[الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في (لا) التي لا تغير الاسم عن حاله التي كان عليها] مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في النفي الذي لا تغير فيه (لا) عما كان عليه؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز - إذا دخلت على اسم قد عمل فيه عامل قبل دخولها - أن تغيره عن ذلك الحد؟ وهل ذلك لأنه لا يعمل في الاسم الواحد عاملان في حال، وقد وجب له عمل الأول، فبطل عمل الثاني؟ .
ولم لا تعمل (لا) النافية في الفعل؟ وهل ذلك لأنها إنما تعمل بشبه (إن) من حيث هي نقيضتها، و(إن) لا تعمل في الفعل؛ لأنها بمنزلة الفعل، والفعل لا يعمل في الفعل؟ .
[ ٤١٤ ]
ولم لا يلزم في هذا الباب تكرير (لا) كما يلزم في غيره، إذا ألغيت من العمل؟ وهل ذلك لأنها ليست جواب ما يتكرر فيه حرف الاستفهام؟ .
وما حكم قولهم: لا مرحبا ولا أهلا، ولا كرامة، ولا مسرة، ولا شللا، ولا سقا ولا رعيا، ولا هنيئا ولا مريئا، فمنها ما هو دعاء له كقولك: لا شللا، أي: لا تشل، ومنها ما هو دعاء عليه؟ .
وما حكم: لا سلام عليك؟ ولم رفع هذا، ونصب الأول؟ وهل ذلك لأنه جرى مجراه قبل دخول (لا) من بناء على الفعل، أو على الابتداء؟ .
ولم جاز الدهاء بالبناء تارة على الفعل، وتارة على الابتداء؟ وهل الفعل بحق الأصل، والابتداء بحق الشبه لما هو ثابت لازم على طريق التفاؤل، كأن السلام قد ثبت ولزم له، وإن كان فيه معنى الدعاء؟ .
وما الشاهد في قول جرير:
(ونبئت جوابا وسكنا يسبني وعمرو بن عفرى لا سلام على عمرو؟)
[ ٤١٥ ]
وهل فيه معنى: لا سلم الله عليه؟ .
ولم جاز: لا بك السوء، على معنى الدعاء له في: لا ساءك الله؟ وهل ذلك مما خرج مخرج ما هو لمعنى، وهو على خلاف ذلك المعنى؛ لعلة المبالغة بالتفاؤل بنفي السوء عنه، لا محالة؟ .
ولم جاز: نعم، وكرامة، ومسرة؛ ونعمة عين؟ وما دليل المحذوف؟ وهل الإجابة دليل على وقوع الفعل، والمصدر دليل على جنس ذلك الفعل، وهو: وأكرمك كرامة، وأسرك مسرة، وأنعمك نعمة عين؟ وهل يجوز في النقيض مثل ذلك في: ولا كرامة، ولا مسرة، ولا نعمة عين؟ .
ولم جاز في الدعاء: لا مرحبا ولا أهلا، ولم يجز في الأمر: لا ضربا، أي: لا اضرب؟ وهل ذلك لأن الدعاء يخرج مخرج الخبر، والمعنى معنى الدعاء، كقولك: أدام الله عزك، والأصل: ليدم الله عزك، وليطل الله بقاءك، إلا أنه خرج مخرج الخبر؛ للتفاؤل بأنه واقع، ولا يجوز مثل ذلك في الأمر إلا على طريق النادر؛ لأن ما يسأل الله - جل وعز - فيه فهو في الأمر الكبير الذي تشتد الحاجة إليه في غالب الأمر، فيقضي ذلك التفاؤل له بالواقع، وليس كذلك أمر العباد؛ إذ لا يقدرون على ما يقدر الله عليه من كبير الأمر وصغيره؟ .
[ ٤١٦ ]
ولم جاز: لا سواء، وليس فيه معنى دعاء، ولا جواب سؤال؟ وهل ذلك لأنه جواب الإيجاب على طريق النقيض إذا قال القائل: هما سواء، فقلت: لا سواء، وكذلك لو قال: هذان سواء، فقلت: لا سواء، ولا يجوز إظهار ما ارتفع عليه (سواء)؛ لأن (لا) معاقبة له؛ لتدل على أنها جوابه، فوقوعها موقعة على طريق المعاقبة له دليل على أنها نافية له، وقد قامت مقامه في تتميم الكلام؛ أي: بهذا يتم ويصح، وهو النفي لا الإيجاب؛ فمن أجل هذا جاز: لا سواء، ولا يجز: هذان لا سواء؛ لأنه أبلغ في النفي أن تكون به صحة الكلام من غير أن يحتاج إلى طريق الإيجاب؟ .
وما نظير ذلك من قولهم: لا ها الله ذا، فصارت (ها) تقوم مقام الواو في الجر، كما صارت (لا) تقوم مقام المبتدأ في صحة الكلام، ولم يجز أن يجتمعا؛ من أجل ما يقتضي لهما أن يتعاقبا؟ .
ولم جازت: لا نولك أن تفعل، من غير معنى الدعاء، ولا الجواب؟ وهل ذلك لأنه صار بدلا من: لا ينبغي لك أن تفعل، يقوم مقامه، ويسد مسده، فجرى مجراه في ترك تكرير: لا؟ .
ولم جاز في [لا] النافية أم تقع في حشو الكلام، ولا تمنع العامل الذي قبلها أن يعمل فيما بعدها، ولم يجز مثل ذلك في (ما)؟ وهل ذلك لأنها تنفي معنى
[ ٤١٧ ]
المفرد على طريق النقيض لإيجابه، وليس كذلك (ما)؛ لأنها تنفي معنى الجملة، فلها بذلك صدر الكلام؟ .
ولم جاز: أخذته بلا ذنب، وغضبت من لا شيء، وذهبت بلا عتاد؟ وهل ذلك على نقيض: أخذته بذنب، وغضبت من شيء، وذهبت بعتاد؟ .
وما الفرق بين: غضبت لا من شيء، وغضبت من لا شيء؟ وهل ذلك أن تقدير: غضبت من لا شيء، تقدير ما قد جعل له ما يغضب منه على التوهم، وليس كذلك الوجه الآخر، كأنه يقدر في نفسه ما يغضب منه على التوهم، وليس بشيء في الحقيقة؟ .
وهل يجوز: أجئتنا بلا شيء؛ أي: خاليا من شيء؟ .
وهل يجوز: ما كان إلا كل شيء؟ ولم جاز هذا؟ وهل ذلك لأنه قدر على التوهم ما يشبه به هذا به هذا الحقير، وليس بشيء في الحقيقة؟ .
وهل يجوز: إنك ولا شيئا سواء؟ وهل هذا الكلام لا يصح إلا على تقدير متوهم ليس بشيء في الحقيقة، وإنما متعلق التوهم شيء في التقدير الذي يسبق إلى النفس؟ .
وما الشاهد في قول الشاعر:
[ ٤١٨ ]
(تركتني حين لا مال أعيش به وحين جن زمان الناس أو كلبا؟)
وهل يجوز: حين لا مال أعيش به، بالرفع؟ ولم جاز على:
. لا مستصرخ؟
وهل يجوز: حين لا مال أعيش به؟ ولم جاز؟ .
وما الشاهد في قول الشاعر:
(حنت قلوصي حين لا حين محن)
[ ٤١٩ ]
ولم جاز الإضافة إلى (لا) الناصبة، وهي في موضع ابتداء؟ وهل ذلك لأنه بمنزلة الإضافة إلى الجمل؟ .
وما الشاهد في قول جرير:
(ما بال جهلك بعد الحلم والدين وقد علاك مشيب حين لا حين؟)
ولم حمل (لا) ها هنا على الصلة؟ وهل ذلك لأن المعنى عليه؛ إذ علاه المشيب في ذلك الوقت، كأنه قال: حين حين؟ .
فهل يجوز: مررت برجل لا فارس؟ ولم قبح ذلك، حتى تقول: ولا شجاع؟ وكذلك: هذا زيد لا فارسا، ولا شجاعا؟ .
وما الشاهد في قول رجل من بني سلول:
(أنت امرؤ منا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع؟)
[ ٤٢٠ ]
فلم جاز من غير تكرير (لا) في الضرورة؟ وهل ذلك لأنه قد دل على معنى: حياتك لا نفع ولا ضر؟ .
وما الشاهد في قول حسان بن ثابت:
(ألا طعان ولا فرسان عادية إلا تجشؤكم عند التنانير؟)
ولم عملت في الاستفهام كعملها في الخبر، وقالوا في مثل: ألا قماص بالعير؟ .
[ ٤٢١ ]
وما حكم (لا) مع ألف الاستفهام إذا دخله معنى التمني؟ وهل ذلك على منزلتها إذا تجرد الاستفهام فيها؟ فلم جاز: ألا ماء باردا، وألا ماء بارد، وألا أبالي، وألا غلامي [لي].
وما الشاهد في قول الشاعر:
(ألا رجلا جزاه الله خيرا يدل على محصل تبيت؟)
ولم حمله الخليل على: ألا ترونني رجلا جزاه الله خيرا، على التحضيض، كما تقول: ألا خيرا من ذلك، وحمله يونس على التمني، ونون مضطرا؟ .
[ ٤٢٢ ]
ولم حمل يونس قوله:
لا نسب اليوم ولا خلة
على الاضطرار؟ وهل ذلك لأنه جعل (لا) نظيرة الأولى في أنها النافية كنفي الأولى، لا على معنى المؤكدة الزائدة؟ .
وما حكم: ألا ماء وعسلا باردا حلوا؟ ولم لا تجوز الصفة في هذا إلا بالتنوين؟ .
وما حكم: ألا غلام أفضل منك؟ ولم لا يجوز في (أفضل) الرفع على الموضع؟ وهل ذلك لأنه دخله معنى التمني على تقدير: اللهم غلاما، أي: هب لي غلاما، فكأنه قال: اللهم اجعله أفضل مني، أي: من هذا المخاطب؟ ولم أجاز أبو عثمان الرفع في هذا، ولم يجز عند يبويه وأبي عمر الجرمي؟ .
[ ٤٢٣ ]
الجواب:
الذي يجوز في النفي الذي لا يعطف فيه إلا على الموضع إلا كان المعطوف يصلح أن يعمل فيه عامل الموضع، ولا يصلح فيه عامل اللفظ؛ حمل على الموضع، ولم يجز أن يحمل على اللفظ، إذ كان من العوامل ما لا يعمل إلا في النكرة، [ومنها ما يعمل في النكرة والمعرفة، فإذا عطف - وعامل اللفظ لا يعمل إلا في النكرة]، وعامل الموضع يصلح أن يعمل في النكرة والمعرفة - حملت المعرفة على الموضع لا محالة، ولم يجز أن تحمل على عامل اللفظ؛ لا متناعه من المعرفة.
وتقول: لا غلام لك ولا العباس، فتعطف على الموضع، ولا يكون هذا العطف محمولا على التأويل الخارج عن حد الموضع؛ لأن المعطوف يعمل فيه العامل وهو في موضعه، من غير أن تقدره في موضع الأول.
ولكن لا يصلح في البدل في مثل هذا إلا أن يكون على التأويل، كقولك: لا أحد فيها إلا عبد الله؛ لأن البدل يقدر على رفع الأول، فإذا ارتفع المعمول فيه مع العامل؛ لم يبق شيء يعمل في البدل، ويصير الكلام على تقدير: فيها إلا عبد الله، وهذا فاسد، فإذا لابد من أن يحمل على التأويل؛ إذ تأويله: ليس فيها أحد إلا عبد الله، فإذا رفعت الأول؛ صار: ليس فيها إلا عبد الله، فصح تقدير البدل في هذا.
[ ٤٢٤ ]
ويلزم من أعمل (لا) في المعرفة [فقال]: لا غلام لك ولا العباس، إعمال (رب) في المعرفة، فيقول: رب رجل لك والعباس.
ولا يلزم من رفع (العباس) بالعطف على موضع (لا) أن يرفعه بالعطف على موضع (رب)؛ إذ كانت (لا) في موضع اسم مبتدأ، وليس كذلك (رب)؛ لأن حروف الجر لابد [من] أن تكون مبنية على الفعل.
وتقول: لا غلام لك ولا أخوه.
ويلزم من قال: [كل] نعجة وسخلتها بدرهم، أن يقول: لا رجل لك وأخاه، كأنه قال: لا رجل لك وأخا له؛ لأنه يقدر فيهما على الإضافة اللفظية التي المعنى فيها على الانفصال.
[ ٤٢٥ ]
الجواب عن الباب الذي يلي هذا:
الذي يجوز في النفي الذي لا تغير فيه (لا) الاسم عما كان عليه إذا كان قد عمل في الاسم عامل، ثم دخلت (لا)؛ لتنتفي على حد ذلك العامل؛ وجب فيها الإلغاء وترك التكرير الذي يلزم في غير هذا الموضع؛ لأن الاسم (لما كان قد عمل فيه الفعل أو غيره من العوامل)، ولم يصلح أن يعمل فيه عامل آخر، ألغيت (لا) عن العمل بالرد إلى أصلها، إذ كانت إنما تعمل بحق الشبه، ولم يجز أن يلغى الفعل ولا الابتداء؛ إذ كانت تعمل بحق الأصل.
ولم يلزم التكرير كما لا يلزم في الفعل العامل في الاسم قبل دخول (لا)؛ لأنه ليس من جواب ما يجب فيه تكرير حرف الاستفهام.
ولم يصلح أن تعمل (لا) في الفعل؛ لأنها مشبهة بـ (إن) و(من) التي لعموم اشتغراق الجنس، فهي كـ (إن) من جهة أنها نقيضتها، والنقيض على حد نقيضه، وهي بمنزلة (من) في استغراق الجنس، وكل واحدة منهما لا تعمل في الفعل؛ لأن
[ ٤٢٦ ]
(إن) بمنزلة الفعل، والفعل لا يعمل في الفعل، و(من) من حروف الإضافة، والإضافة لا تكون إلى الفعل في الحقيقة؛ لأن المضاف يذكر للبيان عن المضاف الأول، والفعل للفائدة، ولا إضافة إليه في الحقيقة.
وتقول: لا مرحبا ولا أهلا، ولا كرامة، ولا مسرة، ولا شللا، ولا سقيا ولا رعيا، ولا هنيئا ولا مريئا، فكل هذا فيه معنى الدعاء، إلا أن منه ما هو للمذكور كقولك: لا شللا؛ أي: لا تشل، ومنه ما هو عليه.
والدعاء إنما يكون في الحقيقة بالفعل، فحال الدعاء قد دلت على الفعل، والمصدر قد دل على جنس الفعل، ونصبه يدل على أنه محمول عليه.
وتقول: لا سلام عليك، فإذا نصب المصدر في الدعاء؛ فذاك له بحق الأصل، وإذا رفع؛ فذاك له بحق الشبه لما هو كائن ثابت على طريق التفاؤل، كأن السلام قد ثبت له ولزم، وإن كان في حقيقة المعنى يطلب وقوعه له من الله، جل وعز.
وقال جرير:
(ونبئت وسكنا يسبني وعمرو بن عفرى لا سلام على عمرو)
كأنه قال: لا سلم الله عليه
[ ٤٢٧ ]
وتقول: لا بك السوء، ففيه معنى: لا ساءك الله.
وتقول: نعم، وكرامة، ومسرة، ونعمة عين، فهذا في الإجابة على هذه الحال، كأنه قال: نعم، وأكرمك كرامة، وأسرك مسرة، وأنعمك نعمة عين، ودليل المحذوف الإجابة إلى ما طلب من الفعل، إلا أنه على جهة التقصير.
وتقول في الدعاء: لا مرحبا ولا أهلا، ولا يجوز في الأمر: لا ضربا، بمعنى: لا اضرب؛ لأن الأمر له صيغة، وللنهي صيغة، فمنعت صيغة الأمر من دخول (لا)؛ لتخلص لصيغة النهي، فيدل بذلك على أن الأمر غير النهي، وليس كذلك الدعاء؛ لأنه قد يكون بغير صيغة الأمر؛ لما يحتاج فيه إلى التفاؤل بالكائن الثابت، كقولك: أعزك الله، وأطال الله بقاءك، فهذا دعاء، ومخرجه مخرج الخبر عما كان.
وتقول: لا سواء، فترفع؛ لأنه على جواب الإيجاب في قولهم: هما سواء، ولا يجوز أن تقول: هذان لا سواء؛ لأن (لا) قد وقعت موقع المبتدأ على طريق المعاقبة، ليدل على أن النفي فيه على الصحة، فلا يجوز إظهار ما ارتفع عليه (سواء)؛ لأن (لا) معاقبة له؛ لتدل على أنها جوابه.
[ ٤٢٨ ]
ونظير ذلك قولهم: لا ها الله، فـ (ها) للتنبيه، والواو للقسم، وقد وقع حرف التنبيه موقع حرف القسم على المعاقبة، كما وقعت (لا) موقع المبتدأ في الجواب على طريق المعاقبة.
وتقول: لا نولك أن تفعل، فترفع، ولا يلزمك تكير؛ لأنه بمنزلة: ليس ينبغي لك أن تفعل، فكأنه قال: لا ينبغي لك ذاك.
وإنما جاز في (لا) النافية أن تقع في حشو الكلام، ولم يجز في (ما)؛ لأن (لا) تدخل على المفرد، و(ما) للجملة.
وتقول: أخذته بلا ذنب، وغضبت من لا شيء، وذهبت بلا عتاد، والفرق بينه وبين: غضبت لا من شيء، أنه إذا دخلت (من) على (لا)؛ فهناك مقدر يغضب منه، وليس بشيء في الحقيقة. وإذا أبديت (لا)، فقيل: غضبت لا من شيء؛ فقد تجرد الغضب من شيء في الحقيقة، إذا قلت: لا من شيء.
وتقول: أجئتنا بلا شيء، أي: خاليا، ويجوز: أجئتنا لا بشيء، على ما بينا.
[ ٤٢٩ ]
وتقول: ما كان إلا كلا شيء، هذا لا يصح إلا بمقدر، كأنك قلت: ما كان إلا كمقدر متوهم ليس بشيء في الحقيقة.
وكذلك: إنك ولا شيئا سواء، ولولا التقدير لاستحال هذا المعنى؛ لأن [السواء] لا يكون إلا بين شيئين.
وقال الشاعر:
(تركتني حين لا مال أعيش فيه وحين جن زمان الناس أو كلبا)
فهذا على إلقائها في حشو الكلام، ويجوز: حين لا مال أعيش به، على (لا) العاملة، ويجوز: حين لا مال أعيش به، على معنى (ليس).
وقال الشاعر:
(حنت قلوصي حين لا حين محن)
فجاء بها على النافية العاملة، وهي في موضع جملة؛ ولذلك جاز إضافة (حين) إليه؛ لأنه مما يضاف إلى الجملة.
وقال جرير:
(ما بل جهلك بعد الحلم والدين وقد علاك مشيب حين لا حين)
[ ٤٣٠ ]
فهذا على (لا) التي هي صلة، كأنه قال: حين حين؛ لأن الشيب وقع في ذلك الحين.
وتقول: مررت برجل لا فارس ولا شجاع، ولا يجوز: لا فارس، حين تصله بمنفى آخر؛ لأنه الموضع الذي يقتضي التكرير.
وقال رجل من بني سلول:
(أنت امرؤ منا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع)
فهذا على الضرورة، اقتصر على نفي المفرد بالرفع من غير تكرير، وكأنه قدر التكرير على: حياتك لا نفع ولا ضر.
وقال حسان:
(ألا طعان ولا فتيان عادية [إلا تجشؤكم] )
فأجرى الاستفهام على المنفي مجرى الخبر، وقالوا في مثل: ألا قماص بالعير.
[ ٤٣١ ]
وحق (لا) مع ألف الاستفهام - إذا دخله معنى التمني - أن تدرى على مجرد الخبر عن النفي، فتقول: ألا ماء باردا، وألا ماء بارد، وألا أبالي، وألا غلامي لي.
وقال الشاعر:
(ألا رجلا جزاه الله خيرا يدل على محصلة تبيت)
فهذا على التحضيض عند الخليل؛ كأنه قال: هلا ترونني رجلا؛ لأن (ألا) قد يكون بمعنى (هلا) في التحضيض، كما تقول: ألا خيرا من ذلك.
وأما يونس فحمله على التمني، ونون مضطرا؛ لأن التمني أغلب على هذا الباب.
وحمل يونس قوله:
(لا نسب اليوم ولا خلة )
على الاضطرار؛ لأنه جعل (لا) الثانية نظيرة الأولى، فلزم ذلك.
وله وجه يخرجه عن الاضطرار، وهو أن تكون (لا) المؤكدة للنفي، فلا يكون مضطرا؛ لأن دخولها وخروجها - حينئذ - واحد، ويصير بمنزلة قوله:
[ ٤٣٢ ]
فلا أب وابنا مثل مروان وابنه
وتقول: ألا ماء وعسلا باردا حلوا، فلا يجوز في الصفة إلا التنوين؛ للفصل بينها وبين الموصوف.
وتقول: ألا غلام أفضل منك، بالنصب؛ لأنه دخله معنى الدعاء، فصار بمنزلة قولهم: اللهم غلاما؛ أي: هب لي غلاما، فكذلك فيه معنى: اللهم اجعله أفضل منه، فهذا لا يجوز فيه إلا النصب عند سيبويه وأكثر النحويين، إلا المازني فإنه أجاز فيه الرفع؛ لأنه قد يكون اللفظ على مخرج معنى، وهو على خلاف ذلك المعنى في كثير من الكلام، فأجازه على هذا الوجه.
والصواب فيه مذهب سيبويه؛ لأنه - وإن كان ما ذكره أبو عثمان على ما ذكر - فإنه لا يقاس عليه، ولا يتجاوز به ما استعمل على طريقة المغير عن أصله، وحقيقته إلى نادر في بابه.
[ ٤٣٣ ]