الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز فيما تردُه علامةُ الإضمار إلى أصله مما لا يجوزُ.
مسائلُ هذا الباب:
ما الذي يجوز فيما تردُه علامةُ الإضمار إلى أصله؟ وما الذي لا يجوز؟ ولِمَ ذلك؟ .
ولِمَ لا يجوز أن يُتركَ مع علامة الإضمارِ على ما جرى به الاستعمالُ؟ وهل ذلك لأنها تُزيلُ عِلةَ التغيير عن الأصلِ؟ .
ولِمَ جاز: لعبد اللهِ مالٌ، بالكسر، ولَمْ يَجُزْ إلا: لك مالٌ، وله مالٌ، بالفتح؟ وهل ذلك لأنه قد زال التباسُ اللام بلامِ الابتداءِ في قولك: إنَ هذا لزيدٍ، لو فُتِحَتْ، فقيل: إن هذا لزيدٌ؛ لا لتبس المعنى، وليس كذلك: إن هذا لهُ؛ لو كانت لام الابتداء؛ لقيل: إن هذا لَهو؟ .
ولمَ فُتِحتْ لامُ الإضافة في النداءِ منْ قولهم: يالبكرٍ؟ .
[ ٦٥٢ ]
ولِمَ جاز: أعطيتُكُمْ ذاك، مع الظاهر، وأعطيتُكُمُوه، مع المُضمر؟ وهل ذلك لأن كراهة وقوع الواو طرفًا في الاسم قد زالت؛ إذ قد صار الضميرُ المتصل هو آخر الفعلِ، مع تشبيه بغيره مما يرده الإضمار إلى أصله، مع أن الاستخفاف الذي كان مع الظاهر الذي هو أكثر وأحقُ بالتخفيف قد زال؛ فلهذا كان القياسُ: أعطيتُكُمُوه، بالرد إلى الأصلِ، وصار ما حُكِي عن بعض العربِ -[و] هو قولهم: أعطيتُكُمْهُ- شاذًا في القياسِ؟ ولِمَ جاز: أعطيتُكُم اليوم، بالضم، ولم يَجُزْ بالكسر على أصلِ الحركة لالتقاء الساكنين؟ وهل ذلك لأنه رد إلى الأصل مع إتباعِ الضم الضم؟ .
ولِمَ قَبُح: فَعَلْت نَفْسُك، حتى تقول: أنت نفسك؟ ولِم أدخل هذا في هذا الباب؟ وهل ذلك لأن الأصل أن يُؤكدَ الظاهرُ بالظاهرِ، والمنفصل بمنزلة الظاهر، ورده التأكيدُ بالنفس إلى الأصل، وهو المنفصلُ، فهو يُشبه هذا الباب بالرد إلى الأصل؟
/٦٦ أولم حَسُنَك فعَلْتَ أنت نفسك، ولم يَحسُنْ: فعلت نفسك؟ وهل ذلك لأن النفس لم يتمكن في التأكيد؛ إذ يجري على طريق اسم الجنس في كثير من الكلام، كقولك: نَزلْتُ بنفس الجبل، وإن نفس الجبل مقابلي، فكثُر كونها تلي العاملَ، فاحتاجت إلى التأكيد بالمنفصل؟ .
[ ٦٥٣ ]
ولِمَ جاز: [قُمْتُمْ] كلكم، وجئتم أجمعون، من غير تأكيد المتصلِ؟ وهل ذلك لِتّمَكُنِ كل، وأجمعين في التأكيد؛ إذ أجمعون لا يلي العوامل، و(كلهم) يَغْلِبُ عليه ألا يلي العوامل؟
ولِمَ جاز: ذهبت أنت وعبداللهِ، وذهبت أنت وأنا، ولم يجز: ذهبت وعبداللهِ، إلا على ضعف؟ .
وما الشاهد في قول الراعي:
فلما لحقنا والجيادُ عشيةُ دعوا يا لكعب واعتزينا لعامر؟
وما حُكم العطف على المضمر المجرور؟ ولم لا يجوز إلا بإعادة الجار؟ .
ولِمَ جاز: ضربْتُك وزيدًا، ولم يَجُزْ: مررتُ بك وزيد، ولا هذا أبوك وعمرو
[ ٦٥٤ ]
حتى تقول: مررت بك وبزيدٍ، وهذا أبوك وأبو عمروٍ؟ وهل ذلك لأنه لما ضَعُفَ في المضمر المرفوع؛ لشدة اتصاله، مع أن له منفصلًا يجوز أن يُبنى على الفعل كما يبنى المتصل، ثم صار الأمر إلى المجرور، وله مثلُ ذلك في شدةِ الاتصال من غير أن يكون له منفصلٌ؛ حدث سبب آخر يقتضي الضعف، فلم يَكُنْ بعد الضعف الأول إلا امتناع الجوازِ، وهذا أصل يدور في العربية: إذا كان سبب يضْعُفُ لأجله الحكمُ، ثم حدثَ سببٌ آخرُ يَضْعُفُ لأجله؛ امتنع الحكمُ؛ لاجتماع سببي الضعف؟
ولِمَ جاز: فعلتَ أنتَ وزيدٌ، ولم يَجُزْ: مررتُ بك أنت وزيدٍ؟ وهل ذلك لأن المجرور أشد اتصالًا؛ من أجل أنه مع الأول بمنزلة اسمً واحد إذا عاقب التنوين الذي هو بهذه المنزلة، و(فَعَلْتَ) جملة ليس الضمير بمُتممٍ فيها للفعلِ، وإنما هو مُشبهٌ بالمتممِ، مع أن (أنت) لا يُعْتدُ به في المجرورِ؛ لأنه ليس منفصلٌ، فهو بمنزلة مالم يُذكَرْ
؛ لأنه إنما يُستعارُ للتأكيد في معني المخاطب، ولا يُظهر حال الضمير المتصل كإظهار (أنت) للضمير المتصل في: فَعَلْتَ؛ إذ يُظهِرُ أنه للمخاطبِ وأنه للمرفوعِ؟ .
[ ٦٥٥ ]
ولِمَ جاز: مررتُ بكم أجمعين، ومررت بهم كلهم، ولم يَجُزْ مثلُ ذلك في العطف، وكلاهما تابعُ للأولِ؟ وهل ذلك / ٦٦ ب لأن أجمعين لا يكون إلا تأكيدًا، وكلهم بهذه المنزلةِ؛ فهو يجري على المجرورِ والمرفوعِ والمنصوبِ، والمضمرِ والمظهرِ؛ لتمكنهِ في معنى التأكيد، وظهور ترتيبه من المؤكدِ، وأنه يُعملُ فيه في موضعه بعد المؤكدِ، ولا يَصِحُ أن يقع موقعه، وليس كذلك العطفُ؛ لأنه نظير المعطوف عليه في أن الموقع الأول لهما، وليس أحدهما أحق به من الآخر إلا بمقدارِ السبق إليه، ولو سبق إليه الآخر لجاز، فهذا يَفْرُقُ بين الأمرين بما يقتضي اختلافَ الحكمِ فيهما؟ .
ولِمَ جاز: مررتُ بك نَفْسك، ولم يجز: فعلت نفسك؟ وهل ذلك لحاجة إلى تأكيد المضمر المجرور في: بِكَ، فلم يكن سبيلٌ إلى إعادة الجار كما يكونُ في العطفِ، ولمْ يجبْ فيه أنتَ؛ لأنه مستعارٌ، ولا كان لإعادة الجار معنى؛ لأنه يُخرجُه عن طريقة التأكيد، فلم يَكُنْ سبيلٌ على الأصولِ الصحيحة إلا إلى هذا، وهو: مررتُ بك نفسك؛ للموانع التي تمْنعُ من إعادةِ الجار، ومن إيجابِ التأكيد بأنْتَ كما يجبُ في: فعلتَ أنتَ نَفْسُكَ؟ .
وما الشاهد في قول الشاعر:
[ ٦٥٦ ]
آبكَ أيهْ بيَ أو مصدرِ من حُمر الجِلةِ جَأبٍ حشورِ
وقول الآخر:
فاليوم قربْت تهجونا وتشتِمُنا فاذهب فما بِكَ والأيام منْ عجبِ؟
ولِمَ جاز: فعلتم أجمعون وكلكم، من غير تأكيد بالمنفصلِ، ولم يَجُزْ مثلُ ذلك في العطف حتى تقول: فعلتمْ أنتم وزيدٌ؟
الجواب:
الذي يجوز فيما ترُده علامة الإضمار إلى أصله- إذا كان قد زال سبب التغيير عن الأصل بعلامة الإضمار- رده إلى أصله.
ولا يجوز أنْ يُترك على التغيير؛ لأن العِلة إذا بطلتْ؛ بَطَلَ الحُكْكُ، إلا أن تخلُفها عِلةٌ أخرى تقومُ مقامها.
وتقولُ: هذا لعبد الله، فإذا جِئْتَ بعلامةِ الإضمارِ؛ قُلْتَ: هذا لهُ، فرددتَ
[ ٦٥٧ ]
اللام إلى أصلها من الفتحِ؛ لأن علةَ التغييرِ قد زالتْ، وهي الالتباس بلام الابتداء إذا قُلْتَ: إن هذا لزيدٍ، فلو فتحتها، فقُلتَ: إن هذا لزيدٌ؛ لا لْتبس المعنى، وليس كذلك في الضمير؛ لأنك تقول: هذا لهُ، وفي لام الابتداء: /٦٧ أإن هذا لهُوَ، كما تقولُ: إن هذا لكَ، وفي لام الابتداء: إنَ هذا لأنْتَ.
وتقول: أعْطَيْتُكُمُوه، فَتردُهُ هاءُ الإضمارِ إلى أصلهِ؛ إذ الأصْلُ فيه: أعطيتكمُ، وإنما أزالت هاءُ الإضمار سبب التغيير عن الأصلِ؛ لأنه كان تُكْرهُ الواوُ في آخر الاسم وقبلها ضمةٌ، فلما لحقتْ هاءُ الإضمارِ قد أزالتْ سبب التغيير، فرجع الكلامُ إلى أصلهِ.
ومن العربِ من يقولُ: أَعْطَيْتُكُمْهُ، فيشبهُ المضمرَ بالمُظْهَرِ كقولك: أَعطَيْتُكُمْ ذاك، وهذا ضعيفٌ في القياس؛ لما بينا من أنه يجبُ أن يجري على قياس نظائره مما ترده علامةُ الإضمار إلى أصله، وهو مذهب أكثر العربِ، وإنما: أعطيتُكُمْه، بمنزلةِ الشاذِ.
وتقولُ: أعطيتكُمُ اليوم، فتُحرك بالضمِ؛ لالتقاء الساكنين على الأصلِ،
[ ٦٥٨ ]
وهو أحقُ من الكَسْر؛ لأن ردَ حركة الأصل أولى من اجتلاب حركة لم تَكُنْ للكلمة، مع إتباعِ الضمِ الضمَ.
وتقولُ: فَعَلْتَ أَنْتَ نفسك، ويَقْبُحُ: فعلت نفسك؛ لأن النفسَ لم تتمكنْ في التوكيد؛ منْ أجلِ أنها تُستعملُ استعمالَ اسمِ الجنْسِ في أنها تلي العواملَ، فتقولُ: نزلْتُ بنفسِ الجبلِ، وإن نفْسَ الجبلِ مقابلي.
وإنما أدخل سيبويه هذا في هذا الباب؛ لأنه بمنزلة ما تردهُ علامةُ الإضمارِ إلى الأصلِ، إذ الأصلُ أن يُؤكد الظاهر بالظاهر، والمنفصلُ بمنزلة الظاهر، فرده التأكيدُ بالنفسِ إلى الأصلِ، وهو الضمير المنفصلُ، وهو يُشبههُ في الرد إلى الأصل.
وتقول: قُمتمْ كلكم، وجئتم أجمعون، فلا تحتاجُ في التأكيد بالمنفصلِ؛ لتمكن أجمعين وكلكم في التأكيد؛ إذ هو موضوع له، ولا يلي العامل.
وتقولُ: ذهبت أنتَ وعبدُ اللهِ، وذهبتَ [أنتَ] وأنا، ولا يجوز: ذهبت وعبدُ اللهِ، وذهبت وأنا، إلا على ضعفٍ؛ لأن الضمير المرفوع قد غُير له لفظ الفعل حتى صار كبعضِ حُروفِ، فلم يحسن العطفُ عليه على هذه الجهة، فإذا أُكدَ بالمنفصل أظهرهُ، وصار بمنزلة المنفصل، فجاز وحَسُنَ/٦٧ ب كما قال جل ثناؤه: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤].
[ ٦٥٩ ]
وقد يجوزُ بغير المنفصل في الشعرِ، قال الراعي:
فلما لحقنا والجياد عَشيةً دعوا يا لكعبٍ واعتزينا لعامر
فهذا في الكلام لا يصلحُ حتى تقول: لحقنا نحنُ والجيادٌ.
ولا يجوز العطفُ على المضمرِ المجرورِ إلا بإعادة الجار؛ من قبلِ أنه قد اجتمع فيه سببان:
أحدهما: شدة الاتصال بمعاقبةِ حرفٍ من العامل كمعاقبةِ التنوين.
والآخر: أن المعطوف نظير المعطوف عليه في موضعه من العاملِ، وإنما يُبدأُ بأحدهما على طريق السبقِ، والتعاقبُ في الموقعِ لهما جائزُ صحيح، وليس للمجرورِ منفصلٌ يُعاقب ُهذا المجرور الظاهر.
فلما اجتمع فيه سببان، كلُ واحد منهما يُضعفُ الحكم بطل جوازه؛ لأنه ليس بعد الضعف إلا امتناع الجواز، فلا يجوزُ: مررت بك وزيد، ولا هذا غُلامك وزيد،
[ ٦٦٠ ]
حتى تقول: مررتُ بك وبزيد، وهذا غلامُك وغلامُ يزيد.
ويجوزُ: فعلتَ أَنْتَ وزيدٌ، ولا يجوزُ: مررتُ بك أِنْتَ؛ لأنَ أنت مستعارٌ للمجرورِ والمنصوبِ، فهو لا يُعتدُ بهِ، وتصيرُ الحقيقةُ: مررتُ بِكَ وزيدٍ، وهي لا تجوزُ، مع أنَ (أنت) يُظهِرُ حال الضميرِ في: فعلتَ، أتم الظُهورِ؛ إذ يُظْهِرُ حاله في الخطابِ وفي الرفعِ، وليس كذلك سبيله مع المجرورِ والمنصوبِ؛ لأنه موضوعٌ للمرفوعِ، ومُستعارٌ في هذين، واتصالُ المجرورِ أشدُ؛ لأنه مُعاقبٌ للتنوينِ، ومع الاسم بمنزلة اسمٍ واحد، فالكلامُ ناقصٌ، وليس كذلك: فَعَلْتَ؛ لأنه جملةٌ، والضميرٌ بمنزلةِ المنفصلِ من هذا الوجه.
وتقولُ: مررتُ بكُم أجمعين، ومررتُ بهم كٌلٌهِم، فتؤكدُ الضميرَ المجرور، ولا يلزمُ على هذا العطفُ عليه فتقول: مررتُ بِكُم وزيدٍ؛ لأت أجمعين لا يكون إلا تأكيدًا، ولا يلي العواملَ، فهو يطلبُ المؤكدَ، ويقتضيه، ولا يتوجهُ إلى غيرهِ.
وليس كذلك المعطوفُ؛ لأنه قد يٌعطفُ جُمْلَةٌ على جملةٍ، ومفردٌ على مفردٍ، وعلى وجوه غير هذا، فلم يحتملْ ذلك العَطفُ كما احتملهُ التأكيدُ.
وتقولُ: مَرَرْتُ بِكَ نَفْسِك، فهذا حسنٌ جائزٌ، وليس كذلك: فَعَلْتَ نفسكَ؛ لأن له طريقًا هو أحقُ به من هذا، وهو: فعلتَ أنتَ نفسكَ، فسقط/٦٨ أهذا الطريق بالطريقِ الذي هو أحقُ به. وليس كذلك: مررتُ بكَ نفسك؛ لأنه ليس له طريقٌ هو أحقٌ به من هذا؛ إذ (أنتَ) فيه مُستعارٌ ولا يُعتدُ به، ويرجعُ إلى أنَ الحقيقةَ بتركِ ذكره.
وكذلك لا يلزمُ عليه: مرتُبِكَ وزيدٍ، وليس كذلك: مررتُ به نفسهِ؛ لما بينا من أنه ليس له طريقٌ هو أحقُ بهِ من هذا.
[ ٦٦١ ]
وقال الشاعرُ:
آبكَ أيهْ بي أو مُصدر منْ حُمُرِ الجِلةِ جأبٍ حشورِ
وقال آخرُ:
فاليومَ قَربْت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بكَ والأيامِ منْ عَجَبِ
فهذا شاهدٌ في أنه يجوزُ في الضرورةِ العطفُ على المضمرِ المجرورِ من غير إعادة الجار.
وفي النحويين من لا يجيزه في الضرورة، ولا في غيرها، ولا يعرفُ صحة هذا الشاهد؛ لأنه شاذ في الضرورة، لم يجيء إلا في هذين البيتين، وليسا معروفين عند أكثر النحويين.
وتقول: فعلتم أجمعون، ولا يجوزُ: فعلتم وزيدٌ، حتى تقولَ: فعلتم أنتم وزيدٌ؛ لأن التأكيد لما كان لا يتوجهُ إلا إلى المؤكد، وكان لا يلي العاملَ؛ طلبه واقتضاه حتى أخرجهُ مع استتارهِ في الفعلِ، وليس كذلك العطفُ؛ لما بينا قبلُ.
[ ٦٦٢ ]