الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الاستثناء المنقطع الذي لا يحتمل المتصل مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الاستثناء المنقطع الذي لا يحتمل المتصل؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ ولم لا يجوز في هذا الاستثناء المنقطع حمل الثاني على الأول؟ وهل ذلك لأنه غيره مما لم يقرب من شبهه [به] حتى يكون في أعلى مراتب الأشبهه؟ .
وما تأويل قوله جل وعز: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [سورة هود: ٤٣].
ولم قدر (إلا) في هذا الباب بلكن؟ .
ولم لا يجوز أن يحمل الثاني على الأول؟ وهل ذلك لأن المعصوم ليس هو العاصم، ولا هو أشبه به على ما يقتضي حذف أداة التشبيه؟ ولم جاز أن يستثنى المعصوم من العاصم؟ وهل ذلك لأنه ينتفي بانتفائه؛ لأنه إذا كان لا عاصم؛ فلا معصوم؟ وهل يجيء على ذلك: لا ضارب اليوم إلا من جنى؟ .
[ ٤٧٨ ]
وما تأويل: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾؟ [سورة يونس: ٩٨] فلم جاز أن يستثنى قوم يونس من القرية؟ وهل ذلك لأنها في تأويل: فلولا كانت أهل قرية؟ ولم لا يجوز فيه المتصل؟ وهل ذلك لأن قوم يونس لا يحملون على القرية، فيقال: القرية قوم يونس؟ .
وما تأويل: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾؟ [سورة هود: ١١٦] ولم حمل على الاستثناء المنقطع؟ وهل ذلك لأنه لم يعتد بالقليل من المفسدين الذين تقدموا الذين لا ينهون عن الفساد؛ وذلك نصب ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [سورة هود: ١١٦] فصار كأنه قد أطلق لفظ النفي؛ ولذلك لم يجز فيه المتصل؟ .
وما تأويل قوله جل وعز: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾؟ [سورة الحج: ٤٠] وهل ذلك بمنزلة: الذين أخرجوا من ديارهم بغير سبب إلا أن يقولوا: ربنا الله، كأنه قيل: إلا قولهم ربنا الله؟ ولم لا يحتمل المتصل؟ .
وما حكم قولهم: لا تكونن من فلان في شيء إلا سلاما بسلام؟ وهل هو بمنزلة: لا يكن أمرك معه [في] شيء من الأشياء إلا سلاما بسلام؟ .
[ ٤٧٩ ]
وما حكم: ما زاد إلا ما نقص؟ ولم كان منقطعا؟ وهل ذلك لأنه بمعنى: ولكن نقص، ولو كان متصلا؛ لكان على خلاف هذا المعنى، ولوجب: ما زاد شيئا إلا الناقص، كأنه نقص الماء ثم زاد مقدار النفصان، وليس هذا معنى الكلام، وإنما معناه: ما زاد لكن نقص، وكذلك: ما نفع إلا ما ضر، لو حمل على موجب الصيغة؛ لكان: ما نفع إلا الضار، أي: نفع في شيء وضر في شيء، وليس هذا معنى الكلام، وإنما معناه: ما نفع أصلا ولكن ضر؟ .
ولم جاز: ما نفع لكن ضر، ولم يجز: ما نفع إلا ضر؟ وهل ذلك لأن (إلا) تقتضي في المنقطع - كما تقتضي في الاستثناء من موجب - أن يكون بعدها اسم مخصص للأول، وإنما يجوز الفعل بعدها إذا كانت ملغاة، كقولك: ما منهم أحد إلا قد قم، وما زيد إلا يضحك؛ فلهذا لم يجز بغير: ما؟ .
وما الشاهد في قول النابغة:
(ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب؟)
وهل حمله على المتصل يوجب أن ما مدحهم به عيب؟ وما وجه رجوعه إلى أصل الاستثناء؟ . وهل ذلك لأنه بمنزلة: لا عيب فيهم ولا في شيء من آلتهم إلا
[ ٤٨٠ ]
إلا الفلول في السيوف من قراع الكتائب، وليس ذلك بعيب فيهم؟ .
وقول النابغة الجعدي:
(فتى كملت خيراته غير أنه جواد فلا يبقى من المال باقيا؟)
وما وجه رجوعه إلى أصل الاستثناء؟ وهل ذلك على معنى: كملت خيراته في نفسه وجميع أموره إلا ذهاب ماله بالجود؟ .
وقول الفرزدق:
(وما سجنوني غبر أني ابن غالب وأني من الأثرين غير الزعائف؟)
ولم صار هذا الاستثناء منقطعا؟ وهل هو على تقدير: إلا لأني ابن غالب؟ وهل ذلك لأنه بمنزلة: وما سجنوني لأمر يوجب السجن إلا أني ابن غالب، وهذا
[ ٤٨١ ]
لا يجوب السجن، فبهذا كان منقطعا؟ وما وجه رجوعه إلى أصل الاستثناء؟ وهل ذلك لما فيه من معنى: وما سجنوني لأمر من الأمور إلا أني ابن غالب؟ .
وقول عنز بن دجاجة:
(من كان أشرك في تفرق فالج فلبونه جربت معا وأغدت)
(إلا كناشرة الذي ضيعتم كالغصن في غلوائه المتنبت؟)
وما وجه رجوعه إلى أصل الاستثناء؟ وهل ذلك لما يدل عليه البيت الأول من: أن حالكم في الإشراك في تفرق فالج كحال ناشرة الذي ضيعتم، فكأنه قيل: ما حالكم في ذلك الإشراك المنكر إلا كحال ناشرة الذي ضيعتم؟ .
وقوله:
(لولا ابن حارثة الأمير لقد أغضيت من شتمي على رغم)
[ ٤٨٢ ]
(إلا كمعرض المحسر بكره عمدا يسببني على الظلم؟)
وما وجه رجوعه إلى أصل الاستثناء؟ وهل ذلك ما يدل عليه الكلام في البيت من: أنه كان يرغم؛ لشتمه إياه لولا الأمير، وما كان يكون في ذاك إلا كمعرض المحسر بكره؟ .
الجواب:
الذي يجوز في الاستثناء المنقطع الذي لا يحتمل المتصل - إذا كان الثاني غير الأول مما لا يصلح أن يشبه عليه - أن يكون منقعطا، نصبا أبدا.
ولا يجوز أن يكون على تقدير المتصل إلا أن يصلح حمله على الأول إما بالحقيقة، وإما بالشبه.
وقوله جل ثناؤه: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [سورة هود: ٤٣] استثناء
[ ٤٨٣ ]
منقطع؛ لأن المعصوم غير العاصم، ووجه رجوعه إلى أصل الاستثناء أنه بمنزلة: لا معصوم من أمر الله إلا من رحم؛ لأنه إذا نفى العاصم؛ انتفى المعصوم، كقولك: لا عاصم فهذا يدل على: لا معصوم، فلاستثناء من مدلول الكلام الأول، كأنه قيل: لا معصوم من أمر الله إلا من رحم. ويجوز على ذلك: لا قاتل اليوم إلا من وجب عليه قصاص بقتله.
وقوله جل ثناؤه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [سورة يونس: ٩٨]، فهذا منقطع؛ لأن قوم يونس غير القرية، ووجه رجوعه إلى المتصل أنه بمنزلة: فلولا كان أهل قرية آمنوا إلا قوم يونس، ولم يجز في مثل هذا المتصل؛ لأنه
[ ٤٨٤ ]
لا يحمل الثاني على الأول.
وقوله جل ثناؤه: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [سورة يونس: ١١٦]، فهذا استثناء منقطع؛ لأنه لم يعتد بالقليل في كثير من كان لا ينهي عن الفساد، حتى صح أن يطلق: ما كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد؛ للتغليب بالتكثير؛ ولذلك نصب: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة هود: ١١٦] على الانقطاع، ولم يرفع على البدل من قوله: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [سورة هود: ١١٦].
وقوله جل وعز: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [سورة الحج: ٤٠]، فلو حمل على المتصل لم يصلح؛ لأنه بمنزلة: الذي أخرجوا من ديارهم بغير ذنب، فهو منقطع، ووجه رجوعه إلى أصل الاستثناء أنه بمنزلة: الذي أخرجوا من ديارهم بغير سبب إلا قولهم: ربنا الله، كأنه قيل: ليس لإخراجهم سب إلا هذا.
وقول العرب: لا تكونن من فلان في شيء إلا سلاما بسلام، كأنه قيل: لا يكن
[ ٤٨٥ ]
أمرك من فلان في شيء إلا سلاما بسلام، فهذا وجه الاتصال، (وأما الانقطاع؛ فلأنه لم يذكر ما يستثنى منه: سلام بسلام).
وقولهم: ما زاد إلا ما نقص، استثناء منقطع؛ لأنه بمنزلة: ما زاد أصلا لكن نقص، فليس في هذا إخراج بعض من كل، ووجه رجوعه إلى أصل الاستثناء أنه بمنزلة: هو على حاله إلا النصان الذي وقع فيه، فهذا وجه الاتصال.
وقولهم: ما نفع إلا ما ضر، استثناء منقطع؛ لأن معناه: ما نفع أصلا لكن ضر؛ ووجه رجوعه إلى أصل الاستثناء أنه بمنزلة: هو على حاله إلا الضر الذي وقع منه، ولولا (ما) لم يصلح الاستثناء ها هنا، وإن كان يصلح في (لكن)؛ لأن (لكن) حرف عطف، و(إلا) حرف استثناء يقتضي معنى الاسم الذي يخرج بعضا من كل، إلا في الموضع الذي تكون ملغاة.
وقال النابغة:
(ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب)
[ ٤٨٦ ]
فهذا استثناء منقطع؛ لأن الفلول ليس بعيب فيهم، ووجه الاتصال كأنه قال: ولا عيب في شيء منهم ولا من آلتهم إلا فلول بسيفهم من قراع الكتائب.
وقال النابغة الجعدي:
(فتى كملت خيراته غير أنه جواد فلا يبقى من المال باقيا)
فهذا استثناء منقطع، لا يصلح أن يستثنى من كمال خيراته في نفسه إلا على الذم، وليس المعنى على ذلك، وإنما هو: كملت خيراته في نفسه، وجميع أموره إلا المال الذي أتلفه بجوده، فهذا وجه رجوعه إلى أصل الاستثناء، وهو عيب في المال أن يخرج عن يد الجواد، وليس في الجواد عيب، كما أن كونه في يد الجواد فضيلة للمال، وحصوله في يد البخيل نقيصة للمال.
وقال الفرزدق:
(وما سجنوني غير أني ابن غالب وأني من الأثرين غير الزعائف)
فهذا استثناء منقطع؛ لأنه ليس قبله ما يخرج عنه، ووجه رجوعه إلى
[ ٤٨٧ ]
المتصل أنه بمنزلة: وما سجنوني لسبب من الأسباب إلا ابن غالب.
وقال عنز بن دجاجة:
(من كان أشرك في تفرق فالج فلبونه جربت معا وأغدت)
(إلا كناشرة الذي ضيعتم كالغصن في غلوائه المتنبت)
فهذا استثناء منقطع؛ لأنه لم يذكر قبله ما يخرج عن المستثنى، ووجه رجوعه إلى أصل الاستثناء أنه بمنزلة: ما كانت حالكم في الإشراك في تفرق فالج إلا كحال ناشرة الذي ضيعتم، فهو محمول على مدلول الكلام الأول [لا] على لفظه، بل هو منقطع من لفظه.
وقال:
(لولا ابن حارث الأمير لقد أغضيت من شتمي على رغم)
(إلا كمعرض المحسر بكره عمدا يسببني على الظلم)
فهو استثناء منقطع؛ لأنه لم يذكر قبله ما يخرج عنه المستثنى، وهو يرجع إلى أصل الاستثناء بمدلول الكلام الذي تقدم؛ إذ هو بمنزلة: ما حالكم في الإغضاء من شتمي على رغم - لولا الأمير - إلا كحال معرض المحسر بكره، فهذا وجه الاتصال.
[ ٤٨٨ ]