بسم الله الرحمن الرحيم
وفق للإتمام يا ذا الجلال والإكرام
قال الشيخ الإمام أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي ﵀: أما بعد حمد الله بجميع المحامد، والتوكل عليه في [كل] المصادر والموارد، والصلاة على نبيه محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه البررة المتقين، والسلام عليهم أجمعين. فإن للمقصد حرمة مأثورة، ونية مشكورة مبرورة. ولما كنت أيها الأخ أبا القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي سعيد أدام الله توفيقك وإرشادك، وجعل من السعادة في الدين والدنيا والعلم هداك وإمدادك، قد اطلعتني على حالك، وذكرت أنك لم تسافر من الاسكندرية - مع قرب توجه سفرك إلى مقرك - إلا لتحصل ما أمكن من هذا العلم، وأن أقرب ذلك قراءة المقدمة المرسومة لهذا الثان. وإيثارك تعليق شرحها مختصرًا لتنال من ذلك
[ ١ / ٨٧ ]
بلغة إلى حين عودتك بمشيئة الله وعونه، فتشرع في التنجز لهذا الشأن بحسب ما يؤديك إليه اجتهادك، والله معينك في ذلك وموفقك، أجبت سؤالك إيجاب مثلي لمثلك في مقصدك، وابتغاء مرضاة الله سبحانه [وتعالى] ورحمته. والله الموفق للصواب [بمنه].
قال الشيخ [أبو الحسن] ﵀: أما قولنا «النحو علم مستنبط بالقياس والاستقراء من كتاب الله سبحانه والكلام الفصيح».
فإن النحو له تفسيران: لغوي، وصناعي. فاللغوي أن تقول هو القصد من قولهم: نحوت كذا وكذا، أي قصدته. وهذا الاسم وإن كان عامًا في الأصل - لأن كل علم مقصود - فهو مخصوص بالترجمة عن هذا العلم كاختصاص علم الشريعة بالفقه، وإن كان كل علم فقهًا [وفهمًا]. وكاختصاص الكعبة ببيت الله ﷿ وإن كانت المساجد كلها بيوتًا لله تعالى.
والنحو من المصادر التي وقعت موقع الأسماء. فالمراد بالنحو الشيء المنحو [إليه]، كالمراد بنسج اليمن إنه منسوج اليمن، وبقوله / سبحانه (أحل لكم
[ ١ / ٨٨ ]
صيد البحر وطعامه)، أي مصيده. فقد خرج بهذه القضية من حكم المصادر [المنصوبة] على التأكيد. إذا قلت: نحوت النحو، إنما ينتصب انتصاب المفعول به لا انتصاب المصدر المؤكد. وعلى هذا تقول: نجي النحو، فتقيمه مقام ما لم يسم فاعله.
وهذه اللفظة كان القياس يجيز فيها فتح الحاء وتسكينها، على حد أنواعها مما فيه حرف من حروف الحلق. من نحو الشعر والشعر والنحر والنحر. لكنهم امتنعوا من الحركة في «النحو» لأجل أن الواو حرف علة، فلو حركوا الحاء لأدى ذلك إلى قلب الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتنب تحريكها لذلك.
وأما التفسير الصناعي فهو قولنا «علم مستنبط بالقياس». ولا إشكال في كون النحو علمًا من العلوم الجليلة، إذ كان العلم ضد الجهل، فلذلك سمي علمًا، ولا إشكال في كونه مستنبطًا لأن الاستنباط الاستخراج. من قوله سبحانه (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم). وأهل هذه الصناعة استخرجوه من كلام الله تعالى والكلام الفصيح. والطريق
[ ١ / ٨٩ ]
الذي استخرجوه به طريقان: السماع والقياس. فالسماع بالتتبع والتصفح. والقياس بحمل شيء على شيء لضرب من الشبه. فلذلك قلنا: هو علم مستنبط بالقياس والاستقراء.
وأما قولنا: «والغرض به معرفة صواب الكلم من خطائه وفهم كلام الله تعالى وفوائده». فإنه لا ينبغي لأحد أن يدخل في علم من العلوم حتى يعرف الغرض الذي [لأجله] دخل، ليكون على بصيرة مما دخل فيه.
وهذا الغرض ينقسم إلى قسمين. أحدهما معرفة الخطاء حتى يجتنب. والآخر معرفة المعاني حتى تعتقد. ولا أجل من فهم معاني كتاب الله ﷿ وفوائده، ومن علم السنة والأخبار عن رسول الله ﷺ، والحكم ودواوين العرب. فإن كل هذا لا يفهم على التحقيق إلا بمعرفة العربية. ألا ترى أن القراءة في [مثل] قوله تعالى (أن الله بريء من المشركين ورسوله) بجر الرسول تؤدي إلى التبرء من الرسول بكونه معطوفًا على المشركين المجرورين بمن، و«من» متعلقة ببريء. فيؤدي إلى التبرء من الرسول كالتبرء من المشركين. ونعوذ بالله من إعراب يؤدي إلى فساد الدين. وأن القائل إذا قال لزوجته:
[ ١ / ٩٠ ]
أنت طالق إن دخلت الدار. لم تطلق عليه حتى تدخل الدار. ولو فتح إن [فقال: أن] لكانت طالقًا في الحال. لأن الكلام صار علة، وفي الأول كان شرطًا. وأن الرجل إذا أقر فقلا: لفلان عندي مائة غير درهم - بنصب غير - كان مقرًا بتسعة وتسعين درهمًا، لأن غير هنا إذا انتصبت كانت استثناء من المائة. ولو رفع فقال: له عندي مائة غير درهم. لكان مقرًا بالمائة كلها كاملة، لأن غيرًا ها هنا صفة للمائة، وصفتها لا تخرجها عن جملتها ولا تنقص شيئًا منها. إلى غير ذلك من المسائل التي لا تحصى كثرة في أبواب الإقرارات والنكاحات والبيوعات وغيرها.
وأما قولنا: «والطريق إلى تحصيله [تكون] بإحكام أصوله وتقديم الأهم فالأهم من فصوله».
فإن أول كل مطلوب من شيء أصله. لأن البناء على الأصول، ومنها تتفرع الفروع، كما قال بعضهم: إنما منعهم من الوصول تضييع الأصول فلما أبطلوا تعطلوا.
وأما قولنا: «والأهم منها معرفة عشرة أشياء». فلأن مدار الكلام على هذه العشرة، لا ينفك كلام من جملتها أو بعضها. فالحاجة داعية إلى معرفتها.
فلذلك أخذ المبتديء بمعرفتها، ولأنها تسهل عليه كل ما يأتي بعدها.
[ ١ / ٩١ ]
وأما قولنا: «اسم وفعل وحرف».
فإن هذه الثلاثة هي الأصول الأول التي لا يستغنى عن تقدمة معرفتها لأنها أنفس الكلام. وما بعدها فإنما هو كلام على عوارضها الداخلة عليها. ولذلك اتفقت كتب متقدمي النحويين على البداية بها.
وإنما كان الكلام ثلاثة لا غير لأن العبارة على حسب المعبر عنه. والمعبر عنه لا يخلو من أن يكون ذاتًا كزيد وعمرو. أو حدثًا من ذات كقام وقعد، أو واسطة بين الذات وحدثها، تكون لايجاب شيء لها، أو نفي شيء عنها، أو شرطًا لها، مثل: إن زيدًا قام، وما زيد قام، وإن قام زيد قام عمرو. فالأسماء عبارة عن الذات. والأفعال عبارة عن الحدث. والحروف عبارة عن الوسائط. فلذلك / كانت ثلاثة على حسب المعبر عنه.
وإذا ثبت هذا. فالعلة في تقديم الكلام على الاسم من هذه الثلاثة لأنه أقواها وأمكنها. بدليل أنه يخبر به ويخبر عنه، من نحو: الله ربنا، وربنا الله. والحرف عكسه [لأنه] لا يخبر به ولا يخبر عنه، فأخر لذلك.
والفعل يخبر به ولا يخبر عنه، فوسط. ولأن كل شيء محمول على الاسم. لأن الله تعالى لما امتن على نبيه آدم ﵇ قال: (وعلم آدم الأسماء كلها).
[ ١ / ٩٢ ]
فلذلك وجبت البداية بالكلام على الاسم.
وأما قولنا «وهي الاسم، والفعل، والحرف، والرفع، والنصب، والجر، والجزم، والعامل، والتابع، والخط».
فإنما رتبت هذا الترتيب لما تقدم من قوة الاسم، ومن توسط الفعل، ومن تأخر الحرف. ثم قدم الرفع على النصب لأنه من حركات العمد التي هي للفاعل وشبهه وللمبتدأ وشبهه. ثم قدم النصب على الجر لأن النصب كثير، والمنصوبات أكثر من المرفوعات وأقل من المجرورات. ثم قدم الجر على الجزم لأن الجر من إعراب ما هو مستحق للإعراب، وهو الاسم. وليست الأفعال بمستحقة للإعراب في الأصل، وإنما إعرابها للشبه. ثم قدم العامل على التابع لأن العامل لابد منه، والتابع منه بد. لأن التابع إنما يأتي محمولًا على غيره، والعامل يأتي لأمر يحتاج إليه في نفسه. ثم قدم التابع على الخط لأن التابع لاحق بالمتبوع فلحق بما تقدمه. ولم يبق إلا جعل الخط عاشرًا. فهذا فيه معرفة ترتيب هذه الجملة حتى تأخذ كلًا منها على أصل في نفسك مستقر.
[ ١ / ٩٣ ]