الغرض منه:
أن يبين ما يجوز في الذي يمنع منه الضمير المتصل مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الذي يمتنع منه الضمير المتصل؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز ضمير المنصوب المتصل فيما يتعدى إلى نفسه؟ وهل ذلك لمخالفته الأصول الصحيحة من جهة أن الأصل تعدى الفعل إلى غير الفاعل، وأن الضمير المتصل لا يجري مجرى الأجنبي، وأنه هو الفاعل على معناه؛ إذ قد يكون الثاني هو الأول على خلاف معناه قبل أن يبنى على الفعل، فيجري مجرى الأجنبي، كقولك: زيدٌ الكريم؟ .
ولم جاز: اضرب نفسك، وإياك فاضرب، ولم يجز: اضربك، ولا اقتلك، ولا ضربتك؟ وما وجه الاعتلال بالاستغناء عن المتصل بـ: اقتل نفسك، وأهلكت نفسك؟ وهل ذلك على جهة الاستغناء عن الشيء بما هو أولى منه؟ .
[ ٦٢٤ ]
ولم لا يجوز: أهلكتني، ولا أهلكني؟ ولم صار الاستغناء بالنفس أولى من هذا الضمير؟ وهل ذلك للتفصيل بذكر النفس بدلًا من التعقيد بالضمير المتصل؛ إذ الأصل في المفعول أن يكون غير الفاعل، مع ما يدخل فيه من إيهام الفساد إذا قلت: زيدٌ ظلمه، فهذا يوهم ظلم غيره، وليس كذلك إذا قلت: ظلم نفسه، وأهلك نفسه؛ فلهذا /٦٠ ب البيان صار أولى، وصح الاعتلال بالاستغناء بما هو أولى؟ .
وما حكم حسبت وأخواتها في ضمير المنصوب المتصل؟ .
ولم جاز: حسبتني ذاهبًا، ولم يجز: ضربتني، وهل ذلك لاجتماع سببين: أحدهما أنها أفعالٌ لا تنفذ إلى مفعولٍ، وإنما معناها الاختصاص بالمفعول من غير وصول الفعل إليه؟ .
وهل يجوز: رأيتني خارجًا؟ ولم جاز من رؤية القلب، ولم يجز من رؤية العين؟ .
وما في امتناع النفس من حسبت وأخواتها من الدليل على أنه للمتصل؟ .
[ ٦٢٥ ]
ولم جاز: إنني، ولعلني، مع أن الاسم على تقدير مفعولٍ هو الفاعل في: إنني أخوك؟ وهل ذلك لأنه ليس فيه فعلٌ على الحقيقة، وإنما هو حرفٌ مشبهٌ، وإذا احتمل ذلك حسبت؛ فـ (إن) أحمل له؛ لأنها حرفٌ؟ .
الجواب:
الذي يجوز في الذي يمتنع منه الضمير المتصل - وهو الفعل المتعدي إلى مفعولٍ - بناء المنفصل عليه، والنفس، كقولك: ضربت نفسي، وإياي ضربت.
ولا يجوز بناء المتصل عليه إذا كان الفاعل هو المفعول؛ لاجتماع ثلاثة أسبابٍ يخالف بها الأصول الصحيحة:
الأول: أن الأصل في الفاعل والمفعول أن يكون أخدهما غير الآخر.
والثاني: أن يكون لاسمه معنى خلاف معنى اسم الفاعل قبل أن يبنى على الفعل.
[ ٦٢٦ ]
والثالث: أن يجوز فيه - إذا بني على فعلٍ متصرفٍ - التقديم والتأخير، والفرق بإلا ونحوه.
فلما خالف ضمير المنصوب المتصل الأصول الصحيحة من هذه الأوجه الثلاثة؛ رفض واستغنى عنه بما هو أولى منه من النفس والمنفصل، على ما بينا قبل.
وإنما صارت النفس أولى منه؛ لموافقتها الأصل في المفعول الذي يعمل فيه الفعل المتصرف، مع البيان الذي في النفس بما ليس في الضمير، نحو: زيدٌ أهلك نفسه.
وقد فسرنا وجه الاعتلال بالاستغناء، وهو أن يكون كل ما في المستغني عنه فهو في المستغنى به، إلا أن للمستغني به فضيلةً فيما يحتاج إليه، وهذا يوجب رفض المستغني عنه أصلًا.
وحكم حسبت وأخواتها أن يجوز فيها ما امتنع في غيرها من الأفعال؛ لاجتماع شيئين:
أحدهما: أنها لا تنفذ إلى المفعول بحادث يقع به.
[ ٦٢٧ ]
والآخر: ٦١ أاجتماع المفعولين على امتناع الاقتصار على أحدهما، وأصل الضمير المتصل إنما هو الإيجاز، وموضع الثقل بلزوم المفعولين أحق بالإيجاز؛ فلهذا جاز: حسبتني ذاهبًا، وأظنني خارجًا، ولم يجز: ضربتني، ولا أهلكتني.
وتقول: رأيتني راحلًا، من رؤية القلب، ولا يجوز من رؤية العين، على الأصل الذي بينا.
وفي امتناع النفس من حسبت ما يدل على أنه موضع المتصل؛ لأنه لو كان قد استغنى عنه بالنفس؛ لم تمتنع من حسبت وأخواتها.
ويجوز: إنني، ولعلني، لأنه حرفٌ ليس فيه مفعولٌ يجب في الأصل أن يكون غير الفاعل، وإذا جاز في حسبت وأخواتها المتصل فهو في إن وأخواتها أجوز.
[ ٦٢٨ ]