الباب الثالث في تفسير، أي بيان الكلمات التي يحتاج إليها المُعْرِبُ، بالرفع: فاعل يحتاج. وهي: مبتدأٌ راجع إلى الكلمات المحتاجة إلى تفسيرها، وخبره: عشرون كلمةً، بالنصب: تمييز (عشرون)، وهي ثمانية أنواع:
-ما جاء على وجه واحد-
أحدها [أي إحدى الأنواع] ما جاء على وجه واحد وهو مبتدأ عائد إلى (ما) الَّذي عبارة عن الكلمة، وتذكير الضمير باعتبار ظاهره، وخبره أربعة أحدها، أي: إحدى [الكلمات] التي جاءت على وجه واحد:
قَطُّ
قَطُّ: بتشديد الطّاء وضمِّها مع فتح القاف في اللغة الفصحى، قال الكسائي: أصلها قطُطْ بفتح القاف وضم الطاء الأولى، وبسكون الثَّانية، فلمّا سكّن الأولى للإدغام جعل الآخر متحرّكًا بإعرابه، ومنهم من يتبع الضمّة ويقول قُطُّ بضمّ القاف مثل: مُدُّ، ومنهم من يجعله أداة ويبقيه على أصله بالضَّمة التي في المشدّدة، ويقول: قط بالتخفيف، ومنهم من يتبع الضمّة المخفّفة.
ويقال: قُطُّ بالضمّتين مثل مُدُّ وهي قليلة، هذا إذا كانت بمعنى الدّهر، وأمّا إذا كانت بمعنى حسب، وهو الاكتفاء فهي مفتوحة القاف، ساكنة الطّاء، فهي مبنيّة على الضمّ، وذكر في علّة بنائها وجوه.
قال صاحب "التسهيل": لِتَضَمُنِهَا معنى (في) و(من) الاستغراقية على سبيل اللزوم، أو لشبهها بالحرف في الافتقار إلى الجملة.
[ ٨١ ]
وقال صاحب المعرفة ابن الحاجب: لتضمنها معنى لام التعريف، لأنَّ معناها استغراق الزمان الماضي جميعه، وهو قول بعض المتقدّمين.
وقال بعضهم: لتضمنها معنى الحرفين، فإنّك إذا قلت: ما رأيت قط، فكأنك قلت: ما رأيتُه مذ خلقني الله حتَّى الآن، وأمّا علّة بنائه على الضمّ، فعند ابن مالك حملًا على قَبْلُ المَنْوِي إضافته، وقال شارح "المفصّل": بناؤها على الضمّ للمبالغة في المعنى، وهذا لأنَّ زيادة اللفظ كما هي لزيادة المعنى، فكذلك قوّة اللّفظ لقوة المعنى.
وهو ظرف لاستغراق ما مضى من الزّمان، يُفهم منه ظاهرًا أن عمومها بحسب الوضع لكن لا يخلو أن يكون عمومها لوقوعها في سياق النفي، ويرشدك قول الجوهري: معناها الزَّمان وقول ابن مالك: لتضمّنه معنى (من) الاستغراقية على سبيل اللزوم.
وما قاله ابن الحاجب: لأنَّ معناها استغراق الزمان الماضي جميعه، وهو قول بعض المتقدمين.
نحو: ما فعلته قط، وقول العامّة: لا أفعله قط لَحْنٌ، أي: خطأ في الكلام. قال الحريري في "دُرّته" وهو أفحش الخطأ لتعارض معانيه وتناقض الكلام فيه، وذلك أنّ العرب تستعمل لفظ (أبدًا) فيما يستقبل، فيقولون: ما كلمته قطّ، ولا أكلمه أبدًا. والمعنى في قولهم: ما كلّمته قط، أي: فيما انقطع من عمري، لأنّه من قططت الشيء إذا قطعته عرضًا. انتهى.
وقال صاحب "التسهيل" ملازمته للماضي دائميٌّ ولم أطلع على خلافه، وللنفي أكثر، وربّما يستعمل بدونه سواء كان لفظًا أو معنىً نحو: كنت أراه قط أي دائمًا. وقد يستعمل بدونه لفظًا لا معنىً نحو هل رأيت الذئب قط؟ هذا هو الحقّ، لكن المصنّفين المحققين استعملوا في تراكيبهم بالمضارع مع نهيهم في مصنّفاته. قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا
[ ٨٢ ]
لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ لمن يصلح أن يكون ندًّا قطَ. وقال الفاضل التفتازاني: وقط استعمله المصنّف في المستقبل تجوّزًا وتسامحًا ولم يقل غلطًا ولحنًا، ومع هذا استعمل في تراكيبه كثيرًا، خصوصًا في "المطوّل".
قال في تعريف الفصاحة: أو لا ينطق قط، وفي باب إسناد الخبري لا يجتمعان قطّ.
اعلم أن قط إذا كانت ظرفًا فلا تتصل بها ياء المتكلم، وأمّا إذا كانت اسمًا بمعنى حسب فيتّصل بها ويكون بالنَّون على غير القياس، ويجوز حذفها فيقال: قطّي وقطني، وأما إذا كانت اسم فعل بمعنى انته، فعند اتصالها بياء المتكلم فبالنون، هذا مذهب البصريين. وأمّا عند الكوفيين: إذا كانت بمعنى حسب يقال بغير نون، كما يقال حسبي، وأما جعلها اسم فعل، قال بالنّون كما يفعل في غيرها من أسماء الأفعال، وكثيرًا ما تصدّر بالفاء عند كونها من الأسماء الأفعال تزيينًا للخط، وكأنه جزاء شرط محذوف.
عوضِ
والثاني: عوض بفتح أوّله، وقد هوى بالضمّ وتثليث آخره بالحركات الثلاث، لكن الفتح أفصح لأنّه في الأصل منصوب على الظرفية، فيبقى بعد ذهاب الإعراب على صورة ما كان عليه، وأمّا الكسر فَلِجَرْيهِ على أصل التقاء الساكنين، ووجه الضمِّ أنّه محمول على (قبلُ). وهو ظرفٌ لاستغراق ما يستقبل من الزمان، ويسمّى الزمان عوضًا لأنه، الضمير للشأن، كلّما ذهبت منه مدّة عُوِّضتها مدّة أخرى، فيكون مأخوذًا من التعويض، "والفرق بن المدّة والزّمان والوقت، أنّ المدّة المطلقة حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها، والزّمان مدّة مقسومة، والوقت الزّمان المفروض"، نصَّ عليه القاضي في تفسير (سورة البقرة)، فعُلم منه قول المصنّف، ويسمّى الزمان عوضًا ليس مقابلًا للمدة والوقت، بل هو شامل لهما، لا يخفى عمن له
[ ٨٣ ]
معرفة في أساليب الكلام. تقول لا أفعله عَوْض بالنّفي في المستقبل، وقد يستعمل بالإثبات في المضي، وهذا مفهوم عبارة الرّضي، فلذلك لم يقل ابن هشام: ما فعلته عوض، لحن في الكلام.
وقال صاحب "العيني": عوض كلمة تجري مجرى القسم، فمعناه: أقسم بالدّهر لا أفعل هذا الأمر، فحذف حرف القسم، ونصب المقسم به كما قولك: الله لأفعلن. وكذا أبدًا يكون ظرفًا لما يستقل من الزمان في نحو: لا أفعله أبدًا.
اعلم أن النُّحاة يردّون أبدًا على عوض، فلذلك قال المصنِّف: وكذلك أبدًا، ولم يجعله شيئًا مستقلًا، وهو معرب لدخول لام التّعريف عليه، فلو كان متضمنًا لها لامتنع دخولها عليه. تقول فيها، أي في حق أبدًا في هذا المثال: ظرف لاستغراق ما يسقبل من الزّمان.
ظاهر هذا الكلام يشعر أن لا يكون الفرق بين عوض وأبدًا، لكن قال الشيخ الرضي: والفرق بينهما [أنّ قط وعوض] للشيوع مطلقًا، وللنفي كثيرًا، وأمّا أبدًا فليس مخصوصًا بالشيوع ويستعمل في النفي والإثبات نحو: طال الأبد. انتهى.
أجل
والثالث بما جاء على وجه واحدٍ: أجلْ بسكون اللام، وهو حرف لصديق الخبر، سواء كان الخبر مثبتًا أو منفيًا، يقال في المثبت: جاءني زيد، وفي المنفي: ما جاءني زيد، فتقول: أجل، أي: صدقت. ذكر في بعض كتب النَّحو: أجل لتصديق الخبر ماضيًا أو غيره ولا يستعمل في الاستفهام إلّا عند الأخفش. إلّا أنها في الخبر أحسن من نعم، ونعم أحسن منها في الاستفهام.
ونقل بعض شرّاح تلك الرسالة عن "الارتشاف": أمّا أجل فهي جواب في تصديق الخبر، ولتحقّق الطلب، وذلك تقول لمن قال: قام زيد: أجل، ولمن قال: اضرب زيدًا: أجل فلا تكون جوابًا للنهي ولا للنّفي.
[ ٨٤ ]
بلى
الرابع بلى، وهو حرف ثلاثي الوضع، والألف من نفس الكلمة عند أكثر النّحاة، لإيجاب النفي. قال بعضهم: إنما اختاروا بلى للرجوع عن النفي والإقرار بما بعده لأنَّ أصلها كان رجوعًا محضًا عن الجحد، إذا قالوا: ما قام زيد بل عمرو، فكانت بل كلمة عطف ورجوع لا يصحّ الوقوف عليها، فزادوا الألف ليصلح الوقوف عليها فنظيرها لم، لمّا.
مجرّدًا بالنصب: خبر كان مقدّم عليه، أي سواء كان للنفي مجرّدًا عن إرادة الاستفهام نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾.
زعم: فعل ماض تارة للعلم، وتارة للظنّ، وتارة للباطل.
وعن شريح: لكلّ شيء كنية، وكنية الكذب الزَّعم.
ومتعد إلى مفعولين.
والموصول مع صلته، وهو (الذين كفروا) فاعل زعم.
وأنْ مُخفّفة من الثقيلة، واسمها محذوف وهو ضمير الشأن.
وخبرها: (لن يبعثوا).
وأنْ مع اسمها وخبرها قامت مقام مفعولي زعم.
وربي: قسم أكد به الجواب وهو: لتبعثنّ.
أو كان النفي مقرونًا بالاستفهام، سواء كان أريد الاستفهام عن حقيقة النفي، أو أريد التقدير، والعرب تُجري التقدير مجرى النفي، نحو ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أي [بلى] أنت ربّنا، فيكون إيجابًا عن النفي، والمصنّف اكتفى بتفسير الثاني من تفسير الأوّل، ولم يعكس مع جوازه، لأنّ تفسير الثاني أَوْلى في السّراية إلى ما قبله، وقد يجيء بلى لتصديق الإيجاب على سبيل الشّذوذ، كما تقول في جواب: أقام زيد؟ بلى قام زيد.
[ ٨٥ ]
-ما جاء على وجهين-
النّوع الثاني: ماجاء على وجهين وهو الضمير [راجع] إلى ما أو إلى النّوع الثاني.
إذا
إذا من حيث هي، هي أعمّ من أن تكون مقروضة للظرّفية، وإذا للمفاجأة، فتارة أي: مرّة، ذكر في "مختار الصحاح": يقال فعل تارة أي مرّة بعد مرّة، والجمع "تاراتٌ وتِيَرٌ كَعِنَبٍ" وربّما قالوا: (تارًا) بعد تارٍ بحذف التاء. انتهى.
وانتصابه: إمّا على الظرفية أو على المصدرية على قياس ما قيل في قولك: ضربته مرّة. يقال فيها، أي في إذا: ظرف مستقبِل بكسر الباء ويجوز الفتح، كذا صححه فاضل التفتازاني، خافض أي: جار لشرطه بالإضافة إليه، [فإن إضافته إضافة] لازمة إلى ما يليه عند الأكثر، منصوب بجوابه، أي: يعمل جوابه فيها عمل النصب على الظرفية إذا كانت للشرط.
هذا مذهب أكثر النُّحاة، فإنّهم قالوا: إنّ وَضْعَهُ للوقت المعيّن، وإنه لا يتعيّن إلَّا بنسبته إلى ما يعيَّن به من شرط، فيصير مضافًا إلى الشرط، فإذا صار مضافًا تعذّر عمل المضاف إليه والمضاف لئلا يؤدي إلى أن يكون الشيء عاملًا ومعمولًا.
ومن وجه واحد، وهذا لا يجوز فوجب أن يكون العامل هو الجواب، وقال ابن الحاجب "والحقّ أنّ (إذا) و(متى) سواء في كون الشرط عاملًا فيه، وتقدير الإضافة في (إذا) لا معنى له، وما ذكروه من كونها لوقت معيّن مسلّم، لكنه حاصل بذكر الفعل بعدها كما يحصل في قولك: زمانًا طلعتْ فيه الشّمسُ، فإنه يحصل التعيين، ولا يلزم الإضافة، وإذا لم يلزم الإضافة، لم يلزم فساد عمل الشرط، والذي يدل على ذلك قولك: إذا أكرمتني اليوم أكرمتك غدًا".
[ ٨٦ ]
وقال الشيخ الرضيّ: في إذا خلاف إذا كان ما يليه عاملًا فليس بمضاف، وإلّا يكون مضافًا (إذا كان مدخولهما مضافًا). وهذا أنْفَع لإفادته ما لم يفد قول المعربين، لأنّه يُفهم منه كونه للشرط وكونه مضافًا ومنصوبًا بجوابه. وأَوْجَزُ لما فيه من قلّة اللفظ، من قول المعربين، وهو ظرف لما يستقبل من الزمان، وإنْ دخلَ على الماضى نحو: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾.
وقد يستعمل في الماضى كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ و﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ و﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾.
وقد يُستعمل في الاستمرار نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾.
اعلم: أنَّ حتّى إذا دخل على الَّذي يقتضي جوابًا، جاز أن تكون حتَّى: حرف ابتداء، وأن تكون جارّة لإذا عند الزمخشري، واختاره ابن مالك.
وقال أبو البقاء وصاحب "البسيط" إن إذا في موضع نصب بحتّى، وعند محمد بن مسعود الغزني: ومن زعم أنَّ محل إذا جرٌّ فزعمه باطل، لأن إذا ظرف محضٌ، ولا يجرُّ به ألبتَّة.
وفيه معنى الشرط غالبًا، وإنما قال غالبًا، إذ قد يتحدّد من تضمّن معنى المجازات، ويستعمل ظرفًا محضًا نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾.
وقد يستعمل اسمًا صريحًا مجردًا عن معنى الظرفية نحو: إذا قام زيد إذا يقعد عمرو، أي وقت قيام زيد وقت قعود عمرو، فإذا هنا مبتدأ وخبر، نص على ذلك سيبويه. وتختصّ إذا هذه بالجملة الفعلية على المختار عند سيبويه والأخفش، فإنهما يجوّزان الجملة الاسمية بعدها
[ ٨٧ ]
لعدم تأصّلها في الشرط مثل: إن ولو. لكنّ المختار كون الجملة بعدها فعلية، وعند المبرّد يجب الفعل بعدها لفظًا أو تقديرًا.
وتارة يقال فيها حرف مفاجأة. وكون إذا هذه حرفًا مختار المصنّف، وهو مذهب الكوفيين، وحكاية عن الأخفش، واختيار الشَّلّويين في أحد قوليه.
قال الشيخ الرضيّ: والأقرب كونها حرفًا، فلا محلّ له من الإعراب، وأما عند سائر النُّحاة إنها باقية على ظرفيتها، لكن الاختلاف في كونها للزمان أو المكان.
فذهب الزّجّاج إلى الأوَل، والمبرّد إلى الثاني. وتختص إذا حال كونها للمفاجأة بالجملة الاسمية، لقصد إيقاع المخالفة بين إذا الشرطية والمفاجأة نحو: خرجتُ فإذا السَّبُعُ حاضرٌ أو واقفٌ على حذف الخبر، والعامل في إذا هذه المفاجأة، وهو عامل لا يظهر، وقد استغنوا عن إظهاره لقوّة ما فيه من الدّلالة.
وأمّا الفاء فهي السببيّة، فإن مفاجأة السبع مسببة عن الخروج، وما قاله المازني ليس بشيء، وهو كون الفاء زائدة، وقال بعض النُّحاة:
الأقرب أنها للعطف من جهة المعنى: خرجت مُفاجأة زمان وقوع السَّبُع على رأى الزّجّاج، أو مكان وقوع السَّبُع على رأي المبرّد. غالبًا أي أكثريًا، وفي هذا القيد إشارة إلى إنها قد تدخل على الجملة الفعلية، إذا كان الفعل مصحوبًا بقد. نقله الأخفش عن بعض فصحاء العرب نحو: خرجتُ فإذا قد قام زيد.
وقد اجتمعا، إذا الظرفية والمفاجأة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. فإذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة، ناب مناب الفاء في جواب الأولى.
-ما جاء على ثلاثة أوجه-
النوع الثالث: ما جاء على ثلاثة أوجه وهو، أي: ما جاء على ثلاثة أوجه سبعة، وقع في بعض النسخ سبع بغير التاء، لعلّ وجه كون أكثر المبحوث عنها حرفًا، ويجوز تغليب التأنيث على التذكير إذا كان المؤنث كثيرًا:
[ ٨٨ ]
إذ
إحداها أي أحد السَّبع إذ من حيث هي هي، ويقال فيها: فتارة ظرف لما مضى من الزمان سواء دخلت على الماضي أو المضارع، وقد يستعمل في المضارع نحو قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾.
وتدخل على الجملتين الخبريتين، أي الفعلية والاسمية لانعدام تضمّن معنى الشرط الذي يقتضي الفعل بعده، نحو: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ فاذكروا عامل، ثم إذ وهو ظرفٌ داخل على الجملة الاسمية وهي: أنتم قليل، والجملة مضاف إليها لإذ.
اعلم أن (إذ) هذه يجوز دخولها على الجملة الاسمية، سواء كان خبرها مفردًا كما في المثال المذكور، أو جملة نحو إذ زيد يقوم. وقد استقبحوا: إذ زيد قام، وإن الفعل الماضي لا يكون خبرًا إلَّا إذا أريد به الإخبار فيما مضى. وهذا الفرض حاصل من نفس إذ، ولأن مدلول إذ وقام من الزمان واحد، وقد اجتمعتا في كلام فلم يحصل الفصل ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾، فإذ هنا ظرف مضاف إلى الجملة الفعلية، وهي: كنتم، فكان من الأفعال الناقصة اسمها ضمير الخطاب، وخبرها قليلًا.
وتارة: حرف مفاجأة، فيختص بالجملة الفعلية فعلها ماض غالبًا، وإنما قلنا غالبًا لأنها قد تدخل على الجملة الاسمية نحو: خرجت فإذ زيد قائم.
اعلم: أن كونها للمفاجأة قليل حتى أنَّ ابن الحاجب لم يذكرها في مقدمته، واعتذر بعض الشراح من عدم ذكرها بالندرة، وإن الاختلاف في إذ هذه كالاختلاف في إذا في كونها حرفًا وظرفًا، وبعد كونها ظرفًا، هل هي للزمان أو المكان، وذهب أبو عبيد إلى أنها زائدة، ذكره في بعض كتب النحو، وأن (إذ) و(إذا) إذا كانتا للمفاجأة فإضافتهما على اختلاف النحاة.
[ ٨٩ ]
فذهب ابن الحاجب إلى أنهما مضافتان، لعل وجهة كون العامل فيهما معنى المفاجأة عنده، لأن المانع من الإضافة كون شرطها عاملًا لها، فلما زال المانع لزم الإضافة، فعلى هذا يلزم أن يكونا زمانين.
وذهب بعض النحاة إلى أنهما لا تكونان مضافتين، فيجوز أن يكون وجهه ما قاله بعض النحاة وهو: أن (إذ) و(إذا) إذا كان مدخولهما اسمًا يكون مبتدأ، و(إذ) و(إذا) خبرًا مقدّمًا عليه، ويجوز أن يكون كونهما مكانيين، لأن ظروف المكان لا تضاف إلى الجملة إلَّا حيث، كقوله، أي الشاعر:
فبيَنَمَا العسرُ إذ دَارَت مياسِيرُ [البسيط]
المياسر: جمع موسر، كمفطر ومفاطر، أوّل البيت:
واستقدِرِ اللهَ خيرًا وارضيَن به
فالفاء في بينما يجوز أن تكون للعطف على التعقيب أو السببيَة.
اعلم أن: (بينا) و(بينما) مشبعة أو متصلة بما المزيدة أو المصدرية، وما قيل أنه موصول فبعيد، لأنه يحتاج إلى كثرة الحذف. ظرف بمعنى الشرط، أجيب تارة بـ (إذ) أو بـ (إذا)، وتارة بالفعل.
والأصمعي لما رأى مجئ الفعل من غيرهما مع استقلال المعنى استفصح طرحهما، والجميع جيد، كذا قال ابن الحاجب في "الإيضاح": في (من الظروف الزمانية) وإن كان ما قبل الإشباع والزيادة يستعمل في الزمان والمكان.
نص عليه الشيخ الرضي حيث قال: بين مستعمل في الزمان والمكان، أما إذا أشبع أو كُف بـ (ما) أو أضيف، فلا يكون إلا للزمان، فلابد لها من جواب، فإن جُرد عن كلمة (إذ) و(إذا) فالعامل هو الجواب وإلا فمعناه المفاجأة.
هذا على رأي بعض النُّحاة، وأمّا على مذهب المبرد إن (إذ) و(إذا) ظرف مكان لما بعدهما، وبينا وبينما ظرف زمان له، فيكون إذ وإذا منصوب المحل على الظرفية، وعلى مذهب الزجاج:
[ ٩٠ ]
إن (إذ) و(إذا) ظرفان مضافان إلى الجملة بعدهما يخرجان عن الظرفية: مبتدءان خبرهما بينا وبينما، قيل: الصواب مذهبهما، فإذا انتقش ما ذكرناه على صحيفة ذهنك علمت قول صاحب "المتوسط" وبين: ظرف مكان، وما: زائدة، والعسر: مبتدأ وخبره محذوف، وهو موجود، وهو العامل في بين والزمان مضاف إلى هذه الجملة تقديره: فبين زمان العسر موجود والعامل في (إذ) دارت لأنه ليس بمضافٍ إلى دارت فيمتنع عمله فيما قبله، ولا يجوز أن تعمل دارت في بين لكون بين وإذا ظرف المكان، وامتنع عمل عامل في ظرف المكان، إلَّا على سبيل البدل لا يخلو من مخالفة واضطراب خصوصًا في قوله: إن بينما ظرف مكان، لما عرفت أنه إذا كفّ بـ (ما) يكون ظرف زمان عندهم. وتارة: حرف تعليل كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: لأجل ظلمكم. قال الشيخ الرضي: والأَوْلى حرفيتها حينئذ، إذ لا معنى لتأويلها بالوقت حتى يدخل في حد الاسم.
اعلم: أن المصنف ذكرها مما جاء على ثلاثة أوجه، وقد تستعمل بمعنى (أنْ) المصدرية ذكره الشيخ القاضي البيضاوي في تفسير سورة مريم في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ والمصنف لم يذكر هذا الوجه إما لكونه على رأي البعض حيث قال في "شرح اللباب": وأخرجه بعضهم عن الظرفية وجعله كـ (أنْ) المصدرية، أو لعدم شهرته.
لَما
الثانية: لما، قال الكوفيون: أصلها: لم زيدت عليها ما.
وقال سيبويه: هي على الأصل ليست فيها (ما) زائدة، لأن لما تقع في موضع لا تقع فيها لم، يقول الرجل لصاحبه:
أقَدِمَ فلان؟ فيقول: لمَا، فلا تقع (لم) مفردة، كذا قالوا.
[ ٩١ ]
أقول: هذا الدّليل لا يدل على أصالتها إذ يجوز أن يتغير حكم الأصل بزيادةٍ ما، كما في هلا، فإنها مركبة من هل ولا، وهل لا تدخل على جملة فعلية تقدم مفعولها على أن [لا] يكون منصوبًا بما بعده، أو بمقدر، فلا يقال: هل زيدًا ضربته؟ بخلاف هلا فإنها يصح أن يقال: هلا زيدًا ضربته؟
يقال فيها، أي في لما في نحو: لما جاء زيد جاء عمرو، حرف، قوله حرف: مبتدأ، وخبره جملة ظرفية مقدمة، وهي في نحو: لما جاء زيد جاء عمرو، مضاف إلى وجود وإضافته بمعنى اللام لوجود هنا بمعنى الثبوت القابلة للنفي، والتنوين عوض عن المضاف إليه، أيّ حرف ثبوت الثاني لثبوت الأول، هذا مذهب ابن خروف فإن لما عنده: حرف يدل على ربط الجملة بأخرى ربط السببية.
فبعض النحاة عبر عنها كما عبر المصنف، وبعضهم بحرف وجود لوجود، وتختص بالماضي أي ماضي اللفظ والمعنى.
وزعم أبو علي الفارسي ومن تبعه أنها ظرف بمعنى حين. والظاهر من لفظ زعم كون قوله مردودًا. وذكر في "شرح الألفية": قال ابن مالك: لما بمعنى حين، إذ بدل بمعنى حين. وقيل: هذا حسن لأنها مختصة بالماضي وبالإضافة كإذ.
ويقال فيها: ظرف لغو متعلق بقال، والضمير راجع إلى لمّا. في نحو ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ حذف الياء اكتفاءً بالكسر، حرف: مبتدأ مضاف إلى جزم، وقوله: في نحو: خبر مقدم عليه: لنفي المضارع: خبر ثان له، وقَلْبِهِ بالجر عطف عليه، وماضيًا: مفعول قَلْبهِ، فعلى هذا الوجه يكون هذا القول بيانًا لأحوال لما، لكن علم بالالتزام أنها للجزم، ويجوز
[ ٩٢ ]
أن تكون اللام للتعليل لأنه لما ذكر اختصاص لما بالنفي والقلب، علم بالالتزام أنها للجزم فالتعليل بأحد المستلزمين نوع من البلاغة، ولما هذه تنفي المضارع، وتصرف معاه إلى الماضي عند المبرد وعند أكثر المتأخرين، وعند أبي موسى تصرف لفظ الماضي إلى المضارع، وهذا نُسب إلى سيبويه، ذكره شارح "الألفية".
متصلًا: حال من [المضاف إليه وهو] المضارع، ونفيه: فاعل متصلًا، وضمير نفيه راجع إلى المضارع ومُتَوقعا، يجوز أن يكون حالًا من المضارع، فيكون حالًا مترادفة، وأن يكون حالًا من نفيه، فيكون من قبيل حال المداخلة قوله ثبوته: فاعل متوقعًا.
واعلم أن (لم) و(لما) تشتركان في نفي المضارع وقلبه ماضيًا، وأمّا كون النفي متصلًا إلى زمان النطق، ومتوقع الثبوت، مما تنفرد به لما، فلذلك لا يحسن أن يقول: لما يُضرب زيد ثم ضُرب، بخلاف لم.
ألا يُرَى، يريد المصنف إثبات كون نفيها متصلًا، وثبوتها متوقعًا بتنزيل المعقول مرتبة المحسوس. أن المعنى في الآية الكريمة: أنهم لم يذوقوه إلى هذا الآن، معنى الآن: الزمان الذي يقع فيه كلام المتكلم. وهو آخر ما مضى من الوقت، وهو أوّل ما يأتي منه، وهو مبني على الفتح بناء لازمًا عند جميع النّحاة، لكن اختلفوا في علة بنائه.
قال سيبويه والأخفش والمازني والزجاج: لمشابهته لاسم الإشارة، وإن قولك الآن معاه هذا الوقت.
وقال السيرافي: لمشابهة الحروف يلزمها في أصل الموضع على وتيرة واحدة، فإنها لا تُثنّى ولا تُجمع ولا تُصَغر، فيكون في الاستعمال مع لام التعريف.
قال أبو علي الفارسي: لتضمنه معنى لام التعريف، وأمّا لام الظاهرة فليس للتعريف إذ شرط لام التعريف أن تدخل على النكرات فتعرفها، و(الآن) لم يُسمع مجردًا عنها، وفي هذا الدليل مناقشة ظاهرة، ولا تخفى على المتأمل.
[ ٩٣ ]
وأنّ ذوقهم، بفتح الألف، وتشديد النون: عطف على (أنهم). له متوقع: اللام لتقوية العمل، والضمير للعذاب.
ويقال فيها: حرف استثناء، هذا وجه ثالث لـ (لمّا) وتغيير الأسلوب إما لكثرة الفاصلة بين المبتدأ والخبر أو للتفنن نحو: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ في قراءة التشديد وحرف التعريف إما مُغْنٍ عن غناء الإضافة كما مذهب البصريين، أو عوض عن المضاف إليه كما مذهب الكوفيين؛ أي قراءة تشديد (لما).
ألا يرى أن المعنى: ما كلّ نفس إلا عليها حافظ، فَعُلِمَ منه أن (إنْ) على هذه القراءة نافية بمعنى (ما) .. قال في "الصحاح": لمّا بمعنى إلا فليس يُعرف في اللغة.
لكن حكاه الخليل وسيبويه والكسائي، فالأولى أن يقتصر على التركيب الذي وقعت فيه. كذا قال أرباب النحو.
نَعَمْ
والثالثة: نعم، وفيها أربع لغات على ما قاله الشيخ الرضي:
الأولى: فتح النون والعين وهي المشهورة.
الثانية: كسر العين، وهي كنانية واختارها الكسائي، واحتج عليه بما روي عن عمر - ﵁ - أنّه سأل قومًا فقالوا: نِعَم، فقال عمر: أمّا النعم فالإبل.
وقال أبو عبيدة: هذه الرواية [عن عمر] غير مشهورة.
[ ٩٤ ]
الثالثة: كسر النون والعين.
والرابعة: نَحَم، بفتح النون، وقلب العين المفتوحة حاءً كما قلبت في حتى. قيل: هي لغة هذيل.
فيقالُ فيها، أي في نعم: حرف: مبتدأ مضاف إلى تصديق، وخبره جملة: إذا وقت بعد الخبر سواء كان مثبتًا [أو منفيًا] نحو: قام زيد، فتقول: (نعم، أي: نعم قام زيد)، أو منفيا: ما قام زيد، فتقول: نعم.
أي ما قام.
وحرف إعلام إذا وقعت بعد الاستفهام، سواء كان سؤالًا عن موجب نحو: أقام زيد؟ فتقول: نعم، مريدا بالإعلام بأنه قام.
أو منفيًا كما في جواب من قال: ألم يقم زيد؟ فتقول: أي نعم لم يقم.
فنعم بعد الاستفهام ليست للتصديق، لأن التّصديق إنّما يكون في الخبر، فلذلك قيل: فالأَوْلى أن يقال: هي بعد الاستفهام لإثبات ما بعد أداة الاستفهام نفيًا كان أو إثباتًا.
ولهذا قال ابن عبّاس: لو قالوا في [جواب]: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾: نعم لكان كفرًا، فيصح لهذا الاعتبار أن يقال لها: حرب الإيجاب، أي: إثبات ما بعد حرف الاستفهام، لكن الأظهر أن يقال: الإيجاب في الإيجاب والكلام المثبت، لا المنفي المستفهم عنه.
وجوّز بعض النحاة إيقاعها موقع بلى، إذا جاء بعد همزة داخلة على نفي لفائدة التقدير، فيجوز أن يقال في جواب: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ و﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: نعم، لأن الهمزة
[ ٩٥ ]
للإنكار دخلت على النفي فأفادت الإيجاب، ولهذا عطف [على] ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قولَهُ: ﴿وَوَضَعْنَا [عَنْكَ]﴾ فكأنه: شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، فيكون (نعم) في الحقيقة [تصديقًا] للخبر المثبت المؤول به الاستفهام [معنىً] لا تقديرًا لما بعد همزة الاستفهام مع النفي. فلا يكون جوابًا للاستفهام، لأن جوابه يكون بما بعد أداة، بل هو كما قيل: قام زيد بالإخبار، فنقول: نعم، مصدقًا للخبر المثبت. وقد اشتهر في العرف هذا القول.
فلو قيل لك: أليس عليك دينار، فقلت: نعم، ألزمت بالدينار. هذا ليس بمناقض لما قاله ابن عباس، لأن قوله مبني على [كون نعم تقديرًا لما بعد همزة الاستفهام، وبناء هذا القول مبني على كونه] تقديرًا لمدلول الهمزة مع حرف النفي.
وحرف وعد، هذه العبارة موافقة لما يوجد في كتب اللغة حيث قال في "الصحاح": نعم: عدة وتصديق. وأما عبارة أكثر كتب النحو: نعم مقررة لما سبق.
لعل وجهه عند النحاة لما رأوا اختلاف هذه الوجوه بحسب الاعتبار لعدم خروجها عن الجوابية، فعبرَّوا بكلام يعم الجميع، فعلى هذا ما قاله المصنف لا يخلو من المسامحة: إذا وقت بعد الطلب سواء كان ذلك طلب الفعل، (كقولك لمن قال لك): نحو: أحسن إلى فلان فتقول: نعم، عند وعدك بالإحسان، أو طلب ترك الفعل، كقولك نعم لمن قال: لا تضربني، أي لا أضربك، فإنك وعدت بعدم الضرب إليه، وكذا لو قلت: نعم،
[ ٩٦ ]
في جواب التحضيض نحو: هلا تزورنا؟ كان المعنى الإيجاب، أي نعم أزورك، وكذا في جواب المرض: ألا تزورنا.
وزعم بعض: أن نعم تكون حرف تذكير، إذا وقعت صدرًا نحو: نعم، هذه أطلالهم. وهو ضعيف لإمكان جعلها تصديقًا لما قبلها وقُدمت، أو تصديقًا لما في النفس.
إيْ
والرابعة: إيْ بكسر الهمزة وسكون الياء إذا وقع بعدها حرف القسم، وإن لم يقع إلَّا بلفظة الله، جاز ثلاثة أوجه:
حذفها للساكنين، وهما الياء واللام نحو: إلله لأفعلن. وفتحها تنبيهًا لحرف الإيجاب.
وإبقاؤها ساكنة، والجمع بين ساكنين مبالغة في [المحافظة] على حرف الإيجاب، بصون آخرها عن التحريك والحذف، وإن كان السّاكنان في كلمتين إجراءً لهما مجرى كلمة واحدة [نحو]: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
وهي بمنزلة نعم في استعمالها على الوجوه الثلاثة، وهو قول ابن مالك حيث قال:
إيْ بمعنى نَعَم.
وهذا الإطلاق يقتضي أن لم يقع بعد الخبر والاستفهام والطلب، وجوزه بعض النحاة لكنه مخالف لما قاله فحولهم.
[ ٩٧ ]
وإي إثبات بعد الاستفهام حيث اشترطوا لزوم سبق الاستفهام، وكونها للإثبات، إلا أنها تختص بالقسم من الاستفهام غالبا بخلاف نعم، فإنها غير مختصّة به كما عرفت، ولا يستعمل بعد إي فعل القسم، فلا يقال: إي أقسمت بربي، ولا يكون المُقْسَم به بعدها إلا: (الرب، والله، ولعمري) نحو: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾. وربي قسم فعله محذوف مع وجود الاستفهام في أوّل الآية [وهو قوله تعالى]: ﴿أَحَقُّ﴾.
حتى
الخامسة: حتّى، وأحد أوجهها. أي: أحد أوجه حتى، والتأنيث باعتبار الكلمة، أن تكون جارة فتدخل، الفاء: إما للتفسير، أو لربط الجزاء على الشرط المحذوف.
على الاسم الصريح، أي الخالص، والمراد منه ما يقابل المؤول والمضمر، وهو الظاهر بمعنى إلى، نحو ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. وتفسير القاضي بقوله: أي وقت مطلعه، أي طلوعه، لا كما قاله في بعض حواشيه: المطلَع بفتح اللام: مصدر ميمي، فيحتاج إلى مضاف ليكون المعنى صحيحًا، إذ يمكن تصحيح [الكلام] بأن يقال: يدوم سلام الملائكة إلى طلوع الفجر، أو يقال: لية القدر [ذات] سلامة إلى طلوع الفجر، بل للإعلام بأن المَطْلَع بفتح اللام مصدر ميمي لا اسم للزمان، لأنّه لا يحتاج إلى تقدير الوقت، ومثله في المصادر عند أكثر النحاة وأما عند أبي علي الفارسي إن المصادر تقع في الزمان، فيُجعل لسعة الكلام زمانٌ لا على طريق حذف المضاف، فقول المصنف ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ لتصحيح كون المطلع مصدرًا ميميًا لا لمجرد تصحيح المعنى.
وعلى الاسم المؤوّل معطوف على الاسم الصريح، وقوله: بأن، متعلّق إلى المؤول، ومضمرةٍ إما بالجر صفة إنْ، أو بالنصب حال عنها، وقوله: من الفعل المضارع، بيان الاسم المؤول،
[ ٩٨ ]
هذا هو مذهب سيبويه وجمهور البصريين فإن حتى إذا دخلت على الاسم المؤول تكون حرف جر عندهم. والنصب بعدها بإضمار إن وعند الكوفيين والكسائي والفراء إنها ناصبة بنفسها. وأجازوا إظهار أن بعدها تأكيدًا، وأما إذا دخل على الاسم الصريح، فالجر بإضمار إلى عند الكسائي ويجوز إظهارها تأكيدًا، وعند الفراء لنيابه (حتى) منابها، وعند الكوفيين هي جارة بنفسها لشبهها بـ (إلى). فتكون تارة بمعنى إلى نحو: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ الأصل: حتى أن يرجعَ، على مذهب سيبويه كما عرفت قبيل هذا، أي إلى رجوعه، فعلم منه أن يرجع مع أنه مؤول بالمصدر، أي إلى زمن رجوعه.
قدّر المضاف كما هو مذهب أكثر النُّحاة، لأن المصدر لابدّ له من زمان، فيكون حصوله فيه، لكن دلالة المصدر على الزمان بالالتزام.
وتارة أي، مرة بمعنى كي إذا كان ما قبل حتَّى سببًا لما بعدها. نحو أسلِم حَتَّى تدخل الجنَّةَ، أي: كى تدخل الجنة، ولم يفسره المصنف بناء على ظهور معنى السببية فيه.
وقد يحتملها، أي: يحتمل حتى أن يكون بمعنى إلى وكي. كقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، أي: إلى أن تفيء، أو كي تفيء، أي: إلى أن ترجع، أو كي ترجع.
اعلم: أن علامة كونها بمعنى إلى وكي إذا وضعتهما موضع حتى يكون المعنى صحيحًا. وزعم ابن هشام وابن مالك أنّها، أي أن حتى قد تكون بمعنى إلا كقوله، أي قول الشاعر:
[ ٩٩ ]
لَيسَ الْعَطَاءُ مِنَ الْفُضُولِ سماحةً
اللام في (الفضول) إما:
مُغْنٍ عن المضاف إليه، أو عوض عنه، أي ليس الإحسان من زيادة المال الفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة. يقال: فضل من الشيء، وفَضَل منه شيء بفتح العين، يَفْضُلُ بالضم مثل دَخَلَ يدخلُ، وفيه لغة أخرى، وهي بكسر العين وفتحها في الغابر مثل: حَذِرَ يَحْذَرُ، وحكاها ابن السكيت. وقيل: فيه لغة بالكسر في الماضي والضم في المستقبل، مركبة منهما يقال: فَضِلَ يَفْضُلُ، لكن هذا شاذ لا نظير له. ويؤيده ما قال سيبويه: هذا عند أصحابنا يجيء على لغتين. ذكره في "الصحاح". سماحةً: بالنصب خبر ليس، السماحة: الجود.
حتى تَجُودَ، وَمَا لَدَيْكَ قَليِلُ [الكامل]
فما: موصولة، ولديك: ظرف مكان صلة ما، والموصول مع الصلة مبتدأ، وقليل: خبره. وفي بعض النسخ: إلَّا قليل، فما بمعنى ليس، ولا يعمل لانتقاض عمله بإلا، فما بعده مبتدأ وخبر.
ويجوز كونها موصولة، والاستثناء من لديك بتأويل النفي، لأن الاستثناء من المثبت يكون على مقتضى العامل إذا لم يتعذر، نحو: قرأت إلَّا يوم كذا، وبتقدير النفي إذا تعذر، وهاهنا متعذر فيجب، وتقديره: ولا يكون في لديك إلا قليل أي إلَّا أن تجود، وهو استثناء منقطع، وعنوان هذا القول بالزعم الذي كنيته الكذب إشارة، كما أن الاستدراك بهذا البيت ضعيف، لجواز أن تكون حتى في هذا للغاية، بمعنى إلى حيث.
قال في "البسيط" تفسير قولهم: لا أقوم إلا أن تقوم، وقولهم: لا أفعل إلَّا أن تفعل بحتى تفعل ليس بنص لكون حتى بمعنى إلا لأن قولهم ذلك تفسير معنىً.
[ ١٠٠ ]
واعلم أنّ المصنف ذكرها في النوع الثالث، مع أن معناها أكثر من الثالث لأن ما وجد من المعنى الذي غير ما ذكره المصنف، فراجع إلى كونها جارة.
والثاني: أن تكون حرف عطف تفيد الجمع المطلق كالواو. وهذه العبارة تُشعِرُ ظاهرًا أنَّ حتى كالواو في الجمع لا ترتيب فيها، كما زعم بعض النحاة، لكن الحق أن يكون فيها جمع وترتيب ومهملة [متوسطة] بين الفاء وثمّ، لكن المهملة المعتبرة فيها بحسب الذهن، فإن المناسب في: مات الناس حتى الأنبياء، بحسب الذهن أن تعلق الموت أولًا بغير الأنبياء، وتعلق بالأنبياء بعد التعلق بهم، وإن كان موت الأنبياء في أثناء سائر الناس بحسب الخارج بخلاف ثم، فإن المهملة المعتبرة فيها بحسب الخارج نحو جاءني زيد ثم عمرو: إلا أن المعطوف بها أي بحتى مشروط بأمرين.
هذا تفريق بين الواو وحتى العاطفة بعد اشتراكهما في الجمع، أي: يُفَرق بين حتى والواو من جهتين:
أحدها: أن يكون المعطوف بعضًا أي جزءًا من المعطوف عليه في الحقيقة. هذا هو المختار وإن قال بعضهم: أو بالتأويل نحو: ضربني السادات حتى عبيدهم، فإن العبيد صار كالجزء منهم بالمجاورة والاختلاط بهم.
والثاني: أن يكون غاية له في شيء، وزاد صاحب التسهيل قيدًا آخر، وهو مفيد احترازًا من نحو: صُمتُ الأيّام حتّى يومًا. لكن سائر النحاة لم يذكروه بناء على أن مثل هذا لا يتّصف بكونه غاية، فيخرج من لفظه للغاية نحو مات الناس حتى الأنبياءُ. لأن الأنبياء - (﵈) - غاية للناس، بالنسبة إلى كمالات نوعه، في شرف المقدار وهو ما يقدرُ [به] الشيء، أي يُعرف قدره، وإضافة الشرفِ إليه بمعنى مِنْ، ويجوز أن يكون بمعنى اللام.
وعكسِه بالجر: عطف على [شرف] أو عكس الشرف وهو الخساسة نحو: زارني الناسُ حَتى الحجّامُون، فإنهم غاية في خساسة المقدار.
[ ١٠١ ]
اعلم: أن الغاية قد تكون في الخساسة والشرف كما في المثالين المذكورين، وقد يكون في القوة والضعف، وأشار إليه المصنف بقوله، وقول الشاعر: عطف على ماتَ الناس:
قَهَرنَاكُمُ حتى الكُمَاةَ، فَأنتمُ
والكَماءُ بفتح الكاف هو الشجاعة، وجمعه الكُماة، بضم الكاف، كأنهم جمعوا كام مثل قاض وقضاة، كذا في "الصحاح"
تَهَابُوننا حتى بنينا الأصاغِرَا [الطويل]
الهيبة والمهابة هي الإجلال والمخافة، فالمعنى: أنتم تهابوننا بغاية المهابة، وإنما قلنا كذا لأن المفاعلة والمتفاعلة إذا كانتا من جانب واحد تكونان للمبالغة، وهنا كذلك.
ولما كان مصرعا هذا البيت جامعًا للغايتين أشار إليه بقوله: فالكماة: الفاء إمّا للتفسير. أو لربط الجزاء للشرط المحذوف، غاية في القوة، والبنون الأصاغر غاية في الضعف.
والثالث: أن يكون حتى حرف ابتداء، وإنما سُمي به لأنه يبتدأ به لأنه داخل على المبتدأ كما توهم البعض، لأنه قد تدخل على الفعل، والفعل لا يكون مبتدأ.
ويرشدك إليه قول المصنف: فتدخل على ثلاثة أشياء: جمعُ شيء، وفيها مذاهب، وإنها غير منصرف بالاتفاق، قال الكسائي: أشياء على وزن أفْعَال مثل: فَرَح وأفرَاح، وإنما تُرك صرفها لكثرة استعمالها، ولأنها شبهت بفعلاء، كذا قالوا، لكن هذا لا يوجب عدم انصرافها كما في أبناء وأسماء، ولهذا قال "شارح الديباجة ": فعلى هذا القول منصرف.
وقال الخليل: أصلها شيئاء على وزن فعلاء، جمع على غير واحد، ثم استثقلوا الهمزتين في آخره فقلبوا الأولى إلى الصدر فصار: أشياء، وعلى وزن أفعال، ويدل على صحة ذلك أنها لا تنصرف، وأنها تصغر على أشيياء، وقال الأخفش والفراء: أصلها أشيئاء
[ ١٠٢ ]
على أفعلاء، وحذفت الهمزة التي بين الياء والألف للتخفيف، فصار أشياء، لكن عند الأخفش جُمِعَ على غير واحد لأن (فَعْل) لا يُجمع على أفعلاء، وهذا القول مرجوحٌ لأن كل جمع كُسر على غير واحِدِهِ، وهو من أبنية الجمع فإنه يُرَد في تصغيره إلى واحده. فيما لا يُفعل بالألف والتاء، فيجب أن يقول في تصغيره: شييئاه مع أنه لم يُسمع، وهذا القول لا يلزم الخليل لأن فعلاء ليس من أبنية الجمع، وعند الفراء أصله: شيء بالتشديد كـ (هين) على وزن فَيْعل بالفتح والسكون ثم خُفّفَ فقيل: شيء، كما قالوا: هَيْن، فلذا جُمِع على أشياء، فحذفت الهمزة الأولى للتخفيف، ومن هنا، أي لأجل كون أصل أشياء عند الأخفش والفراء. قال أبو الحسن الجار بردي: وفيها ثلاثة مذاهب مع كون الأقوال فيها أربعة.
الفعلُ الماضي: بالرفع خبر مبتدأ محذوف، فقوله: والمضارع المرفوع، والجملة الاسمية معطوفان عليه بتقدير الثاني والثالث.
وبالنصب بتقدير أعني الفعل.
وبالجر بدلًا من ثلاثة أشياء.
فقوله والمضارع المرفوع والجملة الاسمية معطوفان عليه بلا تقدير، فلمّا تعدد المتبوع معنىً أجري الإعراب على كل واحد منهما، فَعُلم من هذا أن أحد البدلين يجوز أن يعطف على الآخر، ويكون المجموع بدلًا من أشياء، فبالنظر إلى كل واحد بدل البعض، وإلى المجموع بدل الكل، ذكره الكرماني، شارح "البخاري".
واعلم أيضًا: أنْ أحد الحالين، أعني الحال من الفاعل، والحال من المفعول، يجوز عطف أحدهما على الآخر، كقولك: لقيت زيدًا راكبًا وماشيًا. نحو: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ فإنّ حَتّى هنا
[ ١٠٣ ]
ابتدائية، وأنْ غير مضمرة، هذا هو الحق لكن فسر أبو البقاء بـ (إلى أن عفوا) وقال شارح الألفية: فتوزع في ذلك الماضي بأن حَتى قبله ابتدائية، وأنْ غير مضمرة، فَعُلِمَ من دخولها جواز كونها جارة في الماضي، وقال ابن مالك وهو وَهْمٌ.
المضارع المرفوع، احتراز من المنصوب بـ أن، لأن حتى فيه، لا تكون إلَّا جارة. نحو ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ في قراءة من رفع وهو نافع، فعلى هذا تكون الآية حكاية عن الحال الماضية، لأن حتى الابتدائية لا تدخل على المضارع، إلَّا بتحقيق الحال. أو لحكاية حال الماضي فلا يدخل على المضارع المقدر فيه (أن)، لأنها علم الاستقبال، فمن نَصَبَ بتقدير أنْ يجعل حتى جارة.
والجملة الاسمية كقوله، أي قول الشاعر:
بدجلة حتى ماء دجلةَ أشكل
إعرابه في الباب الأول، في المسألة الثانية فلينظر.
اعلم: أن حتى الابتدائية تدخل على الجملة الاسمية، فيكون ما قبلها سببًا لما بعدها، مع كون ما بعدها من جنس ما قبلها، سواء كان حقيقة أو حكمًا بأن يكون بينهما ملابسة، يقال: ضربتُ القومَ حتى زيد غضبان، لأن بين الضرب والغضب ملابسة، فكأنه كان من جنس الضرب، وخبر تلك الجملة تارة يكون موجودًا، كما في المثال المذكور، وتارة يكون مقدرًا كما في: أكلت السمكة [حتى] رأسُها بالرفع، لأن تقديره: حتى الرأسُ مأكول. وتدخل أيضًا على الفعل سواء كان ماضيًا أو مضارعًا، فلا يلزم كون ما بعدها من جنس ما قبلها، بل يكفي أن يكون سببًا لما بعدها كما في المثالين اللذين ذكرهما المصنّف. وحتّى الجارة تدخل على الاسم فيكون مدخولها إمّا بعضًا مما قبلها كقولك: أكلت السمكة [حتى رأسِها] بالجر أو مجاورًا
[ ١٠٤ ]
لها كما في: نمت البارحة حتى الصباح، وتدخل أيضًا على المضارع بإضمار (أنْ) المصدرية، ولا تدخل على الماضي في الأصح، وإنْ جوّزه أبو البقاء. وكذا لا تدخل على المضمر خلافًا للمبرد، فإنه يجوز مستدلًا بما وقع في بعض أشعار العرب على سبيل النُّدرة. والجمهور يحكمون بشذوذه فلا يجوّزونه قياسًا، وحتى العاطفة تدخل على الاسم المفرد كما في: أكلت السمكةَ حتى رأسَها على تقدير النصب. ويكون مدخولها بعضًا مما قبلها، فبعض النحاة عمَّ البعضية بكون بعضًا في الحقيقة أو شبهًا بالبعض المجاورة، لكن التعميم ليس بجيد لأن أصل حتى أن تكون جارة لكثرة استعمالها، فتكون العاطفة محمولة عندهم على الجارة، وإذا كانت محمولة عليها لم يستعملوها في معنييها جميعًا، ليبقى للأصل مزيّة على الفرع، وإنما استعملوها في أظهر معنييها، وهو كون مدخولها جزءًا لأن اتحاد الأجزاء في تعلق الحكم أعرف في العقل وأكثر في الوجوه من اتحاد المجاورين، هكذا في بعض الشروح. واختلفوا في دخولها على الجملة الاسمية، فلذلك لم يذكر المصنف مثالًا لها.
وكذا في دخولها على الفعل سواء كان ماضيًا أو مضارعًا فقيل: في الأفعال تكون ابتدائية، لأن حتى لا تعطف على الجملة أبدًا، كذا في "شرح الرضي" و"شرح الألفية"، وهذا مذهب الجمهور.
وأمّا عند البعض، يجوز أن تكون حتى عاطفة في الفعل نحو: نظرتُ أو أنظر حتّى أبصرتُ أو أبصر. فإن أبصرت أو أبصر معطوف بحتّى على نظرت أو أنظر لوجود الشرط المذكور، وهو كون المعطوف جزءًا من المعطوف عليه.
فإذا عرفت ما تلونا عليك علمت أن حتى في مثل قولك: جاءني زيد حتى عمرو ليست للجر، وجارة لفقدان الشرط المذكور فيهما، بل هي حرف ابتدائية، ذكره ابن يعيش.
[ ١٠٥ ]
[وقيل: هي مع الماضي جازة، وأنْ بعدها مضمرة، وقد مضى خلاف الزجاج وابن درستويه]
كلا
والسادسة: مبتدأ وخبره كلا، فيقال فيها حرفُ بالرفع: نائب عن فاعل يقال، مضاف إلى: ردع وزجر بالواو العاطفة. تفسير للردع، فإن على التفسير جائز بالواو والفاء، وإن كان قليلًا، نصّ عليه الشريف في شرحه لـ"المفتاح".
هذا أي كون الردع مفسرًّا بالزجر عند سيبويه، وقال الزجاج: حرف ردع وتنبيه، وشَرَط أن يتقدم ما يرد بها في غرض المتكلم، سواء كان المردود من كلام المتكلم على سبيل الحكاية والإنكار، أو من كلام الغير، في نحو: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. كَلَّا﴾ أي لا تقل وليس الأمر كذلك فَعَلِم منه أنَّ متمم كلا محذوف لعدم استقلال الحرف، ويشعره قول المصنف: أي: انته عن هذه المقالة. هذا تحقيق لمعنى الردع والزجر، وحرف تصديق.
قال عبد الله بن محمد الباهلي: إن (كلًا) يكون على وجهين:
أحدهما: أن يكون ردا لكلام ما قَبْلَها، ويجوز الوقف عليها، وبعده استئناف. والآخر: أن يكون صلةً لكلام، فيكون بمعنى أي.
في نحو ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ أي والقمر.
وعن أبي بكر الأنباري، سمعت أبا العبّاس أحمد بن يحيى يقول: لا يُوقَف على كلا في جميع القرآن لأنها بمعنى انته، إلا في موضع وهو قوله: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ وهذه الرواية تشعر أيضًا
[ ١٠٦ ]
أن كلا فيها ليس للردع، لكن المفسرين لم يذكروا هذا المعنى أصلًا، بل قالوا: حرف للردع، وما ذكره المصنف فقليل نادر.
وبمعنى حقا، هذا مذهب الكسائي، إنما قال بمعنى حقًا، ولم يقل حرف بمعنى حقًا، إشارة إلى جواز كونها اسما إذا كانت بمعنى حقًا كما ذكره في بعض شروح "الكافية" وعلى تقدير اسميتها يكون مبنيًا لمشابهتها بالحروف لفظًا ومعنًى.
أو بمعنى ألا الاستفتاح، هذا مذهب أبي حاتم حيث قال: إنها تكون للاستفتاح وبمعنى حقًا، ووافقه الزجاج. على خلاف في ذلك، أي كائنة على خلاف في كونها لمجرد الاستفتاح، قال ابن مالك في "التسهيل": ولا تكون كلا لمجرد الاستفتاح، خلافًا لبعض النحاة نحو ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ هذا يجوز أن يكون مثالًا لكونها بمعنى حقًا لا تطعه، أو لكونها بمعنى الاستفتاح يبتدأ الكلام بها غير ردع، وكونها بمعنى حقًا:
قال ابن الحاجب في "الأمالي": إطلاقه الاستفتاح عليها ليس بِأوْلى، لأنه ليس من دلالتها عليها. انتهى.
فعلى هذا ذكرها مما جاء على ثلاثة أوجه يكون على الوجه الأول.
ووقع في بعض النسخ، والصواب الثاني، وهو كونها لمجرد الاستفهام. لا بمعنى حقًا. بكسر الهمزة نحو ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾.
هذا هو الدليل الادعائي في كونها للاستفتاح.
حاصله: لو كان بمعنى حقًا لما كُسِرَت إن، وهذا الاستدلال في غاية الضعف. يرشدك إليه قول صاحب "التخمير" ناقلًا عن ابن دهان وهو الذي عليه أكثر العلماء: إن كَلا يحسن
[ ١٠٧ ]
الوقف عليها إذا كان رد الأوَل بمعنى ليس الأمر كذلك، ويكون ما بعدها مستأنفًا، ويحسن الابتداء بها إذا كانت بمعنى ألا، وحقا كقوله -﷿-: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
لا
والسابعة لا، أي لفظة لا، فتكون نافية وناهية وزائدة.
إطلاق النافي والناهي عليها مجاز لأنها لا تنفي ولا تنهي، بل النافي والناهي هو المتكلم بها، ذكره التفتازاني في بعض تصانيفه، والنافية تعمل في النكرات عند البصريين، لأن (لا) لِنَفي فيه شمول، وذلك لا يحصل إلا إذا دخلت على النكرات، بخلاف ما، فإنها لمجرد النفي، فلذلك [تدخل] على النكرة والمعرفة، وأمّا عند الكوفيين يجوز أن تعمل في المعرفة في بعض المواضع نحو:
لا أبا حسن، ولا أبا محمد، ولا أنت لك، ونحو ذلك
فأجاب البصريون بتقدير التنكير أو يكون هذا الكلام مشبهًا بالشذوذ.
عَمَلَ إن كثيرا، لأن (لا) التي لنفي الجنس نقيض (إن) من حيث أنها للإثبات و(لا) للنفي. ومن شأن النقيضان أن يستويا في الأحكام، فكان لكل منهما منصوب ومرفوع.
لكن مرفوعها لا يتقدم على اسمها، ولو كان ظرفا، لأنها محمولة على (إن) في العمل، فانحطت مرتبتها عن مرتبة أصلها، وقوله:
كثيرا يجوز أن يكون وصفًا لمصدر محذوف تقديره عملًا كثيرا، هذا مذهب سيبويه، وفي مثل هذا الموضع يجوز أن يكون حالًا كما ذكره في شرح "الألفية"، ويجوز أن يكون تمييزًا.
اعلم أن النحاة تارة قالوا: صفة لمصدر محذوف، وتارة منصوب على المصدرية فهما في معنى واحد، وإن كان لفظهما متغايرين، وأما إذا قيل: مصدر منصوب بفعل مضمر يكون المراد منه هو المصدر لا غير.
[ ١٠٨ ]
نحو ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فـ (إله): اسم (لا) لكن اختُلِفَ في حركته.
قال الأخفش والمازني والمبرد وأبو علي الفارسي هي حركة بنائية، والاسم المبني في محل النصب لكونه معمولًا لـ (لا).
وقال الكوفيون، والجرمي والزجاج: إنها حركة إعرابية، ونسب هذا القول إلى سيبويه، وخبرها محذوف، وهو موجود لأن خبر (لا) التي لنفي الجنس يُحذف كثيرًا إذا كان الخبر عامًا.
وبنو تميم لا يلفظونه إلَّا أن يكونَ ظرفًا، وعلى تقدير وجوده يحملون على الصفة، كذا قالوا وقال الأندلسي والحق أن بني تميم يحذفونه وجوبًا أو دل عليه قرينة، وإلا فلا يحذف رأسا.
و(إلا الله) مرفوع على أنه بدل من محل إله، وهو الرفع بالابتدائية على القاعدة الممهدة. وهي: إن تعذر البدل عن لفظ المستثنى منه أُبْدِلَ عن الموضع، وذُكر في بعض شروح ذلك المتن. وذهب قوم إلى أن (لا) لا يعمل في إله، وهو وحده في محل الرفع، فحينئذ يجوز أن يكون بدلًا من محل القريب.
وعمل ليس لمشابهتها في النفي والدخول على المبتدأ والخبر. قليلًا، إعرابه كإعراب كثيرًا. وعبارة "الكافية" و"اللب": وعمل (لا) شاذ فيلزم إمّا توجيه القليل بالشاذ، أو بالعكس، لأن الشاذ ما يكون على خلاف القياس، وان كان استعماله كثيرًا، والقليل ما لا يكون على خلاف القياس، وإن كان استعماله قليلًا، كذا في الجار بردي، وما وقع في بعض كتب العربية شاذ نادر، يوهم أنهما متحدان وليس كذلك، بل مراد أنه شاذ مع قلته، لأن الشاذ والنادر
[ ١٠٩ ]
واحد هذا، أي: عمل لا على مذهب الحجازيين وأما عند بني تميم لا يعمل (ما) و(لا) اللّذان بمعنى ليس.
وزعم بعض النحويين أنَّ (لا) أُجريت مجرى ليس في رفع الاسم خاصة، وقال بعضهم: لم يُسمع النصب، وخبره ملفوظًا، واستدل المصنف على رفع اسمها، ونصب خبرها يقول الشاعر. وقال كقوله:
تَعَزَّ فَلَا شَيءٌ على الأرْضِ بَاقيًا [الطويل]
قوله: تَعَزَّ أمرٌ من تَعَزى يتعزى: انتمى وانتسب بنسبتك، والفاء في فلا للتعقيب مع الربط لشرط محذوف، وشيء في محل الرفع بـ (لا)، وباقيًا بالنصب: خبر لا، وعلى الأرض: متعلّق به، إذ يجوز تقديم المعمول على العامل في اسم الفاعل والمفعول، كما في الفعل دون الصفة المشبهة والمصدر إن لم يكونا نائبين عن الفعل، وأفعل التفضيل على الخلاف، ويجوز تقديم معمول أسماء الأفعال خلافًا للكسائي، فإنه أجاز فيه ما يجوز في الفعل من التقديم والتأخير. ونقل بعض النحاة هذا الخلاف عن الكوفيين.
والنّاهيةُ: بالرفع عطف على النافية، هذا أحد أوجهها، ولو قال: والطّلبية كما وقع في "الارتشاف" لكان أحسن ليشمل لـ (لا) الناهية والتي للدعاء.
تجزم المضارع، زعم صاحب "التسهيل" أنَّ (لا) التي تجزم المضارع هي (لا) التي لنفي الجنس، والجزم في الفعل بلام الأمر مضمرة قبلها، فَحُذِفت لكراهية اجتماعهما في اللفظ وزعم بعض النحاة أن أصلها لام الأمر زيدت عليها ألف، فانفتحت لأجلها، والحق أنها أصليَّة، والجزم في الفعل بها.
اعلم أن الفصل بينها وبين معمولها لا يجوز إلا بفعل نحو: لا اليوم تأكل طعامًا.
[ ١١٠ ]
وقيل: لا يجوز مطلقًا إلا لضرورة، ويجوز حذف الفعل بعد لا الطلبية إذا دل عليه دليل كقولك: اضرب زيدًا إن ساء وإلا فلا تضرب، لكن يحتاج ذلك إلى السماع، وإنما قال تجزم المضارع ليشمل نهي المخاطب نحو. ﴿لَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أي: لا تمنن بعبادتك مستكثرًا بها، والغائب نحو ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ والزائدة، وهي التي دخولها في الكلام كخروجها بالنسبة إلى النّفي، لأنها لا فائدة فيها أصلًا، لأنها تفيد توكيدًا ولا يعد عبثا.
لا يجوز ذلك في مثل كلام الفصحاء، لاسيما كلام الباري سبحانه، فتزاد قليلًا قبل أقسم، ومع واو العاطفة بعد النفي لفظًا نحو: ما جاءني زيدٌ ولا عمروٌ أو هو معنىً نحو: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وبعد أن المصدرية نحو: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ كما: أي جاء أن تسجد بدون (لا) في موضع آخر من القرآن، وشذت زيادتها مع المضاف، وبعد مِنْ والباء واللام، وتجيء (لا) أيضًا للعطف لكن المصنف لم يذكرها، إما بناءً على أنها داخلة في النّافية أو لقلة استعمالها.
-ما يأتي على أربعة أوجه-
النوع الرابع: ما يأتي على أربعة أوجه، وهو أربعة. الضمير عائد إلى ما، فتذكيره بحسب الظاهر.
لولا
أحدها: أي ما جاء على أربعة أوجه، فتأنيث الضمر باعتبار كون (ما) عبارة عن الكلمة. لولا.
[ ١١١ ]
اعلم أن لولا مركبة من (لو) و(لا)، ولو قيل: والتركيب يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، ولا للنفي الامتناعُ نفي في المعنى، والنفي إذا دخل على النفي صار إيجابًا فمن هنا صار معنى لولا هذه يمتنع بها الشيء لوجود غيره، كما في: لولا علي لهلك عمرو، وليست هذه هي التي للتخصيص لاختلاف معنى البابين، لأنها إذا كانت للتخصيص، تكون لارتباط الجملتين على معنى أن الثانية، امتنع مضمونها [لحصول] مضمون الأوّل.
فيقال فيها هي أي في لولا تارة حرف يقتضي، الجملة الفعلية: صفةُ حرفٍ امتنع جوابه لوجود شرطه، الضميران راجع إلى الحرف من غير تأويل. هذا موافق لما وُجد في أكثر كتب النحو، وأمّا ما ذكر في "التسهيل": امتناع جوابه لوجوب شرطه، فيكون مقابلًا لـ (لولا) الامتناعية بخلاف الأول، فإنه يعم.
وتختص لولا هذه بالجملة الاسمية المحذوفة الخبر، هذا الاختصاص، وكونها محذوفة الخبر على رأي من يقول: إن الاسم الواقع بعد لولا مرفوع بالابتداء كما مذهب البصريين.
وأما على [قول من] قال: إنه مرفوع بنفس لولا، وهو مذهب الفراء.
وفاعل فعل محذوف كما قال الكسائي، فليس كما ذكرنا، لأنها على كلا القولين لا تدخل على المبتدأ غالبًا، أي أكثريًا. هذا قيد لكونها محذوفة الخبر لا لتخصيصها بالجملة الاسمية، لأن دخولها على الجملة الاسمية واجب عند البصريين. وظاهر هذا القول يدل على أن مختار المصنف مذهب الرماني، والشجري، والشلويين، لأن عندهم لم يجب حذف الخبر مطلقًا، بل يجوز إظهاره إذا كان الخبر خاصًا، لأن سبب امتناع الثاني إن كان وجودًا للأول فحسب، فالحذف لازم، وإن كان أمرًا خاصًا صفة للأوّل زائدة على وجوده،
[ ١١٢ ]
فلابد من إثبات الخبر نحو: لولا زيد يدفع عدوّه لأهلكه، بخلاف سائر النحاة. فإن خبر لولا عندهم يحذف مطلقا لدلالتها على الخبر مع قيام جوابها موضعه، ولو ظهر ليُؤوِّل بأن يجعل الأمر الخاص حالًا، وعامله الخبر المحذوف، أي لولا زيد موجود دافعًا عدوه لأهلكه. والحق أن نظرًا للأول أدق، لأن هذا التقدير زائدة على قدر الضرورة، و[لمجيء] ما يتعين أن يكون خبرًا بعد لولا، كقوله -﵇-:
"لولا قومك حديث عهدهم، لأسست البيتَ على قواعد إبراهيم".
وقال أبو البقاء: هذا أي كون الخبر محذوفا إذا لم تقع بعدها إن، فإن وقعت أظهر الخبر لليس كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾.
نعم لو قيل: مراد المصنف من قوله: غالبًا، أن يقال: عند الأكثر لكان مذهبه مذهب الجمهور، كان غالبًا قيدًا لـ (الكلّ) لكن لا يكون حق العبارة هكذا فليتأمّل.
نحو: لولا زيد لأكرمتك. يعني وجود زيد يمنع إكرامي منك، فلولا هذه تحتاج إلى جواب بـ اللام، ولا يجوز حذفها من جوابها، لكن قد تُحذف مع الجواب، وإنّما لزم دخولها في جوابها لأنها غير عاملة بمنزلة (لو) فدخلت تأ كيدًا للربط.
وتارة حرف تحضيض أي: تحريض، يقال: حضه أي: حرّضه كذا في الجوهري. وعرض، بعد أحد الوجوه الأربعة، وإنَّما لم يقل تارة كما في السابق واللاحق إما لاشتراكهما في الاختصاص بالمستقبل أو للإشعار إلى قلة كونها للعرض. أي طلب بإزعاج أي: بعنف أو طلب برفق، وهذا ضدّ العنف، يقال: رَفُقَ بضمّ العين يرفَقُ بفتحها، وحكى أبو زيد: رفقته، وأرفقته بمعنى كذا في "الصحاح".
[ ١١٣ ]
قوله: أي طلب بإزعاج، تفسير لـ (لولا) التحضيضية.
وقوله: أو برفق، تفسير لـ (لولا) التي للعرض.
فإذا علمتَ ما [تلونا عليك] عرفت أن قوله: وعرض ليس عطف تفسيرٍ لتحضيض بل بيان أحد أوجهها كما قلنا.
فلولا هذه إذا دخلت على المستقبل يكون للتحضيض، وإذا دخلت على الماضي ولا تكون للتَّنديم والتوبيخ بل للعرض، فيكون الماضي في حكم الاستقبال. نصّ عليه الشيخ الرضي.
وقال بعض النحاة: إذا لم يكن في الماضي للتوبيخ، يكون للاستفهام أو للتحضيض أو للعرض، لكن الأكثر على ما قاله الشيخ الرضي.
فتختص. يقال خُصّت بالشيء خَصُوصًا وخَصُوصية، بفتح الخاء المعجمة والضم، لكن الأول أفصح، أي تختص لولا التي للتحضيض والعرض بالمضارع إذا كانت للتحضيض، أو ما هو في تأويل المضارع إذا كانت للعرض.
نحو ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾، مثال التحضيض.
و: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [مثال] للعرض، فتمَّ اللفُّ والنشرُ على الترتيب الذي وجهنا، فلو لم يكن مراد المصنف على ما قلنا لكان مخالفًا لجمهور النحاة وأهل المعاني ولَشوش الأمرَ في عدها مما جاء على أربعة أوجه، وجوّز بعض النحاة دخولَ لولا هذه الجملةَ الأسميةَ نحو: لولا زيد قائم.
وتارة حرف توبيخ أي: تهديد، فتختص بالماضي لفظًا ومعنى نحو ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ أي: هلا منعهم من الهلاك آلهتهم الذين يتقرّبون بهم إلى الله حيث قالوا: شفعاءَنا عند الله، وقيل: الإبهام لتحقير المقول، ويرشدك إليه أحد
[ ١١٤ ]
قوله في صدد الردّ. وقال الهروي: قد يكون للاستفهام. نحو ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. أي: هلا أخرتني.
و﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾. أي: هلا أنزل إليك ملك كما رأي أكثر المفسرين. قال الهَرَوي بفتح الهاء والراء المهملة: والظاهر: الواو إما زائدة لتأكيد اللصوق بين القول ومقوله، أو ابتدائية! أنّها في الأول أي في: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ للعرض، وفي الثاني أي في: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ للتحضيض.
فـ (لولا) لا تكون للاستفهام عنده.
وزاد الهروي معنىً آخر، وهو أن تكون نافية بمعنى لم. هذا التعبير موافق لما وقع في "التسهيل" حيث قال: وقد يلي الفعل (لولا) غيرُ مفهمة تحضيضًا فَتُؤول بلو لم. انتهى وما وقع في "الارتشاف" وقد تكون (لولا) نافية بمعنى (ما). قال شارح "الألفية":
فـ (لولا) هذه ليست بمركبة بل (لو) على حالها، و(لا) نافية للماضي.
وجعل الهروي منه كونها نافية ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ وجملة ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾ مفعول لجعل. وقوله: أي لم يكن قرية آمنت. تفسير لكونها بمعنى النفي، قوله: والظاهر أن المراد فهلا ردٌّ لما قال الهروي، وهو أي: كونها بمعنى هلا قول الأخفش
[ ١١٥ ]
والكسائي والفراء، ويؤيّده أي كونها في هذه الآية بمعنى هلا قراءة أُبيّ وعبد الله بن مسعود لأن القراءة يُسْتَدَلُّ ببعضها على بعض كالروايات.
فهلا في محل النصب على أنه مفعول للقراءة. ويلزم من ذلك، أي من كونها بمعنى هلا معنى النَّفي الذي ذكره الهروي، فيكون على بابها من التوبيخ لا خارجة عنها، واستدل على صحة مدّعاه بقوله:
لأن اقتران التوبيخ بالفعل الماضي يُشعر بانتفاء وقوعه، أي وقوع الفعل فلا يكون النفي موضوعًا لها، بل لازمًا للتوبيخ.
إنْ
قوله الثانية: مبتدأ، وإنْ في محل الرفع خبره، والمكسورة بالرفع صفتها والمخففة صفة بعد صفة لها، فيقال فيها: شرطية للاستقبال سواء دخلت على الماضي نحو: إنْ أكرمتني أكرمتك، يعني: إن وقع إكرامي منك في الاستقبال، وقع مني إكرامك فيه. فلهذا قال أكثر النحاة: إن أردت إبقاء معنى الماضي جعلت فعل الشرط لفظ كان أو على المستقبل نحو ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ بالجزم جزاء الشرط. وحكمها أن تجزمَ الفعلين، فعل الشرط والجواب، وهذا القول يشعر إلى تمهيد المقدمتين.
أحدهما أنَّ حقّ الشرط والجزاء أن يكونا فعلا، وإن جاز كون الجزاء مبتدأ وخبرًا.
والثاني: أن يكونا مجزومين، وإن جاز الرفع إذا كان الجزاء مضارعًا عند كون الشرط ماضيا.
اعلم أنّ الجزاء إذا كان مضارعًا أو في تأويل، لا تدخل عليه الفاء، وأما إذا كان
[ ١١٦ ]
أمرًا أو نهيًا أو ماضيًا صريحًا أو مبتدأ أو خبرًا، فلابد من الفاء، وقد يحذف في الشذوذ وإنّ (إنْ) هذه تستعمل في مشكوكِ الكونِ، وكذلك قبيح: إن احْمَرَّ البُسْرُ وأمّا إذا كان محقَّق الوقوع، غير معلوم الوقت، فيحسن استعمالها نحو: إن مات فلان.
ونافيةٌ بالرفع عطف على (شرطية)، فتدخل على الجملة الاسمية: [نحو] إن زيد قائم. والفعلية سواء كان الفعل مضارعًا نحو: إن يقم زيد، أو ماضيًا نحو قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ وقوله: من قال لا تكون إن نافية [إلَّا أن] يكون بعدها (إلا) فمردود. ويدل عليه بقول المصنف نحو: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي: ما عندكم، فـ (إن) داخلة على الجملة [الفعلية عند من قدر الفعل في الظرف، وعلى الجملة] الاسمية عند من قدّر المفرد، وأهل العالية يعملونها عمل ليس. قال في "المفصل": (إنْ النافية لا تعمل عمل ليس عند سيبويه، وأجازه المبرد) ونُقل عن "التسهيل" عكس ذلك نحو قول بعضهم: إن أحد خيرًا من أحد إلَّا بالعافية، فأحد بالرفع: اسم إِنْ، وخيرًا بالنصب خبرها، هذا عند البعض. وأمّا عند أكثر النُّحاة، أحد: مرفوع بالابتدائية، وخير بالرفع: خبره، وإن داخلة على الجملة الاسمية.
وقد اجتمعا، أي: الشرط والنافية في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
[ ١١٧ ]
فإنْ في (ولئن) للشرط، واللام لتوطئة القسم (لفظًا وتقديرًا، ولام توطئة القُسم) هي التي تدخل على الشرط بعد تقدّم القسم لفظًا أو تقديرًا تؤذن أن الجواب للقسم لا للشرط، وليست جواب القُسم، وإنما الجواب، ما يأتي بعد الشرط فإن قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ للنفي، والجملة المنفية تَسد مَسد الجوابين، أعني جواب الشرط [والقسم لكن حكم القسمِ غالب على الشرط فيكون جواب القسم. لفظًا وجواب الشرط] معنى، كذا في "شرح المفصل". ومن في أحد زائدة في غير الموجب، وأحد: فاعل أمسك.
ومخففة من الثقيلة في نحو: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾.
اللام الأولى لتوطئة القسم، والثاني للتأكيد، أو بالعكس. و(ما) زيدت بينهما للفصل على قراءة من خَفَّف (لما) في قراءة من خفف النون في إن، وهو ابن كثير ونافع، ولم يتعرض إلى التخفيف (لما) في هذه الآية لأن كُلًا منصوب، فعلم منه أن (إن) مخففة من الثقيلة، فعلى القراءتين لا يحتاج إلى الاستدلال باللام الفاصلة.
ويقال: إعمالها إعمال إنّ المشددة، (أي كإعمال إن المثقلة) في نصب الاسم ورفع الخبر كهذه القراءة، أي: قراءة التخفيف مع إعمالها، ومنعه الكوفيون.
لكنه مسموع عن العرب حكاه سيبويه والأخفش. ومن إهمالها نحو ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ على قراءة من خفف (لما).
[ ١١٨ ]
فإن لفظة كلُّ بضم، فيحتاج إلى الفارق، فعلى قراءة التخفيف تكون اللام فاصلة و(ما) مزيدة.
وأمّا [مَن] شدد (لما) فهي، أي: إنْ، عند، أي: عند من شدّد، وهو: ابن عامر وحمزة وعاصم. نافية، لأن لما المشددة التي بمعنى إلَّا تكون بعد النفي.
اعلم أنّ (إنْ) المخففة تُفَرّق من غيرها بدخول اللام [في خبرها] ويلزم تلك اللام عند ابن الحاجب، مع الإهمال للفرق، ومع الإعمال للطرد، وعند ابن مالك منع الالتباس. حيث لم يظهر الإعراب في أسمائها لكونها مبنيًا أو مُعْرَبًا بإعراب تقديري، وإنّ (إنْ) الشرطية لا تحتاج إلى اللام نحو: إن زيد لقائم، هذا عند البصريين. وبعض الكوفيين يقولون: إنَّ (إنْ) في مثل هذا المثال نافية، واللام بعدها بمعنى إلَّا فمعناه: إن زيد لقائم، ما زيد إلَّا قائم، وإن (إنْ) النافية يفرق بإلا التي للاستثناء، أو بـ (لما) المشددة التي بمعنى (إلا)، فإن لم توجد هذه الشروط يفرق بقرينة المقام.
وزائدة بعد (ما) المصدرية نحو: ما إن جلس القاضي، وبعد لما نحو: لمّا إن قام زيد قمت قليلًا، وألا الاستفتاحية، وما الكافة كثيرًا في نحو: ما إن زيد قائم. فما نافية، وإن زائدة لتأكيد النفي.
وكافة لـ (ما) الحجازية عن العمل، وذهب بعض الكوفيين إلى جواز النصب، وحكى يعقوب ذلك، ولما كانت (ما) زائدة في بعض المواضع، و(إنْ) كذلك أراد أن يبين قاعدة ليُعلم أنهما إذا اجتمعتا أيها زائدة فقال: وحيث اجتمعت (ما) و(إن) فإن تقدمت (ما) على (إن) فهي أي: الـ (ما) المكفوفة نافية، وان زائدة وكافة، هذا عند أكثر النُّحاة، وأما عند رأي الأخفش: (إنْ) تأكيد لفظي ترادف لـ (ما) النافية تحاميًا عن شائبة [التكرار] نصّ عليه في بعض حواشي "تفسير القاضي" ونقل العلامة هذا القول عن الفراء.
[ ١١٩ ]
وإن تقدّمت (إن) على (ما) فهي شرطية، أي: شرطية، وما زائدة مؤكدّة نحو: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ أصله: إن ما، فإنْ حرف شرط، وما زائدة للتأكيد، أدغمت النون في الميم بعد قلبها ميما، ثم فُتِحت لدفع الالتباس بـ (إمّا) العاطفة مكسورة في المشهور، إن حُكِيَ عن قُطرب فتح همزتها، فصار إمّا.
وكذا عُدت زائدة في مثل: إنما زيد قائم، لكن الأوْلى أن [لا] تحكم بزيادتها. وتزاد أيضًا بعد إذا ومتى وأنى وأين وكيفما وإذما. إلَّا على قول من قال باسميتها، وبعد بعض حروف الجارة، وهي [الباء] من وعن والكاف، ويجوز زيادتها بعد لام التعليل ولام الفاصلة، وبين غير ومثل ومضافهما بالندرة.
وتزاد لتأكيد النكرة في شياعها كقولك: جئتُ لأمر ما.
أنْ
والثالثة: أن المفتوحة الخفيفة، وهي بفتح الهمزة وسكون النون، ثنائي الوضع فيقال فيها: حرف مصدري يؤول مع مدخولها بالمصدر، فلهذا وقعت مبتدأً وخبرًا تنصب المضارع، وتخلصه للاستقبال، مثلًا إذا قلت: أنْ تأتِني خيرٌ لك، لم تقصد إلا إتيانًا يقع في زمان الاستقبال. نصّ عليه الشيخ عبد القاهر الجرجاني في "شرح المائة". في نحو: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ وبعض العرب يرفع الفعلَ بعدها. فلهذا رُوي عن مجاهد رفع
[ ١٢٠ ]
(يتمُّ) في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
اعلم أنّ (أنْ) المصدرية تدخل على الجملة الفعلية، فتجعلها في تأويل المصدر، سواء كان الفعل مضارعًا أو ماضيًا، فلهذا ذكر المصنف مثالين.
ونحو: أعجبني أنْ صُمْتَ، أي: صيامُكَ.
وزائدة في نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾.
قال الجوهري: أنْ هنا مفسرة، وكذا حيث وقعت بعد لمَا، فإنها تُحذف كثيرًا بعد لمْا، وبين (لو) والقسم نحو: والله أنْ لو قام زيد قمت، وقليلًا مع الكاف [نحو]:
كأن ظبية تَعْطُو إلَى الناضر السَّلَمْ [الطويل].
على تقدير رواية الجر في ظبية، وأنْ هذه لا تعمل عند الجمهور خلافًا للأخفش.
واستدل بالسماع كقوله ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وبالقياس على حروف الجر، ولا حجة في ذلك لكونها في الآية مصدرية، ولكون الفرق بينها وبين حرف الجر، أنّ اختصاصه باقٍ مع الزيادة بخلاف أنْ، فإنها قد وليها الاسم. ومفسرة في نحو: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾، فجملة: أنِ اصْنَع الفُلكَ: تفسير الوحي، وكذا حيث وقعت بعد جملة فيها معنى القول دون حرفه، أي غير حرف القول فأن المفسرة لا تقع بعد القول إلَّا إذا كان مؤولا.
[ ١٢١ ]
دان يَدُون دُونًا بالضم: صار خسيسًا، وبالفتح مجتمع الصحف والكتاب الذي يكتب بها أهل الجيش، والجمع دواوين، والدون بالضم: نقيض فوق فيكون ظرفًا، وبمعنى أمام ووراء وفوق ضد تحت، وبمعنى غير، وتدخل على دون: مِن والباء قليلًا، كذا في القاموس.
قال مولانا سعد الدين في "شرح التلخيص": دون في الأصل: أدنى مكانًا من الشيء.
يقال: هذا دون ذلك إذا كان أحط منه قليلًا، ثم استعير للتفاوت في الأحوال والترتيب مثل: زيد دون عمرو في الشّرف. ثم اتبع فيه ما استعمل في كل تجاوز حد إلى حد، وتخطي حكم إلى حكم. وقوله في الأصل: ناضر إلى كونها نقيض فوق.
ولم يقترن عطف على وقعت بخافض، وإنما قيد بِهِ لأنها إذا قرنت خرجت من كونها مفسرة ستعرف، وليس منها. أي: وليس من (أنْ) التفسيرية في قوله تعالى: ﴿آخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأن المتقدّم عليها، أي على أنْ، غير جملة، لأنه مبتدأ لا خبر معه، فتكون أنْ مخفّفة من الثقيلة، واسمها محذوف، وهو ضمير الشأن، إذ لا يجوز أن تكون مصدرية، لأنها لا تدخل على الجملة الاسمية.
قال أبو سعيد السيرافي: إن التي تكون مفسرة تحتاج إلى ثلاثة أشياء:
أولها: أن يكون في الفعل الذي تفسره معنى القول، وليس بقول.
والثاني: أنّه لا يتصل به شيء من صلة الفعل الذي تفسره لأنه إذا اتّصل بـ شيء من صلة الفعل صار من جملة، ولم يكن تفسيرًا له.
[ ١٢٢ ]
والثالث: أن يكون ما قبلها كلامًا تامًّا، وما بعدها جملة تُفَسر جملة ما قبلها.
ولا نحو: كتبتُ إليه بأنِ افعل كذا؛ أي لا تكون أنْ مفسرة، لدخول الخافض عليها، فيكون من جملة صلة الفعل، فلا يكون تفسيرًا له، فإن أمّا مخففة من أن، واسمها محذوف وهو ضمير الشأن، أو مصدرية، وعلى التقديرين تكون الباء متعلقًا بكتبت، فيكون مدخوله مفعولًا غير صريح له.
وقول بعض العلماء في: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾.
فـ (قول): مبتدأ، ومفعول جملة (أنها مفسرة)، أي في أنِ اعبُدُوا الله مفسرة، وخبره إنْ حُمِل على أنها مفسرة لأمرتني دون قلت مُنِعَ: مبني للمفعول جزاء الشرط. منه الضمير راجع إلى مصدر فعل الشرط، أي من هذا الحمل لأنه لا يصح.
يقلل المنع: أن يكون أن اعبدوا الله ربي وربكم مقولا، خبر كان، لله تعالى، لأن الأمر مسند إليه، فلا يصح أن يقول: أنِ اعبدُوا الله ربي وربكم وهو ظاهر. أو على أنّها مفسرة لقلت أي: وإن حمل على أنها مفسرة لقلت فجملة.
فحروف القول جزاء الشرط، وإنَّما دخل عليه الفاء لكونه جملة اسمية، تأباه لما عرفت أنّ أنْ لا تكون مفسرة بعد القول، على أنه يجوز أن يحكى القول من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير، بأن يقول: ما قلتُ إلا اعبدوا الله ربي وربكم، وإنما قال: تأباه إشارة إلى أنه يجوز بالتأويل، وجوزه أي جوز كونها مفسِّرة الزمخشري إن أوّل قلت بأمرت. فكان المعنى: ما أمرت لهم إلَّا ما أمرتني به أن اعبدوا الله فتكون أن مفسرة لعدم وقوعها في الحقيقة بعد القول؟ وجوّز مصدريتها، أي جوز الزمخشري في هذه الآية كونها:
[ ١٢٣ ]
حرفًا مصدريًا، على أن المصدرية وهي العبادة التي هي حاصلة، أن اعبدوا الله: عطف بيان للهاء في به لا بدل لأنّ تقدير إسقاط الضمر يجعله مبدلًا منه يخلي الصلة، وهي جملة أمرتني، من ضمير، لأنّ المُبْدَل منه في حكم السقوط لأنّه غير مقصود، وذلك لا يجوز. والصواب العكس، أي عكس ما قال الزمخشري، وهو تصوير البدليه وتضعيف البيانية، لأن البيان كالصفة فلا يتبع الضمير.
هذا اختيار ابن مالك، لكن الحق أن الضمير الغائب غير ضمير الشأن يُعطف عليه بيان، نصّ عليه شارح اللبّ.
والعائد المقدر (يجوز حذفه)، هذا جواب عما قال الزمخشري، وهي إخلاء الصلة عن الضمير. موجود لا معدوم، فلا يلزم بقاء الصلة بلا ضمير، ولهذا جوّز البيضاوي الوجهين حيث قال: أنِ اعبد الله: عطف بيان للضمير في به، أو بدل منه انتهى وفي تفسير المصنف قصور لا يخفى على ذي مُسْكة، لأنّ النحاة فسّروا المحذوف بقولهم: هو الذي يقدره وجوده، بل الوجه أن يقال: ليس المراد من كون المبدل منه مقصودًا إهداره وإخراجه بالكلية، بل إيذان منهم باستقلال البدل بنفسه فلا يكون في حكم السقوط حتى يلزم إخلاء الصلة عن الضمير.
ولا يصحّ أن تبدل أن مع ما يتصل به إذا كانت مصدرية من (ما) في أمرتني لأن العبادة التي هي حاصل أن اعبدوا الله.
لا يعمل فيها فعل القول، لأن معمول القول لا يكون إلَّا جملة، وإضافة الفعل إلى القول بيانية يدل عليه قوله: وهو قلت.
[ ١٢٤ ]
هذا على رأي مَنْ قال: إن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه لا غير، وأمّا على من جوز في عامل البدل كونه من جنس عامل المبدل منه، فلا محذور لجواز أن يكون العامل في العبادة هو أمر الذّي من جنس القول.
نعم إعلام المقدر، وتصديق لما في النفس، وهو هل يجوز كونها بدلًا فصدّقه قال: نعم يجوز، إن أوَّلَ قلْت بأمرتُ لزوال المحذور وهو أنْ العبادة لا تصحّ أن تكون معمولًا للقول. ولا يمتنع في: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي﴾ أن تكون مفسرة، وجملة أن يكون مفسرة، فاعل يمنع.
مثلها، أي مثل هذه الآية أن تكون أن مفسرة، فمثل مبتدأ، وخبره: في ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ وإنما أوردها مع أن الكلام تقدم فيها إعلامًا على أن المانع يمنعُ كونها مفسرة في هذه الآية أيضًا، فقال: خلافًا لمن منع ذلك، أي كونها مفسرة.
والمانع هو الرّازي حيث قال: فالوحي هنا الإلهام بالاتفاق، وليس في الإلهام معنى القول، وإنما هي مصدرية [وذكر أبو البقاء أنها مصدرية] في الآيتين وتعليل مدعاه، وهو أن تكون أن مفسرة في الآيتين بقوله:
لأن الإلهام في معنى القول إشعار بأن إنكاره في مثابة إنكاره البديهي، لأن المشاجرة بين الخصمين لا تكون إلَّا في كون الإلهام بمعنى القول.
ومخفّفة من الثقيلة.
[ ١٢٥ ]
اعلم أنَّ (أنْ) تعمل في ضمير الشأن المقدر على سبيل الوجوب، وشذّ في غيره، وإن حكى بعض أهل اللغة في الضمير سعة مطلقًا، وجوّز بعض شيوخ المغاربة إعمالها من المُظْهَرِ مطلقا من غير ضعف، وبعضهم في الشعر على ضعف ضرورةً.
وعند سيبويه يجوز أن يكون ملغى لفظًا أو تقديرا، فتكون حرفًا مصدريا لا تعمل بشيء. في نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾، فأنْ هنا مخففة، واسمها ضمير الشأن محذوفًا، وإنما قلنا مخففة لأنها للتحقيق، فيناسب العلم، بخلاف (أنْ) المصدرية فإنّها للطّمع والرّجاء، ومن هنا يُعلم أن (أنْ) كلّما وقعت بعد العِلْمِ تكون مخففة، وبعد الظن يحتمل الوجهين، ولهذا قيدَ ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ بقوله في قراءة الرفع، لأن الحسبان يجوز أن يكون بمعنى العلم، فتكون أنْ مخففة، وبمعنى الشك والظن، فتكون مصدريه.
وكذا أي: تكون أن مخففة كما في علم أن سيكون، حيث وقعت بعد علم أو ظن نزل منزلة العلم.
والحاصل أنَّ (أنْ) إذا وقعت بعد ظن تستعمل في معنى العلم تكون مخففة جزمًا وإذا وقعت بعد ظن تستعمل في معناه الحقيقي.
يجوز الوجهان لأن الظن باعتبار [رجحان الفعل شابه العلم وباعتبار] احتمال النقيض كان مخالفا للعلم. فالحق:
سائر الأفعال التي تقع بعدها مصدرية.
[ ١٢٦ ]
اعلم أن (أنْ) المخففة تدخل على الجمل الاسمية نحو:
أنْ هَالِك كُلُّ مَنْ يَحْفَى [ويَنتعِلُ] [البسيط]
وعلى الجملة الفعلية الشرطية كقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾.
وعلى الفعل غير المتصرف نحو: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
ولا يحتاج إلى الفارق لأنّ (أنْ) المصدرية لا تدخل عليها، وتدخل على الفعل المتصرف، فيلزمها [السين] نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ أو سوف كقول الشاعر:
واعْلَمْ -فَعِلْمُ المرءِ يَنْفَعُهُ- أنْ سوفَ يَأتي كل ما قُدِرا [السريع]
أو قد نحو: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ولزوم هذه الأمور الثلاثة للفرق بين المخففة والمصدرية، وليكون عوضًا من النون المحذوفة.
أو حرف النفي نحو: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾.
وليس لزوم حرف النفي إلَّا ليكون عوضًا عن النون، فإنَّه لا يجيء لمجرّد الفرق، لأنّه يجتمع مع كل واحد منهما فالفارق بينهما إمّا [من] حيث المعنى، لأنّه عنى به الاستقبال، فهي المخففة، وإلا فهي المصدرية، وإما من حيث اللَّفظُ، لأنَّه إن كان الفعل المنفي منصوبًا فهي المصدرية، وإلا فهي المخففة.
[ ١٢٧ ]
كذا ذُكر في بعض شروح الكافية
لكنّ الحق عندي أن يكون الفرق بمعونة المقام، لأن ما ذكره من الفرق المعنوي ليس بفرق لما عرفت فيما سبق، أنَّ (أنْ) المصدرية إذا دخلت على المضارع تخلصه للاستقبال. وكذا الفرق اللفظي، لأن الإعجام يترك كثيرًا، والسماع غير ممكن في الجميع.
"مَنْ"
والرابعة (مَنْ) فتكون شرطية تجزم الفعلين، في نحو ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ مَنْ: حرف شرط، فيعمل: فعل الشرط، ويُجْزَ بِهِ: جزاء الشرط، وهما مجزومان بِمَنْ. اعلم أن (مَنْ) في المجازاة لا تكون إلا مبتدأً غير واقع عليها العامل، إلَّا أن يكون العامل حرف جر في صلة حرف الشرط، أو اسمًا مضافًا قد عمل فيه حرف الشرط، أو مبتدأ مضافًا، فإن وقع عليها العامل قبلها من غير ما ذكرنا، بطلت المجازاة، وصارت بمعنى الذي.
وتكون موصولة، وهي اسم بالاتفاق، وتختص بأولي العلم غالبًا، وقد تستعمل في غيره كما في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾، فيكون بلفظ واحد في المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، وذِكْرُ لفظه، والحمل عليه كثير، وقد يُحمل على المعنى. في نحو ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ فَمَنْ: موصول، والجملة الفعلية وهي: (يقول) صلة، والعائد الضمير المستتر.
[ ١٢٨ ]
وتكون استفهامية، فيطلب بها العارض المشخص لذي العلم هذا هو المشهور، وقال صاحب "المفتاح" للسؤال عن الجنس مَن، أي ذوى العلم في نحو: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾؟
ومَنْ هنا استفهامية على تقدير قراءة (بَعَثَنَا) فعلا، وأمّا إذا قرئ مصدرًا فتكون (مِنْ) جارّة.
ونكرة موصوفة بصفة تليها في نحو: مررت بِمَن مُعجِب لك، فمن موصوفة، ومعجب بالكسر: صفتها، ويجوز رفعه على تقدير: هو معجب، والجملة صفة من و(لك): متعلّق بمعجب أو بإنسان تفسيرٌ بمن الذي بني عن الإنسان ولما كانت مَنْ نكرة فسرت بالنكرة، وأجاز أبو علي الفارسي والفراء؛ أن تقع نكرة تامة، أي لا تحتاج إلى صلة قيد، فسره بكونها نكرة لأن (مَنْ) التامة معرفة إلَّا في فعل التعجب، فإنها نكرة فيه، وأمّا (مَنْ) التامة فمعرفة وحمل أبو علي عليه، أي على كونها نكرة تامهّ قوله، أي: قول الشاعر:
ونِعْمَ مَن هُوَ في سرٍّ وإعْلَان [البسيط]
فَمَنْ فاعل نعم، وهو مخصوص له، أي نعم شخصًا هو.
هذا التفسير على رأي أبي علي، وأما عند سيبويه تقديره: نعم الشخص شخصًا هو، وإنّما فسرنا بذلك لأنَّ فاعل نِعْمَ إمّا معرف بلام العهد أو الجنس، على اختلاف القولين أو
[ ١٢٩ ]
مضاف إلى المعرف، أو المضاف إليه مُظهرًا أو مُضمرًا، مُميزًا بنكرة معنوية، فلما كانت مَنْ نكرة لا يصلح الفاعل مميزا له، وهو الشخص. والمصنف لم يتعرض إلي قول أبي علي بالرد، وهو دليل [قبوله فشوّش] عدها مما جاء على أربعة أوجه.
اللهم إلا أن يجعل كونها نكرة أعم من كونها تامة كما هو عند أبي علي الفارسي. أو موصوفة كما هو عند الكل، وإن كان استعمالها مغايرًا.
النوع الخامس: ما يأتي على خمسة أوجه وهو: الضمير (إمّا عائد) إلى ما أو إلى النوع [وهو] شيئان أحدهما أي: أحد الشيئين.
"أيٌّ"
أي وهي تستعمل لذي العقل وغيره، فتقع، الفاء: تفسيريه، أو لربط الجزاء كما مر غير مرة. شرطية بالنصب [مفعول] يقع نحو: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ فأي: اسم شرط منصوب بقضيت.
وما زائدة مؤكدة، وقيل: نكرة، والأجلين: بدل منها، وفلا عدوان: جوابها.
واستفهامية: عطف على شرطية، أي فتقع استفهامية نحو ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ فأي: مبتدأ مضاف إلى الضمير، وزادته: خبره، ويجوز أن تكون بالنصب على شرطية التفسير.
[ ١٣٠ ]
وزاد قد يجيء لازمًا، يقال: زاد الشيءُ. وقد يتعدّى إلى مفعولين كما في هذه الآية، فالضمير المتصل: مفعوله الأول، وهذه: فاعله. وإيمانًا: مفعوله الثاني. وموصولة خلافًا لثعلب، فإن في زعمه لا تكون (أي) موصولة، وقال بعض النُّحاة، وهو أحمد بن يحيى: إنها لا تستعمل إلا شرطًا واستفهامًا، وهما محجوج عليهما لثبوتها في لسان العرب نحو ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ فأي: موصول مبني على الضم لكون صدر صلتها محذوفًا. والمصنف أشار إليه وفسَّر بقوله: أي الذي هو أشَدَّ. وقرأه طلحة بن مُصرف ومعاذ بن مسلم الهراء، وهو أستاذ الفرّاء بالنصب.
قاله سيبويه أي: قال سيبويه: كونها موصولة ومبنية على الضم، ومن تابعه من النحويين قال: عطف على (ما) من رأي أنّ الموصول لا يبنى وهو الخليل والكوفيون هي (أيّ) هاهنا استفهامية مبتدأ، وأشدّ خبره، فتكون عندهم حركتها إعرابية، فقالوا: إنَّ (أيّ) في الآية استفهامية مبتدأ وخبره أشد، ومن كل شيعة مفعول لننزعن والجملة محكية على أنها صفة (شيعة) على إضمار القول، أي: كل شيعة مقول في حقهم: أيُّهم أشدّ.
وضعّفه سيبويه حيث قال: لو جاز اضرب أيهم أفضل على الحكاية بإضمار القول، كما أجازه الخليل لجاز اضرب الفاسق الخبيث، وعلى معنى اضرب الذي يقال له: الفاسق الخبيث.
[ ١٣١ ]
ودالّة: عطف على شرطية أو على معطوفها على اختلاف القولين.
على معنى الكمال، وهي من جملة وجوهها هاهنا. فتقع، الفاء: لربط الجزاء إلى الشرط المحذوف: تقديره: إذا وقعت دابة فتقع صفة لنكرة المذكورة غالبًا نحو: هذا رجل أي رجل، فرجل نكرة موصوفة بـ (أي).
اعلم أن (أيَّ) إن أضيفت إلى مشتق من صفة يمكن المدح بها، كانت للمدح بالوصف الذي اشتق منه الاسم الذي أضيفت إليه، كما إذا قلت: مررت بعالم أي عالم، فقد أثنيت عليه بالعالمية، إن أضيفت إلى غير المشتق فهي للثناء عليه بكل وصف يمكن أن يثنى عليه، ففي مثال المصنف أثنيت عليه ثناءً عامًّا بكل ما يمدح الرجل به، أي: هذا رجل كامل في صفات الرِّجال.
وحالا: عطف على صفة لمعرفةٍ لأن صاحب الحال لا يكون إلَّا معرفةً ولهذا تعين أن يكون في الأول صفةً، وفي الثاني حالًا.
كمررت بعبد الله أي رجل، أي حال كونه كاملا في صفات الرجال، وهذا ليس قسمًا مستقلا.
بل عائد إلى معنى الكمال، والمصنف لم يفسره كما فسّره فيما قبله اكتفاءً به، وإلَّا لَشوشَ كلامُ المصنف في عدها على ما جاء على خمسة أوجه، وسائر النحاة لم يذكر كونها دالة على معنى الكمال، بل قصروا على الوجوه الأربعة بناءً على أنه مندرج في الاستفهام.
ووُصلةً بالنصب: عطف على قوله: دالة وشرطية، على اختلاف القولين إلى نداء ما فيه أل، وظاهر هذا التعبير يُشعر أن مذهبه كمذهب الخليل في حرف التعريف، وهو أنه ثنائي، [وهمزة الله] همزة قطع وُصلِت لكثرة استعماله.
[ ١٣٢ ]
قال شارح الألفية: ولا يحسُنُ على هذا المذهب إلَّا التعبير بـ أل نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾.
فأيّ: اسم مفردٌ مبهم معرف بالنداء مبني على الضم. وها: حرف تنبيه عوض مما كانت (أيُّ) تضاف إليه.
والإنسانُ بالرفع: صفة أي. فعبارة المصنف تُؤذن أن أيّ لا تكون موصوفة إلا في حالة النداء، كما ذكر أكثر النحويين.
وللأخفش فيه خلاف، فإنه أجاز كونها موصوفة مطلقًا كما: مررت بأيٍّ معجب لك نصّ عليه في شرح الرضي.
واعلم أنَّ (أيا) هي لازمة الإضافة، فإذا كانت موصولة تضاف إلى المعرفة، وإن جوّز بعضهم إضافتها إلى النكرة، وإذا كانت دالة على الكمال تضاف [إلى النكرة] وإذا كانت شرطية أو استفهامية جازت إضافتها إلى المعرفة والنكرة. كذا في شرح الألفية.
واعلم أيضًا أن (أيا) معربة في الاستفهام والجزاء، ومبنية في الصفة، ومنقسمة في الصلة. وإن كانت صلتها تامة فالإعراب، وإن كانت محذوفةَ الصدرِ فالبناء أفصح.
وقد مر بعض البحث المتعلق بأي في المسألة الثانية في قوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى. . .﴾، فليعد إليه ثانيًا.
"لو"
الثانية: لو [لها وجوه خمسة] آثر التذكير في الأول، والتأنيث في الثاني، مع جواز التذكير والتأنيث في الحرف إشعارًا إلى اسمية الأول وحرفية الثاني.
وأحد أوجهها أن يكون حرف شرط في الماضي. سواء كان دخل على الماضي أو المضارع وهذا هو أغلب أقسامها على رأي البعض، وإنما قلنا هكذا لأن بعض النحويين لا يطلقون عليها
[ ١٣٣ ]
حرف الشرط. ويقولون: الشرط إنَّما يكون في المستقبل، وذهب الشلوبين إلى أنها لمجرد الربط، وقال بعضهم: إنها كما تأتي للربط تأتي للقطع.
فيقال فيها أي في (لو) إذا كانت للشرط: حرف يقتضي امتناع ما يليه، وهو فعل الشرط واستلزامه [أي استلزام] فعل الشرط لتاليه، وهو فعل الجزاء.
وهذا التعريف مأخوذ من ابن مالك، حيث قال في "شرح الكافية": إنه يقتضي امتناع فعل الشرط، واستلزام ثبوته لثبوت الجواب، وإنما عرف بهذا، ولم يعرف بامتناع لامتناع، بناءً أنّ هذا لا يجري في بعض الصور على ما سيأتي في نحو: لو لم يخفِ الله لم يَعْصِهِ، فأراد التعريف على وجه يعم الجميع نحو ﴿لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾. فلو هنا شرطية دالة على أمرين أحدهما أنَّ مشيئة الله تعالى لرفع هذا المُنْسَلِخ، بكسر اللّام أي المُعْرِض المكذب عن آيات الله.
منتفية، ويلزم من هذا أي من دلالة (لو) على انتفاء المشيئة لرفعه، أن يكون رفعه منفيًا لأن انتفاء الرفع لازم، وانتفاء المشيئة ملزوم، إذ لا سبب لرفعه إلَّا المشيئة وقد انتفت والسببية منحصرة فيلزم من انتفائها انتفاء المسبب وهو الرفع، وهذا، أي المذكور وهو: لو شئنا لرفعناه بخلاف: نِعْمَ العبدُ صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، فإنه لا يلزم من انتفاء لو لم يخف الله الذي هو سبب الشرط انتفاء لم يعص الذي هو الجواب حتى يكون، معنى الكلام أنّ صهيبًا قد خاف وعصى.
على أنّ حَمْلَ الحديث على هذا المعنى غير مستقيم، لأنّه منوط بالمدح.
[ ١٣٤ ]
وذلك أي بيان أنه لا يلزم من انتفاء لم ينجس انتفاء لم يعص، لأن انتفاء العصيان له سببان: أحدهما: خوف العقاب فعلى هذا التقدير يكون رفع خوف العقاب بالخبرية، ويجوز رفعه بالبدلية من (سببان). وهو أي: عدم العصيان من خوف العقاب طريق العوام، لأن طاعتهم وعدم عصيانهم للخوف.
والإجلال إما بالرفع عطف على خوف، أو بالجر عطف على العقاب، والإعظام عطف على الإجلال. وهو أي عدم العصيان من خوف الإجلال والإعظام طريق الخواص لأن طاعتهم وعدم عصيانهم لأجل الإجلال والرغبة.
والمراد أنَّ صهيبا من هذا القسم، أي من قسم الخواص، وأنه لو قدّر خُلُوّه من الخوف لم تقع منه معصية، فكيف تقع المعصية والخوف حاصل له.
والضمائر البارزات راجعة إلى صهيب. ولم يذكر المصنف كون هذا القول في حق صهيب حديثا. كما قال الفاضل التفتازاني في باب المسند إليه، وابن الحاجب في "الإيضاح"، أو قول عمر كما قال العلامة الزمخشري في تفسير سورة ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ بناءً على ما ذكره القاضي بهاء الدين: إنه لم يقف على أنه حديث أو قول عمر.
ومن هنا، أي لأجل كون جواب (لو) لا يكون منتفيًا إلا إذا كان له سبب واحد، تبين فساد قول المعربين أن (لو): حرف امتناع لامتناع. التنوين عوض عن المضاف إليه أي: امتناع الثاني لامتناع الأول، وهو المعنى المشهور عند النحويين.
[ ١٣٥ ]
والصّواب: الأحسن أن يقال: (الأولى تعريفهم) بامتناع الثاني لامتناع الأول مبني على أكثر استعمالها، أنها لا تعرض لها إلى امتناع الجواب ولا إلى ثبوته، أي لا يُتَعَرّض بلو إلى نفي الجواب، ولا إلى وجوده.
قال ابن مالك: ليس فيها تعرّض لوقوع الجواب وعدمه، [إلا أن الأكثر عدمه].
وإنَّما حصل لها تعرض لامتناع الشرط: [أي] لنفيه، فإن لم يكن للجواب أي للجزاء، من سبب سوى ذلك الشرط الذي دخلت عليه (لو) لزمَ من انتفائه انتفاؤه بالرفع فاعل لزم من انتفاء الشرط انتفاء الجواب نحو: لو كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود.
فإنّ سبب وجود النهار لا يكون إلا طلوع الشمس. فيلزم من انتفائها انتفاء النهار. وإن كان له أي: للجواب، سبب آخر غير ما جعل شرطًا لها، لم يلزم من انتفائه، أي من انتفاء الشرط، انتفاء الجواب ولا ثبوته، نحو: لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجودًا فلا يلزم من انتفاء طلوع الشمس انتفاء الضوء، لأن الضوء كما يحصل من الشمس يحصل من غيرها من النار والكواكب.
ومنه: أي ومما كثرت أسبابه لو لم يخف الله لم يعصه كما عرفت فيما تقدم.
اعلم أن لو إذا كانت للشرط لها استعمالات ثلاثة:
أحدها: امتناع الثاني لامتناع الأول وهو المشهور.
والثاني: أن يكون للدلالة على لزوم وجود الجزاء دائمًا في قصد المتكلم حين كون الشرط مستبعدًا لاستلزام ذلك الجزاء، وكون نقيض ذلك الشرط أنسب باستلزام ذلك الجزاء،
[ ١٣٦ ]
فيستمر وجود الجزاء سواء وُجد الشرطُ أو فُقِد وسواء كانا مثبتين نحو: لو شتمتني لأثنيت عليك، ومن هذا القبيل قول علي - ﵁ -: لو كُشفَ الغطاءُ عني ما ازددت يقينًا. ذكرهُ في شرط المفتاح.
أو منفيين كما: لو لم يخف الله لم يعصه.
أو مختلفين نحو ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ ويستعمل في هذا المعنى لولا نحو: لولا أكرمتك لأثنيتك.
والثالث: في مقام الاستدلال للدّلالة على أنّ العلم بانتفاء الثاني علة للعلم بانتفاء الأول من غير نظر إلى أن علة [انتفاء] الثاني في الخارج ما هي، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ومن هذا عرّف ابن الحاجب بامتناع الأول لامتناع الثاني، وخطأ عكسه المشهور، ولم يدر أن هذا معنى قصد إليه مقام الاستدلال، كذا قالوا.
الأمر الثاني مما دلّت عليه (لو) في المثال المذكور، وهو قوله تعالى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ﴾ أن ثبوت المشيئة لرفعه مستلزم لثبوت الرفع، فثبوت المشيئة ملزوم، وثبوت الرفع لازم، والملازمة من السببية.
والمصنف أشار إليه بقوله: ضرورة أنّ المشيئة لرفعه سبب، والرفع مسبب، وهذان المعنيان المستفادان من الدّلالة الثبوتية والسلبية قد تضمنتهما العبارة المذكورة، أي اشتملت العبارة المذكورة عليهما وهي قوله: حرف يقتضي امتناع ما يليه، واستلزامه لتاليه. والثاني من وجوه استعمال لو: أن يكون حرف شرط في المستقبل، وهو مذهب الفراء.
[ ١٣٧ ]
فيقال فيها: حرف شرط مرادف لـ (إن) في هذا الوجه، إلا أنها لا تجزم، إلا في ضرورة الشعر في بعض اللغة، فتكون للاستقبال سواء دخلت على الماضي، كقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾، أي إن تركوا، أو على المضارع نحو قول الشاعر:
وَلَوْ تَلتقي أصدَاؤنا بَعْدَ مَوتنا [الطويل]
الأصداء جمع الصدى، الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها، أي أن تلتقي أصواتنا بعد موتنا لكان كذا.
اعلم أن النحاة قالوا: إنّ (لو) هذه لا يليها إلا فعل أو معمول فعل مضمر يفسره فعل ظاهر بعد الاسم.
وقال ابن عصفور: لا يليها فعل مضمر إلا في الضرورة أو بالندرة، والظاهر أنه ليس كذلك لوقوعه في أفصح الكلام كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾.
الثالث: أن تكون (لو) حرفًا مصدريًا مرادفة لأن المصدرية، وهو مذهب الفراء وأبي علي الفارسي، وأبي البقاء، والتبريزي، وتبعهم ابن مالك والمصنف، فإن (لو) عندهم قد تكون مصدرية، فلا تحتاج إلى الجواب كما عرفت.
إلا أنها لا تنصب. كما أنّ (لو) مرادف (أن) لا يجزم، ولم يجزم هنا خلافًا كالجاري في جزمها.
وأكثر وقوع لو إذا كانت مصدرية بعد ودّ نحو ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾. فلو هنا
[ ١٣٨ ]
مصدرية تقديرها: ودّوا أن تدهن، أي: الإدهان. أو يودِّ نحو: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾. أي: التعمير، وعلامتها أن يصلح في موضعها (أن) كذا في شرح الألفية، والمصنّف أورد مثالين إشعارًا إلى وقوعها بعد ماضي (ودّ) ومضارعه، وقيَّد بالأكثر [إشعارًا لجواز] وقوعها في غيره قليلًا كما سيجيء في ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾.
وأكثر النُّحاة لا يثبتون هذا القسم، ويخرّج الآية ونحوها ممَّا يدل ظاهرًا على أنها حرف مصدري على حذف مفعول الفعل الذي هو المذكور قبلها، والجواب بعدها، أي حذف الجواب بعد لو والمصنف فسّر تقدير الكلام بقوله أي: يودّ أحدهم التعمير لو يعمّر لسرّه ذلك، أي: التعمير.
الرابع من وجوه استعمالها أن تكون للتمنّي عند أكثر النُّحاة، ومنهم الزمخشري، وهو مذهب سيبويه، ووافقه أهل التحقيق في صناعة المعاني، لكن هل هي قسم برأسه أو راجعة إلى قسم آخر، فذهب ابن الصَّائغ وابن هشام الخضراوي إلى أنَّه قسم برأسه، فلا يجاب بجواب الامتناعيَّة وغيرها إلى أنَّها امتناعية أُشربت معنى التمنّي. قيل هو الصَّحيح، وقد جاء جوابها (باللَّام بعد جوابها) بالفاء، كذا ذكره شارح الألفية.
وذهب ابن مالك إلى أنها مصدرية أغنت عن التمنّي حيث قال في "التسهيل" بعد ذكر لو المصدرية: وتغني عن التمنّي لكونها لا تقع غالبًا إلَّا بعد مُفهم تَمَنٍّ، فينصب بعدها الفعل
[ ١٣٩ ]
مقرونًا بالفاء نحو ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ أي: فليت لنا كرّة.
قال القاضي في تفسير تمنّي الرجعة أو شرط حذف جوابه.
وذهب ابن مالك إلى أنها مصدرية واعتذر عن الجميع بأنَّ المصدرية بوجهين:
أحدهما: أن يقدّر الفعل بينهما.
والثاني: أن يكون من باب التأكيد.
قيل في إثبات كونها للتمنّي، وذكر القيل إشعارًا من أوّل الأمر إلى تضعيف الدليل. ولهذا لو نصب كلمة فيكون في جوابها كما انتصب كلمة فأفوز في جواب ليت في قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾.
حاصل الاستدلال أنْ يقال: إن إضمار أنْ بعد الفاء لا يكون إلَّا بعد أحد الأشياء الستة، فلو لم يحمل عليه لم يكن لنصبه وجه، والمناسب فيها أن يكون للتمني، وإذا عرفت ما تلونا عليك، وعلمت أن ردّ المصنف بقوله: ولا دليل فيها، ليس كما ينبغي لأنهم لم يقولوا أنها منحصرة للتمني حتَّى يردّوا بقوله:
لجواز أن يكون النّصب في فأفوزَ مثلَه بالنصب: خبر أن يكون، في قوله:
وَلُبسُ عبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عيني أحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشَّفُوفِ [الوافر]
فَلُبْسُ: مبتدأ مضاف إلى عباءة، وتقرّ: منصوب لفظًا بتقدير أن المصدرية، ومرفوع محلًا على أنَّه معطوف على (لُبْسُ)، وأحَبُّ: خبره.
قال في "الصحاح": شفَّ يَشِفُّ شُفُوفًا، فالشَّفُّ بالفتح ستر دقيق.
وقوله تعالى بالجر: عطف على قوله: ولبس عباءة، وأخَّرَه لكونه حجة قاطعة.
[ ١٤٠ ]
﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ فيرسل: منصوب بأن مقّدرة معطوف على (أن يكلمه) وكذا أفوز لجواز أن يكون منصوبًا بأنْ مُقدّرة معطوفًا على الضمير المتصل بـ كان لوجود الفصل، فلا يلزم من نصبِهِ أن يكون جوابًا للتمني، وقس عليه نصب فيكون.
الخامس أن يكون للعرض نحو: لو تنزلُ عندي بضمّ اللّام فتصيبَ راحةً. فإنَّها إذا لم تحمل على العرض لم يكن لنصب تصيبَ وجه.
ذكره ابن مالك في "التسهيل"، اسم كتاب من مؤلفات النحو، وذكر ابن هشام اللَّخمي.
اللَّخم: حيٌّ من اليمن وإلياس. معنىً آخر زائدة عما ذكره وهو أن يكون للتقليل، أي: يعطى في مدخولها معنى القلّة نحو قوله -﵇-: (تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِظِلْفِ شَاةٍ مُحَرَّق). فقال في "الصحاح": الظّلف للبقر والشاة والظبي، واستعاره عمرو بن معدي كرب للأفراس:
وخَيْلٍ تَطأكمْ بِأظْلَافِها [متقارب]
و(اتَّقوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمرَةٍ). هذا مثال آخر، فلو هنا مستفاد منها معنى التقليل. فمعناهما: لا تستقلّوا الصدقة، ولو كان شيئًا قليلًا، ذكر في بعض شروح ذلك المتن.
[ ١٤١ ]
إنّ (لوِ) هذه شرطية عندي، والجواب محذوف بعد لو مقدَّر دلَّ عليه كلام السابق. انتهى فالحق في ظني أن يجعل الجملة الشرطية حالًا، فينسلخ معنى الشرط، ولا يحتاج إلى الجواب.
اعلم أن جواب (لو) لا يكون إلا فعلًا ماضيًا مثبتًا، أو منفيًا بـ (ما)، أو مضارعًا مجزومًا بـ (لم).
والأكثر في الماضي المثبت اقترانه بـ اللام. وقد يحذف كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ وأمّا حذف اللام مع الجواب فكثير في كلام العرب.
-ما يأتي على سبعة أوجه-
"قد"
النوع السادس: ما يأتي على سبعة أوجه وهو قد فقط
وأحد أوجهها أن تكون اسمًا بمعنى حَسْبُ فيقال: قدي بالإضافة إلى ياء المتكلم، بغير نون الوقاية كما يقال حسبي.
ظاهر هذا الكلام يشعر اختيار المصنَّف مذهب الكوفيين حيث يقولون: إنّ قد إذا كان اسمًا بمعنى حسب يُضَاف إلى ياء المتكلم، ولا يلحقها نون الوقاية، لأنَّها تزاد في الأفعال فتكون معربة.
وأمّا عند البصريين يلحقها نون الوقاية على غير القياس، ويجوز حذفها فيقال: [قدي و] قدني، فعندهم تكون مبنية. كذا ذُكِرَ في "التسهيل" و"شرح الألفيَّة".
والثاني من أوجهها: أن تكون اسم فعل بمعنى يكفي، فالياء المتَّصلة بها في محل النّصب. فيلزمها نون الوقاية. فيقال: قدني بالنّون، كما يقال: يكفني. وقد تلحقها كاف الخطاب فتكون في محل النصب. فيقال: قدك، فعلى هذا يكون مبنيًا على السكون بالاتفاق.
[ ١٤٢ ]
والثالث من أوجهها: أن تكون حرف تحقيق، تقتضي تحقّق مدخولها، فتدخل على الماضي من غير اختلاف فيه، لكن هل هي للتحقيق المحض؟ وهو مذهب المنصور، أو للتحقيق مع التوقّع كما مذهب الخليل حيث قال في "الصحاح": زعم الخليل أن هذا لِمَن ينتظر الخبر، يقول: مات فلان، ولو أخبره وهو لا ينتظره لم يقل: قد مات، ولكن يقول: مات انتهى.
والعنوان بالزّعم يدل على ردّ مذهبه، لأنها تجيء للتحقيق المحض في الماضي كما عُلِمَ من موارد الاستعال نحو: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. فقد هنا تدخل على الماضي لتحقّق الفلاح.
وعلى المضارع عند البعض. قال ابن مالك في "التسهيل": وقد التي للتحقيق تدخل عليها نحو: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. فقال بعض النُّحاة: إنّ قد التحقيقية إذا دخلت على المضارع ولم يمكن التوقع فيه كان المضارع بمعنى الماضي.
والرابع من أوجهها: أن تكون حرف توقّع أي: انتظار، يقال: توقعت واستوقعت، أو انتظرت فتدخل عليهما، أي على الماضي والمضارع أيضًا. أي كما تدخل عليهما إذا كانت للتحقيق. قول: قد يخرج زيد، فتدلّ (قد) على أن الخروج منتظر متوقّع.
والمصنّف لم يذكر هنا مثالًا للماضي لكون الاختلاف في دخول حرف التوقّع عليه، فذكر بعد إثباته بالدليل، وظاهر هذا الكلام يشعر أن يكون التوقّع مقابلًا للتحقيق في الحقيقة، وليس كذلك.
تدل عليه عبارة "الكافية": حرف التوقّع (قد)، وشرحها الشَّيخ الرضي: فإنَّه عام إلى التحقيق والتقريب إلى الحال مع التوقع. قد تكون للتحقيق مع التقريب بدون التّوقع، وقد تكون للتحقيق المحض، فإذن لها ثلاثة معان. انتهى.
[ ١٤٣ ]
وزعم بعضهم: لا تكون قد للتوقع مع الماضي، لأنَّ التوقُّع انتظار الوقوع والحال أنّ الماضي قد وقع، فإنّ جواز دخولها يلزم الجمع بين المتنافيين.
وقال الذين أثبتوه، أي: التوقّع مع الماضي: إنَّها تدلَّ على أنَّه أي قد يدلّ أنّ الفعل كان منتظرًا قبل وقوعه. [لأنَّه] متوقع بعد وقوع الفعل، فلزوم اجتماع المتنافيين مرفوع بالحمل على اختلاف الزَّمانين، تقول: قد ركب الأمير لِقَوْم ينتظرون هذا الخبر، وإنَّما قيَّد به لانَّه إذا قلت: هذا الجر لقوم لا ينتظرون، يكون للتحقيق مع التقريب من غير توقّع، ويتوقعون الفعل.
حاصله: ما ذكره في "شرح اللّبّ": لأنَّه كان يتوقع ثم صار ماضيًا نحو: قد قامت الصَّلاة لقوم قاموا خلف الإمام ينتظرون قول المؤذن: قد قامت الصَّلاة، فعلى هذا: قد لانتظار الإخبار بخبر يعتقد المتكلم به، يتوقع منه المخاطب. انتهى.
فيكون التوقّع في الأصل لفعل الذي لا يوجد بالفعل، فَينتظر إلى وقوع الفعل، فيقع ويخبر بعد ذلك، ولو كان مراد الزَّاعم أنَّها لا تكون للتوقّع في الماضي الذي هو الخالص للمُضيِّ من غير نظر إلى زمان الاستقبال، يكون كلامه حقًّا، ولكن النُّحاة قالوا: قد للتوقّع بمعنى المذكور.
الخامس: تقريب الماضي من الحال ولهذا، أي لأجل كونها للتقريب. تلزم مع الماضي المثبت إذا لم تكن واقعًا بعد إلَّا الواقع حالًا عند البصريين بخلاف مذهب الكوفيين، فإنَّهم لا يوجبونها (قد) ظاهرة ولا مقدّرة، ووافقهم ابن مالك حيث قال: هذه دعوى مجرّدة لا تقوم عليها حجة إمّا.
ظاهرة نحو: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾.
[ ١٤٤ ]
أو مقدّرة نحو: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾. أي: قد رُدَّت إلينا.
ونحو قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي: قد حصرت صدورهم، وذلك لاستقباحهم في الظَّاهر الجمع بين الحال والمضيّ، وأنّ حالية الماضي بالنسبة إلى زمان عامله، وهو زمان المتكلم.
ولفظة (قد) تقرَّب الماضي من ذلك الزمان، فتكون المقاربة [بمنزلة المقارنة] هذا بخلاف مذهب سيبويه والمبرَّد، فإنهما لا يجوّزان حذف (قد)، وسيبويه يؤوّل قوله تعالى: قد حصرت صدورهم بقلَّة ما حصرت صدورهم، فتكون جملة (حصرت) صفةُ موصوف محذوف. وهو الحال. والمبرَّد يجعله جملة دعائية.
وقال ابن عصفور: إذا أجيب القسم بماض مثبت متصرّف. قيّد بالمثبت والمتصرّف تحرّزًا من المنفي غير المتصرّف، لما عرفت أن المنفي لم يشرط ذلك، وأمّا غير المتصرف، كـ نِعْمَ وبِئس وعَسَى ولَيْسَ. فلا تدخل قد عليها لأنها ليست بمعنى الماضي حتَّى يقرَّب إلى الحال، بل يدخل اللّام فقط نحو: لنِعْمَ السَّيِّد. كذا في الرضي.
فإن كان الفعل قريبًا من الحال جئتَ بجواب مقرون باللَّام وقد نحو: بالله لقد قام زيد، فقد هنا دالة على التقريب، فمعلوميَّة القرب بالنسبة إلى المتكلم، والدَّلالة بالنسبة إلى المخاطب، وإن كان زمان الفعل بعيدًا، جئت باللَّام فقط، اسم فعل بمعنى انته، وكثيرًا ما يصدّر بالفاء تزيينًا للفظه. كان: جزاء شرط محذوف، والحال في دخول ياء المتكلم عليها، ونون الوقاية وكاف الخطاب كالحال في قد إذا كان اسم فعل. كقوله: أي: قول الشاعر؛ أي امرئ القيس:
خَلَفْتُ لَها بِاللهِ حِلْفَةَ فَاجِر
أي: أقسمت بالله لاطمئنان المرأة المعشوقة حلفة كاذب أو عاهر، أي: زانٍ. يقال: فجر فجورًا، أي: فسق وفجر أي كذب، أصله المَيْل، والفاجر: المائل، كذا ذكر في "الصحاح"
[ ١٤٥ ]
لناموا فما إن من حديث ولا صال. [الطَّويل]
و(اللام) في لناموا جواب القسم، واكتفى بها إشعارًا لمخاطبه بأنّ زمان نومهم بعيد، أي نام الرقباء ولا ينظرون إلى حالنا، والفاء في (فما) تفسيرية و(ما) نافية، و(إن) زائدة مؤكدة للنفي، ويبطل عمل (ما) بزيادة (إن) بعد (ما) عند البصريين.
فـ (من) زائدة للاستغراق، فيكون المعنى نفي هذا الجنس من واحد إلى ما يتناهى.
(الحديث): الخبر، يأتي على القليل والكثير، ويُجمع على أحاديث على غير القياس، أي: فما إن من ذي حديث.
ويجوز أن يكون الحديث بمعنى المحادث. و(لا) في قوله (ولا صال): زائدة.
يقال: صال البعير إذا حمل. أي: ذي صال، وحاصل المعنى: المرأة تخاف من الرّقباء فأؤمنّها من مراقبتهم، كذا في "الإقليد".
وزعم الزَّمخشري، وفيه إشارة إلى ردّ صاحب "الكشاف"، عندما تكلم على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ في (سورة الأعراف)، أن (قد) للتوقع. وجملة (أنّ قد للتوقّع) في محل النصب على أنَّه مفعول زعم، لأنَّ السَّامع؛ تعليل من جانب الزمخشري، أي السَّامع ذلك الجواب المصدّر باللّام، وقد يتوقّع الخبرَ عند سماع المقسم به، وهو لفظة الله، وأمثاله ممّا يُقسم به.
اعلم أن عبارة الزمخشري في تعليل الجمع بين (اللام) و(قد) هكذا، لأنّ الجملة القسميّة لا تُساق إلا تأكيدًا للجملة المقسم عليها، التي هي جوابها، فكانت مظنّة لمعنى التوقّع الذي هو معنى (قد) عند سماع المخاطب كلمة القسم. فَمِنْ تأمُّل كلامه عُلِمَ أنَّ تعبير المصنف لا يخلو عن الفتور، وأنْ يُعَنْوِنَ كلامَهُ بالزَّعم مبنيٌّ على القُصور.
والسادس التقليل وهو ضربان:
[ ١٤٦ ]
تقليل بالرَّفع: بدل عن (الضربان) مضاف إلى وقوع الفعل الذي هو مدخولها نحو: قد يَصْدُق الكذوب، وقد يجود البخيل. فقد في المثالين يدلّ على قلّة وقوع الصّدق. من الكذوب، وقلّة وقوع الجود من البخيل.
وتقليل متعلِّقة أي: تقليل متعلّق الفعل من غير نظر إلى قلَّة وقوع الفعل أو كثرته، نحو: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. فإنّ (قد) ها تحقيقية باعتبار وقوع الفعل، وتقليلية باعتبار متعلّقة. أي: ما أنتم عليه هو أقلّ معلوماته، وفي هذا التفسير إشارة إلى أن (ما) موصولة مبتدأ، صلته: أنتم عليه، وخبره محذوف، وهو أقل معلوماته، قال الشَّيخ الرضي: إنّ المادح قد يستعمل الكثير. من المدائح، لأنَّ الكثير منها كأنّه قليل بالنسبة إلى الممدوح، وذلك أبلغ في المدح، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿قَد يَعْلَمُ﴾ لأنَّ (قد) لتقليل المضارع في الأصل.
وزعم بعضهم، وَجَّهَ العنوانَ بالزَّعم إنكاره على كونها للتقليل، والأليق ذكره المصنّف هذا فيما قبلُ مثالًا للتحقيق: إنَّها في ذلك أي [قد] في ﴿قد يعلم﴾ للتحقيق كما تقدَّم في القسم الثالث، لا للتقليل، وإنّ التقليل في المثالين الأوّلين، وإن كان متحقّقًا لكنه لم يستفد من قد، بل من قولك: البخيلُ يجودُ، والكذوبُ يصدقُ مع قطع النَّظر عنها.
فإنَّه: الفاء بمعنى لام التعليل، أي لأنَّ الكلام إن لم يُحمل على أن صدور ذلك أي الجود والصدق من البخيل والكذوب قليلٌ بالرَّفع خبر إن. كان ذلك في جزاء الشرط أي كان الكلام كذبًا متناقضًا لأنَّ آخر الكلام، وهو البخيل والكذوب يدفع أوَّلَه وهو يصدق ويجود، لأنَّ البخيل والكذوب صيغة المبالغة، فيدلّ على كثرة البخل والكذب، فلو لم يَحْمل يَصدق ويَكْذب على القلّة للزم التَّدافع، ولك أن تمنع هذا الكلام بعد تسليم لزوم التَّدافع في المثالين على إنكار كونها للتقليل غير مقبول، لأنَّه كثير الاستعمال.
[ ١٤٧ ]
السابع: التكثير قاله، أي: كونُها للتَّكثير سيبويه في قوله:
قَدْ أتركُ القِرْنَ مُصفَرًّا أناملُهُ
وآخر البيت: كأن أثْوابهُ مُجَّتُ بفِرْ صاد [البسيط]
أي: أترك كثيرًا ما مماثلي في الحرب، حال كون أنامله ملوّنًا بالصّفر، قال الجوهري: وقد يكون بمعنى ربَّما. وأنشد هذا البيت، ولا يظن أنّه مخالف لما قال المصنف حيث قال الزمخشري في آخر سورة النور: "إنَّ (قد) إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى ربَّما فوافقت ربَّما في خروجها إلى معنى التكثير.
وذكر صاحب "التسهيل": أن ربَّما ليست للتقليل، بل هي حرف تكثير، والتقليل نادر، ووقع في بعض شروح "الكافية": وهذا الذي ذُكر من التقليل أصلها، ثم تستعمل في معنى التكثير كالحقيقة، وفي التقليل كالمجاز المحتاج إلى القرينة".
وقاله، أي: اختار الزمخشري كونها للتكثير في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فالكثرة في الآية باعتبار متعلِّق الفعل، وهو تقلّب وجه الرسول -﵇- لا في وقوع الفعل وهو الرؤية، وفي البيت في وقوع الفعل مع [قطع] النظر عن متعلّقه، المصنف لم يذكر كون التكثير متنوّعًا اعتمادًا على ذكر المثالين، واكتفى بما سبق.
اعلم أن (قد) التي للتحقيق والتكثير والتوقّع قد تجتمع، وقد يستعمل كل واحد منها مجرّدًا عن الآخر. والتقليلية تجتمع مع التحقيقية، لكن لا تجتمع مع التكثيرية، هكذا فُهم من الرضيّ.
[ ١٤٨ ]
-ما يأتي على ثمانية أوجه-
"الواو"
النوع السابع: ما يأتي على ثمانية أوجه، وهو الواو وذلك، أي بيان الانحصار للاستقراء، أن لنا واوين يرتفع ما بعدهما سواء كان اسمًا أو فعلًا.
فـ (ما): موصولة، وبعدَ: منصوب على الظّرفية بفعل مقدّر، وهو (حصل)، مضاف إلى هما، والموصول مع صلته في محل الرّفع على أنَّه فاعل يرتفع، أي: يكون ما بعد الواوين مرفوعًا.
اعلم أنَّ الجهات السّتّ المضافة إذا لم يقتضِ العامل غيرَ النَّصْبِ تكون معربةً منصوبةً على الظرفية نحو: السَّماءُ فوقَنا، والأرضُ تَحْتنَا، وما بعدَه، وما قبلَه، وأمثال ذلك فإنَّها تقتضي النَّصبَ بالفعل المقّدر.
مثلًا إذا قلت: أمامُك فوق السَّطح، والأمام بالرَّفع لأنَّه مبتدأ، فوقَ وإن كان خبرًا لكن لا يقتضي الرَّفع لفظًا، بل يقدّر الفعل فينصب به وتكون الجملة في محل الرَّفع بالخبرية وكذا أمثالها فاحفظ على هذا.
واوًا بالنّصب: بدل من الواوين، ويجوز الرَّفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف أي أحدهما: واو الاستئناف نحو: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾. فإنَّها أي:
الواو، ولو كانت واو العطف، انتصب الفعل، وهو نقرُّ عطف على تبيَّن المنصوب بأن مضمرة، وبإضمار كي عند [الكسائي والسيرافي وباللام أصالة عند الكوفيين أو نيابة من أن عند] ثعلب.
وحاصله أن هذه الواو لا تصلح إلَّا أن تكون للعطف، أو للاستئناف، وإذا قُرئ بالرَّفع تعيّن الاستئناف، لأنَّ إعراب مدخول واو العطف يكون حسب ما قبلها.
[ ١٤٩ ]
وواو الحال إما بالنَّصب على البدلية، أو بالرَّفع على تقدير الثَّاني. وتُسمى واو الابتداء أيضًا كما تُسمى واو الحال، وإنَّما تسمّى بها لصلاحية أن يليها المبتدأ نحو:
جاءني زيد والشمس طالعة، فجملة والشمس طالعة: في محل نصب على الحالية، هذا، أي: كون هذه الواو للحال على مذهب الجمهور، وعند البعض أنَّها عاطفة.
وقاله صاحب "التخمير": وعندي أنَّه يجوز أن تكون هذه الواو واو الظرفية، ألا ترى أنك لو قلت: جئت والشمس طالعة، فمعناه: وقت طلوع الشَّمس، والذي غرّ النحويين منه أنهم وجدوا قولهم: جئت والشَّمس طالعة، يرجع معناه إلى معنى قولك: جئتك حال طلوع الشَّمس، فسمّوا واو الحال، وقد غفلوا أن قولك: جئتك حال طلوع الشمس ظرفٌ لا حال. وإن كان له واو الظرف فلا علينا أن يكون معها واو الظرف انتهى.
وسيبويه يقدّر بإذ، نقله في "الارتشاف" حيث قال: وقدّر بإذ ليفيد معنى الظرفية وهي الحين والفجاءة.
وواوين ينتصب ما بعدهما. إعرابه كإعراب ما سبق، وهما واو المفعول معه، فإنّ ما بعد تلك الواو، لا يكون إلَّا منصوبًا.
اعلم أنَّ مذهب جمهور البصريين أن العامل فيه هو الفعل أو معناه، بتوسّط الواو بمعنى مع، وإنَّما وضعوا الواو موضع (مع) في بعض المواضع لكونه أخْصرُ لفظًا وأصل هذه الواو العطف الذي فيه معنى الجمع، فيناسب معنى المعيّة، وإن قالوا: لا يتقدم المفعول معه على ما عمل في مصاحبه، فلا يقال: والخشبةَ استوى الماء كما تتقدّم سائر المفاعيل، وجوّز أبو الفتح تقدّمه على صاحبه، والأَوْلى المنع رعاية لأصل الواو.
[ ١٥٠ ]
وقال الكوفيون: وهو منصوب على الخلاف، فيكون العامل منصوبًا معنويًا كما قلنا في الظرف. والأَوْلى. إحالة العامل اللفظي ما لم يضطر إلى المعنوي.
وقال الزجّاج: هو منصوب بإضمار فعل بعد الواو، كأنّك قلت: جاء البرد ولابسَ الطيالسة، وكذا في غيره، والإضمار خلاف الأصل.
وقال عبد القاهر: وهو منصوب بنفس الواو والأَوْلى: رعاية أصل الواو في كونها غير عاملة، ولو نصبت بمعنى مع مطلقًا لنصبتَ في: كل رجل وضيعته.
وقال الأخفش: نَصْبُه نصب الظروف، وذلك لأنَّ الواو لمَّا أقيمت مقام المنصوب بالظرفية، والواو ظرف في الأصل، فلم يحتمل النصب، فأعطى النصب ما بعدها رعاية لأصلها، كما أعطى ما بعد إلَّا إذا كانت بمعنى غير إعراب نفس، غير، ولو كان كما قال لجاز النّصب في كل موضع، بمعنى مع مطردًا نحو: كل رجل وضيعته، هذه عبارة الرضي طويتها على غيرها. نحو: سرتُ والنيلَ أي: مع النيل، وتميّز بتقدير (مع) مكانها، وقال صاحب "التخمير" النحويون سَهَوْا في واوين:
إحداهما: واو الحال.
والثانية: واو المنصوب بمعنى (مع).
وذلك أنّ المنصوب بمعنى (مع) في محلّ النّصب على الحال، ألا ترى أنّك إذا قلت: جاء البردُ والطيالسةَ، فمعناه مقرنًا بالطيالسة، فلمَّا لم يكن إعراب الواو إعرابها نقل إعرابها إلى ما بعدها، كما في (إلَّا) إذا وقعت صفة نُقلَ إعرابها إلى المستثنى وعكسها (غير) و(ما).
قالوا. (و) ههنا في الحقيقة للحال لا للمفعول معه كما أن الواو في قولك: جئتك والشَّمس طالعة. للمفعول فيه لا للحال. انتهى.
وواو الجمع. وإنَّما سُمِّي بها لاجتماع مضمون طرفيها في زمان واحد.
[ ١٥١ ]
الدَّاخلة على المضارع المسبوق بنفي محض أو طلب محض، أي: بفعل أصيل، وهو يعمُّ الأمر والنهي والاستفهام، والدّعاء بلفظ الخبر، على مذهب الكسائي، والاستفهام والعرض والتحضيض [والتمنّي]، لأنَّ المضارع ينصب بتقدير أن بعد الواو، وإذا كانت بعد أحد الأشياء الستة كما هو المشهور.
وقال أبو حيَّان: لا أحفظ النَّصْب جاء بعد الواو في الدّعاء ولا العرض ولا التحضيض ولا الرجاء، ولا ينبغي لأحد أن يقدِم على ذلك إلا بالسَّماع انتهى. ذكره شارح الألفية.
والنَّصب بعد هذه الواو بتقدير أنْ على مذهب البصريين وهو الصّحيح، وبنفس الواو عند بَعْض الكوفيين نحو: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. هذا مثال للمسبوق بالنَّفي أي: وأن يعلم الصابرين، وقول أي: ونحو قول أبي الأسود:
لَا تنه عن خُلقٍ وتأتيَ مِثله
وآخر البيت: عَارٌ عَليكَ إذا فَعلتَ عَظِيمُ [الكامل]
الخُلُق بضمتين: السجيّة والطبيعة والمروءة والدّين كذا في "القاموس" هذا مثال للنهي معناه: لا يكن منك نهي عن الخلق وأن تأتي مثله أي إتيان بمثله.
والكوفيّون يسمّون هذا واو الصرف أيضًا، لأنها صرفت الفعل المضارع من الجزم إلى الرَّفع ويكون الصرف عن إعراب ما قبلها مرشدًا من أوَّل الأمر، بأنَّها ليست للعطف، وأنَّها للجمعية من حيث الاستعمال.
[ ١٥٢ ]
وواوين ينجرُّ ما بعدهما، وهما واو القسم. (والموصول مع صلته فاعل ينجرّ) كما مرّ غير مرَّة نحو: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، فهذه الواو تجرّ بنفسها، وتدخل على مظهرٍ يَحسُنُ الحلف به. وهي مبدلة من باء الإلصاقية في أقسمت بالله، لما بينهما في المناسبة لفظًا ومعنىً عند حذف الفعل، فلا تجتمع مع الفعل لكونها عوضًا عنه خلافًا لابن كيسان، هذا على ما صرّح به في كتب النّحو.
وذكر في بعض الشروح تلك الرسالة، لأنَّها أصل، وليس بدلًا من الباء في القَسَم خلافًا لزاعمي ذلك. واو رُبّ: وهي تقع في أوّل الكلام، وتدخل على المظهر المنكر كقوله: أي قول الشاعر
وبلدةٍ ليس بها أنيس إلَّا اليعافير، وإلّا العيس [الرجز]
أي: رُبَّ بلدة، وإنَّما فسّرنا به لأنَّ هذه الواو للعطف عند البصريين، وليست جارَّة بنفسها، فإن لم تكن في أوّل الكلام، فكونها للعطف ظاهر، وإن كانت تقدَّر معطوف عليه. قال شارح الألفية وهو الصَّحيح. وأمَّا عند المبرّد والكوفيين إنَّها جارَّة بنفسها، وبلدة مجرورة بها، وهي حرف عطف، لكن لمّا صارت قائمة مقام ربِّ، كائنة بمعناها كانت جارّة بنفسها لصيرورتها بمعنى ربَّ فلا يقدرون المعطوف عليه في نحو: وقائم الأعماق، لأنّ ذلك تَعَسّف، واختاره ابن الحاجب.
وواوًا يكون ما بعدها من الإعراب على حسب ما قبلها غالبًا، وإنَّما قال غالبًا إذ تجوز المخالفة إذا عُرف المراد، نحو: مررتُ يزيد وعمروٌ بالرَّفع، أي عمرو كذا ذكره الرضي.
[ ١٥٣ ]
وهي واو العطف وهي الأصل بالنسبة إلى الجميع، لكن كونها للعطف في الحال قول مرجوح. فَعُلم من هذا القيد أنّ تغاير أقسامها ليس بحسب الحقيقة.
و[هي] لمطلق الجمع من غير أن يكون المبتدأ به داخلًا في الحكم قبل الأخير، ولا أن يجتمعا في وقت واحد، بل الأمران جائزان، وجائز عكسهما.
وواوًا دخولها في الكلام كخروجها، بالنسبة إلى المعنى، لكنّها تفيد التأكيد.
وهي الواو الزائدة نحو: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. فالواو هنا زائدة مؤكدة بدليل الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾.
وقيل: التنكير للتعظيم حيث قال أبو البقاء: الواو زائدة عند قوم، وليست زائدة عند المحققين.
إنَّها عاطفة فالجواب للشرط، وهو إذًا محذوف لأن فُتِحَتْ على هذا الوجه معطوف على الشرط، فلو لم يقدّر الجزاء لزم بقاء الشرط بدونه.
تقديره: كان كيت وكيت، هما كنايتان عن الحديث، (ولا يُستعمل إلَّا مكرّرًا) مخفّفًا من كيت وهي أصل كيت، فخفَّفت الياء المشدَّدة، وعوّضت عنها التاء فصار كيت كما بنت وأخت، فوجب إسقاط التأنيث لئلا يجتمع علامتان، فبقيت كيت، ويوقف فيه بالتاء كما توقف في بنت، وقد جاء فيه فتح التاء والكسر والضمّ، وكذا حال زيت.
هذا أي: كون الواو للعطف مختار الزمخشري، وهو الصواب لموافقة الأصل.
وجَعَلَها بعضٌ بمعنى (مع). ذكره العلامة أيضًا حيث قال: حتَّى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها، أي مع فتحت أبوابها وقيل: إنَّها للحال. وهو أيضًا مذكور في "الكشَّاف" حيث ذكر فيه، وقيل: أبواب جهنّم لا تُفتح إلّا عند دخول أهلها فيها، وأبواب الجنَّة فمتقدمة فتحها، بدليل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾، ولذلك جيء بالواو، كأنَّه قيل: حتَّى إذا جاؤوها وقد فتحت أبوابها.
[ ١٥٤ ]
وقول مضاف إلى جماعة، وجملة: إنَّها واو الثمانية وإنَّ منها: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ مقول القول، وجملة: لا يرضاه النّحوي خبرٌ، وياء النسبة للمبالغة، أي: النّحوي الكامل، وإنهم بهذه المقالة يستحقّون أن تُسلَبَ عنهم نسبتهم إلى النّحو لما لا يتعلّق به حكمٌ إعرابي، ولا سرٌّ معنويٌّ، والواو الثمانية هي التى أن العدد قد تمَّ بالسَّابع من حيث أنّ السبعة هو العدد التّام، والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه، ذكره الشَّيخ القاضي في أواخر سورة البراءة.
وقال بعض الفضلاء: هذا ليس بشيء بدليل قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾. (فإن المتكبّر) في محل التّعداد نعت ثامن، مع أَنَّه لم يُذكر بالواو، وفيه مناقشة ظاهرة لا تخفى على المتأمّل.
والقول منه أي: بكون الواو واو الثمانية في آية الزّمر وهي قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ أبعدُ منهِ أي من القول بكون الواو واو الثمانية في قوله تعالى: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ لأنَّ الواو في هذه الآية وقت في الصفة الثامنة في التعداد، وأمّا في آية الزمر فليس فيها تعدادٌ بل هي للجنة الثمانية، وأمّا وجه البعد في: والنّاهون، لما يتعلَّق به حكمٌ إعرابي، ولا سِرٌّ معنوي.
والقول به في ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ ظاهر الفساد. لأنَّ في واو الثمانية يجوز اجتماع الأوصاف المذكورة في موصوفٍ واحدٍ بخلاف الواو المنافي بين طرفيها، إذ البكارة والثّيابة لا يجتمعان في موصوف واحد، وقيل الواو الثمانية لا يخلّ المقصود بالحذف بخلاف هذه الواو، لأنّ التوسّط بها للتنافي بين طرفيها.
[ ١٥٥ ]
"ما"
النّوع الثامن: ما يأتي على اثني عشر وجهًا وهو (ما)، وقع في بعض النُّسخ وهي، فالتأنيث باعتبار الكلمة، فإنَّها أي الـ (ما) على ضربين:
اسميَّة: التأنيث باعتبار ذي الضَّرب، وهي كلمة (ما)، وأوجهها أي أوجه ما الاسمية سبعة، آثر التذكير لكون الجمع مؤنثًا غير حقيقي، فإن اعتبرت التأنيث فيه، فالتذكير لعدم وجوب. المطابقة، أو للاكتفاء بظاهر التأنيث.
معرفة بالرَّفع إمَّا على البدلية من سبعة، أو على أنَّها خبر مبتدأ محذوف، ويجوز النَّصب بتقدير: أعني.
وتامّة: صفتها، والمراد بها مالا يحتاج إلى الصلة، والعائد والصفة نحو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي: نِعمَ الشيء إبداؤها، [هذا] عند سيبوية والكسائي فـ (ما) فاعل نعم لكونه بمعنى ذي، اللام وهي مخصوصة بالمدح، وكناية عن الإبداء الذي دلَّ عليه فعله، وهو تُبدُوا.
وعند أبي علي الفارسي والفرّاء، فالتقدير: نعم شيئًا هي. لأنَّ (ما) نكرة تامَّة بمعنى الذَّي فاعل نِعْمَ، فتكون الصِّلَةُ بأجمعها محذوفة، لأنَّ (هي) مخصوصة، أي نعم الذي فَعَلَهُ هي أي: الصدّقات كما عرفت في (من هو في سِرٍّ وإعلان).
وذكر في بعض شروح تلك المتن أن (ما) مركبة مع الفعل لا موضع لها من الإعراب، والمرفوع بعدها هو الفاعل.
ومعرفة ناقصة أي محتاجة إلى الصِّلة، والعائد والصفة، وهي الموصولة أخَّرهَا عن التّامة مع أنَّ جميعَ الكتب عكس ذلك، إمّا بناءً على أنّ مفهومها عدميٌّ، والإعدام مقدَّم على الملكات، أو أنَّها أقدم مرتبة من النَّاقصة، ومَنْ جَعَلَ عكس ذلك يعتبر كون مفهوم النَّاقصة وجوديًّا، واستعمالها أكثريًّا، ولكلٍّ وجهةٌ هو موليها.
[ ١٥٦ ]
نحو ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ -أي الذي عند الله- خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ و(ما) هذه تستعمل لما لا يَعْقِلُ غالبًا، وقد يستعمل من ذوي العلم كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ وشرطية نحو ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ أي: إن تفعلوا، فما شرطيَّة جازمة لتفعلوا، منتصبةٌ به على المفعولية، وجواب الشرط: (يعلمه الله).
ومِنْ خَيْرٍ في موضع نصب على التمييز، والمميَّز ما، والتقديرُ: أي شيء تفعلوا من خير ويجوز أن تكون (مِنْ) زائدة، وخير حالًا، والتقديرُ أي شيء تفعلوا قليلًا أو كثيرًا، ويجوز أن يكون موضع النَّصب لكونه صفةً لمصدرٍ محذوفٍ تقديره:
ما تفعلوا فعلًا من خير، وقيل: يجوز أن تكون مصدرية، ومِنْ خيرٍ: مفعولًا به، والتقديرُ: أي فعلهم مِنْ خيرٍ يعلمه الله.
واستفهاميّة وهي لا تختص بما لا يَعْقِل عند الإبهام. تقول لشيخٍ رفع لك من بعيد: ما ذاك؟ نحو: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ فـ (ما) استفهاميَّة، وبيمينك: حال من معنى الإشارة. وقيل: صلة لتلك.
ويجب حذف ألفِها على الأجود: قال الشَّيخ الرضي: وتُحذفُ ألف (ما) الاستفهام في الأغلب، إذا كانت مجرورة بحرف الجر نحو: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ فما مجرورة بـ من، وألِفُها محذوفة، فَوَجْهُهُ أنّ الاستفهام لمّا كان لها صدر الكلام لكونها استفهامًا، ولم يمكن تأخير الجار عنها، فقدّم عليها وركَّب معها حتَّى يصير ككلمة واحدة، موضوعة للاستفهام فلا يسقط الاستفهام عند رتبة الصَّدر فحذف ألفها ليكون دليلًا لتركيبها مع الجارّة، وإنَّما لم يحذف نون (من) الاستفهامية إذا كانت مجرورة لكونها حرفًا صحيحًا. كذا ذكره الشَّيخ الرضي.
ونحو قوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ جميع النسخ التي صادفناها بغير العاطف، والظَّاهر أنَّه سَهْوٌ من قلم الناسخ، لأنَّ النُّحاة قالوا: إنَّ حذف المعطوف عليه كثير،
[ ١٥٧ ]
وحذف المعطوف مع حرف العطف قليل نحو: راكب طلحان أي: راكب البعير، والبعير طلحان، وأمَّا حذف حرف العطف مع ذكر المعطوف فَشَاذٌّ نادر.
ولهذا أي: لأجل وجوب حذف ألف (ما) الاستفهامية المركّبة بحرف الجرّ، ردَّ الكسائي على المفسِّرين قولَهم بالنَّصب مفعول ردَّ في: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أنها استفهامية: مقول القول. حاصله: لمَّا كان حذف ألف (ما) الاستفهامية واجبًا عند دخول حرف الجرّ عليها يُثبِتُ أنّ (ما) في (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي) ليست استفهامية لوجود ألف في (ما).
قال العلامة في "الكشَّاف" فإن قلت (هي ما في) قوله: بمَا غَفَرَ لي ربي أي الماءات [هي] قلت المصدرية أو الموصولة، أي بالَّذي غفر لي [ربّي، أَي] من الذنوب. ويحتمل أن تكون استفهامية، يعني: أيَّ شيء غفر لي ربيّ؟ فَطَرحُ الألف أجود، وإن كان إثباتها جائزًا انتهى.
فإذا فهمت ما تلونا عليك من كلام الرضي، والعلامة الزمخشري عرفت أن ردَّ الكسائي مردود، لأنَّ الحذف أكثري لا دائميَّ.
وإنَّما جاز نحو لماذا فعلتَ؟ هذا جواب عن سؤال مقدّر تقديره. ولمّا وجب سقوط ألف ما الاستفهامية بدخول حرف الجرّ على الأجود فلم يحذف في مثل: لماذا فعلتُ؟ مع أنَّه مركّب بالَّلام، فأجاب بقوله:
لأنَّ ألِفَها صارت حشوًا أي: وسطًا بالتركيب مع ذا، فتكون الألف في وسط الكلمة، والحذف في الوسط قليل لتحصنه مِنَ الحوادث فأشبهت (ما) الاستفهام بالموصولة في إثبات الألف، لأنّ (ذا) لمّا لم تثبت زيادتها، ولا كونها موصولة إلَّا مع (ما) الاستفهامية، لم تحذف
[ ١٥٨ ]
ألفها كألف (ما) الموصولية، ويجوز أن يكون معنى حشوًا أي زائدة غير منظور بالحذف والإثبات لتركيب (ما) مع (ذا) الذي يكون موصولًا بالتركيب فأشبهت الموصولة فكما أنّها إذا كانت موصولة لا تُحذف ألِفُها كذلك هنا.
وتعجبية نحو: مَا أحسَنَ زَيْدًا، فهذه الـ (ما) نكرة تامة بمعنى شيء عند سيبويه، وموصولة عند الأخفش، واستفهامية عند الفراء وابن درستويه.
وقال الشَّيخ: وهو قوي من حيث المعنى لأنَّه كان جُهِلَ سببه، فاستُفهم عنه. وضعّف شرّاح "المفصّل" هذا الوجه بأن قالوا: أمّا صيغ الاستفهام لم يثبت فيها نقل إلى إنشاء آخر بخلاف صيغ الأفعال، فإنَّها تنقل إلى إنشاء كثيرًا، وقالوا: الوجه ما صار إليه سيبويه، لأنّ التعجب من مواضع الإبهام والبعد عن الوضوح والبيان، والموصول معرفة بمعنى الذي، والموصوفة قريبة إلى المعرفة فلا يليقان بهذا الموضع.
وقيل أيضًا في تضعيف كونها موصولة أنّ (ما) إذا كانت بمعنى الذي، وأحْسَنَ: صلتها، لاحتاجت إلى تقدير الخبر وإن الموصول مع صلته مبتدأ، ونحن نقطع كلامًا من غير نظر إلى المحذوف، فما: مبتدأ على مذهب سيبويه والفرّاء، وما بعدها خبرها. وأمَّا عند الأخفش هي مع صلتها: مبتدأ، وخبرها محذوف.
قال ابن الحاجب في "الإيضاح" في باب المنادى: ما أحْسَنَ زيد أصله إمَّا خبر وإمَّا استفهام، ثم نقل إلى التعجب، فَعُلِمَ منه أن كونها قسمًا مستقلًا مبني (على الفتح) وعلى الظاهر.
ونكرة موصوفة نحو: مررتُ بما معجبٍ لك، فما: نكرة في محل الجرّ بالباء، موصوفة بمعجب، ولك: متعلّق به، أي بشيء معجب لك ومنه، أي من كون (ما) نكرة موصوفة بمعجب في قوله أي في قول بعض النُّحاة وهو الأخفش والزّجَّاج. نعم ما صنعت،
[ ١٥٩ ]
فما على هذا نكرة منصوبة لأنَّها مميّزة، وصنعت: صفتها، والمخصوص بالمدح محذوف، أي: نعم شيئًا صنعته. لعل وجه إيراد المثالين إشعار إلى جواز كونها موصوفة بمفردٍ وجملةٍ.
ونكرة موصوفة بها أي: تكون ما صفة للنكرة، إنَّما قال: نكرة موصوفة، ولم يقل موصوفة بها كما قال سائر النُّحاةِ إيذانًا في أوّل الأمر بأنّ موصوفها لا يكون إلا نكرة، لأنَّ النكرة لا تكون وصفًا للمعرفة.
نحو: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾، فما: إبهامية تزيد النكرة إبهامًا، ومثلًا في هذا الموضع يجوز أن يكون حالًا بمعنى ممثلًا، وأن يكون تمييزًا، وأن يكون منصوبًا على المصدرية، أي: أُمَثلُهُ مثلًا. ويُذكر إذا قصد التعميم والزّيادة.
وقولهِم أي: وهو قول العرب:
لأمْرٍ ما جَدَع قَصيرٌ أنْفَه.
قوله: أمْرٍ مجرور باللام، وما في محل الجر لكونها صفة لمجرور، والجَدْع بالدَّال المهملة: قطع الأنف واليد والأذن.
وقصير: اسم رجل، وأنفه، بدل اشتمال منه.
أي: مثلًا بالغًا في الحقارة ولأمر عظيم. هذا تفسير على وجه اللفّ والنشر على التَّرتيب.
قال بعض النُّحاة: إنّ (ما) إذا وقعت صفة تكون على ثلاثة أقسام:
- قسم يراد بها التحقير، و[قسم يراد بها] التعظيم.
- وقسم يراد بها التنويع نحو: ضربت ضربًا ما، فما على هذا التفسير اسم، وقيل إنّ هذه حرف لا موضع لها. ذكر شارح الألفية عن ابن مالك: أنّ (ما) في مثل هذه المواقع حرف زائد مبنيّة من وصف لائق بالمحلّ وهو أولى لأنَّ زيادتها عوضًا عن محذوف ثابت
[ ١٦٠ ]
في كلامهم، من ذلك: حيث ما يكن أكن. وليس في كلامهم نكرة موصوفة بها جامدة كمعهود (ما) إلَّا وهي مرادفة بمكمّل كقولهم: مررتُ برجلٍ أي رجل انتهى.
وحرفية بالرَّفع: عطف على اسمية.
وأوجهها أي أوجه (ما) الحرفية خمسة.
نافيةٌ بالرَّفع: إما بدل عن خمسة، أو خبر مبتدأ محذوف فتعمل في ظرف الجملة الاسمية، قيّد بالاسمية احترازًا عن الجملة الفعلية.
عمل ليس، وهو رفع الاسم ونصب الخبر، في لغة الحجازبين، وإنَّما قال في لغة الحجازيين لأن (ما) و(لا) المشبهتين بـ ليس لا تعملان عند بني تميم أصلًا لدخولهما على الاسم والفعل كما مرَّ تفصيله غير مرّةٍ.
وإن أردت الاطّلاع، فلتعد إليه.
نحو: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، هذا في محل الرَّفع [اسم] ما الحجازيّة، وبشرًا بالنَّصب خبره.
ومصدرية غير ظرفية نحو: قوله تعالى ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (فما) موصولة حرفيّة. هي وصلتها في محل الجر بالباء، أي بنسيانهم، فلا يحتاج إلى عائد، هذا مذهب سيبويه.
ومذهب الأخفش وابن السراج، إلى أنّ (ما) المصدرية اسم يحتاج إلى عائد هو مذهب مرجوح.
ومصدرية ظرفية، فتكون بمعنى المدّة نحو: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ أي: مدّة دوامي حيًّا. وكافّة عن العمل، هذا وجه رابع من وجوه (ما) الحرفية، لكن قال في "القاموس": وتكون (ما) زائدة، وهي نوعان: كافة وغير كافّة فَعُلِمَ من هذا أنّ (ما) الكافَّة قسم من الزائدة، لا قسم لها، لعلّ وجه عدّها مقابلُ الزّائدة مبنيٌّ على أن لها تأثيرًا قويًّا، وهو منع العامل
[ ١٦١ ]
عن العمل، فكأنها ليست بزائدة وإن كانت قسمًا منها وهي ثلاثة أقسام:
- كافّة عن عمل الرَّفع كقوله، أي: كقول الشَّاعر:
صَدَدْتِ فَأطْوَلتِ الصّدُودَ وقَلّمَا وِصالٌ عَلَى طُولِ الصُّدودِ يَدُوم [الطَّويل]
الصدود: الإعراض، يقال: صَدَّ عنه وتَصِدُّ صُدودًا، أي أعرض، كذا في "الصحاح".
فَقَلَّ: فعل ماض و(ما) المتّصلة بِقَلَّ كافّة له عن طلب الفاعل النّحويّ، لا عن طلب الفاعل حقيقةً لامتناع صدور الفعل إلَّا عن فاعل.
قال الشَّريف في "شرح المفتاح" في حاشية المعلّمة بـ منه حيث [قال]: وقَد طَالَ مَا جَالَ في صَدري.
اعلم أنّه يجوز أن تكون (ما) كافّة في إنَّما، فإنَّها تكفّ إنَّ عن العمل (كما تكفّ الفعلَ) عن العمل في الفاعل بحسب الظَّاهر، إنَّما قلت بحسب الظَّاهر لأنَّ المنع عن الفاعل حقيقة غير ممكن، لامتناع صدور الفعل إلَّا عن فاعل، والفعل هنا يتعلَّق بحسب المعنى إلى مصدر جال ودار، أي طال الجَوَلَانُ والدَّوَرَان، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، والمصدر فاعل طال. وعلى التَّقدير الأوَّل تكتب موصولة لأنها من تتّمة الفعل.
وعلى الثاني مفصولة، وذكر في موضع آخر أي: لا يطلب له فاعل في الترغيب، وإنْ فُهِمَ منه القليل والطويل انتهى.
فَعُلِمَ من كلامه أنَّ الفعل المكفوف يجوز أن يتعلَّق إلى مصدرِ فعل الذي تدخل عليه، ذلك الفعل المكفوف، ويجوز أن يتعلَّق إلى مصدرِ نفسه، وهو القليل والطويل والكثير، وعُلِمَ أيضًا (أن (ما) تكتب مفصولة إذا كانت مصدرية وموصولة إذا كانت كافّة لكونها من تتمّة الفعل، وإنمَّا قال: كافّة عن طلب الفاعل مع أن مدّعاهُ كونها كافّةً عن عمل الرَّفع، لأنَّ إعراب الفاعل مستقرٌّ للرفع.
[ ١٦٢ ]
ووصال: فاعل لفعل محذوف يفسّره الفعل المذكور، وهو يدوم، ولا يكون وصال: مبتدأ، ويَدُوم: خبره، وعلى أصول متعلّق بـ يدوم، لأنَّ الفعلَ المكفوفَ بـ (ما) الكافّة لا يدخل إلَّا على الجملة الفعلية، لأنَّه جرى مجرى حرف النَّفي.
وقولك: قلَّما يُضرب زيدٌ، بمعنى ما يُضرب زيدٌ، كذا قالوا. هذا الكلام ردّ على سيبويه حيث قال الشَّيخ الرَّضي: وهي عند سيبويه كافّة، وصالٌ: مبتدأ.
ولكن ذكر في "شرح الألفية": قال بعض النُّحاة إنَّ قلَّ إذا كُفّت بـ (ما) تدلّ على ندارة الشيء لا على نفيه، وقال أكثرهم: يراد النَّفي في الأشهر، فعلى هذا لِم لا يجوز دخولها على الجملة الاسمية؟ غاية الباب أن يخالفَ الأشهر، على أنّ قول سيبويه بمنزلة النَّصِّ في هذا الفنّ.
وقال بعضهم: إنَّ (ما) مصدريّة هي وصلتها، وهي فعل المحذوف وفاعل الفعل المكفوف أي: قَلَّ دوام الوصال. وقال بعضهم: ما زائدة، ووصال فاعل قلَّ، ذكره شارح "الكافية"، فمعنى البيت يختلف على هذا الاختلاف، فتكفّ في وجوهها.
ولم يُكفّ من الأفعال بـ (ما) الكافّة إلَّا قلَّ وطَالَ وكَثُر.
- وكافّة عن عمل النَّصب والرَّفع معًا. وجه التقديم على الثَّاني ظاهر، وأمّا وجه التأخير عن الأوَّل من الأوَّل كافّة عن طلب الفاعل، وذلك في إنَّ وأخواتها، وهو سائر حرف المشبهة بالفعل، فيكون ما بعدها مبتدأ وخبرًا.
اعلم أن الحروف المشبهة بالفعل تنصب الاسم وترفع الخبر خلافًا للكوفيين في قولهم إن الخبر باق على رفعه، "وبعض العرب ينصبُ بهذه الأحرف الجزأين معًا. وحكى قوم منهم ابن السّيد أنَّ ذلك لغة" ذكره شارح "الألفية"، فعلى هذا قول المصنف.
- وكافّة عن عمل النصب والرفع يكون على الأشهر، وأنَّ هذه الحروف تلحقها (ما) الكافّة وتمنع عن العمل في الأصحّ، وقد يجوز إعمالها، فذهب الزمخشريُّ إلى جواز إعمالها كلَّها،
[ ١٦٣ ]
والزَّجّاج في: ليت ولعلّ وكأنّ دون البقية لقوّة قرب هذه الثلاثة من معنى الفعل من حيث إنّ كأنّ بمعنى: شبّهتُ، وليت بمعنى: تمنّيتُ، ولعلّ بمعنى: ترجّيتُ مع تفسيرها معنى الكلام، وتأثيرها في مضمونه بخلاف إنَّ وأنّ ولكنّ، فإن معناها غير زائدة على الابتداء سوى التأكيد.
وذهب بعضهم إلى جواز النصب بـ ليت ولعلّ، فقال سيبويه والأخفش والفرّاء: لا يجوز النَّصب إلَّا في لَيْتَمَا، وصحّحه أكثر المغاربة، كذا ذكره ابن أمَّ قاسم، فهذه الحروف إذا كُفَّت بـ (ما) يجوز دخولها على الجملة الإسمية نحو: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وعلى الفعلية نحو: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾.
- وكافّة عن عمل الجرّ في (رُبَّ) و(كاف) التشبيه، وفي (الباء).
وعند البعض قال صاحب "التسهيل": إن (ما) قد تكفّ عن العمل وتحدث معنى التقليل كقوله: (ربَّما قد تُرى وأنت خطيب). [الخفيف]
فربَّ إذا [اتصلت] بها (ما) الكافّة تدخل على الجملة الإسمية نحو: ربّما زيد قائم، وعلى الفعلية لكونها بمعنى حرف النّفي الداخلة على الفعل. لكن يجب أن يكون فِعْلُها ماضيًا لفظًا نحو ربَّما قام زيدٌ أو معنىً نحو: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فإن المستقبل هنا كالماضي، لأنَّ إخبارَ اللهِ في المستقبل يجري في (التحقيق مجرى) الماضي.
[ ١٦٤ ]
وقوله أي قول الشَّاعر، هذا مثال على كون الـ (ما) كافّة عن العمل:
أخٌ مَاجدٌ لم يَخْزُني يَومَ مَشهدٍ
المجد: الكرم، وقد مَجُدَ الرَّجُلُ بالضَّم فهو مجيد وماجد، والمشهد: محضر النَّاس. والمُراد هنا: الحرب.
كما سيف عمروٍ لم تَخُنْهُ مَضَارِبه [الطويل]
كما سيفُ عمروٍ بالضمّ: مبتدأ، لأنَّ (ما) تمنع الكاف عن العمل، ومضافٌ إلى عمرو.
لم تَخُنْهُ: خبره، وفاعله مستتر راجع إلى السيف، ومفعوله ضمير راجع إلى عمرو.
مضاربه: بالنصب مفعول فيه بتقدير في، وقد تستعمل تلك الكاف (في القرآن) وفي الوقوع نحو: كما حضر زيد قام عمرو، أي قارن القيام والحضور في الوقوع. وقيل: إنَّها لتأكيد الوجود كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾: أَوْجِد رحمتهما إيجادًا متحققًا كما أوجدت تربيتهما إيجادًا محقّقًا، في زمان الماضي.
وزائدة، وهو قسم خامس من (ما) الحرفية وتسمى هي وغيرها أي ما وغيرها حال كونها من الحروف الزائدة، وهي ثمانية أحرف:
[ ١٦٥ ]
إنْ، أنْ، ومَا، ولَا، ومِنْ، والباء، واللام، والكاف بالندرة.
مرَّ تفصيلُ كل واحد منها في موضعه.
صلةً وتأكيدًا لأنَّها يُتوصل بها إلى زيادةِ فصاحة، واستقامةِ وزن، أو حُسْن سَجْعٍ، أو تزيين لفظ، وغير ذلك نحو: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ﴿وعَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾. فـ (ما) في الآيتين صلة ومؤكدة، ورحمه وقليل: مخفوض بـ (الباء) و(عن).
أي فبرحمة وعن قليل الأوَّل تفسير للأول، والثاني للثاني.
[ ١٦٦ ]