الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الاستثناء بليس، ولا يكون] مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الاستثناء بليس، ولا يكون [؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز إظهار الضمير الذي في: ليس، ولا يكون، في الاستثناء؟ ولم لابد فيهما من ضميرٍ؟
وما نظير ذلك في: حسبك، من أنه لا يقع فيه معنى النهي إلا أن يكون/ ٤٦ أمبتدأً؟ ولم ذلك؟ وهل هو لأن معنى النهي عارضٌ فيه، فلزم أقوى الوجوه الذي يجري عليها، كما أن معنى الاستثناء في: ليس، ولا يكون، عارضٌ فيه، فلزم أقوى الوجوه الذي يكون عليه الفعل، وهو الضمير فيه؟ .
ولم صار المبتدأ أقوى الوجوه التي يكون عليها الاسم؟ وهل ذلك لأنه معتمد البيان، مع أن له صدر الكلام؟ فلم صار الإضمار في الفعل أقوى الوجوه التي يكون
[ ٥٥٥ ]
عليه؟ وهل ذلك لأنه خاصته التي لا تكون لغيره، كما أن الجر لما كان من خاصة الاسم؛ كان أقوى فيه؟ .
ولم وجب في: ليس، ولا يكون، أنهما ليسا بأصل في الاستثناء؟ .
وما وجه شبه ليس بإلا حتى جاز بها الاستثناء؟ .
وما حكم: ما أتاني القوم ليس زيدًا، وأتوني لا يكون عمرًا؟ .
ولم جاز الاستثناء بهما بعد الإيجاب والنفي؟ وهل ذلك لموافقتهما معنى (إلا) في هذا الموضع؛ إذ نفي النفي إيجابٌ،] فما أتاني القوم نفيٌ، وليس زيدًا نفيٌ عن بعضهم ذلك النفي، فصار زيدٌ على معنى الإيجاب؟ [.
وهل يشبه الجواب من جهة أنه إذا قال: أتوني؛ صار المخاطب بمنزلة من قال: بعضهم زيدٌ؛ لوقوع ذلك في نفسه، فكأنه قال: ليس بعضهم زيدًا؟ .
ولم لا يجوز إظهار بعضهم في الاستثناء؟ وهل ذلك للاستغناء اللازم، مع وقوعه موقع حرفٍ لا يتصرف ولا له عملٌ ظاهرٌ؟ .
وما نظيره من الإضمار في: لات حين ذاك؟ وهل ذلك للاستغناء عنه مع ضعف (لات) أن تعمل على وجهين، فكان أخف الوجهين أحق بأن يلزم؟ .
[ ٥٥٦ ]
وهل يجوز في: ليس، ولا يكون؛ الإجراء على معنى الصفة؟، وما دليله من قولهم: أتتني امرأة لا تكون فلانة، وما أتتني امرأة ليست فلانة، ولو كان استثناء لم يؤنث، كما تقول: أتينني لا يكون فلانة، وليس فلانة؟ .
وما وجه الاستثناء بخلا، وعدا؟، ولم جاز الاستثناء بعدا، وخلا، ولم يجز الوصف بهما كما جاز بليس، ولا يكون؟ وهل ذلك لضعفهما في معنى النفي، فلم يصلح أن يوصف بهما مع دلالة الاستثناء فيهما؟ .
وما حكم قولك: ما أتاني أحدٌ خلا زيدًا، وأتاني القوم عدا عمرًا؟ .
ولم لا يجوز: ما أتتني امرأة خلت فلانة، /٤٦ ب ولا: أتتني امرأةٌ عدت فلانة؟ .
ولم جاز: ما أتاني أحدٌ خلا زيدًا، ولم يجز: ما أتاني أحدٌ جاوز زيدًا، مع موافقته لـ (خلا) في المعنى؟ فهلا جاز الاستثناء فيه كما جاز بخلا؟ وهل ذلك لأن خلا أشد اقتضاءً لمعنى النفي الذي يوافق نظيره من: ليس، ولا يكون؛ إذ قد
[ ٥٥٧ ]
يصح: خلا، بأن انتفى، ولا يصح:] جاوز، بأن انتفى [فإنما هو متقارب في المعنى؟ .
وما حكم: أتاني القوم ما عدا زيدًا، وأتوني ما خلا زيدًا؟ ولم لا يجوز هاهنا الجر كما يجوز في: عدا، وخلا بغير (ما) في مذهب بعض العرب؟ .
وما حكم: أتوني إلا أن يكون زيدٌ؟ ولم جاز الرفع في هذا الموضع؟ ولم لا يجوز أن يكون استثناء؟ وهل ذلك لأنه لا يدخل استثناءٌ على استثناءٍ، مع أنه في صلة (أن) بمنزلة: لا يأتونك إلا أن يأتيك زيدٌ؟ وما وجه رجوعه إلى أصل الاستثناء؟ وهل ذلك لأنه بمنزلة: كان منهم إتيانٌ إلا إتيانًا من زيدٍ؟ .
وما في امتناع عدا، وخلا من هذا الموضع من الدليل؟ وهل ذلك لأنه لما لم يجز: أتوني إلا عدا زيدًا، ولا: أتوني إلا خلا زيدًا؛ دل ذلك على أن هذا الموقع لا يقع فيه حرف الاستثناء؟ .
[ ٥٥٨ ]
وما في قوله جل ثناؤه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؟ وهل ذلك لأن الرفع قد دل على خروجه عن حد الاستثناء؟ ولم جاز فيه النصب؟ وهل ذلك لأنه وجه على خبر (تكون)، كأنه قيل: إلا أن تكون الأموال تجارةً عن تراضٍ منكم؟ .
وما حكم: حاشا؟ ولم وجب أنه حرف جر في قولهم: ذهب القوم حاشا زيدٍ؟ وهل ذلك لأنه على معنى إضافة انتفاء الذهاب إلى زيدٍ على جهة التنزيه له عن ذلك، فهذا معنى الحرف، وهو خارجٌ مما دخل فيه ما قبله؛ فهذا معنى الاستثناء؟ .
وما وجه قول بعض العرب: ما أتاني القوم خلا عبد الله؟ ولم وجب أنها في هذا الموضع حرف جر؟ وهل ذلك لأنها على قياس: على زيدٍ، في الاشتراك، وقد أضافت الإتيان إلى عبد الله، على أنه موجب بعد منفى؟ .
ولم جاز: أتوني ما خلا عبد الله، ولم يجز مثل ذلك في: أتوني ما حاشا زيدٍ؟ وهل ذلك لأنه لا يوصل بحرف الجر على معنى المصدر؟ .
[ ٥٥٩ ]
/٤٧ أوما حكم: أتاني القوم سواك؟ ولم كان استثناءً مع أنه منصوبٌ على الظرف؟ وهلا جاز: أتاني القوم مكانك، وما أتاني أحدٌ مكانك، كما جاز: سواك؟ وهل ذلك لأن سواك فيها معنى: غيرك، وليس كذلك: مكانك؟ .
الجواب:
الذي يجوز في الاستثناء بليس، ولا يكون - إذا وقع أحدهما موقع (إلا) بعد كلام يصلح أن يستثنى منه - نصب المستثنى على أنه خبرٌ، والاسم مضمرٌ في: ليس، ولا يكون.
ولا يجوز أن يظهر المضمر؛ للاستغناء عنه؛ لأنه لا يكون إلا على معنىً واحدٍ، وهو: بعضهم، وليس كذلك الإضمار فيهما في غير هذا الموضع؛ لأنه يكون بحسب ما تقدم به الذكر من المعاني المختلفة، مع أنه وقع موقع حرفٍ لا يتصرف، فلم يتصرف في عمله بالإضمار والإظهار؛ لأن ذلك أدل على وقوعه موقع إلا.
[ ٥٦٠ ]
ونظير ذلك: حسبك، في النهي؛ لأنه لما عرض فيه معنى النهي؛ لزم أقوى الوجوه التي يكون عليها الاسم، وهي وجه المبتدأ؛ لأنه معتمد البيان، وله صدر الكلام، فلم يجز أن يتضمن معنى] النهي [إلا في هذا الموضع، كما أنه لما عرض في ليس معنى الاستثناء؛ لزم أقوى الوجوه التي يكون عليها الفعل، وهو الإضمار المستقر فيه؛ لأنه من خاصة الفعل، فجرى على قياس: حسبك، في النهي من هذه الأوجه التي بينا.
وليس، ولا يكون ليسا بأصلٍ في الاستثناء؛ لأنهما لا يلزمانه؛ إذ يجوز أن يبتدأ بهما، فيخرجا عن حد الاستثناء] بالرجوع [إلى أصلهما، ولا يجوز مثل ذلك في: إلا، وإنما دخلهما معنى الاستثناء في الموقع الذي يصلح فيه: إلا؛ لأنهما على معنى النفي، فإذا تقدم إيجابٌ؛ خرج الثاني مما دخل فيه الأول، وإذا تقدم نفيٌ؛ صار بمعنى نفي النفي، وخرج الثاني من النفي الأول إلى الإيجاب.
وتقول: ما أتاني القوم ليس زيدًا، وأتوني لا يكون عمرًا، على الاستثناء، وهو يشبه الجواب من جهة أن المخاطب بمنزلة من قال: بعضهم زيدٌ؛ لوقوع ذلك في نفسه، فكأن المتكلم قال: ليس بعضهم زيدًا.
ونظير امتناع إظهار (بعضهم) من الاستثناء امتناع إظهار الاسم في ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣]
للاستغناء اللازم عنه؛ إذ هو على معنى:
[ ٥٦١ ]
لات الحين حين مناص /٤٧ ب، مع ضعف (لات) عن أن تعمل على الإضمار والإظهار، فلزمت أحق الوجهين بها من جهة الاستخفاف، والإيذان بضعف العمل؛ إذ كانت كأنها لم تعمل شيئًا لما أختزل معمولها.
ويجوز في: ليس، ولا يكون، الإجراء على جهة الصفة، ودليله قولهم: أتتني امرأةٌ لا تكون فلانة، وما أتتني امرأةٌ ليست فلانة، بالتأنيث، ولو لم تكن صفة؛ لم يجز التأنيث؛ لأن المضمر في: ليس، ولا يكون، مذكرٌ.
وخلا، وعدا يجوز الاستثناء بهما؛ لشبههما بليس، ولا يكون، في النفي.
ولا يجوز الوصف بهما؛ لضعفهما في معنى النفي؛ إذ هما على مخرج الإيجاب، ومعنى النفي، فلا يجوز: أتتني امرأةٌ خلت فلانة، وما أتتني امرأةٌ عدث فلانة؛ لما بينا من أنه لا يجوز الوصف بهما.
[ ٥٦٢ ]
وإنما جاز: ما أتاني أحدٌ خلا زيدًا، ولم يجز: ما أتاني أحدٌ جاوز زيدًا، في الاستثناء؛ لأن خلا أشد اقتضاء لمعنى النفي على طريقة: ليس، ولا يكون؛ إذ يصح: خلا، بأن انتفى، ولا يصح: جاوز، بأن انتفى، فإنما هو مقاربٌ في المعنى.
ويجوز على مذهب بعض العرب: أتوني خلا زيدٍ، فإذا قلت: أتوني ما خلا زيدًا؛ لم يجز إلا النصب؛ لأن (ما) لا توصل على معنى المصدر إلا بالفعل.
وتقول: أتوني إلا أن يكون زيدٌ، فـ: يكون - هاهنا - ليس باستثناءٍ؛ لأنه لا يدخل استثناءٌ على استثناءٍ، ودليل ذلك امتناع: خلا، وعدا، من هذا الموقع، لا يجوز: أتوني إلا عدا زيدًا، فإنما هو صلةٌ لـ: أن، كأنك قلت: وقع إتيان القوم إلا كون إتيان زيدٍ.
وفي التنزيل: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] بالرفع على: إلا أن تقع تجارةٌ، ويجوز فيه النصب على: إلا أن تكون الأموال تجارةً؛ لأنه قد
[ ٥٦٣ ]
تقدم ذكرها بقوله جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وحاشا حرف جر فيه معنى الاستثناء، تقول: هلك القوم حاشا زيدٍ، فزيدٌ منزهٌ عما دخل فيه القوم من الهلاك، فهو حرفٌ؛ لأن معناه فيما دخل عليه.
وقول بعض العرب: أتاني القوم خلا عبد الله، يجري مجرى حاشا في حرف الجر.
ولا يجوز: أتوني ما حاشا زيدٍ؛ لأن (ما) التي بمعنى المصدر /٤٨ ألا توصل بالحرف، ولا توصل إلا بالفعل الذي يدل على معنى المصدر.
وتقول: أتاني القوم سواك، فتستثني بقولك: سواك، كما تستثني بغيرٍ، إلا أن غيرًا ليس لها إعرابٌ هي أحق به إلا بحسب ما تبنى عليه من العامل، وسواك ظرفٌ له إعراب هو أحق به، فهو يلزمه، ويقع فيه الاستثناء على ذلك الوجه من إعراب الظرف، وهو النصب في كل حالٍ، فتقول: ما أتاني أحدٌ سواك، وأتاني
[ ٥٦٤ ]
القوم سواك، ومررت بهم سواك، كأنك قلت: مكانك، إلا أنه ليس في: مكانك، استثناءٌ؛ لأنه ليس على معنى: غيرٍ، كما أن سواك على معنى: غيرٍ، فلم يدخله الاستثناء لهذه.
[ ٥٦٥ ]