الغرض منه:
أن يبين ما يجوز / ٦٤ ب في إشراك المظهر للمضمر مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في إشراك المظهر للمضمر؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز إشراك المظهر للمضمر المرفوع المتصل بالفعل من غير تأكيدٍ، إلا على قبحٍ؟ .
ولم جاز في المضمر المتصل المنصوب؟، وما حكم: رأيتك وزيدًا؟ ولم جاز من
[ ٦٤٦ ]
غير تأكيد، وإنك وزيدًا منطلقان؟ .
ولم قبح: فعلت وعبد الله، وأفعل وعبد الله؟ .
ولم غير الفعل للمضمر المرفوع؟ وما في شدة الاتصال مما يوجب تغيير الفعل؟ وما دليله من أنه نظير استتاره في الفعل؟ .
ولم جرى المنفصل مجرى المظهر؟ .
ولم صارت التاء في: ضربت، بمنزلة الألف في: أعطيت؟ .
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤]، ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩]؟ .
ولم حسن بالتأكيد العطف عليه، ولم يحسن بغير التأكيد؟ وما نظيره من قولهم: قد علمت أن لا تقول ذاك؟ ولم كان التأكيد في المضمر بمنزلة الفصل في هذا؟
[ ٦٤٧ ]
وهل ذلك لأجل البيان بطول الكلام الذي يخرج الثاني من الحمل على ما لا يصلح أن يحمل عليه؟ .
وما الشاهد في قول الله جل وعز: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]؟ ولم حسن العطف على المضمر المتصل من غير تأكيد؟ .
وما الشاهد في قول عمر بن أبي ربيعة:
(قلت إذ أقبلت وزهرٌ تهادي كنعاج الملاء يعسفن رملا)
ويروي:
( كنعاج الملاء تعسفن رملا)
ولم جاز في الضرورة مثل هذا؟ وهل ذلك لأنه شبه بالمضمر المنفصل؟ .
[ ٦٤٨ ]
الجواب:
الذي يجوز في إشراك المظهر للمضمر إجراؤه عليه في كل مضمرٍ إلا المضمر المتصل المرفوع، فإنه لا يجوز أن يعطف عليه إلا بالتأكيد؛ لأنه غير له لفظ الفعل حتى صار كبعض حروفه، وبعض حروف الفعل لا يعطف عليه، فلما عومل بالتغيير معاملة بعض حروف الفعل؛ عومل بالامتناع من العطف عليه تلك المعاملة؛ حتى يجري على قياس مستقيمٍ. فإذا أكد أبان التأكيد معنى المضمر حتى يصير بالتأكيد /٦٥ أكالمنفصل؛ للبيان الذي يوجبه التأكيد، ولو لم يكن لم يجز؛ لما بينا.
وتقول: رأيتك وزيدًا، وإنك وزيدًا منطلقان، فيحسن هذا؛ لأن الضمير المنصوب لا يغير له لفظ الفعل، فجرى مجرى المنفصل.
وتقول: فعلت أنا وعبد الله، ويقبح: فعلت وعبد الله، وأفعل وعبد الله؛ لأنه عطفٌ على المضمر المرفوع من غير تأكيد.
وشدة الاتصال تتعاظم، فيكون بعضه أشد اتصالًا من بعضٍ بوجوهٍ معقولةٍ تقتضي ذلك، فما اتصل من الزوائد بالكلمة بما لو سقط لم يكن للكلمة معنى فهو أشد إتصالًا مما يتعاقب عليها كتعاقب هاء التأنيث في نحو: قائمٍ، وقائمة، وذلك كالواو في: ضروبٍ، والألف في: ضاربٍ، فما كان من الزوائد في حشو الكلمة فهو أشد اتصالًا مما كان في آخر الكلمة قد أتى بعد سلامة بنيتها، وخلوص معناها
[ ٦٤٩ ]
على التعاقب في ذلك الزائد.
وما اتصل بالكلمة مما لا يصلح أن يوقف عليه فهو أشد اتصالًا بها مما يمكن أن يوقف عليه، كالباء في: بزيدٍ، ومن [في] قولك: من زيدٍ.
وما اتصل بالكلمة على تغيير صيغتها عما كانت عليه قبل اتصاله فهو أشد اتصالًا مما أتصل بها على غير تغييرٍ.
فعلى هذه الأصول يعمل في شدة الاتصال، فالتاء في: ضربت، بمنزلة الألف في: أعطيت، في شدة الاتصال، لأنهما جميعًا لو سقطا؛ لم يبق للكلمة معنى، فكانا بهذا أقرب إلى الحروف الأصول.
وفي التنزيل: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤]، ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩]، فهذا حسنٌ على القياس الذي بينا.
ونظيره: قد علمت أن لا تقول ذاك؛ لأنه لما طال الكلام بحرف يؤذن بصحة حمل الثاني على الأول؛ حسن الكلام.
وفي التنزيل: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فجاء هذا من غير تأكيد المضمر، ولكن فيه ما يقوم مقام التأكيد من (لا)، والدليل على ذلك أنه يحسن: قد علمت أن لا تقول ذاك؛ لأن (لا) قد فصلت، وقامت مقام الاسم في هذا
[ ٦٥٠ ]
فكذلك (لا) في الآية قد فصلت، وقامت مقام الاسم فيه.
وقال عمر بن أني ربيعة:
(/٦٥ ب قلت إذ أقبلت وزهرٌ تهادى كنعاج الملا تعسفن رملا)
فجاز هذا في ضرورة الشاعر، وإنما وجه الكلام: قلت إذ أقبلت هي وزهرٌ تهادى، وإنما جاز في الضرورة؛ تشبيهًا بالمضمر المنفصل؛ إذ قد اجتمعا في الإضمار وعلامة المرفوع.
[ ٦٥١ ]