النداء فى اللغة الصوت ويضم أوله ويكسر، وهو فى الاصطلاح الدعاء بحروف مخصوصة. والمنادى ثلاثة أقسام: بعيد وقريب ومندوب، وقد أشار إلى الأول فقال:
وللمنادى الناء أو كالنّاء يا وأى وآ كذا أيا ثمّ هيا
فذكر أن المنادى البعيد له خمسة أحرف والمراد بالنائى البعيد المسافة وبأو كالناء البعيد حكما كالساهى، ثم أشار إلى المنادى القريب بقوله: (والهمز للدّانى) والدانى هو القريب وذكر له حرفا واحدا وهو الهمزة نحو أزيد أقبل، ثم أشار إلى المندوب فقال: (ووا لمن ندب * أو يا) فذكر للمندوب حرفين «وا» و«يا» نحو: «وازيداه» و«يا زيداه» فعلم أن «يا» ينادى بها المندوب وغيره وأن «وا» لا ينادى بها إلا المندوب. ثم قال:
(وغير «وا» لدى اللّبس اجتنب) غير وا هو يا يعنى أن يا إذا لم تكن قرينة تبين الندبة اجتنب وتعينت وا لأنها لا لبس فيها. ثم إن المنادى على ثلاثة أقسام قسم يمتنع معه حذف حرف النداء وقسم يقل وقسم يجوز وقد أشار إلى الأول والثالث بقوله:
وغير مندوب ومضمر وما جا مستغاثا قد يعرّى فاعلما
فيمتنع حذف حرف النداء مع هذه الثلاثة التى ذكرت أما المندوب والمستغاث فإن المقصود فيهما مدّ الصوت والحذف ينافى ذلك وأما المضمر فيمتنع معه الحذف لأنه يفوت معه الدلالة على النداء إذ هو دال بالوضع على الخطاب وغير هذه الثلاثة سائر المناديات ودخل فيها ما يقل فيه الحذف وذلك النكرة واسم الإشارة فأخرجه بقوله:
وذاك فى اسم الجنس والمشار له قلّ ومن يمنعه فانصر عاذله
[ ٢٣٦ ]
الإشارة إلى حذف حرف النداء وفهم من البيت أن فى حذف حرف النداء مع اسم الجنس واسم الإشارة خلافا لقوله ومن يمنعه والمنع مذهب البصريين والجواز مذهب الكوفيين وهو اختيار الناظم ولذلك قال: (ومن يمنعه فانصر عاذله). فعاذل المانع يجيز وعاذله اسم فاعل من عذل إذا لام وذاله معجمة ومن حذف حرف النداء مع اسم الجنس قوله: ثوبى حجر، أى يا حجر، ومن حذفه مع اسم الإشارة قوله:
- بمثلك هذا لوعة وغرام (١٥٧)
أراد يا هذا وفهم منه أن الحذف جائز مع غير الخمسة المذكورة وذلك العلم نحو يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا [يوسف: ٢٩] والمضاف نحو رَبِّ اغْفِرْ لِي [الأعراف: ١٥١] والموصول نحو من لا يزال محسنا أحسن إلى والمطول نحو طالعا جبلا أقبل وأىّ نحو «أيها المؤمنون». وذاك مبتدأ وخبره قلّ، وفى اسم متعلق بقلّ ومن يمنعه شرط والجواب فانصر عاذله، ثم إن المنادى على قسمين مبنى على الضم ومنصوب، وقد أشار إلى الأول بقوله:
وابن المعرّف المنادى المفردا على الّذى فى رفعه قد عهدا
يعنى أن حكم المنادى المعرف المفرد البناء على ما كان يرفع به قبل النداء وشمل قوله المعرف ما تعرف قبل النداء نحو يا زيد وما تعرف فى النداء نحو يا رجل والمفرد هنا ما ليس بمضاف ولا شبيه به فيقال فى نحو يا رجال مفرد لأنه ليس بمضاف ولا شبيه به، وفهم من قوله: (على الذى فى رفعه قد عهدا) أنه إذا كان مثنى يبنى على الألف فتقول يا زيدان وإن كان جمع مذكر بنى على الواو نحو يا زيدون والمعرف مفعول بابن وكان حقه أن يقدم المنادى لأن المعرف نعت له والمفرد نعت للمنادى وعلى الذى متعلق بابن. ثم قال:
(وانو انضمام ما بنوا قبل النّدا)
_________________
(١) صدره: إذا هملت عينى لها قال صاحبى والبيت من الطويل، وهو لذى الرمة فى ديوانه ص ١٥٩٢، والدرر ٣/ ٢٤، وشرح التصريح ٢/ ١٦٥، وشرح عمدة الحافظ ص ٢٩٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٣٥، وهمع الهوامع ١/ ١٧٤، وبلا نسبة فى أوضح المسالك ٤/ ١٥، وشرح الأشمونى ٢/ ٤٤٣، ومغنى اللبيب ٢/ ٦٤١. والشاهد فيه قوله: «هذا» يريد: يا هذا، فحذف حرف النداء قبل اسم الإشارة وهذا جائز عند الكوفيين وضرورة عند البصريين.
[ ٢٣٧ ]
يعنى أن الاسم إذا كان مبنيا قبل النداء ثم نودى نوى بناؤه على الضم نحو يا هذا ويا برق نحره ويظهر أثر تقديم الضم إذا أتبع فإنه يجوز فيه ما يجوز فى الظاهر الضم فتقول يا سيبويه الظريف والظريف وغير ذلك من أحكام التابع المضموم وإلى ذلك أشار بقوله: (وليجر مجرى ذى بناء جدّدا) أى ويجرى فى المنوى الضم مجرى الظاهر الضم وهو الذى جدد بناؤه أى حدث النداء ثم أشار إلى الثانى فقال: (والمفرد المنكور والمضافا * وشبهه انصب) المفرد المنكر هو النكرة غير المقصودة كقول الأعمى يا رجلا خذ بيدى لأنه لم يناد رجلا بعينه ومثال المضاف يا عبد الله ويا غلام زيد والمراد بشبه المضاف المطول وهو ما عمل فيما بعده رفعا نحو يا حسنا وجهه أو نصبا نحو يا طالعا جبلا أو فى المجرور نحو يا مارا بزيد أو كان معطوفا ومعطوفا عليه نحو يا ثلاثة وثلاثين فهذه كلها منصوبة ونصبها على الأصل لأن المنادى مفعول بفعل محذوف تقديره أنادى ولا خلاف فى وجوب نصبها وإليه أشار بقوله: (عادما خلافا) والمفرد مفعول مقدم بانصب وعادما حال من الضمير المستتر فى انصب. ثم قال:
ونحو زيد ضمّ وافتحنّ من نحو أزيد بن سعيد لا تهن
يعنى أن ما كان من المنادى كالمثال المذكور جاز فيه الضم والفتح بخمسة شروط: الأول أن يكون علما كزيد من المثال. الثانى أن يكون موصوفا بابن. الثالث أن يكون ابن مضافا إلى علم كسعيد من المثال. الرابع أن لا يفصل بينهما فاصل أى بين المنادى وصفته. الخامس أن يكون المنادى ظاهر الضم وهذه الشروط كلها مفهومة من المثال المذكور ونحو مفعول بضم وهو أيضا مطلوب لافتحن ومن نحو متعلق بضم وتهن مضارع وهن بمعنى ضعف وفهم منه أنه إن لم يكن المنادى علما ولا مضافا إليه ابن وجب البناء على الضم على ما يقتضى أصل المنادى المفرد وقد صرح بهذا المفهوم فقال:
والضّمّ إن لم يل الابن علما أو يل الابن علم قد حتما
فمثال كون المنادى غير علم يا رجل ابن سعيد ومثال كون المضاف إليه ابن غير علم يا زيد ابن أخينا. والضم مبتدأ وخبره قد حتما وإن لم يل شرط وجوابه محذوف والتقدير والضم قد حتما إن لم يل فهو متحتم ويجوز أن يكون قد حتما جواب الشرط والشرط وجوابه خبر الضم واستغنى بالضمير الذى فى حتم فى الربط لأن جملتى الضم والشرط يستغنى فيهما بضمير واحد لتنزيلهما منزلة الجملة الواحدة وعلى هذا فلا حذف. ثم قال:
[ ٢٣٨ ]
واضمم أو انصب ما اضطرارا نوّنا ممّا له استحقاق ضمّ بيّنا
يعنى أنه يجوز الضم والنصب فى المنادى المستحق للبناء، وهو العلم والنكرة المقصودة إذا اضطر شاعر لتنوينه، فمثال الضم قوله:
- سلام الله يا مطر عليها وليس عليك يا مطر السّلام (١٥٨)
ومثال النصب قوله:
- ضربت صدرها إلىّ وقالت يا عديّا لقد وقتك الأواقى (١٥٩)
والمختار عند الخليل وسيبويه الضم، وفى تقديم الناظم له إشعار باختياره، وينبغى أن يعتقد أنه عند من يرى الضم مع التنوين مبنى، وعند من نصب معرب. وما مفعول بانصب وهو مطلوب أيضا لاضمم فهو من باب التنازع وهى موصولة وصلتها نوّنا واضطرارا هو تعليل لنوّنا ومما يتعلق بنوّن وما المجرورة بمن موصولة واستحقاق ضم مبتدأ وبيّنا خبره والجملة صلة لما وله متعلق ببينا. ثم قال:
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو للأحوص فى ديوانه ص ١٨٩، والأغانى ١٥/ ٢٣٤، وخزانة الأدب ٢/ ١٥٠، ١٥٢، ٦/ ٥٠٧، والدرر ٣/ ٢١، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٦٠٥، ٣/ ٢٥، وشرح التصريح ٢/ ١٧١، وشرح شواهد المغنى ٢/ ٧٦٦، والكتاب ٢/ ٢٠٢، وبلا نسبة فى الأزهية ص ١٦٤، والأشباه والنظائر ٣/ ٢١٣، والإنصاف ١/ ٣١١، وأوضح المسالك ٤/ ٢٨، والجنى الدانى ص ١٤٩، والدرر ٥/ ١٨٢، ورصف المبانى ص ١٧٧، ٣٥٥، وشرح الأشمونى ٢/ ٤٤٨، وشرح شذور الذهب ص ١٤٧، وشرح ابن عقيل ص ٥١٧، ومجالس ثعلب ص ٩٢، ٥٤٢، والمحتسب ٢/ ٩٣. والشاهد فيه قوله: «يا مطر» والقياس: يا مطر بالبناء على الضم، لأنه مفرد علم، ولكن الشاعر نونه اضطرارا لإقامة الوزن.
(٢) البيت من الخفيف، وهو للمهلهل بن ربيعة فى خزانة الأدب ٢/ ١٦٥، والدرر ٣/ ٢٢، وسمط اللآلى ص ١١١، ولسان العرب ١٥/ ٤٠١ (وقى)، والمقاصد النحوية ٤/ ٢١١، والمقتضب ٤/ ٢١٤، وبلا نسبة فى رصف المبانى ص ١٧٧، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٨٠٠، وشرح الأشمونى ٢/ ٤٤٨، وشرح التصريح ٢/ ٣٧٠، وشرح شذور الذهب ص ١٤٦، وشرح ابن عقيل ص ٥١٧، وشرح المفصل ١٠/ ١٠، والمنصف ١/ ٢١٨، وهمع الهوامع ١/ ١٧٣. ويروى صدر البيت: رفعت رأسها إلىّ وقالت والشاهد فيه قوله: «يا عديا» حيث نصبه للضرورة الشعرية، وحقه البناء على الضم لأنه علم.
[ ٢٣٩ ]
(وباضطرار خص جمع يا وأل) يعنى أنه لا يجوز الجمع بين حرف النداء وأل إلا فى الضرورة كقوله:
من أجلك يا التى تيمت قلبى
وقوله
- فيا الغلامان اللذان فرا (١٦٠)
ثم استثنى من ذلك لفظة «الله» والجملة الاسمية المصدرة بأل فقال:
(إلّا مع الله ومحكىّ الجمل) فيجوز فى الاختيار يا ألله بقطع الهمزة ووصلها للزوم أل له حتى صارت كأنها من نفس الكلمة ويا ألرجل منطلق إذا سميت به رجلا لأن أل من جملة المسمى به. ثم قال: (والأكثر اللهمّ بالتعويض) يعنى أن الأكثر فى نداء لفظة الجلالة اللهم بميم مشددة مزيدة آخرا عوضا من حرف النداء وفهم منه أن قولهم يا ألله وإن كان جائزا فى الاختيار دون اللهم فى الكثرة وقد جاء فى الشعر الجمع بين النداء والميم وإليه أشار بقوله:
(وشذّ يا اللهمّ فى قريض) وجه شذوذه أنه جمع بين العوض والمعوض منه، ومنه قوله:
- إنى إذا ما حدث ألمّا أقول يا اللهم يا اللهمّا (١٦١)
والقريض: الشعر.
_________________
(١) الرجز بلا نسبة فى أسرار العربية ص ٢٣٠، والإنصاف ١/ ٣٣٦، والدرر ٣/ ٣٠، وخزانة الأدب ٢/ ٢٩٤، وشرح ابن عقيل ص ٥١٨، وشرح عمدة الحافظ ص ٢٩٩، وشرح المفصل ٢/ ٩، واللامات ص ٥٣، واللمع فى العربية ص ١٩٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٢١٥، والمقتضب ٤/ ٢٤٣، وهمع الهوامع ١/ ١٧٤. والشاهد فيه قوله: «فيا الغلامان» حيث جمع حرف النداء و«أل» فى غير لفظ الجلالة. وهذا لا يجوز إلّا فى الضرورة الشعرية.
(٢) الرجز لأبى خراش فى الدرر ٣/ ٤١، وشرح أشعار الهذليين ٣/ ١٣٤٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٢١٦، ولأمية ابن أبى الصلت فى خزانة الأدب ٢/ ٢٩٥، وبلا نسبة فى أسرار العربية ص ٢٣٢، والإنصاف ص ٣٤١، وأوضح المسالك ٤/ ٣١، وجواهر الأدب ص ٩٦، ورصف المبانى ص ٣٠٦، وسر صناعة الإعراب ١/ ٤١٩، ٢/ ٤٣٠، وشرح الأشمونى ٢/ ٤٤٩، وشرح ابن عقيل ص ٥١٩، وشرح عمدة الحافظ ص ٣٠٠، ولسان العرب ١٣/ ٤٦٩، ٤٧٠، (أله)، واللمع فى العربية ص ١٩٧، والمحتسب ٢/ ٢٣٨، والمقتضب ٤/ ٢٤٢، ونوادر أبى زيد ص ١٦٥، وهمع الهوامع ١/ ١٧٨. والشاهد فيه قوله: «يا اللهم» فجمع بين «يا» والميم المشددة فى «اللهم» وهذا ضرورة عند البصريين، أما الكوفيون فتمسكوا بهذا وأمثاله، ليذهبوا إلى أن الميم المشدّدة فى «اللهم» ليست عوضا من «يا» التى للتنبيه فى النداء، إذ لو كانت كذلك لما جاز أن يجمع بينهما، لأن العوض والمعوض لا يجتمعان.
[ ٢٤٠ ]