الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الاستثناء الذي يحمل المستثنى فيه على الموضع مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الاستثناء الذي يحمل المستثنى فيه على الموضع؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ ولم لا يجوز الحمل على الموضع إلا إذا تقدم عاملان في هذا الباب؟
وما الذي لا يجوز حمله إلا على اللفظ؟ وما الذي لا يجوز إلا على الموضع؟ وما الذي يجوز على كل واحد منهما؟ .
وما حكم: ما أتاني من أحد إلا زيد، وما رأيت من أحد إلا زيدا؟ ولم لا يكون مثل هذا إلا على الموضع؟ .
وما حكم: ما أنت بشيء إلا لا يعبأ به؟ وكيف يحمل على الموضع في لغة أهل الحجاز بالرفع، والموضع موضع نصب، وقد امتنع الحمل على اللفظ؟ وهل ذلك محمول على التأويل لا على الموضع واللفظ، كقولك: لا أنت بشيء
[ ٤٥٣ ]
إلا شيء لا يعبأ به؟ .
وما حكم: لست بشيء إلا شيئا لا يعبأ به؟ ولم لا يجوز هذا إلا على الموضع؟ .
وما الشاهد في قول الشاعر:
(يا ابني لبيني لستما بيد إلا يدا ليست لها عضد؟)
وما حكم: لا أحد فيها إلا عبد الله؟ ولم لا يجوز مثل هذا إلا على تأويل الموضع؟ .
[ ٤٥٤ ]
وما حكم: ما أتاني من أحد لا عبد الله ولا زيد؟ ولم لا يكون هذا إلا على الموضع؟ .
وما حكم: لا أحد رأيته إلا زيد؟ ولم لا يكون هذا إلا على تأويل الموضع؟ . ولم استوى الخبر والصفة في: رأيته؟ وهلا حمل على الهاء في: رأيته؟ وهل ذلك لأن المستثنى إنما هو مما وقع حرف النفي عليه؟ .
وما حكم: ما فيها إلا زيد، وما علمت أن فيها إلا زيدا؟ .
ولم لا يجوز تقديم المستثنى في هذا كقولك: ما إلا زيد فيها، وما علمت أن إلا زيدا فيها؟ وهل ذلك لضعف العامل، مع أن أصل الاستثناء تقديم المستثنى منه وتأخير المستثنى؟ .
وهل يجوز: إن أحدا لا يقول ذاك؟ ولم ضعف وقبح؟ وما نظيره في الجواز من قولهم: قد عرفت زيد أبو من هو؟ .
وهل يجوز على هذا: إن أحدا لا يقول ذاك إلا زيدا، [رأيت أحدا لا يقول ذاك إلا زيدا]؟ وما الفرق بينه وبين: ما أعلم أن أحد يقول ذاك؟ ولم جاز فيه:
[ ٤٥٥ ]
(إلا زيدًا) بالنصب والرفع؟ .
ولم لا يجوز الابتداء بحرف الاستثناء؟ وهل ذلك لأنه يخص ما مخرجه مخرج العموم مما تقدم ذكره، على جهة التقييد له، ولا يكون تقييدا له قبل أن يوجد؟ .
الجواب:
الذي يجوز في الاستثناء الذي يحمل المستثنى [فيه] على الموضع: إذا تقدم عاملان: أحدهما يعمل في الموضع، والآخر يعمل في اللفظ، وكان المستثنى يصح [حمله] على عامل الموضع في المعنى؛ حمل عليه، وإن كان يصح على عامل اللفظ؛ حمل عليه، وإن صح على الأمرين؛ جاز أن يحمل على كل واحد منهما.
ولا يجوز الحمل على الموضع في هذا الباب إلا إذا تقدم عاملان؛ لأنه ليس يذهب [به] إلى الاستثناء من مبنى موضعه رفع أو نصب، كقولك: ما جاءني أولئك إلا زيد، فليس هذا غرض الباب، وإنما هو على ما بينا من حكم عاملين: عامل موضع، وعامل لفظ، إذا جاء الاستثناء بعدهما.
والذي يجوز حمله إلا على اللفظ هو الذي لا ينعقد إلا بعامل اللفظ، كقولك: ما جاءني أحد إلا زيد، فهذا لا يكون إلا على اللفظ.
[ ٤٥٦ ]
والذي لا يكون إلا على الموضع هو الذي لا ينعقد إلا بعامل الموضع، كقولك: ما أتاني من أحد إلا زيد.
والذي يصلح على اللفظ والموضع هو الذي ينعقد بكل واحد منهما، كقولك: ما أحد اتخذت عنده يدا إلا زيد، وإلا زيد، كأنك قلت: إلا عند زيد.
وتقول: ما أتاني من أحد إلا زيد، فلا يكون هذا إلا على الموضع؛ لأن (من) التي لاستغراق الجنس لا تدخل على المعرفة، ولا في الواجب.
وتقول: ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به، فهذا على الموضع في مذهب بني تميم، وأما على مذهب أهل الحجاز؛ فلا يصح على اللفظ، ولا على الموضع؛ لأن (بشيء) في موضع نصب، ولا يحمل مرفوع على منصوب، ولكنه محمول على تأويل الموضع، كأنه قيل: لا أنت شيء إلا شيء يعبأ به.
وتقول: لست بشيء إلا شيئا لا يعبأ به، فهذا لا يجوز إلا على الموضع، كأنه قيل: لست شيئا إلا شيئا لا يعبأ به، [ومثله] قول الشاعر:
[ ٤٥٧ ]
(يا ابني لبيني لستما بيد إلا يدا ليست لها عضد)
وتقول: لا أحد فيها إلا عبد الله، فهذا لا يجوز إلا على تأويل الموضع بتقدير عامل آخ، كقولك: ليس أحد فيها إلا عبد الله.
وتقول: ما أتاني من أحد لا عبد الله ولا زيد، فهذا لا يصلح إلا على الموضع، كقولك: ما أتاني لا عبد الله ولا زيد.
وتقول: لا أحد رأيته إلا زيد، فهذا على تأويل الموضع، كأنك قلت: ليس أحد رأيته إلا زيد، ولا يصلح حمل المستثنى على الهاء في: رأيته؛ لأنه إن كان خبرا؛ فهو في موضع (منطلق)، إذا قلت: ليس أحد منطلقا إلا زيد، فلا يحمل إلا على الاسم الذي دخل عليه حرف النفي لتخصيصه، وإن جعلت (رأيته) صفة؛ فهو مع الأول بمنزلة اسم واحد، وإنما يخصص الأول.
وتقول: ما فيها إلا زيد، وما علمت أن فيها إلا زيدا، ولا يجوز تقديم المستثنى؛ لاجتماع سببين:
[ ٤٥٨ ]
أحدهما: ضعف العامل؛ لأنه حرف لا يتصرف.
والآخر: ضعف ما قام مقام المستثنى منه عن أن يتقدم عليه المستثنى.
فلما اجتمع الضعفان؛ لزم طريقة واحدة، ولم يصلح فيه التقديم والتأخير.
وتقول: إنه لا يقول ذلك أحد إلا زيد، فإن تقدمت (أحدا)، فقلت: إن أحدا لا يقول ذاك إلا زيدا، قبح؛ لأنك أوقعت (أحدا) في الواجب، وإنما حقها أن تكون في النفي وغير الواجب. ولكن قد أجازوه على ضعفه؛ لأنه داخل في معنى النفي، كما جاز: قد عرفت زيد أبو من هو؛ لأنه داخل في معنى الاستفهام، فكذلك هو داخل في معنى النفي.
وتقول: ما أعلم أن أحدا يقول ذاك إلا زيدا، فيجوز مثل هذا؛ لتقديم حرف النفي.
ولا يجوز الابتداء بحرف الاستثناء؛ لأنه تقييد ما خرج مخرج العموم، ولا يجوز تقييد شيء لم يوجد بعد؛ فلهذا لا يجوز الابتداء بحرف الاستثناء أصلا.
ولكن إذا تقدم كلام قام مقام المستثنى منه، صلح أن يؤتى بحرف
[ ٤٥٩ ]
الاستثناء؛ لأنه بمنزلة ما تقدم المستثنى منه، فصلح هذا في مثل: ما لي إلا أباك صديق؛ لأن قولك: ما لي، قد يقوم مقام المستثنى منه، فتقول: ما لي إلا أبوك، كأنك قلت: ما لي أحد إلا أبوك؛ فلهذا صلح التقديم في هذا الموضع، ولم يجز الابتداء بحرف الاستثناء.
[ ٤٦٠ ]