الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في ترخيم الاسم الذي فيها الهاء على: يا حار، مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في ترخيم الاسم الذي فيه الهاء على: يا حار؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز ترخيمه في غير النداء؛ لقوة حذف الهاء؟
ولم كان ترخيم ما فيه الهاء أقوى من غيره؟ ولم قوي فيه المذهبان في: يا حار، ت ويا حار، مما ليس لغيره؟
وما الشاهد في قول عنتره العبسي:
(يدعو عنتر والرماح كأنها أشطان بير في لبان الأدهم؟)
[ ٢٦٢ ]
ولم جاز (عنتر) بالضم على وجهين؟
وما الشاهد في قول الأسود بن يعفر:
(وهذا ردائي عنده يستعيره ليسلبني نفسي أمال بن حنظل)
ولم جاز ترخيم (حنظلة) في غير النداء على: يا حار، ولم يجز على: يا حار؟ وهل ذلك لأن من رخم على: يا حار، فقد جعل الاسم بمنزلة ما لم يحذف منه شيء،
[ ٢٦٣ ]
فاقتضى له ذلك أن يجري في غير النداء؛ إذ هو بمنزلة ما لم يحذف منه شيء
وما الشاهد في قول رؤبة:
(٢٠٨ أإما تريني اليوم أم حمز قاربت بين عنقي وجمزي)
ولم جاز (أم حمز) بالكسر، ولم يجز (أم حمز) بالفتح على حركة الأصل، كما يجوز في المنادي: يا حمز، ويا حمز.
وما الشاهد في قول ذي الرمة:
(ديار مية إذ مي تساعفنا ولا يرى مثلها عجم ولا عرب)
[ ٢٦٤ ]
ولم جاز في قوله (مي) أن يكون على الترخيم في الضرورة، وجاز أن يكون على تسميتها (ميًا) من غير ضرورة؟ وهل ذلك لأن هذه الضرورة قد ثبتت بالقياس، والاستعمال، فلا يمتنع أن يكون أجراها على ذلك؛ إذ ليس فيه قبح، وإن ضعف عن منزلة غيره؟
ولم جاز: يا فل، على حذف حرفين، يبقى الاسم فيه على أقل من ثلاثة أحرف؟ وهل ذلك لأن ليس على الترخيم، ولكن على تغيير النداء الذي يكون تارة بالنقصان، وتارة بالزيادة، كقولهم: يا هناه، ويا نومان؟
وما في امتناعهم أن يقولوا: يا فلا، من الدليل على أن: يا فل، بمنزلة
[ ٢٦٥ ]
(دم) في الحذف؟ وهل ذلك للزوم الحذف فيهما، من غير جواز الرد إلى الأصل، إذ الأصل في ترخيم (فلان): يا فلا، فلك يرد إلى الأصل في: يا فلا، كما لم يرد (دم) إلى الأصل في (دمي)؟
وهل يجوز في المرأة: يا فلة؟ ولم جاز ذلك؟ وهل هو لقوة هذا الحذف؛ للزومه حتى صارت هاء التأنيث تلحق اللام فيه، كما تلحق حرف الأصل؟
وما الذي اقتضى له هذا من جهة أنه كنابة؟ وهل ذلك لأن الكناية على نقصان بيان، فاقتضى له نقصان الاسم؛ ليؤذن بنقصان البيان؟
وما الفرق بين الكناية في قولهم: يا هناه، وبينها في قولهم: يا فل، حتى زيد في أحدهما، ونقص في الآخر؟ وهل ذلك لأن قولهم: (هن) ناقص، لم يحتمل النقصان في النداء، فصارت الزيادة على اللفظ الكثير الاستعمال بالنقصان بمنزلة النقص في الاسم الذي يدل على نقص البيان، وليس كذلك (فلان)؛ لأنه تام يحتمل النقصان في الاسم؛ لنقصان البيان؟
[ ٢٦٦ ]
وما الشاهد في قول أبي النجم:
(في لجة أمسك فلانا عن فل)
وهل ذلك لأنه لما استعمله في غير النداء؛ أجراه على قياس ما لم يحذف منه شيء، وهو في هذا أقوى مما فيه الهاء؛ لأن الحذف له ألزم؟
ولم لا يجوز: يا فل أقبل، كما يجوز: يا حمز أقبل؟ وهل ذلك لأنه بمنزلة (دم) في لزوم الحذف، وليس كذلك: /٢٠٨ يا حمز؟
[ ٢٦٧ ]
الجواب:
الذي يجوز في ترخيم الاسم الذي فيه الهاء على: يا حار، ت حذف الهاء على أنه أقوى في ذلك من كل ما ليست فيه الهاء؛ لأن الهاء لما كانت تتغير في الوصل عن حالها في الوقف؛ آنس ذلك بتغيير الترخيم، وطرق إليه.
ولا يجوز- وإن كان على هذه القوة- ترخيمه في غير النداء إلا ضرورة؛ لأنه إنما اقتضى له ذلك قوة النداء على الترخيم، مع قوته بالتغيير، فإذا خرج عن النداء؛ كان الأصل أحق به.
وقال عنترة العبسي:
يدعون عنتر، والرماح كأنها أشطان بير في لبان الأدهم
فيجوز في (عنتر) وجهان:
أحدهما: الترخيم على: يا عنتر
والآخر: إجراؤه على مذهب من يسميه (عنترا) من غير هاء في سائر المواضع.
وقال الأسود بن يعفر:
(وهذا ردائي عنده يستعيره ليسلبني عزي أمال بن حنظل)
فرخم (حنظلة) في غير النداء على: يا حار، وجاز ذلك للضرورة ولم يجز
[ ٢٦٨ ]
على: يا حار؛ لأن من يقول: يا حار؛ إنما يجوز له ذلك على أنه يجعله بمنزلة اسم لم يحذف منه شيء، وهذا يطرق عليه أن يجري في غير النداء كما جرى في النداء؛ لأنه منزلة ما لم يحذف منه شيء.
وقال رؤبة:
(إما تريني اليوم أم حمز قاربت بين عنقي وجمزي)
فرخم في غير النداء، وجاز (أم حمز) - بالكسر- على: يا حار، ولم يجز (أم حمز) - بالفتح- على: يا حار، وإن كان أقوى الوجهين؛ لأنه لم يجعله بمنزلة اسم [حذف] منه شيء، وما لم يحذف منه شيء فهو يجري في النداء، وغير النداء على طريقة واحدة
وقال ذو الرمة:
(ديار مية إذ مي تساعفنا ولا يرى مثلها عجم ولا عرب)
ويجوز في قوله: (مي) وجهان على أصلين مختلفين:
أحدهما: أن يكون على أن اسمها (مية) فلا يجوز إلا على ترخيم الضرورة.
[ ٢٦٩ ]
والآخر: على أن يكون اسمها (ميًا) فلا يجوز على الضرورة، ولكن على هذا الأصل الذي يقتضي إجراء الاسم هذا المجرى.
فإن قال قائل: ولم جاز- مع توجه الكلام على غير الضرورة- أن يحمل على الضرورة؟
قيل له: لأنه على أصلين مختلفين بمنزلة لغتين تداخلتا، فلا يكون على إحدى اللغتين/ ٢٠٩ أإلا ضرورة، وعلى اللغة الأخرى إلا غير ضرورة، وهذا يصلح في الشعر، ولو جاء مثله في غير الشعر؛ لم تحمله إلا على الوجه الذي ليس فيه ضرورة لأن الكلام الذي ليس بشعر لا تجوز فيه الضرورة أصلا.
وتقول: يا فل، وإنما جاز ذلك على تغيير النداء المؤذن بقوته على التغيير، لا على الترخيم. والدليل على ذلك أنه لا يقول عربي: يا فل، ولو كان على الترخيم، لجاز فيه الوجهان، كما يجوز/ يا حار، ويا حار.
[ ٢٧٠ ]
وقد وقع في (الكتاب): «لا يقول عربي: يا فلا» بالألف، ووجه الاستشهاد بذلك أنه لو كان على التغيير العارض الذي لا يجري مجرى الحذف في (دم)؛ لجاز رده إلى الأصل في الترخيم، فكان يجوز: إلى يا فلا، فلما امتنع من ذلك كما يمتنع من (دمي) بالرد إلى الأصل؛ دل على أنه حذف لازم، كالحذف في (دم). والشاهد الأول أبين، وكلاهما دليل.
وإنما جاز هذا النقصان في: يا فل، لأنه كناية على نقصان بيان، فاقتضى له نقصان الاسم؛ ليؤذن بنقصان البيان.
ولا يلزم مثل ذلك في: يا هناه؛ لأنه ناقص قبل النداء في قولهم: هن، فلم يحتمل النقصان، وغير تغييرا يؤذن بنقصان البيان بما لحقه مما يخرجه عن الطريقة التي يكون عليها في أكثر الاستعمال.
وتقول للمرأة: يا فلة؛ لأنه لما لزم الحذف؛ صار اللام فيه بمنزلة آخر الاسم في لحاق العلامات.
وقال أبو النجم:
(في لجة أمسك فلانا عن فل)
[ ٢٧١ ]
فأجراه- للضرورة- في غير النداء، وهو أقوى مما فيه الهاء؛ لأن الحذف له ألزم.
وإنما لم يجز: يافل- بالفتح- كما يجوز: [يا حمز] أقبل؛ للزوم الحذف له كما يلزم في (دم) ولا يلزم (حمزة) الحذف، وإنما هو ترخيم يجري في النداء خاصة، ويجوز فيه الإتمام.
[ ٢٧٢ ]