بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذا كتاب شيخ زاده: شرح قواعد الإعراب.
واعلم أن الشيخ لم يُصدّر رسالته بالحمد كما فعله غيره.
إمّا اكتفاءً بالبسملة، بناءً على أن المراد بالحمد الواقع بالحديث هو الوصف بالجميل، على جهة التعظيم والتَّبجيل، لا للحَمْدَلَةِ، على ما نصَّ عليه شارح "مسلم".
وإمّا هضمًا لنفسه، بأنّ كتابه هذا ليس ككتب السّلف حتى يسلك في سننهم ولا يلزم منه عدم الابتداء بالحمد مطلقًا، حتَى يكون بتركه أقطع لجواز إتيانه من غير أن يجعله جزءًا من الكتاب.
فقال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: الباء متعلقة بمحذوف تقديره: بسم الله أبدأ. وتقديم المعمول للدلالة على الإختصاص، أو متبرِّكًا باسم الله أبدًا. فعلى الأول يكون الباء للاستعانة، وعلى الثاني يكون للمصاحبة.
[ ٣ ]
والاسم: مشتق من السُّمو عند البصريين، لكونه رفعةً وشعارًا للمسمّى، فحذف الآخر، وبُني الأوّل على السكون، فزيدت عليها همزةُ الوصل، إذ كان دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك، ويقفوا على الساكن.
وإذا وقعت في الدَّرْج لم يُحتج إلى زيادة شئ.
ومن السِّمة عند الكوفيين بمعنى العلامة فتاؤها عوض عن الواو كما في عِدة، فيكون أصله وسمًا، فحذفت الواو على غير القياس، وعوّضت همزة الوصل. وإنّما لم يكتب الألف كما هو وضع الخطّ لكثرة الإستعمال.
وتطويل [الباء] عوض عن الألف.
ومن لغاته أن يستغنى عن الهمزة بالتَّحريك، فقيل: سِمْوٌ، بكسر السين على القاعدة الممهّدة، أو بالضم ليدلَّ على الواو.
والله: قال بعضٌ:
إنّه علم لذات، واجب لأنّه يوصف، ولا يوصف به، ولأنه لابدّ له من اسمٍ يجري عليه صفاته، لا يصلح له مما يطلق عليه سواه، ولأنّه لو كان وصفًا لم يكن قوله: لا إله إلَّا الله توحيدًا؛ لأنه لم يمتنع من الشّركة.
[ ٤ ]
وقال (بعض): الأظهرُ أنّه وصفٌ في أصله، لكنّه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره صار كالعلم، فأجري مجراه.
أصله إله، وهو اسم لكلِّ معبود، ثم غلب - (بحيث لا يستعمل في غيره) - على المعبود بالحقّ على وزن فِعال، بمعنى مَفْعُول، أي مألُوه.
واشتقاقه:
إمّا من أَلِهَ بالفتح، بمعنى عبد، أو بكسر بمعنى تحيّر، لأنّ العقولَ تتحيّر في معرفته.
أو من أَلَهْتُ إلى فلانٍ أي: سكَنْتُ. لأنّ القلوب تطمئن بذكره، وتسكن إلى معرفته. أو من أَلَهَ إذا فزع من أمرٍ نزل عليه، وألَّهَهُ غيره، أي: خلّصه من الحزن، لأن العائذ يُفزَع عليه.
أو من ألَهَ الفصيلُ إذا حَرَصَ على أُمِّه، لأنّ العباد يحرصون عليه بالتَّضرُّع والشّدائد.
أو من وَلِهَ، وهو أيضًا بمعنى تَحَيَّر، فكان أصله وِلَاه، بكسر الواو فقلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها، فحذفت الهمزة، وعوّض عنها الألف واللّام، ويدلّ عليه الجمع بحرف النداء والقراءة بالقطع في المنادى.
قال بعضٌ: دخلت عليه الألف واللّام، وحذفت الهمزة تخفيفًا لكثرته في الكلام، ولو كانتا عوضًا عنها لما اجتمعتا مع المعوّض عنه، وقطعت الهمزة في النّداء للزومها تفخيمًا لهذا الاسم.
وأمّا الجمع بينهما وبين حرف النّداء، لعدم الإذن الشرعي في إطلاق الأسماء المبهمة على الله تعالى.
[ ٥ ]
وقيل: أصله لَاهَ، مصدر لَاهَ يَلِيْهُ لَيْهًا ولَاهًا، إذا احتجب وارتفع، لأنّ الله تعالى محجوب عن دَرْك البصائر، ومرتفع عن كلّ شيء، وعمّا لا يليق به.
وقيل: أصله لَاها بالسّريانية، فَعُرِّبَ بحذف الألف الأخيرة، وإدخال اللام عليه. وعلى جميع الوجوه أدغم "اللام الزائدة في الأصل في التلفُّظ دون الخطّ لكونها في الكلمتين.
الرّحمن الرَّحيم: اسمان بُنيا للمبالغة من رَحِمَ.
والرّحمة في اللّغة: رقة القلب، وهي من الأفعال النفسانيّة التي تستحيل من الله تعالى، فعبّر عنها بلازمها، وهو التفضُّل والإحسان.
الرَّحمن أبلغ من الرّحيم، لأنَّ زيادة (اللفظ) تدل على زيادة المعنى، وذلك يكون تارةً باعتبار الكميّة، أي باعتبار كثرة أفراد المُنْعم (عليه) وقلّتها.
فعلى هذا يقال: رَحْمنُ الدُّنيا لأنه للمؤمن والكافر، ورحيم الآخرة، لأنَّه يختصُ بالمؤمن. وتارة باعتبار الكيفية، فيقال: رَحْمن الدُّنيا والآخرة، ورحيم الدُّنيا، لأن النِّعم الأخرويّة كلّها عظامٌ، وأمّا النّعم الدّنيوية فقد تكون جليلةً وحقيرةً.
وإنّما قدّم الرّحمن، مع أنّ القياس يقتضي الترَّقِّي من الأدنى إلى الأعلى؛ لكونه صار كالعلم، من حيثُ إنه لا يوصف به غيره، أو لتقدير رحمة الدّنيا على الوجه الأوّل. وأصلُ الرّحمن: الرّحمان، حذفت الألف من الخطّ تخفيفًا، وقلبت اللام راءً لقرب مخرجهما، فأُدغم فيه في التلفظ دون الخطّ، لكونهما في الكلمتين.
وكذا الرّحيم.
[ ٦ ]
قال: ذُكر بلفظ الماضي إمّا للتّفاؤل، أو لكون تأليفه قبل الدّيباجة.
الشيخ الإمام: أي: المُقْتَدَى من حيث العلم والعمل، وإنما تسمى بهم شيخًا، لأنّهم يتخلّقون بأخلاق الشّيوخ؛ يقال للعالم: شيخ ولو كان شابًّا.
العالم العامل: صفة ثالثة له، وإنّما قُدّم على العمل لكونه سببًا له، وما وقع في بعض النُّسخ تقديم العامل عليه لكونه مقصودًا بالذات.
جمالُ الدّين: بالرّفع، بدل عن الشّيخ، أو عطف بيان له، وهو لقب.
أبو محمد: الذي اسمه عبد الله، وهو ابن يوسف بن هشام، ابنُ بالرّفع صفة جمال الدّين، ومضاف إلى هشام. وجملة: نفع الله المسلمين: دعاءٌ لهم بحسب الظاهر، ولنفسه في الحقيقة. بأن يكون علمه منُتفَعًا به.
ببركته: الظّنُّ أن الضمير راجع إلى ابن هشام أي: بخيره الكثير، وإنّما مدح نفسه مع أنّ المدح مذموم من الغير، فكيف من نفسه، ليعلم النّاظر (إليها) في أوّل الأمر إنّها من مؤلفات الثّقات، حتى لا يُنظر إلى رسالته بنظر الحقارة، على أن المراد منه الإخبار عن أنعم الله تعالى عليه، لا المدح، امتثالًا إلى أمر الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.
هذه: المشار إليه مقدر بمعرفة المقام، وهي الرّسالة.
وجملة ما في الكتاب من هذه محكيُّ القول.
[ ٧ ]
فوائد: جمع فائدة، وهي ما استفدتَ من عِلْم.
وقوله: جليلةٌ: أي عظيمة.
في قواعد: جمع قاعدة، وهو الأَسَاس. والمراد هنا القانون، وهو كلُّ أمر منطبق على جميع جزئياته، كقولنا: كل ما اشتمل على علم الفاعلية فهو مرفوع.
الإعراب: هو الذي آخر الحرف من الحركات والحروف المعهودة. وعند كثير من النُّجاة هو اختلاف آخر الكلمة، فعلى هذا الوجه يكون الإعراب أمرًا معقولًا، وإنّما سُمّي إعرابًا لكونه. مبينيًّا بمعنى الفاعلية والمفعولية والإضافة، من قولهم: أعربَ الرَّجل عن حجته إذا بيّنها.
أو لأنّ فيه أدلّةَ فساد الإلتباس من قولهم: أعْرَبَ إذا أزال العَرْبَ، وهو الفساد.
وجملة تقتفي: حال من هذه، أي تُتبْع تلك الرّسالة متأمّلَها، أي: من نظر إليها مستبينًا.
جادة الصّواب: أي: الطّريق المعظم الخالي عن الخطأ.
وتطلعه: المستتر راجع إلى الرّسالة، والبارز إلى المتأمّل.
في أَمَدٍ قصيرٍ الأَمَدُ: الغاية، والقصير ضدّ الطّويل، والمراد ههنا الزّمان القليل.
على نكت: جمع نُكته، وهي النقطة، استعيرت هنا لمعانٍ دقيقة.
كثيرة: التي كائنة من الأبواب، أي من أنواع الإعراب.
عَمِلْتُها: أي جمعتُها، والتعبير للمشاكلة.
عَمَلَ: بالنصب، أي كعمل.
[ ٨ ]
من طَبَّ لمن حَبَّ، وسميتها: قال المحشِّي [في] "الضوء": سمّى من الأفعال التي تتعدى إلى الثاني بواسطة الحرف، لكن يحذف اتّساعًا.
قال الجوهريُّ: سمّيت فلانًا زيدًا، وسمّيته بزيد [بمعنىً].
فمفعوله الأوّل الضمير الرّاجع إلى الرسالة، والثاني: بالإعراب وجهًا [وإنّما سمّيت به مع أنّ الاختلاف آخر الكلمة أو ما يوجد في آخر المعرب من الحركة، أو الحروف المعهودة مع اختلاف القولين للمبالغة، ويجوز أن يكون الوجهان المذكوران في تسميته للاختلاف بالإعراب] كائنًا عن قواعد الإعراب.
ومن الله: متَعلّق أستمدُّ، والتّقديم للتّخصيص، والاستمداد في اللُّغة طلبُ المدد، ثم استعير لمطلق الطّلب.
التوفيق: وهو استعداد الإقدام على الشيء، وقيل: جعل الله أفعالَ عباده موافقًا لما يحبُّه ويرضاه.
وقيل: هو موافقة تدبير العَبْد لتقدير الحقّ.
وقيل: هو الأمر المقرِّب إلى السّعادة الأبدية، والكرامة السّرمدية.
وقيل: جعل الأسباب موافقةً للمسبّبات.
[ ٩ ]
والهدايَة: أي الدلالة الموصلة إلى المطلوب، على ما ذكره الزمخشري مستدلًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
وذكر الإمام الرّازي في "التفسير الكبير": هي الدّلالة على ما يوصل إلى المطلوب سواء كان أوُصِلَ إليه بالفعل أوّلا. واستدلّ بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾.
والحقُّ أنها مستعملة في كلا المعنيين، لكن الاستعمال في معنى الدّلالة الموصلة بالفعل أكثر.
إلى أقوم الطريق: متعلّق إلى الهداية، أي أعدله.
بمنّهِ: متعلّق بأستمدّ، أي بإنعامه وكرمه.
وتنحصر بحسب تأليفه وترتيبه. في أربعة أبواب: الباب في الأصل مدخلُ البيت، وإنّما سمّي به لكون الدّخول في شموله بعد المجاوزة عنه، كما يُدخل في البيت بعد المجاوزة عن بابه. أصلُه: بَوَب، يدلُّ عليه مجيء جمعه [على] أبواب.
الأوّل: قال في "الصحاح": الأوّل نقيض الآخر، وأصله: أوْءَل على وزن أفْعَل مهموز الأوسط، قلبت الهمزة واوًا، وأدغمت. يدلُّ على ذلك قولهم: هذا أوّل منك. والجمع: الأوائل، والأوالي أيضًا على القلب.
[ ١٠ ]
وقال قوم: أصلُه وَوّل على وزن فَوْعَل، وقلبت الواو الأولى همزةً، وإنّما لم تجمع على أَوَاوِل لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع، وهو إذا جعلته صفة لم تصرفه، تقول: لقيته عامًا أوّل، وإذا لم تجعله صفة صرفته، تقول: لقيته عامًا أوّلًا، وتقول في المؤنّث: هي الأولى، والجمع الأُوَلُ، مثل: أُخرى وأُخَر، وكذلك لجماعة الرّجال من حيث التأنيث.
قال الشاعر:
عَوْدٌ عَلَى عَوْدٍ لأَقوامٍ أُوَلْ [الرجز]
[ ١١ ]