إنما ذكر أسماء الأفعال بعد التحذير والإغراء لأن بعض أسماء الأفعال مغرى به نحو: عليك ودونك وفهم من قوله أسماء الأفعال أنها أسماء وهو مذهب البصريين قوله:
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لمسكين الدارمى فى ديوانه ص ٢٩، والأغانى ٢٠/ ١٧١، ١٧٣، وخزانة الأدب ٣/ ٦٥، ٦٧، والدرر ٣/ ١١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٢٧، وشرح التصريح ٢/ ١٩٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٠٥، ولمسكين أو لابن هرمة فى فصل المقال ص ٢٦٩، ولقيس بن عاصم فى حماسة البحترى ص ٢٤٥، ولقيس بن عاصم أو لمسكين الدارمى فى الحماسة البصرية ٢/ ٦٠، وبلا نسبة فى أوضح المسالك ٤/ ٧٩، وتخليص الشواهد ص ٦٢، والخصائص ٢/ ٤٨٠، والدرر ٦/ ٤٤، وشرح شذور الذهب ص ٢٨٨، وشرح قطر الندى ص ١٣٤، والكتاب ١/ ٢٥٦. والشاهد فيه وجوب الإضمار إذ كرّر المغرى به، ف «أخاك» يلزم نصبه بتقدير: الزم أخاك، و«أخاك» الثانى: توكيد.
[ ٢٥٨ ]
ما ناب عن فعل كشتّان وصه هو اسم فعل وكذا أوّه ومه
شمل قوله ما ناب عن فعل اسم الفعل واسم الفاعل والمصدر النائب عن الفعل وخرج بالمثال اسم الفاعل والمصدر لأن معناه كشتان فى كونه غير معمول ولا فضلة فهو تتميم للحدّ وقد احتوى البيت على أربعة أسماء: الأول شتان وهو بمعنى بعد، وصه وهو بمعنى اسكت، وأوّه وهو بمعنى أتوجع، ومه وهو بمعنى اكفف، وما مبتدأ وهو موصول وصلته ناب وعن متعلق بناب وهو مبتدأ ثان وخبره اسم فعل والجملة خبر الأول ثم إن اسم الفعل يكون بمعنى الأمر وبمعنى المضارع وبمعنى الماضى وقد أشار إلى الأول بقوله: (وما بمعنى افعل كآمين كثر) يعنى أن ورود اسم الفعل فى كلام العرب بمعنى الأمر كثير وكفى بكثرته أن منه نوعا مقيسا وهو فعال من الثلاثى كنزال وليس من الثانى والثالث مقيس ومثل بآمين وهو بمعنى استجب ثم أشار إلى الثانى والثالث بقوله: (وغيره كوى وهيهات نزر) يعنى أن غير اسم الفعل بمعنى نزر أى قل وشمل قوله غيره ما بمعنى المضارع وقد مثله بقوله كوى ومعناه أتعجب، وما بمعنى الماضى وقد مثله بقوله هيهات ومعناه بعد. ثم اعلم أن من أسماء الأفعال ما هو فى الأصل جار ومجرور وظرف، وقد أشار إليهما بقوله:
والفعل من أسمائه عليكا وهكذا دونك مع إليكا
فأتى بثلاثة أمثلة اثنان من الجار والمجرور وواحد من الظرف فعليك بمعنى الزم وهو متعد بنفسه كقوله تعالى:
عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ
[المائدة: ١٠٥] وبالباء نحو عليك بزيد ودونك بمعنى خذ كقولك دونك زيدا أى خذ زيدا وإليك بمعنى تنح ويتعدى بعن نحو إليك عنى أى تنح عنى وهذا النوع مسموع والمسموع منه أحد عشر لفظا الثلاثة المذكورة وكذلك كما أنت وعندك ولديك ووراءك وأمامك ومكانك وبعدك. والفعل مبتدأ ومن أسمائه عليك مبتدأ وخبره فى موضع خبر الأول ودونك مبتدأ وخبره هكذا وها للتنبيه. ثم قال:
(كذا رويد بله ناصبين)
يعنى أن رويد وبله من أسماء الأفعال بشرط كونهما ناصبين كقولك رويد زيدا وبله عمرا فلو خفضا ما بعدهما كانا مصدرين وإلى ذلك أشار بقوله: (ويعملان الخفض مصدرين) نحو رويد زيد وبله عمرو ومعنى رويد إذا كان اسم فعل أمهل وإذا كان مصدرا إمهالا ومعنى بله إذا
[ ٢٥٩ ]
كان اسم فعل دع وإذا كان مصدرا تركا، وفهم منه أن الفتحة فى رويد وبله فتحة بناء لأن أسماء الأفعال كلها مبنية وإذا كانا مصدرين ففتحتهما فتحة إعراب لأن المصادر معربة، وفهم من قوله مصدرين أنه يجوز فيهما التنوين ونصب ما بعدهما بهما وهو الأصل فى المصدر المضاف ورويد وبله مبتدآن والخبر فى كذا وناصبين حال من الضمير المستتر فى المجرور الواقع خبرا ومصدرين حال من فاعل يعملان والضمير فى يعملان عائد على رويد وبله فى اللفظ لا فى المعنى فإن رويد وبله إذا كانا اسمى فعل غير اللذين يكونان مصدرين فى المعنى ثم قال: (وما لما تنوب عنه من عمل * لها) يعنى أن أسماء الأفعال تعمل عمل الأفعال التى بمعناها فترفع الفاعل إن كانت لازمة نحو هيهات زيد ويكون فاعلها واجب الإضمار إذا كان أمرا نحو نزال وتتعدى بحرف الجر إن كان فعلها كذلك نحو عليك بزيد وتنصب المفعول إن كان متعديا نحو نزال زيدا ثم قال: (وأخّر ما الذى فيه العمل) يعنى أنها فارقت الأفعال فى كونها لا يتقدم عليها منصوبها كما يتقدم فى الفعل فلا يقال فى نزال زيدا؛ زيدا نزال. وما مبتدأ وهو موصول وصلته لما وما المجرورة باللام موصولة أيضا وصلتها تنوب وعنه متعلق بتنوب وكذلك من عمل ولها خبر ما الأولى والعائد على ما الأولى ضمير مستتر فى الاستقرار الذى ناب عنه المجرور والضمير العائد على ما الثانية الهاء فى عنه والتقدير والعمل الذى استقر للأفعال التى نابت أسماء الأفعال عنها مستقر لها أى لأسماء الأفعال، والظاهر أن «ما» فى قوله ما الذى فيه العمل زائدة ولا يجوز أن تكون موصولة لأن الذى بعدها موصولة ولو قال وأخر الذى فيه العمل لكان أجود لسقوط الاعتذار عن ما وليس فى قوله عمل إيطاء مع قوله عمل لأن أحدهما نكرة والآخر معرفة. ثم قال:
واحكم بتنكير الّذى ينوّن منها وتعريف سواه بيّن
يعنى أن ما نوّن من أسماء الأفعال نكرة وما لم ينون منها معرفة فتقول صه ومه فيكونان معرفتين وصه ومه فيكونان نكرتين ومن أسماء الأفعال ما يلزم التعريف كنزال فإنه لم يسمع فيه تنوين وما يلزم التنكير كواها وهذا التنوين الذى يسميه النحويون تنوين التنكير وقد تقدم.
ولما فرغ من أسماء الأفعال شرع فى بيان أسماء الأصوات، وهى نوعان أحدهما ما خوطب به ما لا يعقل إما لزجره كعدس للبغل وإما لدعائه كأو للفرس، والآخر ما وضع لحكاية صوت حيوان كغاق فى صوت الغراب أو غير حيوان نحو قب لوقع السيف وقد أشار إلى النوعين السابقين فقال:
[ ٢٦٠ ]
وما به خوطب ما لا يعقل من مشبه اسم الفعل صوتا يجعل
يعنى أن ما خوطب به ما لا يعقل من الحيوان من مشبه اسم الفعل فى صحة الاكتفاء به يجعل صوتا وشمل قوله ما خوطب ما كان للزجر كعدس وما كان للدعاء كأو فإن كليهما يخاطب به ما لا يعقل. وما مبتدأ وهى موصولة وصلتها خوطب وبه متعلق بخوطب والضمير فى به عائد على الموصول وما بعد خوطب مفعول لم يسمّ فاعله وهى موصولة أيضا وصلتها لا يعقل والضمير العائد عليها الفاعل بيعقل ويجعل خبر المبتدأ وصوتا مفعول ثان بيجعل وهو على حذف مضاف أى اسم صوت. ثم أشار إلى النوعين الآخرين بقوله:
(كذا الذى أجدى حكاية كقب)
يعنى من أسماء الأصوات ما أجدى حكاية أى أفاد حكاية وشمل قوله حكاية ما كان حكاية لصوت الحيوان كغاق ولصوت غير الحيوان كقب. ثم قال: (والزم بنا النّوعين فهو قد وجب) يعنى أن البناء لازم فى النوعين ويحتمل أن يريد بالنوعين نوعى أسماء الأصوات وأن يريد بهما أسماء الأفعال وأسماء الأصوات وهو أجود لشموله جميع الباب إذ البناء فى جميع ذلك لازم وقوله: (فهو قد وجب) تتميم للبيت لصحة الاستغناء عنه بقوله: والزم.