الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في إضمار المفعولين في الفعل الذي يتعدى إلى اثنين مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في إضمار المفعولين في الفعل الذي يتعدى إلى اثنين؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز فيهما المنفصل، ولا في الأول منهما؟ .
ولم جاز في الثاني المتصل والمنفصل؟ وما في وقوعه بعيدًا من العامل بالفاعل والمفعول الأول، مع قوة نفوذه إليه؟ وهل نفوذه إلى الأول أقوى كما أن عمله في الفاعل أقوى؟ .
وما حكم: أعطانيه، وأعطانيك؟ ولم جاز بالمتصل والمنفصل في: أعطاني إياه، وأعطاني إياك؟ .
[ ٦١٥ ]
ولم ترتب المفعول في الضمير هاهنا على أن يبدأ بالأقرب، ولا يبدأ بالأبعد؟ فلم قبح: /٥٨ أأعطاهوني، وحسن، أعطانيه؟ ولم قبح: أعطاكني، وحسن: أعطانيك؟ .
وما وجه إجازة النحويين خلاف الترتيب في هذا على القياس؟ وما القياس الذي أوجب جوازه؟ وهل ذلك لأنه يجوز بإجماعٍ: رأوني، ورأيتني، على أن يبدأ بالأبعد، إلا أنه يفرق بين الأمرين أن هناك فاعلًا ومفعولًا، وليس في هذا إلا مفعولان؟ .
ولم حسن في المنفصل: أعطاه إياه، وأعطاك إياي، ولم يحسن في المتصل؟ وهل ذلك لأن المنفصل يجري مجرى الأجنبي في التقديم والتأخير والفرق بينه وبين العامل، فلم يطالب له العامل بالترتيب كما يطالب في المتصل؛ إذ يمنع من تقديم المتصل عليه، ولا يمنع من تقديم المنفصل، وهذا هو المطالبة بالترتيب في المتصل، فلما طالب بترتيبه في الموقع؛ طالب بترتيبه في الأقرب، وكما لم يطالب بترتيب المنفصل في الموقع الذي هو أوكد؛ لم يطالب بتربيته في الأقرب، فعلى هذا كلام العرب، ومذهب سيبويه الذي يختاره ولا يجوز غيره، وإن كان بعض
[ ٦١٦ ]
النحويين قد أجاز ذلك على القياس الذي ذكرنا، وهو مذهب أبي العباس يخالف فيه سيبويه، وقد بان وجه الصواب في ذلك أنه مذهب سيبويه؟ .
ولم جاز: أعطيتكه، وأعطاكه، ولم يجز: أعطيتهوك، ولا أعطاهوك؟ .
وما الشاهد في قول الله جل وعز: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨] فالأقرب المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب؛ لأن المتكلم أخص بكلامه من المخاطب، والمخاطب حاضرٌ كما أن المتكلم حاضرٌ لكلامه، وهو أخص به في أنه أحق بإدراكه، ثم المخاطب، ثم الغائب؟ .
وما وجه إلزام من أجاز أن يبدأ بالأبعد في الضمير أن يقول: منحتنيني؟ وهل ذلك لأنه وضع المتصل غير موضع المنفصل، فقبح فيما ينافر طباع المتكلمين بهذا اللسان؟ .
[ ٦١٧ ]
وما وجه اعتراض أبي العباس بأن هذا تشنيعٌ كتشنيعٍ ضعفه أهل الحديث؟ .
وهل يفسد ذلك أن التشنيع على وجهين؛ أحدهما: ما ينافر طبع العاقل من غير عادةٍ سيئةٍ، والآخر: ما ينافر الطبع لعادة /٥٨ ب سيئةٍ؛ لأن: منحتني نفسي، ليس بعادةٍ سيئةٍ بإجماعٍ، فعلى هذا معتبر التشنيع؟ .
وما حكم المفعولين إذا استويا في المنزلة من الأقرب أو الأبعد؟ فلم جاز في الأبعد: أعطاهوها، وأعطاهاه، ولم يجز مثل ذلك في المخاطب والمتكلم حتى تقول: أعطاك نفسك؛ أي: خلي بينك وبينها، وأعطاني نفسي؟ .
ولم كان الأكثر في كلامهم: أعطاه إياه؟ وهل ذلك لكراهة التعقيد بالتضعيف للمتصل من الضمير؟ .
وما الشاهد في قول الشاعر:
[ ٦١٨ ]
(وقد جعلت نفسي تطيب لضغمةٍ لضغمهماها يقرع العظم نابها؟ .)
فلم وجب ألا تستحكم علامات الإضمار هاهنا كما لم تستحكم في: عجبت من ضربي إياك؟ وهل ذلك لبعد المعمول من العامل في المرتبة الثالثة، وهو في المصدر؛ لضعف العامل عن منزلة الفعل الحقيقي؟ .
ولم جاز: حسبتك إياه، وحسبتني إياه، وكان أقوى وأكثر من: حسبتنيه، وحسبتكه؟ .
وما في دخول: حسبت، على الابتداء والخبر كدخول: كان وليس عليهما؟
[ ٦١٩ ]
وهل ذلك يقربهما من الفعل الذي ليس بحقيقي؟ .
الجواب:
الذي يجوز في إضمار المفعولين في الفعل الذي يتعدى إلى اثنين إجراء الأول على المتصل، وإجراء الثاني على جواز المتصل والمنفصل؛ لبعده من العامل بمرتبتين.
ولا يجوز في المفعول الأول المنفصل؛ لقربه من الفعل بأنه ليس بينه وبينه إلا الفاعل، فقوة نفوذ الفعل إلى المعمول تجعل المفعول الأول بمنزلة ما يلي العامل.
وتقول: أعطانيه، وأعطانيك، ويجوز: أعطاني إياه، وأعطاني إياك.
والمفعول الثاني يترتب في المتصل على الأقرب فالأقرب؛ وذلك أن الأقرب المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب.
وإنما كان المتكلم أقرب؛ لأنه حاضرٌ هو أخص بالفعل بأنه أحق بإدراكه قبل غيره من سائر العباد، ثم المخاطب؛ لأنه حاضرٌ للكلام، ثم الغائب.
[ ٦٢٠ ]
وإنما ترتب بالفعل في الأقرب فالأقرب، ولم يترتب المنفصل؛ لأن الفعل أقوى على المتصل منه على المنفصل؛ إذ ترتبه في الموقع /٥٩ أبمنعه إياه أن يتقدم عليه، أو أن يفرق بينه وبينه، فكذلك ترتبه في الأقرب.
وليس كذلك المنفصل؛ لأنه يجري مجرى الأجنبي في التقديم والتأخير والفرق، فلا يجوز: أعطاهوني، ويجوز: أعطاه إياي، وأعطانيه، ولا يجوز: أعطاكني، ولكن: أعطانيك، وأعطاني إياك، وأعطاك إياي، كل ذلك جائز حسنٌ.
وقد أجاز بعض النحويين خلاف الترتيب في هذا قياسًا على الضمير المنفصل، وقد بينا الفرق بينهما بما يوجب إبطال ذلك القياس.
وتقول: أعطيتكه، وأعطاكه، ولا يجوز: أعطيتهوك، ولا أعطاهوك؛ لما بينا.
وفي التنزيل: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨]، فجاء هذا على الأقرب، وهو المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب، وهو القياس الحسن.
ويلزم من بدأ بالأبعد أن يقول: منحتنيني، وهذا قبيحٌ شنعٌ في الأفهام الصحيحة من أهل هذا اللسان.
[ ٦٢١ ]
وقد اعترض أبو العباس في هذا بأنه تشنيعٌ يجري مجرى تشنيعٍ ضعفه أصحاب الحديث.
وليس الأمر كذلك؛ لأن الشنيع الفاسد إنما يرجع إلى عادةٍ سيئةٍ، فأما الشنيع الصحيح؛ فيرجع إلى استقباح أفهام العقلاء، وهو حجةٌ على من أدرك شناعته، ولو لم يكن هذا أصلًا عليه؛ لم يلتفت إلى استحسان العقلاء من أهل هذا اللسان. كما لا يلتفت إلى استقباحهم، وليس الأمر كذلك.
وحكم المفعولين إذا استويا في المنزلة من الأقرب أو الأبعد أن يجوز أن يبدأ بما شاء المتكلم منهما إذا اختلف لفظاهما، فأما إذا اتفقا فيقبح؛ للتعقيد بتضعيف علامة الضمير، فتقول: أعطاهوها، وأعطاهاه، والأحسن في هذا المنفصل؛ لئلا يكون عل التعسف بالتعقيد.
والحمد لله وحده.
يتلوه - إن شاء الله - في الجزء الذي يليه: وقال الشاعر:
وقد جعلت نفسي
وصلى الله على محمدٍ وآله.
[ ٦٢٢ ]
/٥٩ ب الجزء الثلاثون من شرح كتاب سيبويه، إملاء أبي الحسن
علي بن عيسى النحوي، ﵀ عليه.
/٦٠ أبسم الله الرحمن الرحيم، المستعان الرحمن.
وقال الشاعر:
(وقد جعلت نفسي تطيب لضغمةٍ لضغمهماها يقرع العظم نابها)
فما يضعف فيه المتصل على ثلاثة أوجه:
المفعول الثاني؛ لبعده من العامل.
والمصدر؛ لضعف العامل، في المنزلة الوسطى.
وكان وأخواتها؛ لأنها ليست فعلًا حقيقيًا.
الحكم متفقٌ، والعلل مختلفةٌ.
والأجود في خبر: حسبت وأخواتها، المنفصل؛ لأنه أشبه باب إن، وكان، في الدخول على المبتدأ والخبر، وأنه ليس فعلًا ينفذ إلى مفعولٍ في الحقيقة لفعلٍ يوقعه به، وإنما هو مختصٌ بالمبتدأ والخبر، فتقول: حسبتك إياه، وحسبتني إياه، فهذا أقوى من: حسبتنيه، وحسبتكه.
[ ٦٢٣ ]