الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في إعراب الفعل بين الجزمين، مما لا يجوز.
/١٤٣ أمسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في إعراب الفعل بين الجزمين؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ ولم لا يجوز النصب على الصرف إلا ضعيفًا، ويقوى بعد التمام؟
وما الفعل الذي يرتفع بين الجزمين؟ ولم وجب في الحال الرفع الجزمين؟
وما الفعل الذي ينجزم بين الجزمين؟ ولم وجب في التابع للأول؟
وما حكم: إن تأتني تسألني أعطك، وإن تأتني تمشي أمش معك؟ ولم جاز في الثاني وجهان: تمشي، وتمش بالجزم؟ ولم يجز في الأول إلا الرفع؟ وهل ذلك لأنه لا يصلح فيه البدل؟
[ ١٠٠٩ ]
وما الشاهد في قول زهير:
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ولا يغنها يومًا من الدهر يسأم؟
ولم لا يجوز فيه إلا الرفع؟ وهل ذلك لأنه خبر: يزل؟ وهل كل ما وقع موقع الاسم من الفعل فهو رفع؟
وما الشاهد في قول الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد؟
ولم لا يجوز إلا بالرفع؟
[ ١٠١٠ ]
وما الشاهد في قول عبيد الله بن الحر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبًا جزلًا ونارًا تأججا؟
ولم جاز في (نلمم) الرفع، والجزم؟
وما الشاهد في قول بعض بني أسد:
إن يبخلوا أو يجبنوا أو يغدروا لا يحفلوا
يغدوا عليك مرجلين كأنهم لم يفعلوا؟
[ ١٠١١ ]
فلم جاز (يغدوا) بالجزم على البدل من: لا يحفلوا؟ وهل ذلك لأن غدوهم مرجلين يفسر أنهم لم يحفلوا؟ وهل يجوز بالرفع في مثله من الكلام؟ ولم جاز؟
وهل يجوز: إن تأتنا تسألنا نعطك؟ ولم لا يجوز على قصد السؤال، ويجوز على الغلط والنسيان؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾؟ فعلام انجزم /١٤٣ ب الأول؟ وعلام انجزم الثاني؟ ولم كان الأول هو الجواب والثاني بدلًا منه؟ ولم لا يجوز أن يكون الثاني هو الجواب، والأول بدلًا منه؟ وهل ذلك لأن لقي الأثام هو مضاعفة العذاب، وليس يفعل ذلك؟
وما حكم: إن تأتنا نحسن إليك نعطك ونحملك؟ ولم كان الأول على الجواب، والثاني على البدل من الجواب؟
وما حكم: إن تأتني آتك أقل ذاك؟ ولم لا يجوز؟
[ ١٠١٢ ]
وهل يجوز: إن تأتني آتيك أقل ذاك؟
وما حكم: إن تأتني ثم تسألني أعطك؟ ولم لا يجوز إلا بالجزم؟ وإن تأتني فتسألني أعطك، وإن تأتني وتسألني أعطك؟ ولم لا يجوز فيه الرفع على الحال كما تقول: إن تأتني وأنت تسألني أعطك، ومتى تأته وأنت تعشو إلى ضوء ناره؟ وهل ذلك لأن الواو تدخل مع الاسم في هذا للحال، ولا تدخل مع الفعل، لاستغناء الفعل الذي للحال عن الواو؟
وما حكم: إن تأتني فتحدثني أحدثك، وإن تأتني وتحدثني أحدثك؟ ولم لا يجوز بالنصب إلا على ضعف؟ ولم جاز أصلًا مع أنه واجب؟
وما الشاهد في قول ابن زهير:
ومن لا يقدم رجله مطمئنة فيثبتها في مستوى الأرض يزلق
[ ١٠١٣ ]
ولم كان النصب في هذا جيدًا؟ وهل ذلك لأجل النفي؟
وما حكم: إن تأتني فأحدثك؟ ولم لا يجوز إلا بالرفع؟
ولم جاز: إن يكن إتيان فحديث، على الرفع بالابتداء، ولم يجز على الرفع بالعطف؟
وما حكم: إن تأتني آتك فأحدثك؟ ولم جاز (فأحدثك) بالجزم، والرفع؟
وهل الجزم للعطف على الجواب، والرفع على الاستئناف؟
ولم جاز بالنصب في الفاء، والواو، ولم يجز في: ثم؟ ولم لا يصلح الصرف في: ثم، كما جاز في الواو؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾؟ وهل
[ ١٠١٤ ]
/١٤٤ أذلك شاهد على أنه يجوز بعد التمام الرفع والجزم؟
وما الشاهد في: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بعد قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾؟ ولم جاز في بعض القراءة ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾؟ .
وما حكم: إن تأتني فهو خير لك وأكرمك، وإن تأتني فأنا آتيك وأحسن إليك، وقوله جل وعز: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؟ وهل يجوز الجزم في مثل هذا؟
وقوله جل وعز: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؟ ولم جاز في بعض القراءة: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؟
[ ١٠١٥ ]
وما حكم: إن تأتني فلن أوذيك وأستقبلك بالجميل؟ وهل يجوز فيه الجزم؟
وما حكم: إن أتيتني لم آتك وأحسن إليك؟ وهل يجوز بالجزم في: وأحسن إليك؟ ولم جاز؟
ولم حسن: إن أتيتني لم آتك، ولم يحسن: إن أتيتني [لا] آتك؟ [وهل ذلك لأن (لم آتك) بمنزلة: إن أتيتني أتيتك، و(لا آتك) بمنزلة: إن أتيتني آتك]؟
ولم ضعف (فعلت) مع: أفعل، و[أفعل] مع: فعلت، و(لم أفعل) مع: يفعل و(لا أفعل) مع: فعل؟ وهل ذلك لخروجه عن المشاكلة؟
ولم جاز: أفعل إن شاء الله، على الإيجاب، وهو مشروط؟
[ ١٠١٦ ]
وما الشاهد في قول الأعشى:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى مصارع مظلوم مجرا ومسحبا
وتدفن منه الصالحات وإن يسئ يكن ما أساء النار في رأس كبكبا
وهل ذلك شاهد في: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؟
الجواب:
الذي يجوز في إعراب الفعل بين الجزمين إجراؤه على الرفع بوقوعه موقع الاسم خبرًا، أو حالًا، وعلى الجزم بالإتباع للأول، وعلى النصب بالصرف، إذا صح التقدير في كل واحد منها، إلا أن الصرف يضعف بين الجزمين، لأنه في الشرط الذي يشبه الواجب من جهة أنه واقع على الشرط، ويشبه / ١٤٤ ب غير الواجب من جهة أنه يجوز أن لا يقع، فإذا جاء بعد تمام الكلام قوي الصرف، لأنه
[ ١٠١٧ ]
أحمل للتأويل إذا جاء بعد التمام.
والفعل الذي يرتفع بين الجزمين هو الواقع موقع الاسم.
والفعل الذي ينجزم بين الجزمين في الشرط والجواب هو التابع للأول.
وتقول: إن تأتني تسألني أعطك، بالرفع، لأنه في موضع: إن تأتني سائلًا أعطك. وإن تأتني تمشي أمش معك، بالرفع على أنه في موضع: إن تأتني ماشيًا. ويجوز بالجزم على البدل، كأنك قلت: إن تمش أمش معك، لأن المشي إتيان ولا يجوز مثل ذلك في الأول، لأن السؤال ليس بإتيان.
وقال زهير:
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ولا يغنها يومًا من الدهر يسأم
برفع: يستحمل، لأنه في موضع الاسم خبرًا ليزل.
وقال الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد
[ ١٠١٨ ]
بالرفع، لأنه في موضع: متى تأته عاشيًا.
وقال عبيد الله بن الحر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبًا جزلًا ونارًا تأججا
فهذا يصلح فيه الجزم والرفع، كأنه قال: متى تأته ملما.
وقال بعض بني أسد:
إن يبخلوا أو يجبنوا أو يغدروا لا يحفلوا
يغدوا عليك مرجلين كأنهم لم يفعلوا
على البدل من: لا يحفلوا، لأن غدوهم مرجلين هو أنهم لا يحفلون، ويجوز بالرفع على الاستئناف، لأن الكلام قبله قد تم، ويجوز الرفع على الحال كأنه قال: غادين عليك مرجلين.
وتقول: إن تأتنا تسألنا نعطك، ولا يجوز في (تسألنا) الجزم.
وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ فهذا على أن ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ هو / ١٤٥ أالجواب،
[ ١٠١٩ ]
و(يضاعف) بدل منه، لأن لقي الأثام هو مضاعفة للعذاب، ولا يصلح فيه البدل من الأول، لأنه ليس به.
وتقول: إن تأتنا نحسن إليك نعطك ونحملك، فـ (نحسن) هو الجواب، و(نعطك) بدل منه.
ولا يجوز: إن تأتني آتك أقل ذاك، لأن القول ليس بإتيان، ولكن يجوز: إن تأتني آتيك أقل ذاك، على معنى: إن تأتني في حال إتياني إياك أقل ذاك.
وتقول: إن تأتني ثم تسألني أعطك، بالجزم لا غير، لأن الكلام ما تم، وكذلك: إن تأتني وتسألني أعطك.
ولا يجوز بالرفع على الحال، لأن واو الحال لا يحتاج إليها في الفعل، وإنما تقع مع الاسم كقولك: ضربته وزيد قائم.
وتقول: إن تأتني فتحدثني أحدثك، فيجوز بالنصب والجزم، وكذلك: إن تأتني وتحدثني أحدثك.
وقال زهير:
[ ١٠٢٠ ]
ومن لا يقدم رجله مطمئنة فيثبته في مستوى الأرض يزلق
فهذا جيد، لأنه جواب النفي، وجواب الجزاء: يزلق.
وتقول: إن يكن إتيان فحديث، فيجوز الرفع على الابتداء، ولا يجوز على العطف، لأن الكلام ناقص بالعطف.
وتقول: إن تأتني آتك فأحدثك، بالجزم على العطف، ويجوز بالرفع على الاستئناف، وبالنصب على الصرف.
ولا يجوز الصرف في (ثم)، لأنه ليس لها وجه يقتضي التفريع بالصرف كما للفاء والواو، إذ الفاء ترتب بغير مهملة، فخرجت إلى الجواب، لموافقته معناها في هذا، والواو لجمع النهي الثاني والأول، أو الأمر، أو
ما جرى هذا المجرى في الفعل، فخرجت إلى الجمع بين الفعلين اللذين نهي عنهما في: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فخرجت عن جمع معنى العطف إلى جمع من غير عطف.
وفي التنزيل: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾، وفيه: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾، فهذا شاهد على أنه يجوز بعد التمام /
ب الرفع والجزم.
وفي التنزيل: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾، وفي بعض القراءة ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾؟ فهذا شاهد في جواز الجزم والنصب على الصرف بعد تمام الكلام.
[ ١٠٢١ ]
وتقول: إن تأتني فهو خير لك وأكرمك، فيجوز فيه ثلاثة أوجه: الرفع بالعطف على موضع ما بعد الفاء، والجزم بالعطف على موضع الفاء، والنصب على الصرف. وكذلك: إن تأتني فأنا آتيك وأحسن إليك.
وفي التنزيل: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، فهذا على ما بعد الفاء.
ويجوز في مثله الجزم كما قال جل وعز: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ بالجزم والرفع، قرئ بهما جميعًا.
وتقول: إن تأتني فلن أوذيك وأستقبلك بالجميل، بالرفع والجزم، ولا يجوز النصب بالعطف، لأنه لا يجتمع نفي الاستقبال بالجميع مع نفي الأذى، لأنه لو قال: لن أستقبلك بالجميل، لدل على الأذى، ولا يصلح النصب على الصرف، لما فيه من الإبهام.
وتقول: إن أتيتني لم آتك وأحسن إليك، فيجوز بالرفع، والجزم، والنصب، إلا أن الجزم على العطف يضعف، لأن (لم آتك) إذا عطف عليه، صار بمنزلة: إن أتيتني لم أحسن إليك، وهذا ضعيف في الكلام.
ويضعف (أفعل) مع: فعلت، ومع: لم أفعل، لخروجه عن المشاكلة.
وتقول: أفعل إن شاء الله، فيدل على وقوع الفعل، لأن (إن شاء الله) مخرجه
[ ١٠٢٢ ]
هاهنا مخرج الشرط، وليس بشرط، وإنما هو كلام يتبرك به في صلة كلام غيره، فكأنه قال: أفعل ذلك، وليس بمنزلة: أفعل إن شاء زيد، لأن هذا شرط على ما توجبه صورته.
وقال الأعشى:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى مصارع مظلوم مجرًا ومسحبا
/١٤٦ أوتدفن منه الصالحات وإن يسئ يكن ما أساء النار في رأس كبكبا
فنصب: وتدفن، على الصرف، وهو حسن، لأنه جاء بعد تمام الكلام كما جاء ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
[ ١٠٢٣ ]