الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في النفي الذي يجري الاسم فيه على الموضع مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في النفي الذي يجري فيه الاسم على الموضع؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز أن يجري الاسم على موضع معرب، ولكن على التأويل فيه؟ وهل ذلك لأن العامل لا يعمل في اللفظ والموضع، فما ظهر الإعراب في لفظه؛ لم يعمل في موضعه عامل؟ .
وما الشاهد في قول ذي الرمة:
(بها العين والآرام لا عد عندها ولا كرع إلا المغارات والربل؟)
[ ٣٨٤ ]
وما تقدير العامل في: إلا المغارات والربل؟
وما الشاهد في قول رجل من مذحج:
(هذا لعمركم الصغار بعينه لا أم لي - إن كان ذاك - ولا أب)
وقول الأسدي:
(معاوي إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا؟)
[ ٣٨٥ ]
ولم لا يكون (الحديدا) عطفا على (الجبال) وإنما هو عطف على موضع (بالجبال)؟ وهل ذلك لأن (الجبال) ليس له موضع، وإنما الموضع لقوله: بالجبال؟ .
وما حكم قول العرب: لا مال له قليل ولا كثير؟ ولم كان على موضع: لا مال، لا على موضع: مال؟ .
وما حكم: لا مثله أحد؟ ولم كان على الموضع؟ ولا كزيد أحد؟ وهل هو على موضع (كزيد) أم على موضع: ولا كزيد؟ وهل يجوز النصب بالحمل على (لا)؟ .
وما حكم: لا مثله رجل؟ وما تقدير العامل فيه إذا رفع من الكلام المبدل منه، فصار: رجل؟ فكيف يصح هذا؟ وهل ذلك محمول على المعنى، كأنه
[ ٣٨٦ ]
قيل: ليس رجل، أو رجل ليس هناك، فيكون (رجل) محمولا على العامل الذي هو الابتداء، وهو الذي عمل في موضع (لا مثله)، إلا أنه إذا رفع؛ فلابد من أن يؤتى بما يدل على النفي، ويستغنى عنه إذا ذكر المبدل منه؟ .
وكم وجها يجوز في: لا حول ولا قوة إلا بالله؟ .
ولم جاز: لا مثله رجلا، على: لي مثله غلاما، نصب بالتمييز؛ أي: من الغلمان؟ .
وما الشاهد في قول ذي الرمة:
(هي الدار إذ مي لأهلك جيرة ليالي لا أمثالهن لياليا؟)
فلم كان نصب (ليال) على التمييز؟ وما دليله من دخول (من) عليه؟ .
ولم وجب أن: لا رجل، في موضع اسم مبتدأ؟ وما دليل ذلك من قولهم:
لا رجل أفضل منك؟ وما الفرق بينه وبين: (رب رجل) حتى امتنع أن يكون هذا في موضع اسم مبتدأ، وجاز في ذاك؟ .
وما الشاهد في قول العرب: بحسبك قول السوء؟ ولم جاز زيادة الباء في
[ ٣٨٧ ]
المبتدأ؟ وما نظيره من زيادتها في الفاعل في قولهم: كفى بالله؟ وهل ذلك لتأكيد انعقاد معنى الفاعل بالفعل، ومعنى المبتدأ بالخبر؛ إذ كانت الباء تعقد المعنى بغيره، والإحساب موضع مبالغة وتأكيد؛ لأنه كفاية من كل جهة، والباء مؤكد تشعر بذلك، فهو على طريق النادر؟ .
(وما الشاهد في قول جرير: لا كالعشية زائرا ومزورا؟)
ولم لا يكون محمولا على الموضع؟ ولم حمله على المفعول بتقدير: لا أرى كالعشية زائرا ومزورا؟ ولم لا يرفع على الموضع كما يجوز: لا كالعشية عشية، ولا كزيد رجل؟ وما نظير الحذف في هذا من قولهم: ما رأيت كاليوم
[ ٣٨٨ ]
رجلا، وسبحان الله رجلا؟ ولم لا يجوز إظهار العامل في هذا؟ وهل ذلك للاستغناء عنه بما صار كالمثل؟ .
وما الشاهد في قول امرئ القيس:
(ويلمها في هواء الجو طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب؟)
ولم كان: (مطلوب) محمولا على الموضع؟ .
وما الشاهد في قول الشاعر:
[ ٣٨٩ ]
( فهل في معد فوق ذلك مرفدا؟)
فلم حمله على التمييز، كقولك: لا أحد كزيد رجلا، وجوز أن يكون على: لا مال [له] قليلا ولا كثيرا؟ .
ولم جاز: لا عليك؟ وما دليل المحذوف؟ وما تقديره من: لا بأس عليك، ولا شيء عليك؟ وهل هو أبلغ من الذكر؟ .
الجواب:
الذي يجوز في النفي الذي يجري فيه الاسم على الموضع إذا تقدم عاملان:
أحدهما يعمل في اللفظ، والآخر يعمل في الموضع؛ صلح حمل الثاني على عامل اللفظ، وعلى عامل الموضع.
ولا يجوز أن يجري الاسم على موضع معرب؛ لأن العامل لا يعمل في اسم
[ ٣٩٠ ]
واحد عملين مختلفين، فإذا ظهر الإعراب في الاسم؛ فلا موضع له، ولكن قد يكون الموضع له مع ما يتصل به، فيصح أن يحمل على ذلك.
فالحمل على الأول يكون على ثلاثة أوجه: حمل على اللفظ، وحمل على الموضع، وحمل على التأويل إذا كان الكلام قد وقع موقع ما يخالف إعرابه إعراب المذكور، إلا أنه يدل عليه؛ جاز أن يحمل الثاني على إعراب المقدر الذي دل عليه المذكور، كقولك: لا أحد فيها إلا عبد الله، فهذا يدل على التأويل؛ لأن تأويل (لا أحد فيها): ليس فيها أحد، فكأنك قلت: ليس فيها أحد إلا عبد الله.
وقال ذو الرمة:
(بها العين والآرام لا عد عندها لا كرع إلا المغارات والربل)
فقوله (ولا كرع) عطف على موضع (لا عد)، وقوله: إلا المغارات والربل، [محمول على تأويل (لا عد)؛ لأن تأويله: ليس عد عندها إلا المغارات والربل].
وقال رجل من مذحج:
(هذا لعمركم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب)
فقوله (ولا أب) معطوف على موضع: لا أم.
[ ٣٩١ ]
وقال الأسدي:
(معاوي إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا)
فهذا معطوف أعلى موضع: بالجبال، لا على: الجبال؛ لأن هذا الموقع لا يكون الاسم فيه إلا مجرورا.
وتقول: لا مال له قليل ولا كثير، فهذا صفة على الموضع، ويجوز: لا مال له قليلا ولا كثيرا، بالصفة على اللفظ. فإن حملته على البدل؛ لم يجز على الموضع، ولكن على التأويل بتقدير: ليس له مال قليل ولا كثير، حتى يصير بمنزلة: ليس له قليل ولا كثير.
وتقول: لا مثله أحد، فإن حملته على البيان الذي يجري مجرى الصفة؛ جاز على الموضع، وإن حملته على البدل؛ لم يجز إلا على التأويل، حتى يصح التقدير فيه، وكذلك: لا كزيد أحد.
وتقول: لا مثله رجل، على البيان، وإن حملته على الموضع؛ لم يجز ولكن على تأويل الموضع، كأنك قلت: ليس مثله فيها رجل.
وتقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيجوز فيه ثلاثة أوجه:
النصب بغير تنوين على أن (لا) نافية، ويجوز بالتنوين على أن (لا) مؤكدة، والاسم معطوف على اللفظ، ويجوز الرفع بالعطف على الموضع.
[ ٣٩٢ ]
وتقول: لا مثله رجلا، على: لي مثله غلاما، فتجعله تمييزا؛ لأن الأول مبهم، كأنه قال: لي مثله من الغلمان، ويحسن أن يستفهم إذا قال: لي مثله، فيقال: من أي شيء؟؛ ليتبين هذا المبهم، فيقول: من الغلمان، أو من الرجال، أو من الفرسان.
وقال ذو المرمة:
(هي الدار إذ مي لأهلك جيرة ليالي لا أمثالهم لياليا)
فنصب على التمييز، كأنه قال: لا أمثالهن من الليالي.
و(لا رجل) في موضع اسم مبتدأ، ودليله قول العرب: لا رجل أفضل منك، وأنه نقيض: إن رجلا، على الإيجاب، فيقول المجيب: لا رجل.
ولس كذلك سبيل: رب رجل؛ لأن (رب) حرف إضافة، وحرف الإضافة لا يكون إلا مبنيا على الفعل العامل فيه.
وتقول: بحسبك قول السوء، وتزيد الباء في المبتدأ كما تزاد في الفاعل من قولهم: كفى بالله؛ لأن الإحساب موضع مبالغة وتأكيد؛ لأن كفاية من كل جهة، وهو على طريق النادر لنادر المعنى، وإنما كان تأكيدا للإضافة؛ إذ تحصل إضافة المعنى من وجهين:
أحدهما: ما يجب من إضافة الفعل إلى الفاعل؛ لاختصاصه به.
والآخر: ما يجب بحرف الإضافة.
وكذلك انعقاد المبتدأ بالخبر بحق ماله من هذه الجهة، والآخر من جهة حرف الإضافة، فانعقاد المعنى بغيره في هذا من وجهين:
أحدهما: بحق ما يجب للمبتدأ.
[ ٣٩٣ ]
والآخر: بحق ما يجب بحرف الإضافة.
قال جرير:
( لا كالعيشة زائرا ومزورا)
فهذا لا يصلح فيه حمل الثاني على الأول على وجه؛ لأنه غيره، ولكن يحمل على حذف القعل بتقدير: لا أرى كالعيشة زائرا ومزورا.
ونظيره قول العرب: لا كاليوم رجلا، أي: لا أرى كاليوم رجلا، وكذلك: تالله رجلا، وسبحان الله رجلا، أي: لا أرى كهذا رجلا.
ولا يظهر هذا العامل؛ للاستغناء عنه؛ لكثرة الاستعمال لهذا الكلام حتى ظهر المعنى به ظهورا لا تحتاج فيه إلى ذكر العامل؛ ولأنه قد جرى كالمثل، والأمثال لا تغير.
ويجوز: لا كالعيشة عيشة، ولا كزيد رجل، بالحمل على الأول؛ لأن الثاني فيه هو الأول.
[ ٣٩٤ ]
وقال امرؤ القيس:
(ويلمها في هواء الجو طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب)
فـ (مطلوب) صفة على الموضع، ويجوز أن يقع موقع التمييز، كأنه قال: ولا كهذا الذي في الأرض من المطلوبات.
وقال جرير:
( فهل في معد فوق ذلك مرفدا)
فحمله على التمييز، كأنه قال: فهل في معد فوق ذلك من المرافد.
وتقول: لا أحد كزيد رجلا، على قولك: من الرجال، ويجوز أن يكون على قوله: لا مال له قليلا ولا كثيرا.
وتقول: لا عليك، والمعنى: لا بأس عليك، وإنما جاز هذا الحذف؛ لأنه لا يقال إلا في موضع خوف، فينفي ذلك بهذا القول، وهو أبلغ من الذكر، وأوجز في اللفظ.
[ ٣٩٥ ]