[الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في (لا) الملغاة عن العمل مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في (لا) الملغاة عن العمل؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .]. ولم لا يجوز أن تلغى إلا مكررة؟ .
وما الفرق بينها معملة وملغاة في المعنى؟ ولم كانت الملغاة هي الجواب لقوله: أغلام عندك أم جارية؟ ومن أين دلت الملغاة على الادعاء في السؤال، ولم تدل المعملة؟ ومن أين دلت المعملة على العموم، ولم تدل على الملغاة؟ .
ولم لا يجوز في تفصيل ما أجملته (أي) إلا الألف مع (أم)، حتى جرى الجواب على ذلك الحد؟ .
وما تأول: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة البقرة: ٣٨]؟ ولم رفع، والمعنى على نفي أعم العام للخوف، والحزن؟ وهل ذلك لأجل العطف بالمعرفة؟ .
[ ٣٩٦ ]
ولم لا تعمل (لا) إلا في نكرة؟ .
وما الشاهد في قول الراعي:
(وما صرمتك حتى قلت معلنة لا ناقة لي في هذا ولا جمل؟
يتلوه - إن شاء الله -: وهل يجوز أن تعمل (لا) عمل: ليس؟ .
والحمد لله وحده.
[ ٣٩٧ ]
[الجزء السابع والعشرون من شرح كتاب سيبويه. إملاء أبي الحسن
علي ين عيسى النحوي. ﵀ عليه]
بسم الله الرحمن الرحيم وبالله التوفيق.
وهل يجوز أن تعمل (لا) عمل: ليس؟ ولم ذلك؟ .
ولم جاز أن تعمل عمل (ليس) في النكرة دون المعرفة؟ .
ولم قل عملها [عن] عمل: ليس؟ وهل ذلك لضعف الشبه؛ إذ هو من جهة النفي فقط، وليس كـ (ما)؟؛ إذ هو في (ما) من ثلاثة أوجه: النفي، والحال، وصدر الكلام، فلم تعمل إلا في نكرة؛ لأنه أشبه بعملها إذا جري على الأغلب فيها؟ .
وما الشاهد في قول سعد بن مالك:
(من صد عن نيرانها فأنا ابن قيس لا براح؟
[ ٣٩٨ ]
ولم تأوله على: ليس لنا براح، ولا براح لنا؟
وما تأويل:
لا هيثم الليلة للمطي؟
ولم جاز أن تعمل في: (هيثم)، وهو معرفة؟ وهل ذلك لأنه وقع موقع النكرة على تقدير: لا مثل هيثم؟ .
ولم جاز: لا بصرة لكم؟ .
وما الشاهد في قول ابن الزبير الأسدي:
[ ٣٩٩ ]
(أرى الحاجات عند أبي خبيث نكدن ولا أمية بالبلاد؟)
ولم جاز أن تعمل في: أمية، وهي معرفة؟ .
ولم جاز: قضية ولا أبا حسن؟ .
ولم يوجه في كل هذا وجهان: حذف (مثل)، وتقدير النكرة؟ وما الفرق بينهما؟ وهل ذلك على أنه إذا قدر (مثل)؛ فنفي المثل لا يوجب نفي النفس، وإذا قدر على النكرة؛ فنفي كل ما شارك في الاسم على العموم يوجب نفي النفس؛ ولذلك كان أولى من تقدير: مثل؟ .
وما الشاهد في قول الشاعر:
(فرطن فلا رد لما بت فانقضى ولكن بغوض أن يقال عديم؟)
وهل هذا على معنى: ليس رد لما بت فانقضى؟
[ ٤٠٠ ]
وما الشاهد في قول الشاعر:
(بكت حزنا واسترجعت ثم آذنت ركائبها أن لا إلينا رجوعها؟)
ولم كان هذا ضرورة في الشعر؟ .
وما حكم (لا) إذا فصلت من الاسم بحشو؟ ولم لا يحسن ذلك إلا مع إعادة: لا؟ .
ولم لا تكون مع الفصل بمنزلة: ليس؟ وهل ذلك لعموم النفي مع قلة إجرائها مجرى: ليس؟ .
وما تأويل: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾؟ [الصافات: ٤٧].
[ ٤٠١ ]
ولم لا يجوز: لا فيها أحد، إلا على ضعف، وكذلك: لا فيك خير؟ ولم لا تكون في هذا بمنزلة: ليس؟ وهل ذلك لأنها لا تعمل مع الفصل كما لا تعمل مع التعريف، فليس يتوجه إلا على الوجه القبيح؟ .
وما [حكم]: لا أحد أفضل منك، ولا أحد خير منك، ولم كان ذلك على الخير دون الصفة على الموضع؟ وهل ذلك لأنه تضعف الصفة على الموضع من جهتين:
الحذف، والحمل على الموضع دون اللفظ، فالخبر أولى به؟ .
وما الشاهد في قول الشاعر:
[ ٤٠٢ ]
(ورد جازرهم حرفا مصرمة ولا كريم من الولدان مصبوح؟
ولم كان (مصبوح) على الخبر دون الوصف؟
وهل يجوز: لا أحد أفضل منك؟ ولم جاز ذلك على تقدير: ليس؟ .
وهلا جعلت مع ما بعدها كاسم واحد، مع إجرائها على: ليس؟ وهل ذلك لأنه لا وجه لها في البناء على هذه الجهة كما لها إذا كانت جواب: هل من رجل، ولأنه إنما أخرجت إلى: ليس؛ لتخرج عن لزوم أعم العام، فلا يكون الرافع فيها
[ ٤٠٣ ]
كالناصب؟ .
ولم نقصت عن (ليس) بثلاثة أوجه: امتناع الفصل بينهما وبين اسمها، وامتناع العمل في المعرفة؛ وامتناع العمل إذا خرج الكلام إلى الإيجاب؟ .
الجواب:
الذي يجوز في: (لا) الملغاة عن العمل أنها، إذا كانت على معنى السؤال: أذا أم ذا؟ وهو السؤال الذي يكرر فيه معنى الاستفهام؛ أن تكرر (لا)، وتلغى عن العمل؛ لتكون على حد ما هي جوابه، فهذا وجه.
والوجه الثاني: إذا وقع بينهما وبين الاسم فصل؛ أن تلغى.
والوجه الثالث: إذا دخلت على معرفة؛ أن تلغى من العمل من هذه الأوجه الثلاثة؛ لأنها على جهة لا تقتضي لها العمل؛ لأنه لا يصح مع البناء الفصل [كما لا يصح أن يفصل بين بعض الاسم وبعض، ولا يصح - إذا خرجت إلى معنى: ليس - الفصل]؛ لضعف الشبه.
ولا يصح في التكرير العمل؛ لأنها جواب ما لا يعمل، فلا يجوز أن
[ ٤٠٤ ]
تعمل، كما أنها إذا كانت جواب ما يعمل؛ لزمت العمل.
ولا يجوز - إذا ارتفعت النكرة بعدها على إلغائها من العمل - إلا تكرير (لا)؛ لأن هذا الموضع هي التي تكون فيه جواب الاستفهام المكرر، وإن كان لفظ الثاني بـ (أم)، والأول بالألف؛ فكلاهما للاستفهام، إلا أنه خالف لفظة (أم) الألف؛ لتدل على العطف مع الاستفهام، وليس يحتاج في النفي إلى مثل ذلك؛ لأن حرف العطف موجود معه، وليس [له] حرف قد تضمن النفي والعطف في حال كما للاستفهام حرف قد تضمن العطف والاستفهام في حال؛ لأن الاستفهام فرع على الخبر، يحتمل أن يتضمن الحرف فيه ذلك على تقدير حرفين في الأصل، والنفي خبر لا يحتمل ذلك؛ لأنه ليس له ما يقدر به؛ لأنه أول.
والملغاة تدل على الادعاء في السؤال؛ لأن السؤال فيها إنما هو تفصيل ما أجملته (أي)، كما أن السؤال بـ (أي) تفصيل ما أجملته (ما)، وجواب
[ ٤٠٥ ]
ذلك جزء من السؤال، كقوله: أرجل عندك أم امرأة؟ فجوابه: امرأة، بهذا اللفظ، أو يقول: رجل، بهذا اللفظ.
وفي التنزيل: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]، فتأويله على العموم في نفي الخوف والحزن، إلا أنه خرج مخرج الخاص؛ من أجل العطف بالمعرفة.
وقد يتوجه فيه الخصوص على أن الآخرة مواطن: موطن ينتفي عنهم الخوف والحزن، وموطن لا ينتفي، وكل ذلك قبل دخول الجنة، كما قال جل وعز: ﴿[يوم] يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [سورة الحج: ٢]، وعلى ذلك روي عن النبي ﷺ: «إن الناس يحشرون حفاة عراة غولا، فقالت عائشة: يا رسول الله، أفلا يحتشم المرء من ذلك فقال لها: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ (يُغْنِيهِ)﴾ [سورة عبس: ٣٧]؛ أي: يشغله عن ذلك.
[ ٤٠٦ ]
وقد بينا لم لا تعمل (لا) إلا في نكرة، وهو لأنها تعمل على نفي أعم العام، أو شبه (ليس) الذي يضعف عن منزلة: ما.
وقال الراعي:
(وما صرمتك حتى قلت معلنة لا ناقة لي في هذا ولا جمل)
فهذا جواب: أناقة لك في هذا أم جمل؟ فقالت: لا ناقة لي في هذا ولا جمل.
ويجوز أن تعمل (لا) عمل (ليس)، إلا أنها على نقضان خمس مراتب عن مراتب العوامل: امتناع العمل مع تقديم الخبر، وامتناع العمل مع الفصل بالظرف الملغي، وامتناع العمل مع خروج الخبر إلى الإيجاب، وامتناع العمل في المعرفة، وقلة العمل على هذا الوجه في الكلام، وكل ذلك؛ لضعف الشبه عن منزلة: ما.
وقال سعد بن مالك:
(من صد عن نيرانها فأنا ابن قيس لا براح)
فهذا على معنى: ليس براح لنا، كأنه: لا براح لنا، وحذف الخبر ليس على معنى تكرير الاستفهام في: أرجل أم امرأة؟ وما كان على هذه الطريقة، ولا على معنى النفي العام على تقدير جواب: هل من براح؟؛ فلهذا توجهت على معنى:
[ ٤٠٧ ]
ليس.
وقال الشاعر:
(لا هيثم الليلة للمطي)
ففي هذا وجهان:
أحدهما: حذف (مثل)، كأنه قال: لا مثل هيثم، وعامل المعرفة معاملة النكرة؛ لإقامته المضاف إليه مقام المضاف.
والوجه الآخر: أن يكون قدر (هيثما) تقدير النكرة، فأجراه على تقدير جماعة كل واحد منهم هيثم، ونفي ذلك.
والفرق بينهما في حقيقة معنى اللفظ أن نفي مثله لا يوجب نفيه، وإنما يحتاج إلى دليل يصحبه؛ حتى يظهر به انتفاؤه كانتفاء مثله، وأما نفي كل مسمى بهذا الاسم على مثل هذا المعنى؛ فيدخل فيه نفيه، فهذا أشد مطابفة لمعنى الكلام، وهو الاختيار عندي.
ومثله قول الشاعر:
(أرى الحاجات عند أبي خبيث نكدن ولا أمية بالبلاد)
ومثله: لا بصرة لكم، وقضية ولا أبا حسن، وإنما المعنى فيها على - رضوان الله عليه - بعينه، ولكن التقدير يتوجه في جميع ذلك على ما بينا في (هيثم).
[ ٤٠٨ ]
وقال الشاعر:
(فوطن فلا رد لما بت فانقضى ولكن بغوض أن يقال عديم)
فهذا على معنى: ليس، والعل فيه كالعلة في: لا براح، إلا أن هذا قد ذكر فيه الخبر.
وقال الشاعر:
(بكت حزنا واسترجعت ثم آذنت ركائبها أن لا إلينا رجوعها)
فليس يجوز أن تعمل في مثل هذا الموضع؛ لأن الاسم معرفة، وقد وقع - أيضا - بينه وبين (لا) الفصل، فهو الموضع الذي يقتضي التكرير، إلا أن الشاعر تركه ضرورة، كأنه قال: أن لا إلينا رجوعها، ولا إلى البقعة التي انتقلت عنها.
وإذا فصل بين (لا والاسم النكرة بحشو؛ لم يجز إلا تكرير (لا)؛ لأنه الموضع الذي لا تعمل فيه.
وفي التنزيل: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [سورة الصافات: ٤٧]، فهذا على النفي العام، إلا أنه خرج مخرج الخاص؛ لأجل العطف بالمعرفة.
ولا يجوز: لا فيها أحد، إلا على ضعف؛ لأنه الموضع الذي يقتضي
[ ٤٠٩ ]
التكرير، وكذلك: لا فيك خير، وكأنه قال: لا فيك خير ولا شر، كما قال الشاعر:
(وأنت مليخ كلحم الحوار فلا أنت حلو ولا أنت مر)
أي: لا يصلح للخير ولا للشر، وهذا أعظم الذم.
وتقول: لا أحد أفضل منك، ولا أحد خير منك، على الخبر، لئلا تحمل الكلام على الحذف مع توجه التمام، وعلى الضعف مع توجه القوة، وقال الشاعر:
(ورد جازرهم حرفا مصرمة ولا كريم من الولدان مصبوح)
فهذا مرفوع على الخبر.
[ ٤١٠ ]
ويجوز: لا أحد أفضل منك، على معنى: ليس، ولا يجوز أن تجعل - إذا عملت عمل (ليس) - مع ما بعدها بمنزلة اسم واحد؛ لأنه ليس ليها ما يقتضي ذلك، وقد أخرجت عن البناء مع الاسم إلى وجه الرفع على معنى (ليس)؛ ليختلف اللفظ باختلاف المعنى، فلو كان على البناء؛ لم يكن قد اقتضى اختلاف المعنى حتى تصير بمنزلة (ليس) التي لا تكون مع ما عملت فيه بمنزلة شيء واحد كما تكون (من) ما عملت فيه بمنزلة شيء واحد، وقد بينا لم نقصت عن (ليس) في العمل من خمسة أوجه، وما الأوجه، وما العلة في ذلك.
[ ٤١١ ]