الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في مواقع إيا من الإضمار مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في مواقع إيا التي للإضمار؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز أن يقع موقعًا يصلح فيه المتصل مما يلي العامل؟ وهل ذلك لأن هذا الموقع للمتصل، وهو أحق به؟
ولم جاز أن يقع موقعًا يصلح فيه المتصل مما لا يلي العامل؟ وهل ذلك لأن المتصل يضعف فيه، لما لم يل العامل؟
ولم جاز أن يكون للمتصل موقعٌ لا يلي العامل؟ وهل ذلك لأن العامل القوي يكون المعمول الثاني فيه بمنزلة الأول في غيره؛ لشدة اقتضائه له، واتصاله به، فتصير الوسيطة بمنزلة ما لم يكن؛ لهذه العلة؟ .
[ ٥٩٣ ]
ولم جاز: إياك رأيت، وإياك أعني؟ وما شاهده من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]؟ وهلا كان المتصل أحق بهذا على: رأيتك، وأعنيك، إذا لم يتغير المعنى، والمتصل ممكنٌ على معنى واحدٍ؟ (وهل ذلك) لأن للأنبه الأعرف حق التقديم، فلم يجز أن يمنع من هذا مع إمكان المنفصل؟ .
وما في قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]؟
ولم لا يجوز: إناكم، كما يجوز: ضربناكم؟ وهل ذلك لأن الفعل أقوى العوامل، فصار عمله في الثاني كعمل غيره في الأول؟ .
ولم جاز: إني وإياك منطلقان، ولم يجز: إن إياك منطلقٌ؛ لضعف العامل؟ .
ولم جاز: ما رأيت إلا إياك، لا يجوز إلا بالمنفصل، ولم يكن: إياك رأيت، بهذه المنزلة؟ .
وما الشاهد في: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقول الشاعر:
[ ٥٩٤ ]
(مبرأٌ من عيوب الناس كلهم فالله يرعى أبا حربٍ وإيانا؟)
/٥٤ ب فلم جاز هذا، ولم يجب: يرعانا وأبا حربٍ؟ .
وقول الآخر:
(لعمرك ما خشيت على عدي سيوف بني مقيدة الحمار)
(ولكني خشيت على عدي سيوف القوم أو إياك حار؟)
فلم جاز بالمنفصل مع إمكان المتصل في: خشيتك على عدي أو سيوف القوم؟ .
وهل يجوز: إن إياك رأيت؟ ولم جاز؟ وهل ذلك لأنه على معنى: إنه إياك رأيت؟ ولم ضعف حذف الهاء في هذا؟ .
[ ٥٩٥ ]
ولم جاز: إن أفضلهم لقيت، على وجهين: إنه أفضلهم لقيت، وإن أفضلهم لقيته؟ .
وما حكم: عجبت من ضربي إياك؟ ولم جاز مع أنه موضعٌ يصلح فيه المتصل في: عجبت من ضربيك، ومن ضربيه؟ .
وما معنى قوله: لم تستحكم علامات الإضمار فيه؟ وهل ذلك لأنه ليس له منزلة الفعل في قوة العمل؛ فلذلك جاز: ضربتك، وضربته، ولم يجز المنفصل؟ ولم جاز: ضربتني، ولم يجز: عجبت من ضربكي، ولا: من ضربكني، ولا: من ضربهيك، فلم جاز أن يبدأ بالأبعد - وهو الغائب - في الفعل، ولم يجز في المصدر؟ وهل ذلك لأن اتصال الفاعل على خلاف اتصال المفعول؛ لأنه يغير له لفظ الفعل، ولا يغير للمفعول، واتصال الفاعل والمفعول بالمصدر على حدٍّ واحدٍ؟ .
وما حكم: كان إياه؟ ولم كان أكثر من: كانه، وكانني، وليسني، وكانك، فلم صار المنفصل في هذا أقوى، وهل ذلك لأن كان ليس بفعلٍ حقيقيٍّ، فجرى
[ ٥٩٦ ]
مجرى: ضربي إياك؟ .
وما حكم: أتوني ليس إياك، ولا يكون إياك؟ ولم لا يجوز المتصل هاهنا؟ وهل ذلك لأنه لما ضعف المتصل في: كان، وانضاف إليه أنه في موضع الحرف من قولك: إلا؛ امتنع؛ لاجتماع وجهين من وجوه الضعف؟ .
وما الشاهد في قول عمر بن أبي ربيعة:
(ليت هذ الليل شهرٌ لا نرى فيه عريبا)
(ليس إياي وإياك ولا نخشى رقيبا؟)
وما حكم: عجبت من ضرب زيدٍ أنت، ومن ضربك هو؟ ولم جاز مع إمكان المتصل في قولك: /٥٥ أعجبت من ضربك زيدًا؟ .
[ ٥٩٧ ]
وما حكم: قد جئتك فوجدتك أنت أنت؟ وما وجه الفائدة فيه؟ ولم قدره: فوجدتك وجهك طليق؟ وهل الفائدة فيه: فوجدتك أنت الذي أعرف بالأحوال التي هي لك، لم تتغير عنها؟ .
وهل يجري هذا المجرى: أنت أنت، وإن فعلت هذا فأنت أنت؟ .
وما معنى قولهم: الناس الناس؟ وهل ذلك بمعنى: الناس على ما عرف من أحوالهم، لم ينقلبوا عنه؟ .
ولم جاز: قد وليت عملًا فكنت أنت إياك، وقد جربتك فوجدتك أنت إياك؟ وهل يختلف التقدير، ويتفق المعنى؟ .
ولم جاز أن تقول: أنت، وتسكت؟ وهل ذلك لأن الحال تدل على معنى: أنت كما عهدت؟ .
وهل يجوز: قد جربت فكنت؟ وهل ذلك لأن الحال يدل على معنى: فكنت على ما عهد منك، لم تتغير؟ .
[ ٥٩٨ ]
الجواب:
الذي يجوز في مواقع (إيا) التي للإضمار كل موقعٍ لا يصلح فيه المتصل فالمنفصل يصلح فيه.
والأصل في موقع المتصل هو الموضع الذي يلي العامل، وهو على ثلاثة أوجه:
أقوى العوامل عملًا [الفعل]، فهو يكون معه المتصل يليه، ويلي ما يليه؛ لأن قوته في العمل تجعل الثاني بمنزلة ما يليه.
وأضعف العوامل الحرف الذي يعمل بحق الشبه، فلا يكون المتصل إلا في الموضع الذي يليه.
وأوسط العوامل في المرتبة يصلح في الثاني المتصل فيه والمنفصل، كالمصدر وكان وأخواتها.
ولا يجوز أن يقع المنفصل موقعًا يصلح فيه المتصل مما يلي العامل؛ لأن هذا الموقع هو الأصل فيها للمتصل، وهو أقوى مواقعه، فلا يجوز: إن إياك منطلقٌ، على معنى: إنك منطلقٌ؛ لما بينا.
وتقول: إياك رأيت، وإياك أعني، وشاهده: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فلو قيل: رأيتك، وأعنيك؛ لم يكن فيه انقلاب المعنى، ولكن فيه منع حق الأنبه من التقديم الذي يجب له، فلم يجز مع إمكان المنفصل.
[ ٥٩٩ ]
وقوله جل وعز: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ [سبأ: ٢٤]، فهذا لا يصلح فيه إلا المنفصل؛ لأنه على حرف العطف، وليس بعاملٍ.
ويجوز: إنا إياكم، ولا يجوز مثل ذلك في: ضربناكم؛ لقوة عمل الفعل، وضعف عمل الحرف.
وتقول: إني وإياك منطلقان، فلا يصلح إلا /٥٥ ب بالمنفصل؛ لأن الواو ليست عاملةً.
وتقول: ما رأيت إلا إياك؛ لأنك لو أتيت بالمتصل؛ انقلب المعنى في مثل قولك: ما رأيتك، فيصير على نفي رؤيته، والمعنى على إثباتها، وفي التنزيل: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، فلا يكون مثل هذا إلا بالمنفصل.
وقال الشاعر:
(مبرأ من عيوب الناس كلهم فالله يرعى أبا حرب وإيانا؟)
فهذا بمنزلة: ضربت زيدًا وإياك، وقد بينت لك أن: إياك ضربت، أقوى من هذا؛ لأن هذا ليس فيه إلا الاتساع، والتقديم في صدر الكلام فيه ترتيب الأنبه في الموضع
[ ٦٠٠ ]
الذي هو أحق به من الذكر.
وقال الآخر:
لعمرك ما خشيت على عدي سيوف بني مقيدة الحمار
ولكني خشيت على عدي سيوف القوم أو إياك حار
فهذا موقع المنفصل؛ لأنه ولي حرف العطف.
وتقول: إن إياك رأيت، فيجوز على: إنه إياك رأيت، ولا يجوز على: إنك رأيت؛ لأنه موقع المتصل الذي يلي العامل، وليس كذلك إذا قدر على: إنه؛ لأن (إن) حينئذٍ لا تعمل في: إياك، وإنما هو بمنزلة: إياك رأيت.
وتقول: إن أفضلهم لقيت، فيجوز على: إنه أفضلهم لقيت، على أن يكون معمول: لقيت، ويجوز على: إن أفضلهم لقيته؛ لأن حذف الهاء يتكافأ في الموضعين.
وتقول: عجبت من ضربي إياك، ويجوز: عجبت من ضربيك؛ لأن المصدر في أوسط المراتب من العمل، ولم تستحكم علامات الإضمار فيه كما تستحكم فيما
[ ٦٠١ ]
له أقرب المراتب [في] العمل، وهو الفعل؛ ولذلك جاز في الفعل أن يبدأ بالأبعد، فتقول: ضربتني، وضربك، وضربني، وأكرموني، فتبدأ بالأبعد، وهو الغائب، ولم يجز مثل ذلك في المصدر، إذا قلت: عجبت من ضربيك، وضربيه؛ لم يجز أن تبدأ بالأبعد، فتقول: عجبت من ضربكي، ولا: ضربهيك؛ لأن الفعل يغير له اللفظ في الفاعل، ولا يغير في المصدر عن حد المفعول.
وتقول: كان إياه، وهو أكثر من: كانه؛ لأنه ليس بفعلٍ حقيقي، فهو أقرب إلى العامل الضعيف /٥٦ أ، وهو في مرتبة المصدر؛ لأنهما جميعًا في المنزلة الوسطى من العمل.
وتقول: أتوني ليس إياك، ولا يكون إياك، فلا يجوز في الاستثناء إلا المنفصل؛ لأنه كان يضعف فيه المتصل، ثم أنضاف إليه في الاستثناء ضعفٌ من وجهٍ آخر، وهو وقوعه موقع: إلا، فلم يجز فيه إلا المنفصل.
وقال عمر بن أبي ربيعة:
(ليت هذا الليل شهرٌ لا نرى فيه عريبا)
(ليس إياي وإياك ولا نخشى رقيبا)
[ ٦٠٢ ]
فهذا لا يكون إلا بالمنفصل؛ لأنه في موضع الاستثناء.
وتقول: عجبت من ضرب زيدٍ أنت، فلا يكون إلا بالمنفصل، وكذلك: من ضربك هو؛ لأنه ولي غير العامل مما لا يصلح فيه المتصل.
وتقول: قد جئتك فوجدتك أنت أنت؛ أي: أنت على ما أعرف لم تتغير، والجملة في موضع الخبر.
وعلى ذلك تقول: أنت أنت، وإن فعلت فأنت أنت، كأنه قال: فأنت الجواد على ما عهدت.
وعلى ذلك تقول: الناس الناس؛ أي: الناس على ما عهد منهم لم يتغيروا.
وتقول: قد وليت عملًا فكنت أنت إياك، وقد جربتك فوجدتك أنت إياك، فالمعنى متفقٌ، والتقدير مختلف؛ لأن أنت تأكيد، وإياك هو الخبر في هذا.
[ ٦٠٣ ]
وتقول: قد جربت فكنت كنت، بالتكرير؛ للتأكيد على أنه على ما عهد، لم يتغير. ويجوز: قد جربت فكنت، بحذف الخبر على هذا؛ أي: فكنت على ما عرف، لم تتغير.
[ ٦٠٤ ]