتدل على التثنية. وكذلك الجمع السالم.
ومنهم من يقول: إنها معربة من مكانين بالحروف وبالحركات التي هي قبل هذه الحروف. وهذا ذعيف لأنها لو كانت معربة من مكانين أو جهتين لاحتاجت إلى معربين أو عاملين. وفي عدم القول بذلك دليل على فساده.
ومنهم من يقول: إنها أنفسها إعراب، وأن الواو كالضمة، والألف كالفتحة، والياء كالكسرة. وهذا ضعيف [أيضًا]. لأن من جملة هذه الأسماء
[ ١ / ١٢١ ]
«فوك»، و«ذو مال»، فلو كانت هذه الحروف كالحركات لأدى ذلك إلى أن يكون في الكلام اسم معرب على حرف واحد، وهو معدوم.
ومنهم من يقول: إنها على ثلاثة مراتب. فإذا قلت في الرفع: هذا أخوك، فأصله «أخوك». فنقلت من الواو إلى الخاء الضمة. فإذا قلت في النصب: رأيت أخاك، فأصله «رأيت أخوك»، فقلبتها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وإذا قلت: مررت بأخيك، فأصله «مررت بأخوك». نقلت كسرة الواو إلى الخاء، ثم قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فصار «بأخيك». وصار فيه نقل وقلب. وفي الذي قبله قلب فقط، وفي الأول نقل فقط. وكان شيخ شيخنا رحمهما الله وهو الربعي يميل إلى هذا القول ويستحسنه.
ومنهم من يقول: إن هذه الحروف إشباع للحركات التي قبلها. وإن الواو في قولك: هذا أخوك، مشبعة عن الضمة. والألف في [قولك]: رأيت أخاك، مشبعة عن الفتحة. والياء في [قولك]: مررت بأخيك، مشبعة عن الكسرة. فهذا يعتقد أن الإعراب بالحركات، وأن هذه الحروف إشباع حدث عن الحركات. وهذا ضعيف، وهو أضعف الكل. لأن هذا لا يكون
[ ١ / ١٢٢ ]
إلا في ضرورة شعر، ولا داعي إلى هذا، ولا دليل عليه.
فهذه أقوال العلماء. والذي تعتمد عليه [منها] أولها. وهو مذهب صاحب الكتاب [﵀، وبالله التوفيق].
فإن قيل: فأين تكون هذه الستة معربة بالحركات وإن كانت مضافة؟ . قيل: إذا صغرت أو كسرت. فتصغيرها كقولك: هذا أخيه وأبيه وحميه وفويهه وهنيه وذوي مال. فالضمة [هي] علامة الرفع. وفي النصب: رأيت أخيه، فالفتحة [هي] علامة النصب، وإذا جررت قلت: مررت بأخيه، فالكسرة علامة الجر. لأن هذه الأسماء لما صغرت عادت إليها لاماتها فأعربت بالحركات.
وكذلك إذا كسرت فقلت: هؤلاء إخوته وآخاؤه، ورأيت إخوته وآخاءه، ومررت بإخوته وآخائه. معرب [كله] بالحركات سواء أضفته أو أفردته.
فإن قيل لك: أي شيء من هذه الستة لا يستعمل قط إلا مضافًا؟ . فقل: «ذو مال» وحدها. لأنها لو أفردت لأدى الأمر إلى استعمال اسم ظاهر على حرف واحد. فلذلك لم يستعمل إلا مضافًا. ولا يضاف إلا إلى اسم جنس من نحو: مال [وفضل] وعقل، ونحوه، ولا يشاف إلى صفة. لا يقال:
[ ١ / ١٢٣ ]
ذو صالح، ولا ذو طالح، لأنه إنما دخل وصلةً إلى وصف الأسماء بالأجناس. ولا يضاف أيضًا إلى مضمر. لا يقال: ذوه ولا ذوك، ونحوه، للعة المذكورة. ومن ها هنا استضعف قول من يقول: اللهم صل على محمد وذويه، لإضافته إلى المضمر.
[١١] فإن قيل: فأي اسم من هذه الستة إذا أضيف أعرب / بالحروف وإذا أفرد أبدل من حرف العلة غيره وأعرب بالحركات دون إخوانه؟ . فقل: فوه. إذا أفرد أبدل من واوه ممًا، وأعرب بالحركات. ولم يجمع بين الميم والإضافة إلا في الشعر [في قول بعضهم:
يصبح عطشان وفي البحر فمه
كالحوت لا يرويه شيء يلهمه]
مثاله: هذا فم، ورأيت فمًا، وعجبت من فم. وإنما أبدل في الإفراد [من الواو] ممًا دون غيرها. لأن الميم من مخرج الواو، [والواو] والميم من الشفتين، فهما متقاربتان.
[ ١ / ١٢٤ ]
فإن قيل: فما حكم هذه الأسماء الستة إذا أضيفت إلى ياء النفس؟ . قيل: لا يكون لها إعراب في اللفظ لا بحركة ولا بحرف، بل يكون مقدرًا. لأن ياء النفس لا يكون ما قبلها إلا مكسورًا، كقولك: هذا أخي، ورأيت أخي، ومررت بأخي. فياء النفس في موضع جر بالإضافة. وما قبلها مكسور في الصحيح أبدًا. وأنت مخير في إسكان هذه الياء و[في] تحريكها بالفتح. فمن سكنها فحجته أنه استغنى بالحركة [التي] قبلها عن تحريكها مع طلبه للتخفيف فيها. ومن حركها فحجته أنها على حرف واحد كالكاف ففتحها كفتحة الكاف، فقال: أخي، أبي، كما تقول: أخوك وأبوك.
فإن قيل: فأي اسم يضاف من هذه الأسماء الستة إلى ياء النفس ولا تكون ياء النفس فيه إلا محركة؟ . فقل: «الفم» إذا أضيف إلى ياء النفس، ومثاله: هذا في، وفتحت في، ووضعته في فِي. فالياء مشددة مفتوحة لا غير.
فإن قيل: ومن أين جاء [هذا] التشديد؟ . ومن أين وجدت الفتحة؟ . فقل: أما التشديد فلأن «فوه» أصله «فوه»، انحذفت الهاء ثم دخلت الياء فصار «فوي»، فاجتمعت الواو والياء وقد سبقت الأولى منهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء المقلوبة في ياء الإضافة، وفتحت ياء
[ ١ / ١٢٥ ]
الاضافة، لأنك لا تدغم إلا في متحرك. فلذلك وجب التشديد ووجب التحريك، فاعرفه.
فإن قيل: ما الفرق بين قولك: «هذا في» و«قد تكلم فلان في»، وهل هما شيء واحد، أم شيئان مختلفان؟ . فالجواب أنهما شيئان مختلفان وأن اتفقا في اللفظ. فإن قلت: هذا في، فأشرت إلى الفم، فهما اسمان احدهما مضاف إلى الآخر. وإذا قلت: تكلم في، فإنها حرف واسم. فالحرف «في» الذي معناه الوعاء، [والياء اسم]. فاللفظ متفق، والمعنى مختلف.
فإن قيل: فأي شيء من هذه الستة يعرب تارة بالحركة وتارة بالحرف وتارة بالتقدير؟ . فقل: «الحم». وذلك أن فيها ثلاث لغات. الهمز، والقصر، وأن تكون كأخواتها. فمن همزها أعربها بالحركات فقال: هذا حمء، وحمؤك. ورأيت حمًا، وحمأك. ومررت [بحمءٍ و] بحمئك. ومن قصرها فقال: هذا حمًا، كتفىً، كان الإعراب مقدرًا، وقال: هذا حماك [ورأيت حماك] ومررت بحماك. فاعرف ذلك. ومن قال: هم حم، كأخ وأبٍ، أعرب بالحروف فقال: هذا حموك، ورأيت حماك، ومررت بحميك. فاعرف ذلك.
[ ١ / ١٢٦ ]
فإن قيل: كيف يضاف «الحم» في هذه اللغات الثلاث إلى [ياء] النفس؟ . فقل: إذا كان مهموزًا فإضافته كإضافة الأسماء الصحاح كلها، لأن الهمزة حرف صحيح. تقول: هذا حمئي، كما تقول: هذا شيئي. وكذلك النصب والجر. وإذا كان مقصورًا فإضافته كإضافة المقصور. فتقول: هذا حماي، ورأيت حماي، ومررت بحماي. مثل فتاي وعصاي وهداي وبشراي. وإذا كان كأخواته بقيته على حالته، فقلت: هذا حمي، ورأيت حمي، ومررت بحمي، كأبي وأخي. والياء في هذه اللغات الثلاث يجوز تحريكها وتسكينها، إلا في لغة من قصر فلا تكون إلا متحركة لا غير، لأجل سكون الألف. فلو سكنت الياء لجمعت بين الساكنين. فأما قراءة من قرأ (ومحياي)، بإسكان الياء. فإنه غير مقيس عليها. بل قراءة الجماعة أمضى وأشبه بالقياس. ووجه هذه القراءة اعتقاد الوقف. لأنه في الوقف يجمع بين ساكنين فيكون [الوقف] كالساد مسد الحركة، مع أنه قد استغنى بأحد الشرطين، وهو المد الذي في الألف. والشرطان المراعيان اللذان يجوز الجمع فيهما بين ساكنين، هو أن يكون الساكن [الأول] حرف مد ولين، والثاني مدغمًا كدابةٍ، وشابةٍ، وتمود الثوب، وجيب بكرٍ.
[ ١ / ١٢٧ ]
النوع التاسع: المثنى
وأما قولنا: «ومنها نوع [تاسع] رفعه بالألف، ونصبه وجره بالياء المفتوح ما قبلها. وهو كل اسم مثنى، مثل الرجلين والمرأتين».
فإن هذا هو النوع التاسع. والعلة في إعراب التثنية بالحروف، أن المثنى أكثر من الواحد فجعل إعرابه بشيء أكثر من إعراب الواحد، ولا أكثر من [١٢] الحركة إلا الحرف. والعلة في اختصاص المرفوع بالألف دون الواو/، التي هي علامة الرفع، أنهم لو أعربوا المثنى في الرفع بالواو لالتبس بالجمع. ولو بقوا الفتحة قبل الواو في التثنية، كما بقوا الضمة قبل الواو في الجمع، لالتبس بجمع المقصور. لأن جمع المقصور يكون ما قبل الواو فيه مفتوحًا إذا قلت: المصطفون والمجتبون. فإن قيل: فأي ليس يكون في هذا ونون التثنية مكسورة ونون الجمع مفتوحة؟ . قيل: النون عارضة تزول في الإضافة فيبقى الالتباس. فلذلك عدل عن إعراب رفع التثنية بالواو إلى الألف، فقيل: جاءني الرجلان والمرأتان. وفي الجر: مررت بالرجلين والمرأتين، وكذلك النصب. والمنصوب محمول على المجرور دون المرفوع. وإنما حمل على المجرور دون المرفوع لأن النصب أخو الجر. وإنما كان أخاه لأنه يوافقه في كناية الإضمار من نحو: رأيتك، ومررت بك، ورأيته، ومررت به. وهما جميعًا من حركات الفضلات - أعني الجر والنصب - والرفع من حركات العمد. فلذلك حمل المنصوب على المجرور.
فإن قيل: كم في الأرض [من] علامة إذا قلت: الرجلان؟ . فقل: ثلاث علامات: [علامة] الرفع، وعلامة التثنية، وحرف الإعراب. هذا مذهب
[ ١ / ١٢٨ ]
سيبويه. لأن الجرمي يقول: الانقلاب بمنزلة الإعراب. والأخفش يقول: هذه الحروف دلائل الإعراب. والكوفيون يقولون إنها أنفسها إعراب.
والصحيح مذهب سيبويه [﵀] أنها حروف [إعراب]، أعني الألف في الرفع، والياء في النصب والجر. ولا إعراب فيها، لا ظاهر ولا مقدر.
وإنما هي حروف إعراب وعلامة الإعراب.
فإن قيل: النون في التثنية لم دخلت، ولم حركت، ولم كسرت؟ . فقل: دخولها للعوض من الحركة والتنوين اللذين كانا في الواحد. وتحريكها لالتقاء الساكنين، الألف والنون. وكسرتها على أصل التقاء الساكنين. لأن الأصل في كل ساكنين التقيا أن يحرك الثاني [منهما] بالكسر، كهؤلاء وأمس ونزال [ودراك وتراك].
فإن قيل: فأي موضع تكون النون [فيه] عوضًا من الحركة وحدها، أو من التنوين وحده، أو منهما جميعًا؟ . فقل: ما لا يكون في واحده
[ ١ / ١٢٩ ]
إلا حركة فالنون [فيه] عوض من تلك الحركة، مثل: يا زيد، ويا زيدان، وجاءني الرجل والرجلان. وما لم يكن في واحده إلا تنوين [فقط] مثل: عصًا وفتىً، فالنون عوض من [ذلك] التنوين وحده، مثل: هذا فتى، وفتيان. ورأيت فتى وفتيين، ونحوه. وما كان في واحده حركة وتنوين جميعًا فالنون [فيه] عوض منهما جميعًا، مثل: هذا رجل ورجلان، وامرأة وامرأتان [ونحوه]. فقس على ذلك [تصب إن شاء الله تعالى] فإن أشكل عليك شيء [من هذا] إلى أن تبينه فقل: النون كالعوض من الحركة والتنوين جميعًا [كما] قال سيبويه ﵀.
فإن قيل فالنون في [قولك]: «هذان» و«هاتان» عوض من ماذا؟ فقل: هذه مسألة خلاف بينهم. منهم من يقول: النون عوض من الألف المحذوفة من الواحد، لأن الواحد «ذا». فإذا ثنيت قلت: ذان، فذهبت الألف التي كانت في الواحد وبقيت ألف التثنية [في حال الرفع]، وياء التثنية في النصب والجر، إذا قلت: رأيت ذين، ومررت بذين.
[ ١ / ١٣٠ ]
ومنهم من لا يجعلها عوضًا من شيء، ولكن يقول: هذه صيغة صيغت للتثنية، وليست بتثنية صناعية. لأن حد المثنى عندهم ما تنكرت معرفته، وتعرفت نكرته، كزيد والرجل. وهذه أسماء الإشارة لا تتنكر بحال، فلذلك كانت صيغا للتثنية. ألا ترى أنها لو كانت تثنية على الحقيقة لوجب أن يفعل في «هذا» ما فعل في «فتى» من قلب ألفه ياء، كما قلبت ألف «فتى» فقلت: فتيان. فلما لم تقلب بل حذفت دل على أنها ليست تثنية صناعية، وإنما هي صيغة صيغت للتثنية كما صيغت «اللذان» و«اللتان» في الأسماء الموصولة.
فإن قيل لك: ولم لا تكون «اللذان» و«اللتان» تثنية حقيقية وفيهما الألف واللام، وواحدهما «الذي» و«التي» كالشجي والعمي؟ . فقل: لو كان مثله لوجب أن تثبت الياء في التثنية كما ثبتت ياء الشجي والعمي فتقول: اللذيان واللتيان، كما قلت الشجيان والعميان. [ولا يجوز ذلك. لأن «الذي» و«التي» اسمان مبنيان غير متمكنين. و«شج» و«عم» اسمان معربان متمكنان. والإعراب مقدر في أواخرهما. فحذفت الياء من «الذي» و«التي» في التثنية للفرق بين [تثنية] المعرب والمبني، والمتمكن وغير المتمكن. فلذلك كانت تثنيتهما غير حقيقية فقلت: «اللذان» و«اللتان»، بحذف يائهما. وقلت في تثنية «شج» و«عم» الشجيان والعميان باثبات يائهما، ولو كانت تثنية «الذي» و«التي» صناعية لأثبت الياء في آخرهما كما أثبتها في آخر «شج» و«عم» وكنت تقول: اللذيان واللتيان، كما قلت: الشجيان والعميان]. وفي عدم ذلك دليل على ما قلناه.
[ ١ / ١٣١ ]
فإن قيل: ما حكم التثنية في الإضافة؟
فقل: تحذف نونها أبدًا، كما يحذف التنوين في الإضافة. لأنها كالعوض من الحركة والتنوين. فتقول: هذان رجلاك وامرأتاك، ورجلاه وامرأتاه، ورجلا زيد وامرأتا زيد.
فإن أضفت المثنى إلى ياء النفس، كانت ياء النفس مفتوحة أبدًا لاجتماعها مع ألف التثنية وياء التثنية، فحركتها لالتقاء الساكنين. فتقول: هذان رجلاي، ورأيت رجلي، ومررت برجلي. أدغمت في الجر والنصب لاجتماع ياءين. ولم تدغم في الرفع لأن الألف لا تدغم ولا يدغم فيها. فاعرف ذلك وقس عليه [تصب] إن شاء الله.
[١٣] وإن ثنيت مثل مصطفى ومجتبي فعامله مثل/ هذه المعاملة.
وإن ثنيت مهموزًا همزته أصلية مثل: قثاء وحناء ووضاء، فأقر الهمزة على حالها. وإن ثنيت ما همزته زائدة للتأنيث مثل: حمراء وصفراء وسوداء، فاقلبها أبدًا في التثنية واوًا، مرفوعةً كانت أو منصوبة أو مجرورة. فإن ثنيت ما همزته منقلبة عن حرف أصلي كرداء وشفاء وغطاء وعطاء ونحوه. فأنت مخير، إن شئت أقررت الهمزة على حالها وشبهتها بالأصلي. وإن شئت قلبتها واوًاَ وشبهتها بالزائد، فتقول: غطاءان وغطاوان وما أشبه ذلك. وإقرارها على لفظها أكثر وأقيس وأجود.
وإن ثنيت ما همزته [زائدة] للإلحاق، مثل: علباء وزبزاء وقيقاء،
[ ١ / ١٣٢ ]
النوع العاشر: جمع المذكر السالم
[وقوباء] وهو قليل، فلك وجهان أيضًا، أجودهما القلب. فاعرف ذلك، وقس عليه، فإن هذه الأصول لا يحسن جهلها لأن جهلها يفسد اللغة ويخلط ما يجوز بما لا يجوز.
***
وأما قولنا: «ومنها نوع [عاشر] رفعه بالواو المضموم ما قبلها ما لم يكن آخره ألفًا. ونصبه وجره بالياء المكسور ما قبلها ما لم يكن آخره ألفًا أيضًا. وهو كل جمع لمذكر علم يعقل. أو لصفات من يعقل مثل: الزيدين والمسلمين».
فإن هذا النوع هو النوع العاشر، وهو الجمع السالم. وإنما كان رفعه بالواو لأنه أكثر من التثنية فجعل إعرابه في الرفع بحرف أقوى وأثقل وهو الواو المضموم ما قبلها. وفي الواو ست علامات: الجمع، والتذكير، والسلامة، والقلة، وعلامة الرفع، وحرف الإعراب. والنون كأنها عوض من الحركة والتنوين اللذين كانا في الواحد، على حد ما ذكرناه في التثنية، وحركت لالتقاء الساكنين، الواو والنون. وخصت بالفتح فرقًا بينها وبين نون التثنية. وتحذف في الإضافة كما تحذف نون التثنية، تقول [في الرفع]: جاءني الزيدون والمسلمون، وزيدوك ومسلموك. وفي النصب والجر بالياء المكسور ما قبلها، مثل: مررت
[ ١ / ١٣٣ ]
بالزيدين والمسلمين وبزيديك ومسلميك، [ورأيت الزيدين والمسلمين وزيديك ومسلميك﴾. وكذلك إذا أضفته إلى ظاهر، أو مكني، كقولك: هؤلاء زيدوا العشيرة. ومسلموها، ومسلموهم. وإنما كسرت ما قبل الياء لأن الكسرة من جنس الياء كما أن الضمة من جنس الواو.
وهكذا تفعل في المنقوص مثل القاضي والداعي إذا جمعته، مثل: هؤلاء الداعون والقاضون، وداعوكم وقاضوكم. فتأتي بالضمة قبل الواو، [وبالكسرة قبل الياء]. وكأن أصله القاضيون، [والداعيون]، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، الياء والواو، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وضم ما قبل الواو لتصح الواو. لأن الكسرة لو بقيت لانقلبت الواو ياءً على حد: ميزان وميعاد. فلذلك ضم ما قبلها في الصحيح وفي المعتل بالياء. ولو كان معتلا بالألف، مثل: المصطفى والمجتبى والمولى، ونحوه من المقصور، لم تضم ما قبل الواو ولبقيته مفتوحًا لتدل الفتحة على الألف المحذوفة، فتقول: هؤلاء المصطفون، ومصطفوك ومصطفو الله، ورأيت المصطفين، ومصطفيك، ومصطفى الله. ويكون ما قبل الواو والياء المصطفين، ومصطفيك، ومصطفى الله. ويكون ما قبل الواو والياء مفتوحًا أبدًا فيما آخره ألف. ولذلك احترز في المقدمة بأن قيل: «ما لم يكن آخره ألفًا».
[ ١ / ١٣٤ ]
فإن قيل: إذا أضفنا جميع هذه المسائل إلى ياء المتكلم كيف يكون إعرابه؟ . فالجواب أنه يكون بياء مشددة مفتوحة مكسور ما قبلها في الأحوال الثلاث. تقول: هؤلاء مسلمي، وكذلك النصب والجر. وكان أصله «مسلموني»، فذهبت النون للإضافة، واجتمعت الواو والياء، فقلبت الواو ياء وأدغمت في ياء الإضافة. وحركت ياء الإضافة لأنه لا يدغم إلا في متحرك. وأبدلت من الضمة كسرة لتصح الياء المشددة، لأنه لا يكون ياء ساكنة بعد ضمة. وكذلك تفعل في الأسماء المنقوصة المجموعة جمع السلامة إذا أضفتها إلى نفسك مثل قولك: هؤلاء قاضي. وأصله «قاضوني»، ذهبت النون [للإضافة] على الأصل المذكور، وفعلت في الباقي ما قدمنا ذكره.
وكذلك في النصب والجر يكون بهذا اللفظ.
وكذلك تفعل بالمقصور إذا أضفته إلى نفسك. إلا أنك تبقي ما قبل الألف المحذوفة مفتوحًا، [لتدل عليها الفتحة]، نحو: مجتبون ومصطفون. تقول: مصطفي. وكان أصله «مصطفوني».
[ ١ / ١٣٥ ]
ذهبت النون للإضافة، وقلبت الواو ياء للياء التي بعدها مع سكونها، وأدغمت. فتقول في الرفع: مجتبي. وكذلك لفظ النصب والجر، وهو قولك: رأيت مصطفي، ومررت بمصطفي. فاعرف ذلك.
ولما كان هذا الجمع السالم له شرط. وهو أن يكون مذكرًا علمًا يعقل أو من صفات من يقعل، ذكر هذا الحد لتقيس عليه. فإذا قلت: هؤلاء الزيدون. فهذا قد جمع الصفات الثلاث: التذكير، والعلمية، والعقل. وإذا قلت: المسلمون، فقد جمع التذكير وأنه من صفات من يعقل. فلذلك لا يجوز [أن تقول]: الدواب رافسون، [ورابضون]، [١٤] لأنه / ليس من صفات من يعقل. ولو وصفت من يعقل بالرفس لجاز أن تقول: الزيدون رافسون.
فلا يجوز على هذا أن تخرج عن هذا الأصل. لا يجوز أن تقول في «حجرٍ» حجرون، لأنه وإن كان مذكرًا فليس بعلم، وليس بمن يعقل.
[ ١ / ١٣٦ ]
إعراب الأسماء الظاهرة
ضمائر الرفع المنفصلة
فإن سميت رجلًا بحجرٍ أو صخرٍ جاز فيه ذلك، لأنه قد جمع بالتسمية الأوصاف الثلاثة.
ولا يجوز أن تقول في «طلحة» و«حمزة» ونحوهما: طلحون وحمزون ولا طلحتون وحمزتون، لأنه وإن كان علمًا لمن يعقل فليس بمذكر اللفظ. وجمع هذا بالألف والتاء. تقول: هؤلاء الطلحات والحمزات، كما قال الشاعر:
رحم الله أعظمًا دفنوها بسجستان طلحة الطلحات
وإن سميت رجلًا بمثل «حبلى» جاز أن تجمعه جمع المصطفى، لأنه بالتسمية قد صار علمًا لمن يعقل، وألف التأنيث قد تنزلت منزلة الجزء من الكلمة، وارتفع منها التأنيث بالتسمية. فإن كانت باقيةً على حالها لم يسم بها لم يجز جمعها بالواو والنون، بل كنت تجمعها بالألف والتاء، فتقول: هؤلاء النساء الحبليات، على ما تقدم.
***
وأما قولنا: «فهذه جملة الأسماء الظاهرة المعربة. كلها تستحق الإعراب، لأنها تدل على المعاني المختلفة بصيغة واحدة، بدليل قولك: ما أحسن زيدًا، وما أحسن زيد، وما أحسن زيد؟ . فلولا الإعراب لما عرفت هذه المعاني ولكانت تختلط».
[ ١ / ١٣٧ ]
فإن هذه الجملة هي ثمرة ما قدمنا ذكره من حصر جملة الأسماء الظاهرة المعربة العشرة، لتستعمل الإعراب في كل واحد منها بحسب ما يقتضيه العامل. وتعطي الإعراب ما يستحقه على قضية ما فسرت به كل واحد منها.
فإذا استعملت المسائل من القسم الأول استوعبت الإعراب كله بمثل هذه المسألة، أعني «ما أحسن زيد». لأن هذه اللفظة تصلح لثلاثة معانٍ، نفي الإحسان والتعجب من الحسن، والاستفهام عن الحسن. فإذا نفيت قلت: ما أحسن زيد فـ «ما» ها هنا حرف وليس باسم. وهو حرف نفي، بمعنى أنه لم يحسن في فعله، فهذا ذم. و«ما» فيه حرف، و«أحسن» فعل ماض متصرف، تقول: أحسن يحسن، و«زيد» فاعل.
فإذا تعجبت قلت: ما أحسن زيدًا! . فـ «ما» ها هنا اسم مبتدأ وليس بحرف، وهو اسم مقدر بـ «شيء». وموضوعه رفع بالابتداء، وخير الابتداء «أحسن زيدًا». أخبرت بجملة من فعل وفاعل ومفعول. و«أحسن» فعل ماض غير متصرف ها هنا، وفي جميع التعجب. وفاعل «أحسن» ضمير مستتر يرجع إلى «ما»، لا يظهر قط لا في تثنية ولا جمع ولا تأنيث. و«زيدًا» مفعول منصوب بأحسن انتصاب المفعول به، لا يجوز أن يتقدم على «أحسن»،
[ ١ / ١٣٨ ]
ولا على «ما». لأن فعل التعجب يجري مجرى المثل فلا يغير كما لا تغير الأمثال. والتقدير: شيء حسن زيدًا. فقولك: حسن وأحسن في موضع رفع بكونه خبرًا للمبتدأ. وهذا مدح.
وإذا استفهمت قلت: ما أحسن زيدًا؟ . فـ «ما» ها هنا أيضا اسم تام، إلا أنها مقدرة بأي، من حيث كان الكلام استفهامًا بها. وهي في موضعه رفع بالابتداء كما كانت في التعجب. و«أحسن» ها هنا اسم مضاف إلى «زيد». وليس هو ها هنا بفعل وإنما هو «أفعل» الذي هو بمنزلة: زيدٌ أفضل وأكرم وأقتل من كذا وكذا. وهو خبر المبتدأ. والإخبار في هذه المسألة بمفرد. والإخبار في المسألة التي قبلها بجملة. والكلام في الاستفهام ليس بمدح ولا بذم خلاف المسألتين المتقدمتين، وإنما هو استخبار واستدعاء للخبر، بمعنى «أي شيء منه حسن». ويقتضي جوابًا، والمسألتان المتقدمتان لا تقتضيان جوابًا.
فقد ظهر لك الفرق بين كل واحدة من هذه المسائل، وأن كل واحدة منها غير الأخرى، وأن الإعراب في اللفظ وفي التقدير على ما بيناه. فاعرف ذلك وقس عليه جميع المسائل من هذه الأقسام العشرة. أعني باب فلس وفرس، وما أشبهه. وباب غلام زيد، والرجل، وما أشبهه. وباب أحمد وزينب،
[ ١ / ١٣٩ ]
وما أشبهه. وباب الزينبات والمسلمات، وما أشبهه. وباب القاضي والداعي، وما أشبهه. وباب الفتى والمولى، وما أشبهه. وباب حبلى وسكرى، وما أشبهه. وباب أخيك وأبيك، وما أشبهه. وباب التثنية، وما أشبهه. وباب الجمع السالم، وما أشبهه. ولولا خوف الإطالة لمثل لكل منها، لكن قد فهم الأصل.
وتيسر الجواب. وبالله التوفيق.
[ ١ / ١٤٠ ]
فصل الأسماء المضمرة
وهو القسم الثاني من أقسام الأسماء
أما قولنا: «وأما الأسماء المضمرة فخمسة أنواع. منها نوع أول يكون مبتدأ فيقع الظاهر بعده مرفوعًا بحق الخبر. ما لم يكن فصلًا بين معرفتين في باب كان وأخواتها، وظننت وأخواتها. وذلك كل مضمر منفصل مرفوع الموضع. وهو اثنا عشر مضمرًا/: أنا، نحن أنت، أنت، [١٥] أنتما، أنتم، أنتن، هو، هي، هما، هم، هن. تقول: أنا القائم، [ونحن القائمون]، وكنت أنا القائم، وكنا نحن القائمين». فهذا أول فصول الأسماء المضمرة. لأنه لما فرغ الكلام على الأسماء المظهرة، وجب أن ننتقل إلى الكلام على [الأسماء] المضمرة. ولما كانت المضمرات مبنياتٍ غير معربات، وكانت على أقسام، منفصلاتٍ ومتصلات، ومرفوعات الموضع، ومنصوبات الموضع، ومجرورات [الموضع]، وجب أن نفصل تفصيلًا يقوم مقام النطق بالإعراب الظاهر لتقيس على ذلك، وتستعمله في مواضعه من النفي والتعجب والاستفهام في مثل المسائل المتقدمة، وفي جميع ما تحتاج إليه من الجمل. فإن اختصار الإعراب يدخل تحت معرفة هذه المضمرات.
[ ١ / ١٤١ ]
وجملة الأمر أن أصل [هذه] المضمرات اثنا عشر لفظًا. اثنان للمتكلم، وهما: أنا ونحن. وخمسة للمخاطب. وخمسة للغائب، وعلى الترتيب الذي قدمناه ذكر. فكلها مضمرات منفصلات مرفوعات الموضع. فقولنا: «مضمرات» لأنها كنايات عن غيره. وقيل [لها] «منفصلات» لقيامها بأنفسها. وقيل لها «مرفوعات الموضع» لأنك لو جعلت مكانها ظاهرًا لكان مرفوعًا بحق الابتداء. ويقع الظاهر بعدها مرفوعًا بحق الخبر. ويستمر ذلك ما لم يفرق بين المبتدأ وخبره كان وأخواتها، أو ظننت وأخواتها. فإن «كان» ترفع الاسم وتنصب الخبر، و«ظننت» تنصب مفعولين. فلذلك جاز النصب فيما مثل من قولك: كنت أنا القائم. التاء اسم كان، والقائم منصوب لأنه خبر كان، وأنا تأكيد وفصل لا موضع له من الإعراب. وكذلك: كنا نحن القائمين. وقوله ﷿: (وكنا نحن الوارثين). ولو رفعت الكل لجاز، فقلت: كنت أنا القائم. فيكون «أنا» مبتدأ، و«القائم» خبره، والجملة في موضع نصب خبرًا لكان. وكذلك: وكنا نحن الوارثون. نحن مبتدأ، والوارثون الخبر، والجملة في موضع نصب تقديرًا خبر لكان.
[ ١ / ١٤٢ ]
ضمائر الرفع المتصلة
فإذا عربت المسائل من كان وأخواتها، وظننت وأخواتها، فليس إلا الرفع. كقولك: أنا القائم، ونحن القائمون، وأنت القائم وأنت القائمة، وأنتما القائمان، [وأنتما القائمتان] وأنتم القائمون، وأنتن القائمات. وكذلك الباقي، كله مبتدأ وخبر. فالأول هو المبتدأ، ولا يتبين فيه إعراب، رفع ولا غيره. لأنه مبني من حيث كان مضمرًا، والمضمرات كلها مبنيات، وإنما بنيت لشبهها بالحروف.
فعلى هذا فقس كل ما يرد في كتاب الله سبحانه، من قوله: (هو الله الذي لا إله إلا هو)، و(أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون).
فاعرفه، وقس عليه. وبالله التوفيق.
***
وأما قولنا: «ومنها نوع [ثان] يكون فاعلًا فيقع الظاهر بعده منصوبًا بحق المفعول. وذلك كل مضمر متصل بفعل قد غير له ذلك الفعل غالبًا. وهو اثنا عشر مضمرًا أيضًا. مثل فعلت الشيء، وفعلنا، وفعلت، وفعلت، وفعلتما، وفعلتم، وفعلتن، وفعل، وفعلت، وفعلا، وفعلوا، وفعلن».
فإن هذا هو النوع الثاني من أنواع المضمرات. وكلها مضمرات متصلات، مرفوعات الموضع. وقيل لها «مضمرات» لأنها كنايات عن غيرها. وقيل لها «متصلات» لاتصالها بأفعالها. وقيل لها «مرفوعات الموضع» لأنها ضمائر الفاعلين،
[ ١ / ١٤٣ ]
والفاعل مرفوع. ولأنك لو جعلت مكانه ظاهرًا لكان مرفوعًا، مثل: فعل زيد الشيء، وفعلت الشيء.
فإن قيل: لم سكنت ما قبل السبعة الأول والأخير منها، ولم تسكن ما قبل الأربعة الباقية؟ فقل: لأنك لو لم تسكن في كل واحد من هذه الثمانية لجمعت بين أربع حركات لوازم، وإذا جمعت ثقل، وإذا ثقل وجب التسكين للحرف الذي قبل الضمير.
فإن قيل: ولم وجب لهذا الذي قبل الضمير التسكين دون الأول أو الثاني أو الرابع؟ . قيل: أما الأول فامتنع لأنه لا يبدأ بساكن. وأما الثاني فامتنع لأن به يعرف وزن الكلمة، هل هي بوزن فعل كضرب، أو بوزن فعل كعلم، أو بوزن فعل كحسن. وأما الرابع فامتنع لأنه اسم على حرف واحد فلم يخلل بحذف حركته، ولأنه لو أسكن لالتبس بتاء التأنيث.
فلما بطلت هذه الأقسام الثلاثة لم يبق إلا ما قبل الضمير، وهو اللام فنسكن. وليس كذلك الأربعة الباقية، لأنه ما اجتمع فيها إلا ثلاث حركات،
[ ١ / ١٤٤ ]
وكانت بخلاف [هذه] الثمانية.
فإن قيل: فما معنى [قولك] «قد غير له [ذلك] الفعل غالبًا؟».
قيل: احترازًا من هذه الأربعة التي لم يغير لها الفعل.
فإن قيل: فما حكم الظاهر بعد هذه الأشياء؟ . فقل: حكمه أن يكون منصوبًا بحق المفعول، لأنه ليس بعد الفعل والفاعل إلا المفعول، ما لم يكن تابعًا.
فإن قيل: ما معنى التابع؟ . فقل: [تابع] المضمرات المرفوعات إن كان تأكيدًا لها كان مرفوعًا - وإن كان ظاهرًا - مثل: فعلنا أنفسنا كذا وكذا، وفعلنا كلنا كذا وكذا. [فهذا] مرتفع بأنه تأكيد. والتأكيد تابع للمؤكد في إعرابه. / وكذلك لو كان التابع عطفًا لكان هذا حكمه، مثل: فعلنا [١٦] نحن وزيد. فزيد مرفوع، لأنه معطوف على النون والألف. فهذا معنى قولنا: ما لم يكن تابعًا.
وجميع هذه الاثني عشر فعل وفاعل أبدًا. فاعرف الفرق بين فعلنا وفعلنا من قولك: ضربنا وضربنا، وحدثنا وحدثنا. إذا سكنت فالضمير فاعل، ويقع الظاهر بعده منصوبًا، وإذا فتحت فالضمير مفعول، ويقع الظاهر بعده مرفوعًا.
[ ١ / ١٤٥ ]
ضمائر النصب المتصلة
فقس على ذلك جميع ما يرد عليك من ذلك [تصب إن شاء الله تعالى].
***
وأما قولنا: «ومنها نوع [ثالث] يكون مفعولًا فيقع الظاهر بعده مرفوعًا بحق الفاعل. وذلك كل مضمر متصل بفعل لم يغير له [ذلك] الفعل. وهو اثنا عشر أيضًا. [مثل] نفعني زيد، نفعنا، نفعك، ونفعك، نفعكما، نفعكم، نفعكن، نفعه، نفعها، نفعهما، نفعهم، نفعهن».
فإن هذه الاثني عشر هي النوع الثالث من أنواع المضمرات. وكلها مضمرات متصلات منصوبات الموضع بحق المفعول. ويقع الظاهر بعدها مرفوعًا بحق الفاعل. وهي ضد ما قبلها. لأن الذي قبلها فعل وفاعل، وهذه فعل ومفعول. فمواضع هذه المضمرات كلها نصب بحق المفعول. والمفعول فضلة لا يلزم كلزوم الفاعل. ولما كان فضلة - لا يلزم كلزوم الفاعل - لم يعتد باجتماع أربع حركات فيه في قولك: نفعني، ولا في قولك: نفعنا، ولا في قولك: نفعك، وأخواته. ولما كانت هذه ضمائر المفعولين
[ ١ / ١٤٦ ]
ضمائر الجر
وجب أن يقع الظاهر بعدها مرفوعًا بحق الفاعل، لأنه ليس بعد الفعل والمفعول إلا الفاعل، ما لم يكن تابعًا، فإن التابع يجري مجرى ما تقدم في الحمل على الموضع. فإذا أكدت قلت: نفعك نفسك زيد، ونفعكم أنفسكم زيد، ونفعكن أنفسكن زيد. ونفعك وزيدًا عمرو. فقس على ذلك [تصب إن شاء الله].
فإن قيل: فلم جاءت النون في «نفعني» وليست بضمير؟ . قيل: جاءت وقاية للفعل ليسلم من الكسر فيقع الكسر عليها. لأن ياء المتكلم يكون ما قبلها مكسورًا. فالنون في «نفعني» حرف، والنون في «نفعنا» اسم. [فاعرف ذلك].
***
[قال الشيخ ﵁] وأما قولنا: «ومنها نوع [رابع] يكون مجرور الموضع. وذلك كل مضمر متصل باسم أو بحرف جر، مثل: عملي لي، عملنا لنا، عملك لك، عملك لك، عملكما لكما، عملكم لكم، عملكن لكن، عمله له، عملها لها، عملهما لهما، عملهم لهم، عملهن لهن».
[ ١ / ١٤٧ ]
فإن هذا النوع هو النوع الرابع من أنواع المضمرات. وكلها مضمرات متصلات مجرورات الموضع بحق الإضافة. فعمله اسمان، مضاف ومضاف إليه. فالمضاف «عمل»، والمضاف إليه «الهاء»، وهي في موضع جر، لأنك لو جعلت مكانها ظاهرًا لكان مجرورًا. مثاله: عمل زيد لزيد. وقولك: «له»، حرف واسم. فالحرف هو اللام. وأصل هذه اللام أن تكون مكسورة مع الظاهر، مفتوحة مع الضمير ما لم يكن ضمير متكلم. مثل: «لك» وفتحتها من «لنا». [من قولك: عملنا لنا]. واللام في قولك: «عملك لك» لا تكون إلا مفتوحة ولا تكسر إلا مع الظاهر وياء المتكلم.
فإن قيل: ما إعراب «عملنا لنا»؟ . فقل: مبتدأ وخبر. المبتدأ «عملنا»، والخبر «لنا».
فإن قيل: فبأي شيء أخبرت، أبمفرد أم بجملة؟ . فقل: يحتمل أمرين. إن قدرت فعلًا كان جملة، وإن قدرت اسمًا كان مفردًا. فتقدير الفعل «علمنا استقر لنا». وتقدير الاسم «عملنا مستقر لنا». لأن كل جار ومجرور وقع خبرًا فلابد أن يتعلق بشيء محذوف. فمتى قدرته فعلًا كان جملة. ومتى ما قدرته اسمًا كان مفردًا.
[ ١ / ١٤٨ ]
ضمائر النصب المنفصلة
فإن قيل: فما الأولى في التقدير؟ . قيل: الأولى الأخف. والأخف هو الاسم. ولهذا تقدر هذا وأمثاله بـ «مستقر» و«كائن» و«واجبٍ» وما أشبه ذلك من المفردات. فاعرفه [وقس عليه]. وسترى ذلك مبينًا في [فصل] العوامل. [إن شاء الله تعالى].
لكن ها هنا اثنا عشرة مسألة تفسيرها تفسير واحد. وإنما احتاجت حروف الجر إلى تقدير شيء تتعلق به، لأن حروف الجر إنما دخلت للربط، ولإيصال معاني الأفعال إلى الأسماء. ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بزيد. فالباء هي التي علقت معنى المرور بزيد. فإذا قلت: المرور بزيد، فقد صار الكلام مبتدأ وخبرًا، بعد أن كان فعلًا وفاعلًا. وانتقل من ذلك الحكم فصار له حكم آخر تتعلق الباء فيه بمحذوف. فقس على ذلك عملت لك، والعمل لك.
وأما قولنا: «ومنها نوع [خامس] يكون منصوبًا في التقدير، منفصلًا. وهو كل ضمير مفعول، تقدم على فعله. أو تأخر بعد استثناء. أو كان مفعولًا ثانيًا أو ثالثًا. أو كان اغراءً / لمخاطب، فينصب الأسماء [١٧] الظاهرة. مثال ذلك كله: إياك نعبد. وما نعبد إلا إياك. وعلمته إياه،
[ ١ / ١٤٩ ]
وأعلمت زيدًا عمرًا إياه. وإياك الطريق، [وكذلك الباقي]. وجميع ذلك اثنا عشر مضمرًا على ترتيب ما تقدم. وفي «إياك» وأخواتها خلاف بين العلماء. وأصحها أن «إيا» اسم مضمر، والكاف حرف خطاب. وقد استوفيت ذلك [كله] في شرح الأصول».
فإن هذا النوع هو النوع الخامس من المضمرات. وهي اثنا عشر أيضًا. إياي، إيانا، إياك، إياكما، إياكم، إياكن، إياه، إياها، إياهما، إياهم، إياهن. كلها مضمرات منفصلات، منصوبات الموضع بحق المفعول. لأنه ضمير موضوع للمنصوب. خلافًا لـ «أنا» وأخواتها اللاتي هن ضمائر المرفوع، وقد تقدم شرحها. ولما كانت هذه ضمائر المنصوب وجب أن تكون مواضعها غير مواضع «أنا» وأخواتها. فإذا وقعت أولًا مثل: (إياك نعبد وإياك نستعين) فهي مفعول مقدم في موضع نصب. وكان الأصل «نعبدك
[ ١ / ١٥٠ ]
ونستعينك». فلما قدم المفعول لضربٍ من العناية والاهتمام بالمعبود ﷻ، لم يكن أن يتقدم وهو على حرف واحد، فجعل منفصلًا بعد أن كان متصلًا. فصار «إياك نعبد». وقياسه في العربية «نعبدك». فعلى هذا فقس «إياك خاطبت» و«إياكم أردت»، مفعول مقدم كله. فإذا أردت أن تأتي به مفعولًا مؤخرًا بعد استثناء قلت: ما ضربت إلا إياه، وما عبدت إلا إياه، وما نعبد إلا إياك. فهذا وقوعه بعد الاستثناء، والتقدير: ما نعبد إلهًا إلا إياك. ولا يجوز أن يقع ها هنا «أنت» وشبهه. فإذا أوقعته مفعولًا ثانيًا قلت: علمته إياه. فالهاء مفعول أول، و«إيا» مفعول ثانٍ، صار منفصلًا لما حصل في موضع المفعول الثاني، إذ لا يجوز علمتهه. وإذا جعلته مفعولًا ثالثًا قلت: أعلمت زيدًا عمرًا إياه. فزيدًا مفعول أول، وعمرًا مفعول ثانٍ، وإياه مفعول ثالث. لأنك إذا فصلته مع كونه ثانيًا فأحرى أن تفصله إذا كان ثالثًا. وكذلك بقية هذه المضمرات تجري هذا المجرى من المسائل المذكورة.
وإذا أردت الإغراء لم يكن إلا بـ «إياك» وأخواتها مما فيه كاف الخطاب. لأنه لا يغرى بغائب إلا شاذًا. فتقول: إياك الطريق، وإياك
[ ١ / ١٥١ ]
والقبيح. فإياك ها هنا إغراء ناب عن فعل فنصب «الطريق»، كما ينصب [ذلك] الفعل المقدر «الطريق» لو قلت: خل الطريق، واجتنب القبيح. فوقع «إياك» ذلك الموقع فعمل عمله ونصب «الطريق» وشبهه. [وبالله التوفيق].
فإن قيل: وما الخلاف في إياك الذي بين العلماء؟ . فالجواب: أقوال شتى. منها قول الخليل ﵀ أن «إيا» اسم مضمر والكاف اسم مضمر. وأن هذه الكاف في موضع جر بالإضافة إلى «إيا». واحتج على ذلك برواية رواها عن العرب أنها تقول: «إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب»، فجر الشواب بالإضافة [إلى إيا]، فدل على أن الكاف إذا وقعت موقعها اسم في موضع جر.
[ ١ / ١٥٢ ]
ولم يلتزم أصحاب سيبويه هذه الحكاية لقلتها وشذوذها. فلا يقاس عليها.
ومنها قول الكوفيين إن «الكاف» اسم مضمر، و«إيا» دعامة للكاف ووصلة إليها. ولم يبينوا هذه الدعامة ما هي، أمضمرة هي أم مظهرة؟ . وقد رد هذا بأن قيل: إن أكثر الشيء لا يكون دعامة لأقله، لأن أقل ما في هذه الكلمة «الكاف» على قولهم، وقد دعمت بأربعة أحرف.
ومنها قول لهم أيضا أنه بكماله اسم مضمر. وهذا أيضًا ضعيف. لأن أكثر هذه المضمرات مركبات من أسماء وحروف، وخاصة المنفصلات، مثل: أنت وأنتما وأنتم [وأنتن]. الاسم منها الألف والنون، والباقي حروف خطاب، ودلائل تثنية وجمع. ولهذا إذا سميت بشيء منهن حكيت، لأنه مركب من اسم وحرف. وكل شيء سمي به من حرف واسم أو حرفين فإنه محكي لا يعرب.
ومنها قول رابع. وهي أنها كلها اسم مظهر موضوع للنصب لا غير، بمنزلة «سبحان» الذي هو اسم موضوع للنصب لا غير. وهذا
[ ١ / ١٥٣ ]
أضعفها. لأنه لا خلاف في كون «سبحان» معربًا، وفي كون «إياك» مبنيًا. وهذا يدخله التنوين، أعني «سبحان»، إذا احتيج إليه في شعر [أو صرفٍ] كما قيل:
سبحانه ثم سبحانًا يعود له وقبلنا سبح الجودي والجمد
ويروى: ثم سبحانًا نعوذ به.
ولا ينون «إياك»، فلو كان مظهرًا لجاز تنوينه.
ومنها القول المعتمد عليه وهو المذكور في المقدمة أن «إيا» اسم مضمر، والكاف حرف خطاب. وهذا القول هو قول الأخفش وقول سيبويه. وعليه [١٨ [العمدة، لأنه قد قام الدليل على كون الكاف حرف خطاب / لامتناع أن يكون لها موضع من الإعراب، الرفع والنصب والجر. فامتناع الرفع لأنها ليست من
[ ١ / ١٥٤ ]
ضمائر المرفوع. وامتناع النصب لأنه ليس لها ناصب، وامتناع الجر لأن المضمرات لا تضاف، لأنها معارف لا يفارقها تعريفها، فلا يجوز إضافتها إلى غيرها. فهذا كله طرف مما أشير إلى شرحه في الأصول مقنع ها هنا.
***
وأما قولنا: «فهذه جملة المضمرات. وهي نيف وستون مضمرًا. كلها مبنيات. وكلها معمولات لغيرها. وكلها معارف. وإنما أتي بجميعها للاختصار».
فإن معنى [هذا] النيف المشار إلى ذكره وإن كان ما تقدم إلا ستون [مضمرًا]، لأن أصلها من اثني عشر مضروبة في خمسة. فاحتيج إلى معرفة هذا النيف، وهو يوجد في فصل «نفعت» وأخواته، إذا حول الفعل الماضي إلى [الفعل] المضارع لم يكن الفاعل في الواحد مظهرًا، بل كان أبدًا مستورًا مع المتكلم [والمخاطب والغائب] مثل أنفع وننفع وتنفع [وينفع]. فهذا خلاف نفعت ونفعنا ونفعت. إذ كان الفاعلون مع الماضي مذكورين، ومع المستقبل مستترين مقدرين. وإنما استتر مع المستقبل لما فيه
[ ١ / ١٥٥ ]
من الدلائل. فالهمزة موضوعة للمتكلم، فأغنت عن إظهار الفاعل. والنون للجماعة وللواحد المعظم، فأغنت [أيضًا] عن إظهار الفاعل. والتاء للمخاطب، فأغنت [أيضًا] عن إظهار الفاعل. والياء للغائب. فقد صار كل حرف من حروف المضارعة يدل على المعنى الذي وضع له فأغنى عن إظهاره. ووجب أن يعتقد أنه مضمر مستتر. فإذا قلت: أنفع زيدًا، فتقديره أنفع أنا زيدًا. وكذلك ننفع زيدًا، فتقديره ننفع زيدًا. وكذلك: تنفع زيدًا، تقديره تنفع أنت زيدًا. [وكذلك ينفع زيدًا، تقديره ينفع هو زيدًا]. فاستغنيت بحرف المضارعة عن إظهاره. فإذا صرت إلى الاثنين والجماعة [والمؤنث] كان بالألف والواو [والياء]، كقولك ينفعان وينفعون وتنفعين. فالألف ضمير وهي الفاعلة. [والواو
[ ١ / ١٥٦ ]
ضمير وهي الفاعلة]. والياء عند سيبويه ضمير وهي الفاعلة، وعند الأخفش حرف يدل على التأنيث، والفاعل عنده مضمر تقديره «تنفعين أنت». فهذا تفسير النيف المشار إلى ذكره لئلا يورد عليك مثله. وليس هو مذكورًا في جمله الستين الممثلة.
وكل هذه المضمرات مبنيات كما ذكرنا. وإنما كانت مبنياتٍ لشبهها بالحروف. وإنما أشبهت الحروف بافتقارها إلى غيرها من المظهرات واختلاف صيغها كالحروف.
وكلها معملولات. وإنما كانت معمولاتٍ لأنها لا تخلو من أن تكون فاعلاتٍ، أو مفعولاتٍ، أو مضافاتٍ، أو مبتدآتٍ. فإذا كانت مبتدآت، فالعامل فيها الابتداء، مثل: أنا زيد، ونحن الزيدون. وإذا كانت فاعلاتٍ فالعامل فيها أفعالها التي هي مسندة إليها، مثل: نفعت ونفعنا. كما تقول: نفع زيد، ونفع الزيدون. فكما أن «زيدًا والزيدين» مرفوعان بنفع، ومعمولان له، فكذلك «التاء» وأخواتها في «نفعت» مرفوعة
[ ١ / ١٥٧ ]
بنفع ومعمولة له. وكذلك في حال النصب إذا قلت: نفعني [الزيدون]. الياء معمولة لنفع، لأنها منصوبة في التقدير. وكذلك الياء في «عملي لي» معمولة للعمل وللجار، بحكم الإضافة، وهي في موضع جر بذلك.
فظهر لك أنها [كلها] معمولات، ولا يكن قط عاملات. لأنه ليس في المضمرات فعلية ولا معنى فعلٍ. فلذلك كانت كلها معمولات ولم تكن عاملات.
فإن قيل: فما تصنع بالمضمرات التي تكون فصلًا في باب كان وأخواتها، وفي باب ظننت وأخواتها إذا قلت: كان زيد هو العاقل، وظننت زيدًا هو العاقل، بالنصب. أهي ها هنا [أيضا] معمولة كما كانت في قولك إذا رفعت ما بعدها وقلت: كان زيد هو العاقل، وظننت زيدًا هو العاقل؟ .
[ ١ / ١٥٨ ]
فالجواب: أن هذا موضع مشكل، ولا يكاد يحققه إلا مثل الفارسي وأصحابه من المتأخرين، وسيبويه ﵀ من المتقدمين وأصحابه. فإنهم يقولون إنها لا موضع لها من الإعراب، لا رفع ولا نصب ولا جر. فإذا منعوا من ذلك بطل أن تكون معمولة لعامل من العوامل كلها، اللفظية والمعنوية، لأنها إنما دخلت للفصل لا غير. وهي زائدة كزيادة «ما» و«لا» اللذين هما حرفان يدخلان زائدين. ولذلك شبه سيبويه ﵀ هذه المضمرات إذا كن فصلًا بهذين الحرفين فألحقها بالحروف. وأطلق بعض المحققين لأجل ذلك على هذه الأسماء أنها حروف لما أجراها سيبوبه مجرى «ما» و«لا» اللذين هما حرفان زائدان. وهذا تصريح من صاحب الكتاب عليها بالحرفية، فوجب لذلك ألا تكون معمولات إذا كن فصلا. وما عداها مما ليس بفصل فمعمول بلا إشكال، على ما قدمناه.
وكل هذه المضمرات معارف. وإنما كانت كذلك لأنها لم تضمر
[ ١ / ١٥٩ ]
إلا وقد عرفت. وكلها إنما أتي بها للاختصار، لأنه لولاها لطال مع المظهر التكرار في كل موضع من أنواع الإخبار أو الاستخبار.
وهذا بين لا يحتاج معه إلى الإكثار. وبالله التوفيق.
[ ١ / ١٦٠ ]
/ فصل الأسماء التي لا ظاهرة ولا مضمرة
وهو القسم الثالث من أقسام الأسماء [١٩]
أما قولنا: «الأسماء التي لا ظاهرة ولا مضمرة هي أسماء الإشارة. وهي خمسة: ذا، وذان، وتا، وتان، وأولاء».
فإنه لما فرغ القسمان الأولان شرع في شرح القسم الثالث لأنه بين القسمين الأولين، فلم يجز أن يذكر إلا بعدهما.
والغرض بأسماء الإشارة التنبيه، على ما يأتي بيانه. فـ «ذا» إشارة إلى مذكر. و«تا» إشارة إلى مؤنث. و«ذان» إشارة إلى مذكرين في حال الرفع إذا قلت: نفعني ذان. فإن كان مفعولًا كان بالياء، مثل: نفعت ذين. و«تان» إشارة إلى مؤنثين في حال الرفع، مثل: نفعتني تان. وبالياء في حال النصب [والجر]. مثل: نفعت تين، [وانتفعت بتين]، و«أولاء» إشارة لجماعة المذكر والمؤنث مبني على الكسر مستعمل لهما.
[ ١ / ١٦١ ]
وفي المؤنث لغات. يقال: تا وتي [وته] وذه وذي. فإذا وقفت سكنت الهاء.
وفي ذان وذين لغتان، تشديد النون وتخفيفها، فتخفيفها هو الأصل. وتشديدها كالعوض من المحذوف منها.
وتان فيها أيضًا لغتان، تشديد النون وتخفيفها على هذا الأصل. وقد قريء [بالأمرين جميعًا] (هذان) مخففًا ومشددًا، [وكذلك: هاتان] وفي أولاء لغتان، المد والقصر. فمن مده كسر همزته، ومن قصره كان بالألف ساكنةً.
وهن في جميع هذه اللغات مبنيات كالمضمرات. وعلة بنائها شبهها بالحروف. وقيل: لتضمنها معنى حرف إشارة لا ينطق به.
[ ١ / ١٦٢ ]
شبهها بالأسماء الظاهرة
شبهها بالأسماء المضمرة
وأما قولنا: «فهذه من حيث وصفت ووصف بها، وصغرت، أشبهت الأسماء الظاهرة».
فإن مثال وصفك لما قولك: هذا الرجل قائم. فهذا مبتدأ، والرجل صفة، وقائم خبر الابتداء. ولا توصف أبدًا إلا بالأجناس أو ما تنزل منزلتها.
ومثال الصفة بها قولك: مررت بزيد هذا، ورأيت زيدًا هذا. وكذلك المؤنث هذه صفته.
ومثال تصغيرها أن تقول في تصغير «ذا»: ذيا. وفي تصغير «تا»: تيًا. وفي «ذان» و«تان»: ذيان وتيان. وفي «أولاء»: أوليا. فهذا تصغيره، وهو تصغير المبهمات.
ولما كان التصغير والوصف يدخلان عليها، والوصف للشيء والوصف به إنما هو من خواص الأسماء الظاهرة أشبهتها بهذه الأشياء.
وأما قولنا: «ومن حيث بنيت، واحتلفت صيغها، ولم يفارقها تعريف الإشارة أشبهت المضمرات فصارت بينهما».
فإن تفسير ذلك، أن هذه الأسماء التي للإشارة مبنية كلها، كما أن المضمرات مبنية كلها. وأن أسماء الإشارة مختلفة الصيغ، شيء للمذكر، وشيء للمؤنث، وشيء لتثنية المرفوع، وشيء لتثنية المنصوب والمجرور. كما أن المضمرات
[ ١ / ١٦٣ ]
دخول التنبيه والخطاب عليها
مختلفة الصيغ، شيء للمذكر، وشيء للمؤنث، وشيء للمرفوع، وشيء للمنصوب والمجرور. وأنها لم يفارقها [كلها] تعريف الإشارة، كما أن المضمرات [كذلك] لم يفارقها تعريف الإضمار وإيضاحها، وهو عودها على ما قبلها. وأسماء الإشارة تفسير بما بعدها. ألا تراك تقول: زيد هو الذي فعل كذا وكذا، فيأتي بيان المضمر قبله. وتقول: هذا الرجل الذي فعل كذا وكذا، فيأتي بيان اسم الإشارة بعده. فقد صار تعريفهما وإيضاحهما لا يفارقهما وإن اختلفت حقائقهما.
فثبت بهذا أن أسماء الإشارة مشبهة للأسماء الظاهرة من الوجوه الثلاثة المتقدمة. ومشبهة للأسماء المضمرة من الثلاثة الأوجه المذكورة، فصارت بينهما لذلك. فاعرفه، فإن في معرفة هذا فوائد كثيرة تحتاج إليها فيما بعد إن شاء الله تعالى. وأما قولنا: «وقد يكون مع الإشارة تنبيه مثل: هذا وهاتا. وقد يكون معها خطاب مثل: ذاك وتاك. وقد يكون معها الأمران جميعًا مثل: هاذاك وهاتاك».
[ ١ / ١٦٤ ]
فإن جملة الأمر أن أسماء الإشارة لا تنفك من أربعة أقسام. إما أن تستعمل مفردة ليس معها تنبيه ولا خطاب، كقولك: ذا زيد، وتا هند. فهذا أخصر ما يكون.
وإما أن يكون مع الإشارة تنبيه فقط مثل: هذا زيد، وهاتا هند. فـ «ها» حرف تتنبيه، و«ذا» اسم إشارة. وكذلك «هاتا» والبقية. وكل واحد منها حرف واسم.
وإما أن يكون مع الإشارة خطاب فقط مثل: ذاك وتاك. فـ «ذا» اشارة، والكاف [حرف] خطاب. إن كان لمذكر فتحتها، وإن كان لمؤنث كسرتها. تقول: كيف ذاك الرجل يا رجل، وكيف ذاك الرجل يا امرأة، إذا كنت تسأل امرأة [عن رجل]. فإن سألت رجلًا عن امرأة فتحت الكاف، فقلت: كيف [تاك أو] تلك المرأة يا رجل. فإن سألت امرأة عن امرأة كسرت الكاف فقلت: كيف تلك المرأة يا امرأة [وكيف تاك المرأة يا امرأة]. وعلى هذا فقس بقية الأمثلة. كلها إشارة وخطاب فقط. وإما أن يكون مع الإشارة تنبيه وخطاب جميعًا، فيكون التنبيه من أوله
[ ١ / ١٦٥ ]
والخطاب من آخره مثل: هاذاك وهاتاك. وهذا أبلغ ما يكون في استعمال [٢٠] هذه الأسماء، أن يجتمع فيها / الإشارة والتنبيه والخطاب.
فإن قيل لك: فأي شيء منها لا تجتمع فيه هذه الثلاثة؟ . فقل: إذا دخلت اللام في «ذاك»، وفي «تاك». لا يجوز «هاذالك» ولا «ها تالك». لأن «اللام» موضوعة للبعد، و«ها» موضوعة للقرب فلم تجمع بينهما.
فإن قيل [لك]: فما الفرق بين «ذا» و«ذاك» و«ذلك» في المعنى؟ فقل: «ذا» لأقرب الأقربين إليك. و«ذاك» لمن يليه. و«ذلك» لأبعد الثلاثة.
والكلام في السؤال: سؤال لمذكر عن مؤنث. ولمؤنث عن مذكر. ومذكرين عن مذكرين. ومؤنثين عن مؤنثين. ومؤنث عن مذكرين. ومذكر عن مؤنثين. ومذكرين عن مؤنث. وجماعة عن واحد. وواحد عن جماعة. وغير ذلك من المسائل التي يطول ذكرها. وتخرج منها
[ ١ / ١٦٦ ]
عملها في الحال
ست وثلاثون مسألة ينبغي أن تروض نفسك في الإجابة عنها. فإن هذا الفصل الغرض به معرفة ما هذا سبيله.
وأما قولنا: «وكلها مبنية، وكلها معمولة». فقد تقدم بيانه.
وأما قولنا: «وقد تكون هي عاملةً في الحال بخلاف المضمر، مثل: هذا زيد واقفًا، وهذه هند واقفة».
فإن تفسير هذه المسألة وأشباهها أن تقول: «هذا» مبتدأ، و«زيد» خبره، و«واقفًا» منتصب على الحال. والناصب له أحد شيئين: إما «ها» لما فيها من معنى التنبيه. وإما «ذا» لما فيها من معنى الإشارة، ك أنك قلت: أشرت إليه واقفًا، أو: نبعت عليه واقفًا. وكذلك قولك: هذه هند واقفةً. تفسيرها كتفسير ما قبلها، «هذه» مبتدأ، و«هند» خبر الابتداء، و«واقفة» منتصبة على الحال من هند. والعامل في الحال إما «ها»، كأنك قلت: نبهت عليها واقفةً، وإما «ذه» كأنك قلت: أشرت إليها واقفةً.
فإن قيل: فهل يجوز أن تقدم «واقفعًا» و«واقفة» إلى جانب اسم الإشارة؟ . فقل: ذلك جائز، لأنه بعد العامل المعنوي.
فإن قيل: هل يجوز تقديمه على نفس «هذا» أو «هذه»؟ .
[ ١ / ١٦٧ ]
فقل: لا يجوز أن تقول: واقفًا هذا زيد. ولا: واقفةً هذه هند. لأن العامل إذا كان معنويًا لم تتقدم الحال عليه، بخلاف الفعل الصريح. لأنه يجوز أن تقول: واقفًا نبهت على زيد، وواقفًا أشرت إلى زيدٍ، ولا يجوز: واقفًا هذا زيد.
فإن قيل: فهل يجوز أن تقول: ها واقفًا ذا زيد، فتجعل الحال بين «ها» و«ذا»؟ .
فقل: إن اعتقدت أن العامل في الحال «ذا» لم يجز. وإن اعتقدت أن العامل في الحال «ها» جاز. وكذلك ها واقفةً ذه هندٌ، يجوز على وجه ولا يجوز على وجه آخر.
فإن قيل: فلم جاز الحال مع أسماء الإشارة ولم يجز مع المضمرات؟ . فقل: لأن الأسماء المضمرة ليس فيها معنى فعلٍ بحال، بل هي خالصة الأسمية، مجردة من معنى الفعلية. فلذلك لا يجوز: هو زيد واقفًا، ويجوز: هذا زيدٌ واقفًا. فعلى هذا فقس جميع أسماء الإشارة، وجميع الأسماء المضمرة. ولا يجوز: أنتما الزيدان قائمين، ويجوز: هذان الزيدان قائمين. ولا يجوز: أنتم الزيدون قائمين وقيامًا، ويجوز: هؤلاء الزيدون قائمين وقيامًا. فقس على ذلك.
[ ١ / ١٦٨ ]
أسماء الإشارة من المعارف
فإن رفعت الكل جاز مع المضمر ومع اسم الإشارة، لأنه ليس هناك حال، فتقول: هذا زيد واقف، وهو زيد واقف. «هذا» مبتدأ، و«زيد» خبره، و«واقف» مرتفع من أربعة أوجه. أحدها: أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، كأنك قلت: هذا زيد هذا واقف. الثاني: أن يكون «هذا» مبتدأ، و«زيد» بدلًا من «هذا»، و«واقف» الخبر. الثالث: أن يكون «هذا» مبتدأ، و«زيد» الخبر، و«واقف» بدلًا من زيد. الرابع: أن يكون «هذا» مبتدأ، و«زيد» خبره. و«واقف» خبر بعد خبر، أخبرت بالاسمية وبالوقوف. وكذلك إذا قلت مع المضمر: هو زيد واقف، يفسر هذا التفسير المذكور. فاعرفه وقس عليه [تصب] إن شاء الله تعالى.
وأما قولنا: «وكلها معارف».
فقد تقدم شرحها، وأن تعريفها بالإشارة.
وقد اختلف الناس هل هي أعرف من الأعلام أو الأعلام أعرف منها. فمذهب جمهور النحويين أن الأعلام مثل زيدٍ وعمروٍ أعرف من أسماء الإشارة، لأن تعريف العلمية لا يفارقها، معدومة كانت أو موجودة، وتعريف الإشارة يفارقها عند العدم. ومذهب أبي بكر بن السراج أن أسماء الإشارة أعرف
[ ١ / ١٦٩ ]
جملة المعارف خمسة: المضمرات، الأعلام، أسماء الإشارة، ما عرف بالألف واللام - وما أضيف إلى واحد منها
من الأعلام لأنها تتعرف بشيئين، بالعين والقلب، والأعلام تتعرف بالقلب [لا غير]. وما تعرف من وجهين أعرف عنده مما تعرف من وجه واحد.
والأولى القول الأول لأنه لو اجتمع على [أسماء] الإشارة ما عسى أن يجتمع من التعريفات لكان ذلك لا يزيد فيها على تعريف العلمية، لأن العلم له مجموع الصفات، وأسماء الإشارة قد تكون للأعلام صفاتٍ، ولا تكون الأعلام لأسماء الإشارة صفاتٍ. فقد صارت أسماء الإشارة تابعة للأعلام، فوجب أن تكون الأعلام أعرف منها. وبالله التوفيق.
[٢١] وأما قولنا/: «وجملة المعارف خمسة: المضمرات، والأعلام، وأسماء الإشارة، وما عرف بالألف واللام، وما أضيف إلى واحد منها».
[ ١ / ١٧٠ ]
فإنه لما ذكرنا أن أسماء الإشارة معارف جملنا جملة المعارف لتعرفها، وهي الخمسة المذكورة. وقدمت المضمرات لأنها أعرف المعارف. وثني بالأعلام لأنها أعرف من أسماء الإشارة عند النحويين إلا أبا بكر [بن السراج]، وقد ذكر. وثلث بأسماء لأنها أعرف [عند النحويين] مما فيه الألف واللام. لأن أسماء الإشارة تنعت بما فيه الألف واللام، ولا ينعت ما فيه الألف واللام بأسماء الإشارة، لا تقول: «جاءني الرجل هذا»، وأنت تريد النعت. فإن أردت البدل جاز، لأنه قد يبدل الأعرف من الأنكر مما هو دونه في التعريف، ولا ينعت بالأعرف ما هو دونه في التعريف. وربع بما تعريفه بالألف واللام لأنه أعرف مما أضيف إلى ما فيه الألف واللام. «فالرجل» أعرف من «غلام الرجل». لأن تعريف «الرجل» تعريف الإفراد، وتعريف «الغلام» تعريف الإضافة، فالتعريف سار إليه من اسم آخر [غيره]، وليس كذلك «الرجل».
وكذلك ما أضيف إلى المضمر أعرف مما أضيف إلى العلم، «فغلامك»
[ ١ / ١٧١ ]
أسماء الاستفهام
أعرف من «غلام زيد». وكذا «غلام زيد» أعرف من «غلام هذا». وكذلك «غلام هذا» أعرف من «غلام الرجل». فقس على هذا فإن له فوائد [كثيرة] تظهر في باب النعت وغيره.
وأما قولنا: «وفي الأسماء أسماء مشكلة، مثل أسماء الاستفهام التسعة، وهي: من وما وكم وكيف وأين وأنى ومتى وأيان وأي. كلها أسماء لأنها معمولة، وتدخل على أكثرها حروف الجر. ومعانيها تتفسر بأجوبتها. وكلها مبني سوى «أي».
فإن هذه جملة مختصرة في معرفة أسماء الاستفهام. وإنما كانت مشكلة لما عرض فيها من البناء، وامتناعها من الألف واللام ومن التنوين ومن الإضافة. وهذه خواص الأسماء وعلاماتها. فإذا لم توجد في اسم صار مشكلًا، ألا ترى أنك لا تقول: المن، ولا: من، ولا: منك. وكذلك باقي التسعة سوى أي المعربة، فإن إعرابها مكنها. فالتنوين تارة يدخلها إذا قلت: أي جاءك. والإضافة تارة تدخلها إذا قلت: أيهم جاءك.
فإن قيل: فما الدليل على كونها أسماء؟
فقل: دخول حروف الجر على أكثرها مقل: من من، و«فيم أنت من
[ ١ / ١٧٢ ]
ذاكرها). وإلى كم تغيب، وانظر إلى كيف تصنع، حكاها قطرب، ومن أين، [ومن أي]، وإلى متى، ومن أنى، ومن أيان. ودليل آخر، وهو إبدال الاسم الصريح منها تقول: من جاءك أزيد أم عمرو. فزيد وعمرو بدل من «من»، ولا يبدل الاسم إلا من الاسم. وكذلك: ما أكلت أخبزًا أم لحمًا. فخبزًا ولحمًا بدل من «ما». وكذلك: كم مالك أعشرون [درهمًا] أم ثلاثون. فعشرون وثلاثون بدل من «كم». وكذلك: أين زيد أفي الدار أم في السوق. فالدار والسوق بدل من «أين». وكذلك: متى الخروج اليوم أم غدًا. وكذلك: أي الناس صاحبك أزيد أم عمرو. فزيد وعمرو بدل من «أي». فهذا أحسن ما استدل به على كون هذه الأسماء أسماء.
ودليل ثالث وهو أنها كلها تصلح أن تكون مفعولة. إذا قلت: «من رأيت». فموضع «من» نصب بـ «رأيت» وهو مفعول مقدم، و«ما
[ ١ / ١٧٣ ]
أكلت» فموضع «ما» نصب بـ «أكلت»، وهو أيضًا مفعول مقدم. وكذلك الباقي على هذه الصفة.
فإن أدخلت على هذه الأفعال مضمرات ترجع إلى هذه الأسماء، كانت الأسماء في موضع رفع بالابتداء وكان جوابها مرفوعًا، كقولك: من رأيته. لأن «من» مبتدأ، وقد اشتغل الفعل عنها بضميرها، والجملة التي هي «رأيته» في موضع رفع لكونها خبرًا لمن، كأنك قلت: من مرئي. فالجواب بالرفع لا غير، فتقول: زيد. فإذا لم تأت بالهاء كان الجواب منصوبًا، لأن الاسم المتقدم منصوب، مفعول مقدم، فجوابه منصوب.
وكذلك تجري الباقي على هذا المجرى إلا ما كان منها ظرفًا مثل «متى» و«أين» فإنه لا يكون جوابها مرفوعًا لأن الظروف لا يبتدأ بها كالابتداء بمن وكم.
فإن قيل: كيف تتفسر معاني هذه الأسماء بأجوبتها؟ . قيل: لأن «من» سؤال عن من يعقل، و«ما» سؤال عن ما لا يقعل، و«كم» سؤال عن عدد، و«كيف» سؤال عن حال، و«أين» سؤال عن مكان، و«أنى» سؤال عن جهة، و«متى» سؤال عن زمان، و«أيان» مثل «متى» إلا أنها مستعملة في
[ ١ / ١٧٤ ]
الأمور المعظمة، وأي سؤال عن بعض من كل. فيجب أن يكون جواب كل واحدة من هذه التسعة بحسب معناها، فيكون الجواب مفسرًا للمعنى، ومفسرًا للإعراب. لأنها إن كانت مرفوعة الموضع كان جوابها مرفوعًا، وإن كانت منصوبة الموضع كان جوابها منصوبًا، وإن كانت مجرورة الموضع كان جوابها مجرورًا، كقولك: بمن مررت، فتقول: زيدٍ، وإن شئت [قلت]: بزيدٍ.
/ وكل ما وجدت من هذه الأسماء التسعة مبنيًا على السكون ففيه سؤال واحد، [٢٢] وهو: لم بني؟ .
فتقول: لتضمنه معنى الحرف، وذلك الحرف هو ألف الاستفهام. وذلك يكون في «من» و«ما» و«كم» و«متى» و«أنى»، لأن هذه الأسماء مبنية على السكون.
وكل ما كان منها مبنيًا على حركة ففيه ثلاثة أسولة، لم بني؟، ولم بني على حركة؟، ولم بني على حركة دون حركة؟، مثل «أين» و«كيف» و«أيان» [فتقول]: بنيت لتضمنها معنى الحرف.
[ ١ / ١٧٥ ]
الأسماء الموصولة
وبنيت على حركة لالتقاء الساكنين. وخصت بالفتحة دون غيرها طلبًا للخفة. فقس على ذلك كل اسم بني على حركة وسل فيه عن هذه الأسولة حتى تعرفها.
فإن قيل: وما الحاجة إلى المجيء بهذه الأسماء التسعة، وألا استغني بهمزة الاستفهام عنها؟ .
قيل: أتي بها لغرض عظيم وهو الاختصار والخوف من الإطالة والإكثار. ألا ترى أنك لو قلت في «من زيد»: أزيد فلان، لجاز أن يقال لك «لا»، ثم تسأل ثانيةً وثالثةً ورابعةً، فتكون أبدًا كذلك. فإذا قلت: من زيد، اقتضى الجواب من أول وهلة وسقطت الإطالة والكلفة. وكذلك البقية.
***
وأما قولنا: «ومثل الأسماء الموصولة التسعة، وهي: «الذي» و«التي»، وتثنيتهما وجمعهما. و«من» و«ما» بمعناهما و«أي» و«الألف واللام» بمعناهما. و«ذو» في لغة طييء. و«ذا» إذا كان معها «ما». و«الألى» بمعنى الذين. كل ذلك إذا كان بمعنى «الذي» كان موصولًا. وكلها مبني سوى «أي». وكلها لا تتم إلا بصلة وعائد. وجملة صلاتها أربعة أشياء: مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل، وشرط وجزاء، وظرف. واسم الفاعل مع
[ ١ / ١٧٦ ]
الألف واللام، وكذلك اسم المفعول».
فإن هذه جملة مختصرة في معرفة الأسماء الموصولة. وإنما كانت مشكلة لبنائها أيضًا وشبهها بالحروف. والدليل على اسميتها جواز الإخبار عنها، وجواز كونها فاعلة ومفعولة، ودخول حرف الجر عليها.
وإنما سميت موصولة لأنها وصلت بما بعدها، لأنها لا تستقل بنفسها، وهي محتاجة إلى صلاتها كاحتياج الحروف إلى غيرها.
وإنما بنيت لشبهها بالحروف، وشبهها بالحروف إنما هو من حيث احتاجب إلى صلة وعائد كما احتاجت الحروف إلى غيرها.
ومثل صلتها بالمبتدأ والخبر: هذا الذي أبوه منطلق. ومثالها بالفعل والفاعل: هذا الذي انطلق أبوه. ومثالها بالشرط والجزاء: هذا الذي إن انطلق أبوه انطلق أخوه. ومثالها بالظرف: هذا الذي عندك، أو: في دارك. فهذا الظرف وسائر الظروف إذا وقعت صلات للموصولات فإنها تتعلق بفعل مقدر أبدًا، تقديره «هذا الذي استقر عندك» ثم حذفت «استقر» و«ثبت» وما اشبهه وأنبت منابه الظرف المنصوب به، بعد أن نقلت الضمير الذي كان في الفعل مستترًا، وهو ضمير الفاعل، فاعترفت الآن أنه مستتر
[ ١ / ١٧٧ ]
في الظرف، وصار [الفاعل] مرفوعًا بالظرف بعد أن كان مرفوعًا بالفعل.
هذا كلام المحققين فاعتمد عليه.
فإذا جاءتك حال منصوبة بعد هذا الظرف فسئلت عنها فقيل لك: من صاحب الحال؟ . فقل: ذلك المضمر الذي في الظرف. فإذا قيل لك: فما العامل في الحال؟ فقل: الظرف نفسه النائب عن [ذلك] الفعل، مثال ذلك: زيد الذي في الدار ضاحكًا. فـ «زيد» مبتدأ، و«الذي بصلته» خبر المبتدأ في موضع رفع بحق الخير، و«ضاحكًا» منتصب على الحال من المضمر الذي في الظرف، والناصب للحال نفس الظرف النائب عن الفعل. وعلى هذا تقيس «التي» والتثنية والجمع وسائر الموصولات التسعة، سوى «الألف واللام» فإنها لا توصل بجملة من هذه الجمل الأربع. وإنما توصل بمفرد، وذلك المفرد هو اسم الفاعل أو اسم المفعول.
مثال اسم الفاعل: هذا الضارب [زيدًا]، أي الذي ضرب [زيدًا]. ومثال اسم المفعول: هذا المضروب، أي الذي ضرب. فالضارب والمضروب مفردان لا جملتان، وفيهما عائدان مقدران يرجعان إلى الألف واللام، لأن الألف واللام في معنى الاسم وهو «الذي»، فاحتاجا إلى عائد كاحتياج «الذي».
و«الألف واللام» مبنية كبناء جميع الموصولات. وصلة الألف واللام معربة، من حيث لم تكن جملة كانت معربة. وباقي الموصولات
[ ١ / ١٧٨ ]
مبنيات. وجملها كلها محكيات. فلذلك يستوي مرفوعها ومنصوبها ومجرورها في التقدير، من نحو: جاءني الذي أبوه منطلق، ورأيت الذي أبوه منطلق، ومررت بالذي أبوه منطلق. فـ «الذي» على صورة واحدة لأنه مبني، والجملة على صورة واحدة لأنها محكية. وكذلك الباقي جارٍ هذا المجرى. فأما «أي» إذا كانت موصولة بجملة من هذه الجمل الأربع كانت معربة، لأنها في نفسها متمكنة بإضافتها، فبقيت على ما تستحق من إعرابها. تقول: / جاءني أيهم أبوه منطلق، بالرفع، ورأيت أيهم أبوه منطلق، [بالنصب]، [٢٣] ومررت بأيهم أبوه منطلق، [بالجر]. فـ «أي» معربة متغيرة، والجملة بعدها [جملة] محكية.
فإن وصلت بمفرد لا جملة مثل: جاءني أيهم أفضل، كانت عند سيبويه مبنية على الضم لا تتغير في رفع ولا نصب ولا جر، لأنها مشبهة بـ «قيل» و«بعد» في حذف مبينها. وعليه قوله ﷾ عند سيبويه (ثم لننزعن من كل شيعةٍ أيهم أشد على الرحمن عتيًا)، وتقديره «الذي
[ ١ / ١٧٩ ]
هو أشد على الرحمن عتيًا». فـ «أيهم» بصلتها في موضع المفعول للنزع، ولم تنصب لكونها مبنيةً عنده. فعلى هذا تقول: مر بأيهم أفضل. وعليه قول الشاعر:
* فسلم على أيهم أفضل *
فهذه جملة كافية في معنى الموصولات والصلات. و«من» من بينها مختصة بمن يعقل. و«ما» لما لا يعقل. والباقي تصلح لما لا يعقل ولمن يعقل. فصل كلا [منها] بما يقتضيه معناها من ذلك.
ومما يحتاج إليه في معرفة عوائدها. أنه إذا كان ضمير مجرور لم يحذف، مثل: الذي مررت به فلان، ونحوه. وإذا كان ضمير مرفوع لم يجز حذفه مثل: الذي هو زيد فلان. إلا أن يطول الكلام فإنه يجوز أن يحذف وهو مراد،
[ ١ / ١٨٠ ]
الظروف المبنية (إذ، إذا، أمس، الآن، قط)
مثل: ما أنا بالذي قائل لك سوءًا، أي: ما أنا بالذي هو قائل [لك سوءًا]، لأن «قائلًا» هو خبر الابتداء المحذوف العائد على «الذي». وإذا كان ضمير منصوب، كنت مخيرًا إن شئت أثبته، وإن شئت حذفته، كقولك: الذي ضربته فلان، والذي ضربت فلان. لأن ضمير المنصوب فضلة في الكلام فاستثقل اجتماع أربعة أشياء، الموصول والفعل والفاعل والمفعول، فاختصر فحذف المفعول لأنه فضلة في الكلام. وقد جاء الأمران في كتاب الله ﷿ [قال الله سبحانه] (أهذا الذي بعث الله رسولًا)، أي [الذي] بعثه الله. وقال تعالى: (الذي يتخبطه الشيطان من المس)، فأثبت الهاء. وقد قرئ بالأمرين [جميعًا] (وما عملته أيديهم)، بإثبات الهاء، وحذفها على هذا الأصل المقرر. فاعرف ذلك، وقس عليه [تصب] إن شاء الله.
***
وأما قولنا: «ومثل الظروف المبنية [وهي] إذ، وإذا، وأمس، والآن، وقط. كلها أسماء لأنها مفعول فيها».
[ ١ / ١٨١ ]
فإن هذه الظروف أسماء مشكلة أيضًا لبنائها من حيث أشبهت الحروف. فـ «إذ» و«إذا» بنيا لاحتياجهما إلى غيرهما من الإضافة إلى ما بعدهما. و«إذ» ظرف لما مضى من الزمان. تضاف تارة إلى جملة من فعل وفاعل، وتارة [إلى جملة] من مبتدأ وخبر. مثال الأول: جئتك إذ قام زيد، ومثال الثاني: جئتك إذ زيد منطلق. فموضع الجملة منها جر بالإضافة، إذ الغالب على الظروف الإضافة من نحو: جئتك وقت الهاجرة، ووقت الصبح. فتلخيص «جئتك إذ قام زيد»، أي وقت قيام زيد، و«جئتك إذ زيد منطلق»، أي وقت انطلاق زيد. فالجملة بعد «إذ» مؤداة على حالها لأنها محكية، و«إذ» في موضع نصب على الظرف، ولا يتبين فيها ذلك لأنها مبنية.
والناصب للظرف لا يصح أن يكون الفعل الذي بعده لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف بلا خلاف فيه [بينهم].
وكذلك «إذا» وهي ظرف لما يأتي من الزمان بخلاف «إذ». وتضاف إلى الجملة بعدها من نحو: أجيئك إذا احمر البسر، وإذا قدم فلان، ونحوه.
وإذا وقع بعدها اسم مرفوع فليس رفعه عندنا بالابتداء، وإنما رفعه بإضمار فعل مثل: (إذا السماء انشقت) [السماء]، مرتفعة بإضمار فعل تقديره: إذا انشقت السماء انشقت. والفعل الثاني مفسر للأول. وإنما امتنع الرفع بالابتداء عند سيبويه وأصحابه لأن «إذا» فيها معنى الشرط، والشرط يطلب الفعل،
[ ١ / ١٨٢ ]
ولذلك كان مرفوعًا بتقدير فعل لا بالابتداء. خلافًا للأخفش فإنه قد أجاز رفعه بالابتداء، والصحيح ما ذكرته للعلة المذكورة.
فثبت بهذا كله أن الجملة بعد «إذا» - سواء كانت فعلًا وفاعلًا أو مبتدأ وخبرًا على الخلاف - في موضع جر بالإضافة، و«إذا» في موضع نصب على الظرف. والناصب له جواب «إذا» لا الفعل الواقع بعد «إذا» كالعلة في «إذ».
و«أمس» بني لتضمنه معنى ألف ولام لتعريف العهد. لأن المراد به الأمس [المعهود] الذي يلي يومك. وبني على حركة لالتقاء الساكنين [وهما] الميم والسين. وخص بالكسر على أصل التقاء الساكنين، لأنها حركة لا لبس فيها بالمعرب مع عدم الإضافة والألف واللام.
و«الآن» مبني لتضمنه معنى ألف ولام غير الموجودة. لأن الموجودة زائدة. و«الآن» معرفة باللام المقدرة لتعريف الوقت الذي أنت فيه، لأنها حد ما بين الزمانين، الماضي والمستقبل. وقال قوم: بنيت لأنها فعل ماض في
[ ١ / ١٨٣ ]
أسماء الأفعال
الأصل، من «آن يئين»، إذا حان. وقال آخرون: إنها خالفت أسماء [٢٤] الإشارة بتعريفها من غير جهة / التعريف فبنيت. والصحيح هو الأول.
وبنيت على حركة لالتقاء الساكنين، الألف والنون. وأعطيت الفتحة طلبًا للخفة.
و«قط» مبنية لقطعها عن الإضافة كقطع «قبل» و«بعد»، وحركت لالتقاء الساكنين. وضمت كضم «قبل» و«بعد» لأن الضم حركة لا تكون للظرف إعرابًا، وهو ظرف.
وكل هذه الخمسة محكوم عليها بالاسمية لأنها مفعول فيها. وكل مفعول فيه فهو اسم. وإنما سميت مفعولًا فيها لأنها ظروف زمان. والظروف ما فعل فيه الفعل، زمانًا كان أو مكانًا.
***
وأما قولنا: «ومثل أسماء الأفعال. مثل: صه وصه [ومه ومه] وإيه وإيه، وأف، وأف، وأف، وأف، وأف، وأفا. كل هذه لغات فيها. وتخفف فيقال: أف. وتمال فيقال أفي. ولا يقال ما عدا ذلك. وكلها أسماء لأنها في موضع المفعول، ويدخلها تنوين التنكير».
فإن هذه جملة مختصرة في أسماء الأفعال. والدليل على كون هذه الأشياء أسماء دخول تنوين التنكير عليها [في] مثل: صه وصهٍ، وإيه وإيه [وأف
[ ١ / ١٨٤ ]
وأف]، بمنزلة سيبويه، وسيبويه آخر، وعمرويه، وعمرويه آخر. وأنها في موضع المفعول لأن «صه» وقعت موقع «سكوتًا»، أي أسكت سكوتًا. والمصادر مفعولات، وكل مفعول فهو اسم. وكذلك الباقي.
فإن قيل [لك]: فلم أتي بها في الكلام؟ . فقل: للاختصار والإيجاز. لأنك تستعملها للواحد والاثنين والجمع [والمذكر] والمؤنث بلفظ واحد، فتقول: صه يا زيد، صه يا زيدان، صه يا زيدون. صه يا هند، صه يا هندان، صه يا هندات، بخلاف «اسكت» في جميع ذلك.
وكذلك الباقي.
فإن قيل: فما الفرق بين معنى «صه» و«صه»؟ . فقل: صه اسم للفعل معرفة. و«صهٍ» اسم للفعل نكرة. فكأنك قلت في الأول: اسكت السكوت المعروف منك، وفي الثاني: اسكت سكوتًا ما.
وكذلك الباقي يفسر هذا التفسير.
وكل ما رأيته مبنيًا على السكون كصه ومه فعلى الأصل، وما بني على حركة كإيه وأف ولغاتها فلالقتاء الساكنين. [فمن كسر فعلي أصل التقاء الساكنين]، ومن فتح فلطلب الخفة، ومن ضم فللاتباع. ومن خفف فقال «أف» فلاستثقال التضعيف، ومن قال «أفي» - وأمال - فلأن الألف رابعة، وهي اسم، فجاز إمالتها كحبلى وغيرها.
[ ١ / ١٨٥ ]
التنوين وأنواعه
فإن قيل: فما معاني هذه الأسماء المذكورة؟ . قيل: معنى «صه» اسكت. ومعنى «مه» اكفف. ومعنى «إيه» زدني من الحديث، فإن نونت فقلت «إيهٍ» فمعناه زدني زيادةً ما. ومعنى «أف» في جميع لغاتها التضجر. وكلها أسماء للعلتين المذكورتين وغيرهما.
***
وأما قولنا: «وجملة التنوين خمسة: تنوين تمكين مثل زيدٍ وعمروٍ. وتنوين تنكير مثل سيبويه وسيبويه آخر، وصه وصهٍ. وتنوين عوض مثل يومئذ [وحينئذ] وساعتئذٍ. وتنوين ترنم مثل:
* يا صاح، ما هاج الدموع الذرفًا *
و: * من طلل كالأتحمى انجها *
و: * يا أبتا علك أو عساكا *
[ ١ / ١٨٦ ]
وتنوين مقابلة [في المؤنث] بإزاء نون في المذكر مثل عرفات ومسلمات». فإنه لما ذكر التنوين في فصل أسماء الأفعال سيق معه جملة ما يأتي عليه التنوين. ولما كانت التنوين لا يخلو في الكلام من هذه الأقسام الخمسة عددت على ما بينت.
فأكثرها وأوسعها تنوين التمكين. لأن التنوين - كما قال سيبويه ﵀ - دخل الكلام علامة للأمكن عندهم والأخف عليهم، وهو الواحد النكرة، كرجل وفرس وزيد وعمرو. لأن الأعلام في أصلها نكرات، وإنما تعرفت بالنقل والوضع على من وضعت عليه من المسمين. وهذا التنوين الذي هو تنوين التمكين هو الذي يعتقب عليه في النكرات أبدًا شيئان: الألف واللام من أول الاسم، أو الإضافة من آخر الاسم، فلا يوجد التنوين مع واحد منهما من نحو: رجلٍ، والرجل، ورجلك.
والمعارف من الأسماء التي لا تنصرف مثل أحمد وإبراهيم وجميع الأسماء الستة، إذا نكرت دخلها التنوين، ولحقت بتنوين التمكين، لأن الاسم قد زال عنه بزوال إحدى علتيه شبه الفعل، فعاد إلى الأصل في الاسمية. وكان تنوينه تنوين تمكين.
ويلي ذلك تنوين التنكير في المبنيات المعارف إذا نكرت مثل سيبويه
[ ١ / ١٨٧ ]
وسيبويه آخر، وعمرويه وعمرويه آخر، وخالويه وخالويه آخر. كل هذه أسماء وأصوات بنيت بناء الاسم مع الصوت، وحركت لالتقاء الساكنين، وكسرت على أصل التقاء الساكنين. فإذا نونت تنوين التنكير فالاسم مبني على حالة لا معرب كصه ومه، وقد ذكر [ذلك].
ويلي ذلك تنوين العوض في مثل يومئذ وساعنئذٍ [وحينئذ]. وإنما سمي [٢٥] هذا التنوين عوضًا لأنه عوض من جملة كان الظرف مضافًا إليها/، الذي هو «إذ»، لأنه قد تقدم أن «إذ» تضاف إلى الجملة فحذفت تلك الجملة وعوض منها التنوين اختصارًا، فلذلك سمي التنوين عوض، كقوله سبحانه: (إذا زلزلت الأرض زلزالها. وأخرجت الأرض أثقالها. وقال الإنسان ما لها. يومئذ تحدث أخبارها). فالأصل «يوم إذ تزلزل الأرض [زلزالها]، وتخرج [الأرض] أثقالها، ويقول الإنسان ما لها»، حذفت هذه الجمل الثلاث، وناب منابها التنوين. فاجمع ساكنان، الذال من «إذ» والتنوين، فكسرت الذال لالتقاء الساكنين. وهذا من الاختصار العجيب فاعرفه وقس عليه.
ويلي ذلك تنوين الترنم. وهذا النوع يستعمل في الشعر والقوافي لمد الصوت عند الحداء. فيدخل على الاسم وإن كان فيه ألف ولام كـ «الذرفا»، وعلى الفعل كقوله، «أنهجًا»، وعلى المضمر، كقوله: «أو عساكًا»، لأنه ليس
[ ١ / ١٨٨ ]
خواص الاسم
بشيء من التنوين المتقدم، وإنما دخل لمعنى الترنم وتحسين الصوت، فهو مما يختص بشيء دون شيء.
ويلي ذلك تنوين المقابلة، وهو يكون في جمع المؤنث السالم، إذا سمي به، [من] نحو امرأة سميتها بـ «مسلمات»، ففيها التعريف والتأنيث، فكان يجب ألا تنون لاجتماع علتين. ولكن التنوين بإزاء النون التي تكون في المذكرين، من [نحو] قولك: المسلمون [والصالحون] فسمي هذا التنوين تنوين مقابلة فخرج عن الأقسام المتقدمة. يدل على ذلك قوله ﷾ (فإذا أفضتم من عرفات)، فعرفات معرفة مؤنث وقد دخله التنوين مع اجتماع علتين، فليس لذلك علة غير ما ذكر من الحكاية والمقابلة. فاعرف ذلك وقس عليه [تصب] إن شاء الله [تعالى]. وبالله التوفيق.
وأما قولنا: «وجملة الأمر أن خواض الأسماء كلها لا تخلو من أربعة أقسام. إما من أوله، مثل حروف الجر، وحروف النداء، ولام التعريف. وإما من آخره، مثل: تنوين التمكين والتنكير، والتثنية والجمع المنقلبين، وتاء التأنيث المنقلبة في الوقف هاء، وألفي التأنيث المقصورة والممدودة، وياءي النسب. وإما من جملته، مثل التصغير والتكسير والإضمار. وإما من معناه، مثل كونه مخبرًا عنه [وبه]، وفاعلًا، ومفعولًا، ومعرفًا، ومنكرًا، ومنعوتًا».
[ ١ / ١٨٩ ]
فإن هذه جملة مختصرة أيضًا في خواص الأسماء، حاصرة لجميعها إذ كانت مقاديرها وأحوالها لا تخلو من أربعة أقسام. وإنما كنت مختصة بالأسماء دون غيرها لأن لكل واحد منها معنى لا يصح إلا في الاسم.
فحروف الجر معناها إيصال معاني الأفعال إلى الأسماء، مثل: بزيدٍ مررت وعلى زيدٍ نزلت. فـ «على» أوصلت معنى النزول إلى زيد ونحوه.
وحروف النداء معناها التصويت بالمنادى. فإن كان المنادى مفردًا علمًا كان مضمومًا، مثل: يا زيد. وإن كان مضافًا كان منصوبًا مثل: يا عبد الله. وإن كان نكرة نظر. فإن كان مقصودًا مفردًا ضم، مثل: يا رجل، وإن كان غير مقصود نصب مثل: يا رجلًا.
ولام التعريف [معناها] تعريف عهد أو تعريف جنس أو تعريف حضور. وكل ذلك من أوائل الأسماء لأن معناها يقتضي ذلك.
ومعنى التنوين قد ذكر.
ومعنى التثنية ضم شيء إلى [شيء] مثله، كقولك: الزيدان والزيدين. ومعنى الجمع ضم شيء إلى أكثر منه، كقولك: الزيدون والزيدين.
ومعنى تاء التأنيث المبدلة في الوقف هاء الفرق بين المذكر والمؤنث في الأسماء نحو قائمة وقاعدة وامرأة وغرفة وقمحة وفرازنة ونحوه. وليست كذلك في الفعل لأنها تكون تاء في الوصل والوقف، مثل: قامت عند، وهند قامت.
[ ١ / ١٩٠ ]
ومعنى ألفي التأنيث المقصورة والممدودة كمعنى [تاء] التأنيث، إلا أن هاتين العلامتين ألزم للمؤنث، مثل: سكرى وغضبى ونحوه من المقصور، وحمراء وصفراء ونحوه من الممدود، فرقًا بين المذكر والمؤنث [من] نحو أحمر وسكران.
ومعنى ياء النصب الإضافة إلى أب، أو بلد، أو قبيلة، أو غير ذلك مما يخرج الاسم إلى معنى الصفة. مثل: كوفي ومصري وحسني وحسيني وقيسي وطلحي. فجميع هذه العلامات من آخر الاسم.
ومعنى التصغير تحقير كبير، أو تقليل كثير، أو تقريب بعيد، مثل: السقف فويقنا. وحميد، ورجيل. وهذا تصغير الثلاثي. والرباعي [تصغيره] مثل: دريهم [بوزن] فعيلل. وفعيليل للخماسي مثل: دنينير.
والتكسير هو جمع الكلمة مختلفة النظام. لأن جمع التكسير هو ما تغير في جماعته نظم الواحد، مثل: زيود، في تكسير زيد، وأزر، في تكسير إزار، وأسد في تكسير أسد.
والإضمار هو الكناية عن الأسماء وقد تقدم ذكرها [وتفسيرها] وأمثلتها
[ ١ / ١٩١ ]
في النيف والستين مثالًا. والغرض بها الاختصار.
وكل هذه من جملة [خواص] الاسم.
[٢٦] / وكونه مخبرًا عنه مثل قولك: زيدٌ قائمٌ، لأنه إنما يخبر عن الأسماء.
وكونه فاعلًا مثل: نفعني زيد.
وكونه مفعولًا مثل: نفعني زيدًا.
وكونه معرفًا بالألف واللام، مثل: الرجل [والغلام] وبقية التعريفات الخمسة.
وكونه منكرًا، مثل: أحد وعريب، وكتيع ورجل وفرس، ونحوه.
وكونه منعوتًا، مثل: رجل ظريف وكاتب، وشبهه.
وكل هذه علامات معنوية. وقد ظهر لك أن معنى كل واحد منها لا يصح إلا في الاسم.
فقد انقضى الفصل الأول من المقدمة، وهو فصل الاسم.
[ ١ / ١٩٢ ]