الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الاستثناء المنقطع الذي يحتمل المتصل مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الاستثناء المنقطع الذي يحتمل المتصل؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز فيه المتصل حتى يكون الثاني مما يحمل على الأول، كقولهم:
( تحية بينهم ضرب وجيع)
عند أهل الحجاز؟ .
[ ٤٦٤ ]
وما حكم: ما فيها أحد إلا حمارا؟ ولم جاز فيه النصب على مذهب أهل الحجاز، والرفع على مذهب بني تميم؟ ولم كان الاختيار النصب؟ وهل ذلك لأن المنقطع لا يأتي إلا بعد تمام الكلام، فأشبه لذلك الإيجاب؟ .
وكيف يرجع إلى أصل الاستثناء؟ وهل ذلك لأنه [نفي] أن يكون بها أحد، أو ما يتبع الأحدين، فكأنه قال: ما بها شيء إلا حمارا، وما بها حيوان إلا حمار، فهذا لا يكون إلا نصبا عند أهل الحجاز، وإنما رفع بنو تميم؛ لأنهم قدروا الأول كأنه لم يذكر؛ للاعتماد على الثاني، وفيه وجهان: إن جعلت الحمار إنسان ذلك الموضع؛ جاز الرفع على المذهبين جميعا، وإن لم تجله كذلك؛ فالنصب على مذهب أهل الحجاز، والرفع على مذهب بني تميم؟ .
وما الشاهد في قول أبي ذؤيب الهذلي:
(فإن تمس في قبر برهوة ثاويا أنيسك أصداء القبور تصيح)
[ ٤٦٥ ]
فجعل الأصداء أنيسه كما يجعل الحمار أيس ذلك الموضع؟ .
وما نظيره من قولهم: ما لي عتاب السيف، وما أنت إلا سير؟ .
وما الشاهد في قول النابغة الذبياني:
(يا دار مية بالعلياء فالسند )
ثم قال:
( وما بالربع من أحد)
(إلا أوراي لأيا .)
بالرفع على مذهب بني تميم على كل حال، وعلى تقدير أن الأواري أنيس ذلك الربع، على مذهب أهل الحجاز، وقد أنشد بالنصب على المذهب الآخر؟ .
[ ٤٦٦ ]
وما الشاهد في قوله:
(وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس؟)
ولم جاز على وجهين، وكلاهما بدل؟ .
وما حكم قولهم: ما له عليه سلطان إلا التكلف؟ وهل يجوز فيه الرفع؟ .
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾؟ [سورة النساء: ١٥٧] (وهل يجوز فيه الرفع؟ وهل تقديره: ما لهم به من عقد يعملون عليه إلا اتباع الظن)؟ .
[ ٤٦٧ ]
وما الشاهد في: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾؟ [سورة يس: ٤٢، ٤٣] وهل فيه معنى: لا نفع لهم إلا رحمة؟ .
وما الشاهد في قول النابغة:
(حلفت يمينا غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بصاحب)
كأنه قال: ولا عقد يعمل عليه إلا حسن ظن؟ .
ولم جاز الرفع في جميع ذا على مذهب بني تميم؟ .
وما الشاهد في قول ابن الأيهم التغلبي:
(ليس بيني وبين قيس عتاب غير طعن الكلى وضرب الرقاب؟)
وهل هو بمنزلة: إلا طعن الكلى؟ ولم نصبه أهل الحجاز؟ .
[ ٤٦٨ ]
وما الشاهد في قول الحارث بن عباد:
(والحرب لا يبقى لجاحمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح؟)
وما تقديره؟ ولم كان على تقدير: إلا مراح الفتى الصبار؟ .
وما الشاهد في قوله:
(لم يغدها الرسل ولا أيسارها إلا طري اللحم واستجزارها)
[ ٤٦٩ ]
كأنه قال: لم يغذها غذاء إلا طري اللحم، وقوله:
(عشية لا تغني الرماح مكانها ولا النبل إلا المشرفي المصمم)
كأنه قال: لا تغني السلاح إلا النشرفي؟ .
وهل يجوز: ما أتاني زيد إلا عمرو؟ ولم جاز؟ وهل تقديره: ما أتاني إلا عمرو، إلا أنه ذكر (زيدا)؛ للبيان عمن لم يأته، كأنه قال: ما أتاني زيد ولا غيره إلا عمرو؟ .
وهل يجوز: ما أعانه إخوانكم إلا إخواته؟ وهل هذا على نفي الإخوان وتبعهم؟ .
[ ٤٧٠ ]
الجواب عن الباب الأول:
الذي يجوز في الاستثناء الذي يحمل على النصب في النفي - إذا كان الاستثناء قد أتى بعد تمام الكلام - النصب؛ لأنه - حينئذ - على طريقة الموجب إذا لم يقدر فيه البدل؛ فإن الاسم الثاني لا يتصل بالأول إلا بإلا، فصار كالموجب في تسليط العامل على ما بعد (إلا) بما لو لم تكن لم يتسلط عليه.
ولا يجوز فيه النصب قبل تمام الكلام على طريقة الموجب؛ لأنه - حينئذ - يكون قد فرغ العامل له، فيعمل فيه على أن (إلا) كانت، أو لم تكن، فهو عامل فيه؛ لأنه مفرغ له.
وتقول: ما أتاني أحد إلا زيدا، وما مررت بأحد إلا زيدا، وما رأيت أحدا إلا زيدا، فالنصب في جميع هذا على طريقة الموجب؛ لأنه إذا لم يقدر فيه البدل صارت (إلا) هي التي تصل الثاني بالأول، وهو يشبه الاستثناء المنقطع في أنه لا يكون إلا بعد تمام الكلام.
وأما قولهم: إن لفلان - والله - مالا إلا أنه شقي؛ فموضع: أنه شقي، نصب، والعامل فيه مقدر، كأنه قيل: إن لفلان مالا يسعد به صاحبه إلا صاحب الشقاء الذي قد ذكر، وعلى هذا يرجع إلى أصل الاستثناء في إخراج
[ ٤٧١ ]
بعض من كل.
ولا يجوز أن تعمل فيه (إن)؛ لأن (إلا) إنما تخصص على أن تنفي عن الثاني ما وجب للأول، أو توجب له ما انتفى عن الأول، فلما كانت (إن) ليس لها معنى يصح في هذا؛ إذ معناها التوكيد؛ لم يصلح أن يستثنى منها، وإنما استثنى على معنى نفي السعادة بالمال الذي تحصل به لغيره، فهذا معنى الكلام، وليس معناه على نفي التأكيد الذي حصل للمعنى الأول، وله ضروب من التقديرات يدل هذا الكلام عليها، إلا أن أقربها وأحسنها ما ذكرنا.
والفرق بين البدل والنصب في: ما جاءني أحد إلا زيدا، أن النصب على أن معتمد البيان (أحد)، والرفع على البدل يكون على أن معتمد البيان (زيد).
[ ٤٧٢ ]
الجواب عن الباب الثاني:
الذي يجوز في الاستثناء المنقطع المحتمل للمتصل إذا كان الثاني من غير جنس الأول، إلا أنه يصلح أن يحمل عليه؛ ففيه وجهان: النصب على الانقطاع، والبدل على أن الثاني يصلح أن يحمل على الأول على طريق الاتساع؛ للمبالغة في التشبيه، كولهم:
( تحية بينهم ضرب وجيع)
وهذا على مذهب أهل الحجاز، فأما بنو تميم فيبدلون على تقدير تفريغ العامل، كأنه لم يذكر الأول؛ لأنه لما جاز أن يترك، ويعتمد على الثاني في تفريغ العامل؛ جاز أن يذكر عمن نفى عنه الفعل بعض ذلك على طريق البيان، يعتمد على الثاني كأنه لم يذكر الأول.
ولا يجوز أن يجري على طريقة المتصل حتى يكون الثاني مما يصلح أن يحمل على الأول في مذهب أهل الحجاز، وإن جاز ذلك على مذهب بني تميم.
وتقول: ما فيها أحد إلا حمارا.
والحمد لله وحده، وصلى على محمد وآله.
[ ٤٧٣ ]
الجزء الثامن والعشرون من شرح كتاب سيبويه. إملاء أبي الحسن
علي بن عيسى النحوي. رحمة الله عليه.
بسم الله الرحمن الرحيم
وتقول: ما فيها أحد إلا حمارا، على الاستثناء المنقطع؛ لأن الثاني من غير جنس الأول، فإن جعلته أنيس ذلك المكان على الاتساع؛ قلت: ما فيها أحد إلا حمار.
فأما بنو تميم فيرفعون على كل حال، كأن الأول لم يذكر.
والاختيار النصب؛ لأنه لما كان لا يأتي إلا بعد تمام الكلام؛ أشبه الاستثناء من موجب.
وأما رجوعه إلى أصل الاستثناء؛ فإنه لما كان على نفي الأحدين، وما يتبعهم؛ صار كأنه قال: ما فيها شيء إلا حمارا؛ لأنه جعل كل شيء يكون في الديار يتبع الأحدين في أنه ينتفي عنها بانتفائهم، ولولا ذلك لم يكن للاستثناء معنى على المذهبين جميعا؛ لأن بني تميم وإن قدروه على معنى: ما فيها إلا حمار، فالمستثنى منه مدلول عليه، وإن لم يكن على جهة الحذف.
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
[ ٤٧٤ ]
(فإن تمس في قبر برهوة ثاويا أنيسك أصداء القبور تصيح)
فحمل الثاني على الأول على الاتساع، ومثله: ما لي عتاب إلا السيف، وما أنت إلا سير.
وقال النابغة الذبياني:
(يا دار مية بالعلياء فالسند )
ثم قال:
( وما بالربع من أحد)
(إلا أواري لأيا )
بالرفع على مذهب بعض بني تميم على كل حال، وأما أهل الحجاز فينصبون على الاستثناء المنقطع بأن الثاني من غير جنس الأول، ويجيزون الرفع على أنه جعل (الأواري) أنيس ذلك الربع، كما قال الآخر:
(وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس)
وتقول: ما له عليه سلطان إلا التكلف، بالنصب على الاستثناء المنقطع، ويجوز فيه الرفع على أنه سلطانه هو التكلف.
وفي التنزيل: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [سورة النساء: ١٥٧]، كأنه قيل: ما لهم [به] من شيء يعمل عليه إلا الظن.
[ ٤٧٥ ]
وفيه: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ [سورة يس: ٣٤]، كأنه قيل: ما لهم شيء ينتفعون به إلا رحمة منا.
وقال النابغة:
(حلفت يمينا غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بصاحب)
كأنه قال: لا شيء يعمل عليه إلا حسن ظن.
والرفع في جميع هذا جائز على مذهب بني تميم.
وقال ابن الأيهم التغلبي:
(ليس بيني وبين قيس عتاب غير طعن الكلى وضرب الرقاب)
كأنه قال: ليس بيني وبينهم إلا طعن الكلى، وأهل الحجاز ينصبونه على الاستثناء المنقطع.
وقال الحارث بن عباد:
(والحرب لا يبقى لجاحمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح)
كأنه قال: إلا تخيل الفتى الصبار ومراحه.
وقال الشاعر:
(لم يغذها الرسل ولا أيسارها إلا طري اللحم واستجزارها)
[ ٤٧٦ ]
كأنه قال: لم يغذها غذاء إلا طري اللحم.
وقال:
(عشي لا تغني الرماح مكانها ولا النبل إلا المشرفي المصمم)
كأنه قال: ولا شيء من السلاح إلا المشرفي.
وتقول: ما أتاني زيد إلا عمرو، فهذا صحيح على مذهب بني تميم، كأنه قال: ما أتاني إلا عمرو، وذكر زيدا؛ ليبين أنه ممن لم يأته.
وكذلك: ما أعانه إخوانكم إلا إخوانه، كأنه قال: ما أعانه إلا إخوانه، وذكر إخوانكم؛ لأنه ممن لم يعنه.
[ ٤٧٧ ]