الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الاستثناء الذي تكون (إلا) فيه بمنزلة (غير) في الصفة مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الاستثناء الذي تكون (إلا) فيه بمنزلة (غير)؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم يجوز [أن تكون بمنزلة: غير] حتى تجري على موصوف؟ وهل ذلك لأنها مدخلة على باب الصفة بالشبه، والوصف لـ (غير) بحق الأصل، ولـ (إلا) بحق الشبه، فلم تقو على أن تقدم مقام الموصوف، وقويت (غير) على ذلك، تقول: ما جاءني غير زيد، فتكون (غير) قد قامت مقام الموصوف، ولا يجوز: ما جاءني إلا زيد، على أن (إلا) قامت مقام الموصوف، ولكن على تفريغ العامل؟ .
وما حكم: لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا، فإلا في هذا صفة بمنزلة: لو كان معنا رجل غير زيد لغلبنا؟ .
[ ٤٩٨ ]
ولم لا يجوز: لو كان معنا إلا زيد لهلكنا؟ وهل ذلك لأنه بمنزلة الاستثناء من موجب، من غير ذكر المستثنى منه، كقولك: سار إلا زيد، فهذا محال، ولو قلت: سار القوم إلا زيد، جاز على الصفة، ولا يجوز: سار إلا زيد، على الصفة، ولا على الاستثناء؟ .
ولم خالف في ذلك أبو العباس، فأجاز: لو كان معنا إلا زيد لهلكنا؟ وهل ذلك لأنه شبه بالنفي، ولا يشبهه؛ لأنه لا يصح فيه أعم العام على الجمل والتفصيل كما يصح في النفي، ويوضح أنه موجب أنه يجيب عنه الجواب بتقدير الإيجاب، كقولك: لو كان زيد ها هنا لسررنا به، فالسرور [جواب] عن معنى موجب في التقدير، لا عن منفي؟ .
وما تأويل: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾؟ [سورة الأنبياء: ٢٣]، ولم جاز الرفع على الصفة، ولم يجز على البدل؟ وهل ذلك لأنه لو كان على البدل؛ لجاز: لو كان فيهما إلا الله لفسدتا، ولجاز: سار القوم إلا زيد، على البدل؟ .
[ ٤٩٩ ]
وهل يجوز النصب في مثل هذا، فتقول: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، ولو سار القوم إلا زيدا لتعذر عليهم الأمر.
وما الشاهد في قول ذي الرمة:
(أنيخت فألقت بلد فوق بلدة قليل بها الأصوات إلا بغامها؟)
ولم لا يكون مثل هذا على البدل؟ وهل ذلك لأنه يوجب جواز: قليل بها إلا بغامها، وهذا لا يصح؛ لأنه في الموجب، ولا يكون إلا على الصفة، كأنه قال: قليل بها الأصوات غير بغامها؟ .
وما تأويل: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؟ [سورة النساء: ٩٥] (ولم لا يكون على البدل، مع أنه يجوز: لا يستوي غير أولى الضرر) والمجاهدون؟ وهل ذلك لأن الصفة أحق بـ (غير) إذا جرت على موصوف يصح أن تكون صفة له، كما هو في قولك: جاءني زيد الكريم، ولا يصلح فيه البدل مع توجه الصفة، وأنه لهذا الكلام بحق الأصل، فلا وجه للعدول عنه بغير سبب؟ .
وما الشاهد في قول لبيد:
(وإذا جوزيت قرضا فاجزه إنما يجزي الفتى غير الجمل؟)
[ ٥٠٠ ]
ولم لا يجوز في هذا أن يكون على البدل الذي يجوز: إلا؟ وهل ذلك لأنه
موجب، فلا يكون إلا على الصفة، أو الاستثناء الذي تكون فيه (إلا) مسلطة
للعامل؟ .
وما الشاهد في قوله:
(لوكان غيري-سليمي- اليوم غيره وقع الحوادث إلا الصارم الذكر)
فما الموصوف بالإ هاهنا؟ ولم كان على أنه صفة لغير، كقولك: لو كان غيري غير
الصارم الذكر؛ غيره وقع الحوادث، فغير الثانية صفة للأولى؟ .
وهل يجوز في مثل هذا النصب؛ إذ المعنى: لو كان شيء غيري إلا الصارم
الذكر؛ غيره وقع الحوادث؟ .
وما حكم: ما أتاني أحد إلا زيد؟ ولم جاز على الصفة، والبدل؟ وما الفرق
[ ٥٠١ ]
بينهما في المعنى؟ وهل ذلك لأنه في البدل قد اثبت إتيان زيد، وفي الصفة أبهمه،
ولم يثبته، كما أنه في قولك: ما أتاني أحد مثل زيد، لا يوجب أن زيدًا قد أتى، ولا
أنه لم يأت؟ .
وهل يجوز: ما أتاني إلا زيد، على الصفة؟ ولم لا يجوز ذلك؟ وما نظيره من
قولهم: أجمعون، في أنه لا يكون تأكيدًا إلا تابعًا، كما لا يكون صفةً إلا تابعًا؟ .
وما الشاهد في قول عمرو بن معدي كرب:
(وكل أخ مفارقه لعمر أبيك إلا الفرقدان)؟
ولم لا يكون الرفع في قوله: الفرقدان، إلا على الصفة؟ وهل ذلك لأنه بعد موجب؟ .
[ ٥٠٢ ]
وقول الشامخ:
(وكل خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل صارم أو معارز؟
/٣٦ ب ولم يجوز: إلا الفرقدان، على جهة: إلا أن يكون الفرقدان؟ وهل
ذلك لأن الموصول لا يحذف؛ لأنه معتمد البيان الذي تذكر الصلة لأجله، وهي
متممة له تتميم الناقص، وليس الموصول كالصفة في هذا؛ لأن الصفة على تقدير
التمام، فيصلح أن تقوم الصفة مقام الموصوف، ولا يجوز أن تقوم الصلة مقام
الموصول؛ لأنه ناقص يحتاج إلى البيان عنه؟ .
الجواب:
الذي يجوز في الاستثناء الذي تكون (إلا) فيه بمنزلة (غير) أن يتبع الاسم
بعدها ما قبلها في الإعراب كما تتبع الصفة الموصوف.
ولا يجوز أن تجري (إلا) مجرى (غير) إذا لم يكن الموصوف مذكورًا؛
[ ٥٠٣ ]
لأنها تضعف عن أن تقوم مقام الموصوف؛ لأن الوصف لها بحق الشبه، وهو لـ
(غير) بحق الأصل؛ فلذلك جاز: ما جاءني غير زيد، على الصفة، ولم يجز:
ما جاءني إلا زيد، على الصفة، ولكن على تفريغ العامل.
وتقول: لو كان معنا رجل [إلا زيد لغلبنا]، فإلا - هاهنا - صفة، كأنك
قلت: ولو كان معنا رجل غير زيد لغلبنا، ولا يجوز هذا البدل؛ لأنه بعد
موجب، لو قلت: لو كان معنا إلا زيد لغلبنا؛ كان فاسدً كفساد: سار إلا زيد؛
لأن الموجب لابد من أن يذكر فيه المستثنى منه.
ولكن يجوز: سار القوم إلا زيد، على الصفة، كما قال الشاعر:
(وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان)
فهذا على الصفة، ولا يجوز فيه البدل، ولا في نظائره؛ لأنه بعد موجب
وخالف في ذلك أبو العباس، فأجاز: لو كان معنا إلا زيد لغلبنا، وشبهه بالنفي.
[ ٥٠٤ ]
والصواب مذهب سيبويه؛ لأن هذا موجب، والدليل على ذلك الفرق بين: لو
كان عندنا زيد لسررنا، فإذا قدر تقدير
الإيجاب؛ فحكمه حكم الإيجاب، كما أنه إذا قدر تقدير النفي، كما يصح في القطع على
النفي، ويوضح ذلك أن أعلم العام يصح في تقدير النفي، كما يصح في القطع على
النفي، ويمتنع في تقدير الإيجاب كما يمتنع في القطع على الإيجاب، فلو
قلت: لو لم يكن معنا أحد إلا زيد لغلبنا؛ فأحد - هاهنا - هي التي تقع في النفي،
ويجوز فيه: لو لم يكن معنا إلا زيد لغلبنا، على البدل، فأما: لو كان معنا أحد
إلا زيد لغلبنا؛ فلا يكون (أحد) - هاهنا- إلا بمعنى: /٣٧ أواحد، ولا يصلح
فيه البدل كما لا يصلح في القطع على الإيجاب.
وأما قول الله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]
على الصفة، ولا يجوز فيه البدل؛ لأن الذي قبله موجب، ولكن يصلح في مثله
الاستثناء بالنصب كالاستثناء موجب، وذلك على قياس: سار القوم إلا زيد،
[ ٥٠٥ ]
[على] معنى: سار القوم غير زيد، فإن استثنيت على غير جهة الصفة؛ قلت:
سار القوم إلا زيدًا.
ولا يجوز فيه البدل؛ لا يجوز في الموجب تفريغ العامل، فلا يجوز: سار إلا
زيد، لا على الصفة، ولا على الاستثناء.
وقال ذو الرمة:
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة قليل بها الأصوات إلا بغامها»
فهذا على الصفة، كأنه قال: غير بغامها، ولا يكون على البدل؛ لأنه بعد
موجب.
وقول الله ﷿: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] على الصفة ولا يحسن فيه البدل؛ لأن الصفة إذا
جاءت في موضعها بعد ذكر الموصوف؛ كانت بمعنى الصفة أحق منها بمعنى
البدل، كقولك: مررت بزيد العاقل، فلا يحسن في مثل هذا البدل، ولكن قد يجوز
غير أولي الضرر، على الاستثناء الذي يجري مجرى الاستثناء من موجب،
[ ٥٠٦ ]
والرفع أحسن.
وقال لبيد:
(وإذا جوزيت قرضا فاجزه إنما يجزى الفتى غير الجمل)
فهذا على الصفة؛ لأنه بعد موجب.
وقال الشاعر:
(لو كان غيري - سليمي - اليوم غيره وقع الحوادث إلا الصارم الذكر)
فهذا على الصفة، كأنه قال: لو كان غيري غير الصارم الذكر غيره وقع
الذكر غيره وقع الحوادث.
تقول: ما أتاني، فيجوز في هذا البدل والصفة؛ لأنه في النفي،
وقد ذكر قبله ما يصلح أن يكون موصوفًا، إلا أن الفرق بين الصفة والبدل أن البدل
يوجب إثبات الفعل لما بعد (إلا)، والصفة لا توجب ذلك؛ لأنها بمنزلة /٣٧ ب:
جاءني مثل زيد.
[ ٥٠٧ ]
وتقول: ما أتاني إلا زيد، فلا يجوز هذا على الصفة؛ لأنه لم يذكر قبله
موصوف، ونظيره: أجمعون، (في أنه لا يكون) إلا تابعًا، ولا يلي العامل من
غير متبوع بينه وبين العامل، فهو نظيره في حكمه، وإن اختلفت العلة فيهما.
وقال عمرو بن معدي كرب:
(وكل أخ مفارقة أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان)
فهذا على الصفة؛ لأنه بعد موجب.
وكذلك قول الشماخ:
(وكل خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل صارم أو معارز)
فغير صفة (كل)، ولا يصلح في مثل هذا النصب؛ لأنه لم يأت بعد تمام الكلام في الموجب.
[ ٥٠٨ ]
ولا يجوز: (إلا الفرقدان) على: إلا أن يكون الفرقدان؛ لأن (أن)
موصلة، ولا يجوز حذف الموصول؛ لأنه معتمد البيان، تتممه الصلة تمام
الناقص، فلابد من ذكره إذا كان المعنى عليه.
[ ٥٠٩ ]