الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الترخيم في ضرورة الشعر مما لا يجوز
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في ترخيم الشاعر في الضرورة؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز أن يرخم للضرورة على: يا حا؟
وما الشاهد في قول الراجز:
وقد وسطت مالكا وحنظلا
وقول ابن أحمر:
[ ٣٢٥ ]
(أبو حنش يؤرقنا وطلق وعمار وآونة أثالا؟)
وما الخلاف فيه؟ ولم حمله على معنى (أثالة)، وحمله أبو العباس على:
يا أثالة؟ وما الذي يقوي قول سيبويه من تفسير الأصمعي/ إن هؤلاء من قومه يراهم في النوم، إذا أعفى؛ لأنه يتشوق إليهم، فهذا يدل على انه ليس فيه نداء؟
[ ٣٢٦ ]
وقول جرير:
(ألا أضحت حبالكم رماما وأضحت منك شاسعة أماما)
وهل الخلاف ٤ ب فيه كالخلاف في الذي قبله. ولم أنشد البيت الثاني؟ وهل ليدل ذلك على انه مفتوح، فقال:
(يشج بها العساقل منجدات وكل عرندس ينفي اللغاما)
[ ٣٢٧ ]
وقول زهير:
(خذوا حظكم يا آل عكرم واذكروا أواصرنا، والرحمن بالغيب تذكر)
وقول ابن حبناء:
(إن ابن حارث إن أشتق لرؤيته أو أمتدحه فإن الناس قد علموا)
[ ٣٢٨ ]
وما الشاهد في قول الأسود بن يعفر:
(أودي ابن جلهم عباد بصرمته إن ابن جلهم أمسى حية الوادي)
فلم لا يكون على ترخيم _جلهمة)؟ وهل ذلك لأنه أراد أمه، والعرب تسمي المرأة (جلهم)، والرجل (جلهمة).؟ فلم جرى هذا على القلب مما يقتضيه التأنيث؟ وهل ذلك لأنه جرى على العلم الذي لا يحتاج فيه إلى الفرق بين المؤنث والمذكر، كما يسمى الرجل (طلحة () والمرأة (دعد) فيسمى المذكر بالاسم الذي فيه علامة، والمؤنث بالاسم الذي ليس فيه علامة؛ ليدل على أن التأنيث فيه يكون في الاسم فقط؟
[ ٣٢٩ ]
وما الشاهد في قول رجل من بني يشكر؟
(لها أشارير من لحم تتمره من الثعالي ووخز من أرانيها)
ولم لا يجوز أن يكون في هذا على الترخيم، والعوض من المحذوف؟ وهل ذلك لأن الترخيم موضع تخفيف بالحذف، ولا يستحق عوضا؛ لمناقضته لعلة جوازه؟
[ ٣٣٠ ]
وما وجه قوله: من الثعالي، ومن ارانيها، إذا لم يكن ترخيمًا؟ وهل ذلك على البدل؟ ولم جاز أن يبدل الياء من الباء؟ وهل ذلك لأن الباء من مخرج الواو التي هي أخت الياء.
وما الشاهد في قول الشاعر؟
(ومنهل ليس له حوازق ولضفادي جمه نقانق)
ولم جاز أن يبدل الياء من العين، فقال: ضفادي، في موضع: ضفادع؟ وهل ذلك لأنه لا يصلح من حروف المد واللين التي هي أحق بالزيادة والإبدال إلا الياء، فأبدلها من العين، وإن بعد مخرجها منها؛ لأن المد الذي فيها يقارب وصلها بمخرج العين.
/٥ أوهل يلزم من حذف للترخيم، وعوض في هذا أن يجيز العوض في ترخيم
[ ٣٣١ ]
(حارث) على: يا حار، فيجيز، يا حاري، وفي (مروان): يا مروي؟ .
وهل لزمه ذلك؛ لأن العوض إن لم يستحقه الأصل، فالفرع أجدر أن لا يستحقه، فلا وجه للعرض؛ لأنه قد منع مانع في الأصل، والمانع موجود في الفرع، وهو مناقضة ما لأجله جاز الترخيم؟
الجواب:
الذي جوز في ترخيم الشاعر للضرورة حذف الهاء في غير النداء؛ لقوة الترخيم باطراده في النداء، مع قوة حذف الهاء؛ لأنها موضع تغيير، يكون حالها في الوقف على خلاف حالها في الوصل، فهذا الذي وجد في أشعار العرب، وكثر فيها، ولو جاء في غير الهاء، لم يمتنع.
[ولا يجوز الترخيم إلا على: يا حار] لأنه لما كان له في النداء طريقان:
أحدهما يكو ن الاسم فيه بمنزلة ما لم يحذف منه شيء، والآخر ليس كذلك؛
[ ٣٣٢ ]
كان الاسم الذي لم يحذف منه شيء أحق بأن يحمل عليه عير النداء؛ فإن جاء شيء على خلاف ذلك، فهو شاذ في الضرورة.
وقال الراجز:
وقد وسطت مالكا وحنظلا
فهذا على ما يطرد في الضرورة:
وقال ابن أحمر:
(أبو حنش يؤرقنا وطلق وعمار وآونة أثالا)
فاختلفوا في هذا، سيبويه إلى أنه ترخيم في غير النداء على (حار) وأبي ذلك أبو العباس، وقال: إن المعنى: يا أثالة، فهو ترخيم في النداء، ولم يجز الترخيم في غير النداء على: يا حار
[ ٣٣٣ ]
وفسر الأصمعي هذا البيت بما يدل على قول سيبويه، فقال: هؤلاء من قومه، يراهم في النوم إذا أغفى، لأنه يتشوق إليهم.
وقد بينا في الأصل أنه لا يمتنع في الهاء أن يجيء الترخيم على: يا حار؛ لقوة حذف الهاء، فيجيء على طريق النادر.
واختلفوا- أيضا- في قول جرير:
(ألا أضحت حبالكم رماما .. وأوضحت منك شاسعة أماما)
فذهب أبو العباس إلى أنه على: يا أمامة وذهب سيبويه إلى أنه على: أضحت أمامة/ ٥ ب منك شاسعة وقد بينا وجه القول في التأويلين.
وأنشد سيبويه البيت الثاني؛ ليدل على أنه مفتوح مطلق، فقال:
(يشج بها العساقل منجدات وكل عرندس ينفي اللغاما)
[ ٣٣٤ ]
ولولا ذلك لجاز أن يكون (أمام) على الضم، وإطلاق القافية.
وقال زهير:
(خذوا حظكم يا آل عكرم واذكروا أواصرنا والرحم بالغيب تذكر)
فلا خلاف في هذا أنه ترخيم في غير النداء للضرورة.
وقال ابن حبناء:
(إن ابن حارث إن أشتق لرؤيته أو أمتدحه فإن الناس قد علموا)
يريد: ابن حارثة، فرخم في عير النداء للضرورة.
وقال الأسود بن يعفر:
(أودي ابن جلهم عباد بصرمته أن ابن جلهم أمسى حيى الوادي)
يريد بقوله: (جلهم) أمه، ولا يجوز أن يكون- مع ذلك- ترخيم (جلهمة)؛ لأن العرب تسمى المرأة (جلهم)، والرجل (جلهمة) ووجه ذلك أنه علم
[ ٣٣٥ ]
لا يحتاج فيه إلى الفرق بين المؤنث والمذكر، إلا أنه سمي به المذكر بما فيه علامة التأنيث، ليدل على أن التأنيث قد يكون في الاسم فقط.
وقال رجل من بني يشكر:
(لها أشارير من لحم تتمره من الثعالي ووخز من أرانيها)
فهذا لا يجوز أن يكون على الترخيم والعوض من المحذوف؛ لأن الترخيم موضع تخفيف بالحذف، فلا يجوز العوض من المحذوف فيه؛ لمناقضته التخفيف الذي لأجله جاز ولكنه على البدل، وإنما جاز ان تبدل الياء من الباء؛ لأن الباء من مخرج الواو التي هي أخت الياء والأصل فيه: من الثعالب، ومن أرانبها فأبدل حرفا لا تدخله الكسرة كما لا تدخل الألف
وقال الشاعر:
(ومنهل ليس له حوازق ولضفادي جمه نقانق)
يريد: لضفادع، فأبدل الياء من العين؛ لأنه لا يصلح في هذا الموضع من حروف المد
[ ٣٣٦ ]
واللين التي هي أحق بالزيادة إلا الياء، لأنه احتيج إلى حرف لا تدخله الحركة وقبله كسرة، ومع ذلك /٦ فإن الياء بالمد الذي فيها تقارب الاتصال بمخرج العين.
ويلزم من حذف في هذا الترخيم وعوض أن يجيز في ترخيم (حارث):
يا حاري، وفي ترخيم (مروان) يا مروي؛ لأنه إنما يمتنع في الأصل لعلة موجودة في الفرع، فإذا لم يلتفت إليها في الفرع، لزمه ألا يلتفت إليها في الأصل؛ وهذا لأن العوض مناقض لما لأجله جاز الترخيم.
[ ٣٣٧ ]