عوامل الجزم على قسمين: أحدهما يجزم فعلا واحدا والآخر يجزم فعلين وقد أشار إلى الأول بقوله:
بلا ولام طالبا ضع جزما فى الفعل هكذا بلم ولمّا
فذكر أربعة أحرف كلها تجزم فعلا واحدا: الأول لا الناهية نحو لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي [طه: ٩٤] ومثلها لا فى الدعاء نحو رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا [البقرة: ٢٨٦] والثانى لام الأمر نحو لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ [الطلاق: ٧] ومثله أيضا لام الدعاء نحو لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [الزخرف: ٧٧] وفهم ذلك فى الحرفين أعنى لا واللام من قوله طالبا لأن الطلب شامل لجميع ما ذكر. الثالث لم وهى حرف نفى فى الماضى تدخل على المضارع فتصرف معناه إلى الماضى وقيل تدخل على الماضى فتصرف لفظه إلى المضارع والمشهور الأول نحو لم يقم زيد. الرابع لما وهى مثل لم فيما ذكر إلا أن الفعل بعد لما يتصل بزمان الحال نحو وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ [آل عمران: ١٤٢] بخلاف لم فإن ما بعدها قد يتصل وقد لا يتصل. فضع فعل أمر من وضع مثل هب من وهب وجزما مفعول بضع وبلا وفى الفعل متعلقان بضع وطالبا حال من الضمير المستتر فى ضع وها تنبيه وكذا وبلم متعلقان بفعل محذوف دل عليه الأول والتقدير وضع جزما بلم ولما مثل ما فعلت فى لا واللام ثم أشار إلى القسم الثانى وهو ما يجزم فعلين فقال:
واجزم بإن ومن وما ومهما أىّ متى أيّان أين إذما
وحيثما أنّى
فذكر إحدى عشرة كلمة كلها تجزم فعلين وتسمى أدوات شرط الأولى إن وهى حرف نحو قوله تعالى: إِنْ يَنْتَهُوا
يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
[الأنفال: ٣٨] الثانية من وهى تقع على من يعقل نحو مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣] الثالثة ما وهى تقع على ما لا يعقل نحو
[ ٢٨٧ ]
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [البقرة: ١٠٦] الرابعة مهما وهى بمعنى ما، نحو:
- ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم (١٩١)
الخامسة أىّ وهى بحسب ما تضاف إليه من اسم أو ظرف زمان أو ظرف مكان نحو أيا ما تفعل أفعل، السادسة متى وهى ظرف زمان نحو:
- متى تأتنا تلمم بنا فى ديارنا تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا (١٩٢)
السابعة أيان وهى ظرف زمان أيضا نحو أيان تقم أقم معك. الثامنة أين وهى ظرف مكان نحو أين تجلس أجلس معك. التاسعة إذ ما وهى حرف بمعنى إن. العاشرة حيثما وهى ظرف مكان نحو: حيثما تذهب أذهب معك. الحادية عشرة أنّى وهى ظرف مكان نحو أنّى تجلس أجلس معك. وفهم من تمثيله ب «إذ ما» وبحيثما أنهما لا يجزم بهما إلا إذا اقترنا بما كالمثال.
وبإن متعلق باجزم ومفعول اجزم محذوف اقتصارا لأنه إنما أراد أن يخبر أن هذه الأدوات جازمة. ثم إن هذه الأدوات أعنى أدوات الشرط على قسمين: حروف، وأسماء، وإلى ذلك أشار بقوله:
وحرف إذ ما كإن وباقى الأدوات أسما
أما «إن» فلا خلاف فى أنها حرف وأما إذ ما فالمشهور أنها حرف مثل إن ولذلك اقتصر عليه. وباقى الأدوات وهى ما عدا إن وإذ ما وهى تسع كلمات أسماء فمنها أسماء ومنها ظروف زمان ومنها ظروف مكان، وقد بينت ذلك عند ذكرها فى البيت السابق. وإذ ما مبتدأ وحرف خبر مقدم والتقدير وإذ ما حرف كإن وإنما شبهها بها لأن إن حرف بإجماع وهى أم الباب إذ كل أداة مما تقدم تقدر بها.
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لزهير بن أبى سلمى فى ديوانه ص ٣٢، والجنى الدانى ص ٦١٢، والدرر ٤/ ١٨٤، ٥/ ٧٢، وشرح شواهد المغنى ص ٣٨٦، ٧٣٨، ٧٤٣، وشرح قطر الندى ص ٣٧، ومغنى اللبيب ص ٣٣٠، وبلا نسبة فى شرح الأشمونى ٣/ ٥٧٩، ومغنى اللبيب ص ٣٢٣، وهمع الهوامع ٢/ ٣٥، ٥٨.
(٢) البيت من الطويل، وهو لعبد الله بن الحر فى خزانة الأدب ٩/ ٩٠، ٩٩، والدرر ٦/ ٦٩، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٦٦، وسر صناعة الإعراب ص ٦٧٨، وشرح المفصل ٧/ ٥٣، وبلا نسبة فى الإنصاف ص ٥٨٣، ورصف المبانى ص ٣٢، ٣٣٥، وشرح الأشمونى ص ٤٤٠، وشرح قطر الندى ص ٩٠، وشرح المفصل ١٠/ ٢٠، والكتاب ٣/ ٨٦، ولسان العرب ٥/ ٢٤٢ (نور)، والمقتضب ٢/ ٦٣، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٨.
[ ٢٨٨ ]
ولما فرغ من ذكر الجوازم أخذ فى الكلام على أحكام الشرط والجزاء فقال:
فعلين يقتضين شرط قدّما يتلو الجزاء وجوابا وسما
يعنى أن كل واحد من أدوات الشرط يقتضى فعلين يسمى الأول شرطا والثانى جزاء وفهم من قوله فعلين أن حق الشرط والجزاء أن يكونا فعلين إلا أن الجزاء قد يكون غير فعل وذلك على خلاف الأصل وسيأتى وفهم أيضا من قوله فعلين يقتضين أى يطلبن أن الجزم فى الفعلين بها وهو المشهور وفهم من قوله قدّما ويتلو الجزاء أن الشرط والجزاء جملتان لأن الفعل يستلزم الفاعل وأن الجزاء لا يكون إلا متأخرا والشرط لا يكون إلا متقدما وإذا ورد نحو أنت ظالم إن فعلت فليس أنت ظالم جوابا مقدما بل الجواب محذوف دل عليه ما تقدم على أداة الشرط وفاعل يقتضين النون وهو عائد على أدوات الشرط وفعلين مفعول بيقتضين وشرط خبر مبتدأ مضمر أى أحدهما أو مبتدأ والخبر محذوف أى منهما شرط ويتلو الجزاء جملة فعلية فى موضع الصفة لشرط والضمير العائد على الموصوف محذوف تقديره يتلوه الجزاء ولا يجوز نصب شرط على البدل من فعلين لأن التابع غير مستوف للمتبوع وإنما يجوز الإتباع فيما كان مستوفيا للمتبوع نحو لقيت من القوم ثلاثة زيدا وعمرا وجعفرا ولقيت الرجلين زيدا وعمرا، ووسما جملة مستأنفة وجوابا حال من الضمير فى وسما. ثم بين الفعلين اللذين تقتضيهما هذه الأدوات فقال:
وماضيين أو مضارعين تلفيهما أو متخالفين
فهذه أربعة أحوال الأول أن يكونا أعنى الشرط والجزاء فعلين ماضيين نحو وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا [الإسراء: ٨] أو مضارعين نحو وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٤] أو الأول ماض والثانى مضارع نحو مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ [الشورى: ٢٠] أو الأول مضارع والثانى ماض نحو قوله:
- من يكدنى بسيّئ كنت منه كالشّجى بين حلقه والوريد (١٩٣)
_________________
(١) البيت من الخفيف، وهو لأبى زبيد الطائى فى ديوانه ص ٥٢، وخزانة الأدب ٩/ ٧٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٢٧، وبلا نسبة فى رصف المبانى ص ١٠٥، وشرح الأشمونى ٣/ ٥٨٥، وشرح ابن عقيل ص ٥٨٥، والمقتضب ٢/ ٥٩، والمقرب ١/ ٢٧٥، ونوادر أبى زيد ص ٦٨. والشاهد فيه قوله: «من يكدنى كنت» حيث جزم ب «من» الشرطية فعلا مضارعا، وجاء جواب الشرط فعلا ماضيا، وهذا قليل.
[ ٢٨٩ ]
ومعنى الماضى الواقع شرطا أو جوابا الاستقبال فهو ماض لفظا مستقبل معنى ولذلك تقول إن قام زيد غدا قمت بعد غد. وماضيين مفعول ثان بتلفيهما أى تجدهما وأو مضارعين وأو متخالفين معطوفان على ماضيين فأما الماضى الواقع شرطا أو جزاء فهو فى موضع جزم لأنه مبنى لا يظهر فيه إعراب. وأما جزم المضارع فلا إشكال فيه شرطا كان أو جزاء فى الأوجه الأربعة ويجوز رفع المضارع إذا كان جزاء، وإلى ذلك أشار بقوله:
وبعد ماض رفعك الجزا حسن ورفعه بعد مضارع وهن
يعنى أن الشرط إذا كان ماضيا جاز رفع الجواب كقول زهير:
- وإن أتاه خليل يوم مسئلة يقول لا غائب مالى ولا حرم (١٩٤)
وفهم من قوله حسن أنه كثير ولا يفهم منه أنه أحسن من الجزم بل الجزم أحسن لأنه على الأصل وقوله ورفعه بعد مضارع وهن، أى ضعف كقوله:
- يا أقرع بن حابس يا أقرع إنّك إن يصرع أخوك تصرع (١٩٥)
وإنما حسن الرفع بعد الماضى لعدم تأثير أداة الشرط فى فعل الشرط وضعف بعد المضارع لتأثير العامل فى فعل الشرط. ورفعك مبتدأ وهو مصدر مضاف إلى الفاعل والجزاء مفعول برفع وحسن خبر المبتدأ وبعد متعلق بحسن ولا يجوز أن يتعلق برفع لأنه مصدر مقدر
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو لزهير بن أبى سلمى فى ديوانه ص ١٥٣، والإنصاف ٢/ ٦٢٥، وجمهرة اللغة ص ١٠٨، وخزانة الأدب ٩/ ٤٨، ٧٠، والدرر ٥/ ٨٢، ورصف المبانى ص ١٠٤، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٨٥، وشرح التصريح ٢/ ٢٤٩، وشرح شواهد المغنى ٢/ ٨٣٨، والكتاب ٣/ ٦٦، ولسان العرب ١١/ ٢١٥ (خلل)، ١٢/ ١٢٨ (حرم)، والمحتسب ٢/ ٦٥، مغنى اللبيب ٢/ ٤٢٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٢٩، والمقتضب ٢/ ٧٠، وبلا نسبة فى أوضح المسالك ٤/ ٢٠٧، وجواهر الأدب ص ٢٠٣، وشرح الأشمونى ٣/ ٥٨٥، وشرح شذور الذهب ص ٤٥١، وشرح ابن عقيل ص ٥٨٦، وشرح عمدة الحافظ ص ٣٥٣، وشرح المفصل ٨/ ١٥٧، وهمع الهوامع ٢/ ٦٠. والشاهد فيه رفع «يقول» على نية التقديم، والتقدير: يقول إن أتاه خليل. وجاز هذا لأن «إن» غير عاملة فى اللفظ والمبرد يقدّره على حذف الفاء.
(٢) الرجز لجرير بن عبد الله البجلى فى شرح أبيات سيبويه ٢/ ١٢١، والكتاب ٣/ ٦٧، ولسان العرب ١١/ ٤٦ (بجل)، وله أو لعمرو بن خثارم العجلى فى خزانة الأدب ٨/ ٢٠، ٢٣، ٢٨، وشرح شواهد المغنى ٢/ ٨٩٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣٠، ولعمرو بن خثارم البجلى فى الدرر ١/ ٢٢٧، وبلا نسبة فى جواهر الأدب ص ٢٠٢، والإنصاف ٢/ ٦٢٣، ورصف المبانى ص ١٠٤، وشرح الأشمونى ٣/ ٥٨٦، وشرح التصريح ٢/ ٢٤٩، وشرح ابن عقيل ص ٥٨٧، وشرح عمدة الحافظ ص ٣٥٤، وشرح المفصل ٨/ ١٥٨، ومغنى اللبيب ٢/ ٥٥٣، والمقتضب ٢/ ٧٢، وهمع الهوامع ٢/ ٧٢. والشاهد فيه قوله: «إنك إن يصرع أخوك، تصرع» حيث ألغى الشرط المتوسط بين المبتدأ والخبر ضرورة، فإن جملة «تصرع» خبر «إنّ» والجملة دليل جزاء الشرط، وجملة الشرط معترضة بين المبتدأ والخبر.
[ ٢٩٠ ]
بأن والفعل ورفعه مبتدأ وهو مصدر مضاف إلى المفعول ووهن فعل ماض فى موضع الخبر عن رفع وبعد متعلق بوهن. واعلم أن الشرط لا يكون إلا فعلا مضارعا أو ماضيا كما سبق وأما الجواب فيكون مضارعا وماضيا كما تقدم ويكون غير ذلك فتلزمه الفاء، وإلى ذلك أشار بقوله:
واقرن بفا حتما جوابا لو جعل شرطا لإن أو غيرها لم ينجعل
يعنى أن جواب الشرط إذا لم يصلح جعله شرطا وهو أن يكون غير مضارع أو ماض وجب اقترانه بالفاء وفهم منه أنه إذا صح جعله شرطا لم تدخل الفاء فى الجواب نحو إن يقم زيد قام عمرو وأو يقم عمرو أو لم يقم عمرو فهذا كله يصح جعله شرطا وشمل ما لا يصلح جعله شرطا الجملة الاسمية مثبتة نحو إن قام زيد فعمرو قائم أو فعلية طلبية أو فعلا غير متصرف أو مقرونا بالسين أو سوف أو قد أو منفية بما أو إن أو لن فإن هذا كله لا يصح جعله شرطا. وبفا متعلق باقرن وحتما نعت لمصدر محذوف تقديره قرنا حتما وجوابا مفعول باقرن، ولو جعل شرط وشرطا مفعول ثان بجعل وفى جعل ضمير مستتر هو المفعول الأول وهو عائد على جوابا ولإن متعلق بجعل ولم ينجعل جواب لو وهو مطاوع جعل فيتعدى إلى واحد لأن المطاوع الذى هو جعل بمعنى صير يتعدى إلى اثنين ومفعول ينجعل محذوف تقديره لم ينجعل جوابا. ثم اعلم أن الجواب الذى لا يصلح جعله شرطا قد يلفى بإذا، وإلى ذلك أشار بقوله:
وتخلف الفا إذا المفاجأه كإن تجد إذا لنا مكافأه
يعنى أن إذا التى للمفاجأة تخلف الفاء أى تحل محلها فيصدّر بها الجواب الذى لا يصلح جعله شرطا كما يصدّر بالفاء وذلك لشبه إذا المذكورة بالفاء فى كونها لا تقع أوّلا بل تقع بعد ما هو سبب فيما بعدها وذلك كقوله: إن تجد إذا لنا مكافأة، ومثله قوله ﷿: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: ٣٦] وفهم من قوله وتخلف أنها ليست أصلية فى ذلك بل واقعة موقع الفاء. وإذا فاعل بتخلف وهى مضافة للمفاجأة والفاء مفعول مقدم على الفاعل وإن تجد شرط جوابه إذا وما بعدها. والمكافأة المجازاة: مصدر كافأت الرجل، أى جازيته. ثم
قال:
والفعل من بعد الجزا إن يقترن بالفا أو الواو بتثليث قمن
[ ٢٩١ ]
يعنى إذا وقع الفعل بعد فعل الجزاء ودخلت عليه الفاء أو الواو جاز فيه ثلاثة أوجه:
الجزم والنصب والرفع ويعنى بالفعل الفعل المضارع والجزاء أن يكون بالفعل المضارع المجزوم وذلك كقولك إن يقم زيد يخرج عمرو ويذهب جعفر بجزم يذهب ونصبه ورفعه فالجزم على العطف على فعل الجزاء والنصب بإضمار أن بعد الفاء أو الواو والرفع على الاستئناف. مثال الفاء قوله ﷿: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٨٤] قرئ فى السبع بالجزم والرفع وقرئ فى الشاذ بالنصب. والواو كقول الشاعر:
- فإن يهلك أبو قابوس يهلك ربيع الناس والبلد الحرام (١٩٦)
ونأخذ بعده بذناب عيش أجبّ الظّهر ليس له سنام
يروى ونأخذ بالجزم والنصب والرفع، وفهم من قوله من بعد الجزا أن ذلك بعد الجزاء كيفما كان فعلا كان أو جملة خلافا للشارح فى تخصيص ذلك بالفعل المضارع بدليل قوله ﷿: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ [البقرة: ٢٧١]. والفعل مبتدأ ونعته محذوف أى الفعل المضارع، وعلم ذلك من الحكم عليه بالرفع والنصب والجزم، وذلك لا يكون فى الأفعال إلا فى المعرب منها وهو المضارع. وإن يقترن شرط وبالفاء متعلق بيقترن وقمن خبر المبتدأ وبتبثليث متعلق بقمن ومعنى قمن حقيق وجواب الشرط على هذا الوجه محذوف لدلالة ما تقدم عليه والتقدير الفعل قمن بتثليث إن يقترن بكذا فهو قمن إلا أن فى هذا الوجه كون الشرط المحذوف جوابه مضارعا وهو قليل، ويحتمل أن يكون قمن خبر مبتدأ محذوف والجملة من المبتدأ والخبر جواب الشرط إلا أن فى هذا الوجه حذف الفاء من الجواب وهو مخصوص بضرورة الشعر، وفى بعض النسخ فتثليث بالفاء وهو مبتدأ وسوغ الابتداء بالنكرة دخول فاء الجواب عليه وقمن خبر تثليث. هذا حكم المضارع الواقع بعد الجزاء فإن وقع المضارع المقرون بالفاء أو الواو بين الشرط والجزاء، فقد أشار إليه بقوله:
وجزم أو نصب لفعل إثر فا أو واو ان بالجملتين اكتنفا
_________________
(١) البيتان من الوافر، وهما للنابغة الذبيانى فى ديوانه ص ١٠٦، والأغانى ١١/ ٢٦، وخزانة الأدب ٧/ ٥١١، ٩/ ٣٦٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٨، وشرح المفصل ٦/ ٨٣، ٨٥، والكتاب ١/ ١٩٦، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٧٩، ٤/ ٤٣٤، وبلا نسبة فى أسرار العربية ص ٢٠٠، والأشباه والنظائر ٦/ ١١، والاشتقاق ص ١٠٥، وأمالى ابن الحاجب ١/ ٤٥٨، والإنصاف ١/ ١٣٤، وشرح الأشمونى ٣/ ٥٩١، وشرح ابن عقيل ص ٥٨٩، وشرح عمدة الحافظ ص ٣٥٨، ولسان العرب ١/ ٢٤٩ (حبب)، ٣٩٠ (ذنب) والمقتضب ٢/ ١٧٩.
[ ٢٩٢ ]
يعنى أن المضارع إذا وقع بعد الفاء أو الواو بين شرط وجزاء جاز جزمه بالعطف على فعل الشرط ونصبه بإضمار أن، وإنما لم يجز فيه الرفع كما جاز فى المتأخر لأن الرفع على الاستئناف ولا يمكن فى الواقع بين الشرط والجزاء. وجزم مبتدأ وأو نصب معطوف عليه وسوغ الابتداء بالنكرة التفصيل ولفعل متعلق بنصب وهو مطلوب أيضا لجزم فهو من باب التنازع وإثر ظرف فى موضع النعت لفعل وأو واو معطوف على فا وإن شرط وفعل الشرط اكتنفا وبالجملتين متعلق باكتنفا واكتنف مبنى للمفعول والضمير المستتر فيه عائد على فعل فإن الجملتين اكتنفتاه وجواب الشرط محذوف لدلالة ما تقدم عليه. ثم قال:
والشرط يغنى عن جواب قد علم والعكس قد يأتى إن المعنى فهم
يعنى أنه إذا علم الجواب أغنى عن ذكره الشرط نحو أنت ظالم إن فعلت فجواب إن محذوف لدلالة ما تقدم عليه وكذلك إذا علم الشرط أغنى عنه الجواب كقوله:
- فطلّقها فلست لها بكفء وإلا يعل مفرقك الحسام (١٩٧)
أى وإلا تطلقها فحذف فعل الشرط للعلم به، وفهم من قوله: علم أنه إن لم يعلم واحد منهما لم يجز الحذف، وفهم من قوله: قد يأتى أن حذف الشرط أقل من حذف الجواب.
والشرط مبتدأ وخبره يغنى وعن جواب متعلق بيغنى وقد علم فى موضع النعت لجواب والعكس مبتدأ وقد يأتى خبره وإن شرطية. والمعنى مفعول لم يسم فاعله بمضمر يفسره فهم وجواب الشرط محذوف لدلالة ما تقدم عليه. ثم قال:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخّرت فهو ملتزم
يعنى إذا اجتمع الشرط والقسم حذفت جواب الآخر منهما واستغنيت بجواب المتقدم فتقول إذا قدمت الشرط وأخرت القسم إن يقم زيد والله أكرمه، وإذا قدمت القسم قلت والله إن قام زيد لأكرمنه، هذا الذى ذكره إذا لم يتقدم عليهما أعنى الشرط. والقسم ما يحتاج إلى
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو للأحوص فى ديوانه ص ١٩٠، والأغانى ١٥/ ٢٣٤، والدرر ٥/ ٨٧، وخزانة الأدب ٢/ ١٥١، وشرح التصريح ٢/ ٢٥٢، وشرح شواهد المغنى ٢/ ٧٦٧، ٩٣٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣٥، وبلا نسبة فى الإنصاف ١/ ٧٢، وأوضح المسالك ٤/ ٢١٥، ورصف المبانى ص ١٠٦، وشرح الأشمونى ٣/ ٥٩١، وشرح شذور الذهب ص ٤٤٥، وشرح ابن عقيل ص ٥٩٠، وشرح عمدة الحافظ ص ٣٦٩، ولسان العرب ١٥/ ٤٦٩ (إما لا)، ومغنى اللبيب ٢/ ٦٤٧، والمقرب ١/ ٢٧٦، وهمع الهوامع ٢/ ٦٢. والشاهد فيه قوله: «وإلا يعل» حيث حذف فعل الشرط لدلالة ما قبله عليه والتقدير: وإلّا تطلقها يعل مفرقك الحسام.
[ ٢٩٣ ]
الخبر، وأما إذا تقدم عليهما ما يحتاج إلى الخبر، فقد أشار إليه بقوله:
وإن تواليا وقبل ذو خبر فالشّرط رجّح مطلقا بلا حذر
وشمل قوله ذو خبر المبتدأ وما أصله المبتدأ كاسم كان فتقول زيد والله إن يقم أكرمه فاستغنى بجواب الشرط عن جواب القسم، وإن كان القسم متقدما على الشرط وإنما رجح الشرط وإن كان متأخرا لأنه عمدة الكلام والقسم توكيد الكلام، وفهم من قوله رجح أنه يجوز الاستغناء بجواب القسم فتقول زيد والله إن يقم لأكرمنه وفهم من قوله مطلقا أن الشرط يترجح سواء تقدم على القسم أو تأخر وقوله بلا حذر تتميم لصحة الاستغناء عنه ولدى متعلق باحذف ومعناه عند وجواب مفعول باحذف وما موصولة وصلتها أخرت والضمير العائد على الموصول محذوف تقديره أخرته وإن تواليا شرط وذو خبر مبتدأ وخبره قبل والجملة فى موضع الحال من الضمير فى تواليا ولذلك دخلت عليها الواو، والفاء جواب الشرط والشرط مفعول مقدم برجح ومطلقا حال من الشرط وبلا متعلق برجح، ثم قال:
وربّما رجّح بعد قسم شرط بلا ذى خبر مقدّم
يعنى أنه قد يترجح الشرط المتأخر وإن لم يتقدم ذو خبر فتقول والله إن يقم زيد أكرمه، ومنه قوله:
- لئن منيت بنا فى يوم معركة لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل (١٩٨)
وفهم من قوله وربما أن ترجيح الشرط المتأخر دون تقديم ذى خبر قليل.
نكتة: لم يذكر الناظم فى هذا الرجز باب القسم ومع ذلك لم يخله منه فإنه ذكر حروفه مع حروف الجر فى بابها، وذكر بعض أحكامه فى باب المبتدأ وفى باب إن وفى هذا الباب.
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو للأعشى فى ديوانه ص ١١٣، وخزانة الأدب ١١/ ٢٢٧، ٣٠٠، ٣٣١، ٣٣٣، ٣٥٧، ولسان العرب ١١/ ٦٧٢ (تفل)، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٨٣، ٤/ ٤٣٧، وبلا نسبة فى خزانة الأدب ١١/ ٣٤٣، وشرح الأشمونى ٣/ ٥٩٤، وشرح ابن عقيل ص ٥٩٢. والشاهد فيه أنه اجتمع فيه الشرط والقسم، أمّا الشرط فقوله: «لئن» أمّا القسم، فإنه يدل على اللام لأنها موطئة لقسم محذوف تقديره: والله لئن، وكل منهما يستدعى جوابا، وقد ترشح الشرط على القسم ههنا حيث قال: «لا تلفنا» بالجزم، وعلامة الجزم سقوط الياء، لأن أصله: «لا تلفينا» وحذف جواب القسم لدلالة جواب الشرط عليه، ولو كان «لا تلفنا» هو جواب القسم لقال: لا «تلفينا» بإثبات الياء لأنه مرفوع. (المقاصد ٤/ ٤٣٧).
[ ٢٩٤ ]