الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في النفي مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في النفي بلا. وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك.
ولم لا يجوز أن يذهب النون مع لام الإضافة إلا إذا كانت مقحمة في النفي أو النداء؟
وما اللام المقحمة؟ وهل هي الزائدة على تقدير الطرح؟ ولم جاز أن تزاد على هذه الجهة؟ وهل ذلك ليكون الاسم في حال بين المنفصل والمضاف؟
وهل الإضافة المحضة بحق الأصل، والانفصال المحض بحق الأصل، والحال بين الإضافة المحضة والانفصال بحق الشبه للإضافة إذ اللفظ على الإضافة
[ ٣٤٧ ]
/ ٧ ب المحضة، والمعنى على الانفصال، فكذلك هذا الباب اللفظ على الانفصال، والمعنى على الإضافة المحضة؟
ولما جاز [في]: لا غلام لك، الإعراب والبناء؟ وهل ذلك لأنه في إقحام اللام بمنزلة: لا مثل زيد؟
وما في قول العرب: لا أبالك، ولا غلامي لك، ومن الدليل؟
ولم جاز: لا أباك، في معنى: لا أبالك؟ وهل ذلك على الإضافة اللفظية؟
وما نظير اللام من قولهم:
يا تيم تيم عدي
[ ٣٤٨ ]
في الإقحام، ومن قولهم: يا طلحة أقبل؟
وهل الإقحام كله بمنزلة التكرير للتأكيد؟
وما الشاهد في قول النابغة:
(كليني لهم يا أميمة ناصب )
وقول الآخر:
( يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام)
ولم جاز الإقحام في النفي والنداء، دون غيرهما من الكلام؟
ولم صار النفي موضع تخفيف؟
[ ٣٤٩ ]
ولم صار النداء موضع تخفيف؟ وهل ذلك لما يلزمه من حرف النفي، وأن النداء مفتاح الكلام بما يقتضي الإيجاز قبل الدخول في غرض الكلام.
ولم جاز: لا مسلمي لك، على تقدير حذف اللام، ولم يجز: لا مسلميك.؟
وهل ذلك لأنه من المفسرات التي لا تصلح استعمالها للخلف اللازم منها؟
وما حكم: لا يدين بها لك، ولا يدين اليوم لك؟ ولم كان الوجه في هذا إثبات النون؟ وهلا كان الفصل بالظرف كالفصل باللام؟ هل ذلك؟ لأن اللام لو طرحت؛ اتصل الاسم على الإضافة المحض، وليس كذلك مع الفصل بالظرف.
ولم صار القبح فيك لا يدري بها لك، بمنزلة القبح في: لا مثل بها زيد؟
ولم جاز في الضرورة: لا أخا هذين اليومين [لك].
وما الشاهد في قول ذي الرمة:
(كأن أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس أصوات الفراريج؟]
[ ٣٥٠ ]
وما نظير ثبات النون في: لا يدين بها لك، في قولهم: كم بها رجلا مصابًا.
وما وجه قول يونس في: لا يدي بها لك، وكم بها رجل مصاب: يجوز؛ لأن الكلام لا يستغني؟ وهل ذلك لأنه إذا كان ناقصًا؛ اقتضى متمم كما يقتضي المضاف متممًا؟
ولم خالفه سيبويه في هذا، وذهب إلى ان ما يستغني به الكلام، وما لا يستغني به قبحهما واحد، وهل ذلك لأن /٨ أالفصل قد وقع بما هو بمنزلة الفصل بين بعض الاسم، وبعض فلا يعصم من ذلك أن الذي لا يستغني أشبه بالمضاف؟
وهل مذهب الخليل وسيبويه في هذا واحد على خلاف مذهب يونس؟
وما حكم: لاغلامين، ولا جارتي لك؟
ولم جاز في الثاني [إثبات] النون وحذفها، ولم يجز في الأول إلا
[ ٣٥١ ]
إثباتها؟
وما نظير اختصاص (لا) بالإقحام، دون نظائرها من حروف النفي من اختصاص (لدن) مع: (غدوة) بما ليس لنظائره (غدوة) في قولهم: لدن غدوة، ولا يجوز: لدن عشية؟ وهل ذلك لكثرة (لدن) مع غدوة حتى صارت تقتضيها اقتضاء الناصب للمنصوب، وكثرت مع (غدوة) بما ليس لـ (عشية)؛ لأن (غدوة) ابتداء الأفعال في غالب الأمر.
وما نظيره من قولهم: ملامح، ومذاكير على تقدير أن واحده. ملمحة، ومذكار كم غير أن يجوز في الاستعمال؟ وهل ذلك لتمكين المقدرات في الكلام؟
وما نظيره من قولهم: عذيرك على طريقة قولهم: " ضربا، وضربك، ولا يجوز تنكير: عذيرك؟ وهل ذلك لأنه مصدر لم يتمكن بالإجراء على الفعل، مع أنه كالمثل الذي لا يغير، وذلك أن الثاني يقوله على حد ما قاله الأول من مصاحبة حال تدل على المبالغة في معنى: اعذر، فمن هاهنا صار كالمثل؟
[ ٣٥٢ ]
ولم لو جاز: تيم تيم عدي، لم يستقم إلا أن تقول: ذاهبون، فتأتي بخبر؟
وما في ذلك من الدليل على ان: لا أبالك لابد من أن يكون له خير قد حذف كأنك قلت: لا أبالك في مكان؟
وما الشاهد في قول الشاعر، وهو نهار بن توسعة اليشكري:
(أبي الإسلام لا أب لي سواه إذ افتخروا بقيس أو تميم)
وهل قال: لا أبالي؟
ولم حذف التنوين للبناء مع (لا)؛ ولم يحذف النون حتى جاز: لا غلام عندك، ولا يجوز: لا غلامي عندك؟ وهل ذلك لأن النون أقوى من التنوين بالحركة؟
ولم جاز إقحام اللام، ولم يجز إقحام (في) وكلاهما من حروف الإضافة، فجاز: لا أبالك، ولم يجز: لا أبا فيها؟ وهل لأن الإضافة المحضة فيها معنى
[ ٣٥٣ ]
اللام، وليس فيها معنى (في)؟
وما حكم: لا غلام وجارية فيها؟ ولم لا يجوز الثاني إلا بالتنوين؟
وما الشاهد في قول الشاعر:
(فلا أب وابنا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرًا)
وكم وجها/ ٨ ب يجوز في: لا رجل ولا امرأة؟
[ ٣٥٤ ]
وما الشاهد في قول أنس بن العباس:
(لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الفتق على الراتق)
وهل يجوز: ليس عبد الله، وليس أخوه فيها؟
ولم جاز في كل ما تعلم فيه (رب) أن تعمل فيه (لا).؟
وما حكم: ولاسيما زيد؟ ولم أدخله في هذا الباب؟ وهل ذلك لأن (ما)
[ ٣٥٥ ]
زائدة تشبه اللام في الإقحام.
ولم جاز: ولاسيما زيد؟ وهل ذلك على تقدير: ولا مثل شيء هو زيد، كقولهم: دع ما زيد، أي: دع شيئا هو زيد، وكقراءة من قرأ بالرفع:
﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾
وهل يجوز: ولاسيما زيدا؟ ولم أجازه على معنى الاستثناء، كقولك: إلا زيدًا، كما أنشدوا:
( ولاسيما يوما بدارة جلجل)
على الأوجه الثلاثة؟ .
[ ٣٥٦ ]
وما الشاهد في قول أبي محجن الثقفي:
(يارب مثلك في النساء غريرة بيضاء قد متعتها بطلاق)
الجواب:
الذي يجوز في النفي بلام الإضافة- إذا كانت مقحمة- حذف التنوين والنون؛ للإضافة؛ لأنها على تقدير الطرح.
[ ٣٥٧ ]
ولا يجوز أن تكون اللام مقحمة إلا في الموضع الذي يقوى فيه التغيير كالنفي والنداء؛ لأن إقحامها إنما يجب لها بحق الشبه، لا بحق الأصل؛ وذلك أن الإضافة التي بحق الأصل توجب معنى خلاف معنى الإضافة التي بحق الشبه، وما كان بحق الشبه فإنما اللفظ فيه على الإضافة، والمعنى على الانفصال فلما كان الشبه يقوى في الموضع الذي يقوى فيه التغير؛ أوجب الحكم ولما كان الشبه يضعف في غير ذلك الموضع؛ لم يوجب حكما.
وإنما قوي الشبه في الموضع الذي يقوى فيه التغيير؛ لأنه موضع يطلب فيه التغيير؛ للشبه، فيظهر في الموضع الذي يطلب فيه، ويخفى في الموضع الذي لا يطلب فيه؛ لأنه ليس من مواضع التغيير.
واللام المقحمة هي الزائدة لزيادة البيان على طريقة التأكيد، والنية بها
[ ٣٥٨ ]
الطرح، على أصل قياس ما يزاد للتأكيد.
(ولما كانت الإضافة) بغير حرف على وجهين: إضافة حقيقية، وإضافة لفظية؛ جاءت الإضافة بحرف على وجهين: إضافة بحق /٩ أالأصل، وإضافة بحق الشبه.
فالإضافة بحق الأصل الحقيقية، والإضافة بحق الشبه لفظية، وحكمهما مختلف.
والإضافة بحق الشبه حال بين الحالين من الانفصال بحق الأصل والإضافة بحق الأصل، وهذا القسم الثالث بين المنفصل والمضاف؛ لأن اللفظ على الانفصال باللام،،التقدير على الإضافة بغير الم وإن لم يجز استعمال حذف اللام في هذا الباب لأنها هي التي تدل على الإضافة
[ ٣٥٩ ]
اللفظية، إذا كانت مقحمة، ولو كان الدليل غيرها؛ لأجاز أن تسقط، كما يقال: ضارب زيد، فيكون على الإضافة اللفظية، ودليله وقوع (فاعل) موقع (يفعل).
وتقول: لا غلام لك، فيجوز على وجهين:
أحدهما: ذهاب التنوين؛ للبناء إذا كانت اللام غير مقحمة، ولكن على معنى الخبر في: لك.
ويجوز ذهاب التنوين؛ للإضافة إذا كانت اللام مقحمة، ويكون على حذف الخبر.
وقول العرب: لا أبا لك، ولا مسلمي لك، دليل على ان الإضافة باللام على جهة الإقحام.
ويجوز: لا أباك على معنى: لا أبا لك؛ لأنه كثر حتى فهم منه معنى الإضافة اللفظية التي لا تعرف الأول بالثاني، كما قال الشاعر:
[ ٣٦٠ ]
(أبالموت الذي لابد أني ملاق لا أباك تخوفيني)
ونظير إقحام اللام قولهم:
(يا تيم تيم عدي )
وقولهم: يا طلحة أقبل، فالإقحام كله بمنزلة التكرير للتأكيد.
وقال النابغة:
(كليني لهم يا أميمة ناصب )
وقال الآخر:
( يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام)
[ ٣٦١ ]
وإنما صار النفي موضع تخفيف، لما يلزمه من زيادة حرف النفي مع الاستغناء في كثير من الكلام عن ذكر الخبر فيه، كقولك: لا ملجأ، ولا دماء، ولا كري. وما أشبه ذلك.
وصار النداء موضع تخفيف؛ لأنه مفتاح الكلام الذي ندخل به إلى الغرض من الخبر، والاستخبار، والأمر، والنهي، ونحو ذلك.
وتقول: لا مسلمي لك، على تقدير: لا مسلميك، ولا يجوز هذا المقدر.
لأنه لا دليل يدل على التنكير كما تدل اللام بإيجابها الانفصال، حتى يكون بمنزلة (ضارب زيد) الذي هو على تقدير الانفصال /٩ ب في: ضارب زيدًا.
وتقول: لا يدين بها لك، ولا يجوز إقحام اللام هاهنا؛ للفصل الذي قد وقع بين الثاني والأول في قولك: (بها) وكذلك: لا يدين اليوم لك.
ويجوز مثل هذا في الضرورة، كما قال ذو الرمة:
(كأن أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس أصوات الفراريج)
ونظير الفصل في هذا: كم بها رجلا مصابًا، فهو نظيره في المنع من الإضافة.
[ ٣٦٢ ]
ويونس يذهب إلى أنه يجوز: لا يدي بها لك، وكم بها رجل مصاب؛ لأن الكلام لا يستغني.
ووجه ذلك أن الكلام إذا كان لا يستغني؛ أشبه المضاف، فجاز مع الفصل، وإذا كان يستغني لم يجز مع الفصل، كقولك: لا رجل فيها لك.
وسيبويه يذهب إلى أن ما يستغني به الكلام، وما لا يستغني قبحهما سواء.
ووجه ذلك أن مالا يستغني لا يختص المضاف دون المركب، والموصول، والموصوف، فليس هو بشيء للإضافة خاصة فيحتمل له الفصل؛ إذا هو مشترط بين الإضافة وغيرها. ومذهب الخليل كمذهب سيبويه.
وتقول: لا غلامين ولا جاريتي لك، وإن شئت قلت: ولا جاريتين لك، فأما الأول؛ فليس فيه إلا ثبات النون.
ونظير اختصاص (لا (بالإقحام دون غيرها من حروف النفي اختصاص (لدن) مع (غدوة) واختصاص: ملامح، ومذاكير، بإهمال واحده،
[ ٣٦٣ ]
واختصاص (عذيرك) بالمعرفة دون النكرة، وكل ذلك لعلل قد أشعرنا بها في السؤال.
وتقول: لا أب لك، فلا تحتاج إلى محذوف، فإن قلت: لا أبا لك، فلابد من محذوف؛ لأنه بمنزلة الاسم المفرد.
وقال نهار بن توسعة:
(أبي الإسلام لا أب لي سواه .. إذا افتخروا بقيس أو تميم)
فهذا على أن (لي) خبر ولو جعله مضافًا؛ لقال: لا أبالي سواه.
والنون تحذف للإضافة، ولا تحذف للبناء؛ لأنها أقوى من التنوين بالحركة؛ ولذلك تثبت مع الألف واللام، وفي الوقف إلا أن المضاف إليه لما كان يقع موقع التنوين؛ لم يكن بد من حرف النون/ ١٠ أعلى المعاقبة؛ لأن موقعهما واحد، ولا يصلح أن يجتمعا [فيه] فلا يجوز: لا غلامي عندك، كما يجوز لا غلام عندك.
وأبو العباس يذهب [إلى] أن النون لا تحذف للبناء؛ لأنه لم يقع تركيب
[ ٣٦٤ ]
اسم مع اسم مثنى أو مجموع- أصلا- في الكلام، كما وقع تركيب اسم مع اسم مفرد، فإنما حمل هذا على نظيره من تركيب الاسم مع الاسم.
وكلا العلتين صحيح حسن.
ويجوز إقحام اللام، ولا يجوز إقحام غيرها من حروف الإضافة؛ لأنها تصلح للتأكيد؛ إذ كل إضافة بغير حرف فإنه يصلح فيها معنى اللام- وإن كان يوجد ذلك تعريف- إذا لم تكن الإضافة على معنى النوع من الجنس.
فالغالب على الإضافة أن تكون بمعنى اللام؛ فلذلك صلح أن يقع بها الإقحام؛ للتأكيد، ولم يصلح بغيرها من حروف الإضافة.
وتقول: لا غلام وجارية فيها، بالتنوين في: جارية/، لا غير؛ لأنه ليس فيه بناء، ولا إضافة، وقال الشاعر:
[ ٣٦٥ ]
(فلا أب وابنا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا)
وتقول: لا رجل ولا امرأة، فيجوز في المعطوف ثلاثة أوجه:
النصب بالتنوين إذا كانت (لا) الثانية مؤكدة، والنصب بغير تنوين إذا كانت نافية نظيرة الأولى، والرفع بالتنوين عطفا على الموضع، وقال أنس بن العباس:
(لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الفتق على الراتق)
وتقول: ليس عبد الله وليس أخوه فيها، فيجوز على حذف خبر الأول، فكذلك: لا رجل ولا امرأة يا هذا، بغير تنوين.
وكل ما جاز أن تعمل فيه (رب) فإنه يجوز أن تعمل فيه (لا)؛ لأنهما جميعا للنكرة. أما (رب) فلأن الواحد منها يقع موقع الجميع؛ للدلالة على التفصيل في تقليل جملة واحدة النكرة، وأما (لا) فلأنها نفي أعم العام بواحد يقع موقع الجميع؛ للتفصيل.
وتقول: ولا سيما زيد؛ لأنها بمنزلة: ولا مثل زيد، و(ما) في هذا الوجه صلة.
وتقول: ولا سيما زيد، كأنك قلت: ولا مثل شيء هو زيد، كقولك: دع ما زيد؛ أي: دع شيئا هو زيد.
[ ٣٦٦ ]
ويجوز: ولا سيما زيدا - فيما حكاه الكوفيون - على معنى: إلا زيدا، وأنشدوا:
(ألا رب يوم لك منهن صالح ولا سيما يوما بدارة جلجل)
على الأوجه الثلاثة.
ولم يذكر سيبويه النصب في هذا، وليس بممتنع على قياس فولهم: حاشا زيدا، كأنك تخرجه من الجملة المذكورة قبله منزها له، فكذلك تخرج الثاني عن الجملة المذكورة قبله بأنه قد فاقها، وزاد عليها، كهذا البيت فيما يقتضيه معناه من إخراج (يوما بدارة جلجل) عن المذكور قبله بعظم شأنه عن ذلك الحد.
وقال أبو محجن الثقفي:
(يارب مثلك في النساء غريزة بيضاء قد متعتها بطلاق)
فدل على أن (مثلك) نكرة بدخول (رب) عليها.
[ ٣٦٧ ]