الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الأسماء التي يجازى بها الكائنة بمنزلة الذي، مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الاسم الذي يجازى به الكائن بمنزلة: الذي؟ وما الذي لا يجوز، ولم ذلك؟
ولم لا يجوز أن يعمل فيه ما قبله إلا وهو بمنزلة: الذي؟ وهل ذلك لأنه لا يدخل عامل الاسم على (إن) التي للجزاء، لأنها مع ما بعدها بمنزلة الجملة التي هي فعل وفاعل، ولا يدخل عامل الاسم على الفعل، وإن كانت للاستفهام، امتنعت لأن له صدر الكلام؟
وما حكم: إن من يأتيني آتيه، وكان من يأتيني آتيه، وليس من يأتيني آتيه؟ ولم وجب ذهاب الجزاء من هاهنا؟
وهل ذهابه مع: ماو ومن، وأي، كذهابه مع (إن)، لأنها مقدرة مع الأسماء التي يجازى بها؟
[ ٩٦١ ]
ولم لا يجوز: كان متى يأتيني زيد آتيه؟ وهل ذلك لأن (متى) وأخواتها لا توصل؟
ولم جاز: إنه من يأتنا نأته، ولم يجز: إن من يأتنا نأته؟ وهل ذلك لأن عامل الاسم يعمل في الجملة إذا وقعت موقع الخبر، ولا يعمل فيها إذا وقعت موقع المخبر عنه، لأن موقع الخبر للفائدة، وموقع المخبر عنه للبيان؟
وما الشاهد في قوله /١٣٣ أجل ثناؤه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾.
ولم جاز: كنت من يأتني آته، ولم يجز: كان من يأتني آته، إلا على الإضمار في: كان، فتقول: كان من يأته يعطه، وليس من يأته يحببه؟
ولم جاز في الشعر: إن من يأتني آته؟
وما الشاهد في قول الأعشى:
[ ٩٦٢ ]
إن من لام في بني بنت حسان ألمه وأعصه في الخطوب
وقول أمية بن أبي الصلت:
ولكن من لا يلق أمرًا ينوبه بعدته ينزل به وهو أعزل؟
ولم وجهه على إضمار الهاء في: إنه، ولكنه؟
وما الشاهد في قول الراعي:
فلو أن حق اليوم منكم إقامة وإن كان سرح قد مضى فتسرعا
[ ٩٦٣ ]
ولم كان هذا الشاهد أبين في أنه لابد من إضمار الهاء؟ ولم قدره على إضمار الهاء، ولم يقدره على حذف: ما؟ وهل ذلك لأن إضمار المجهول أغلب على هذا الباب، وأجرى فيه، لأنه يجوز مع (ما) إضمار الهاء، ولا يصلح معها إضمار (ما)، ويصلح الإضمار في: كان، وليس، ولا يصلح حذف: ما؟
وهل يجوز في الكلام: قد علمت أن من يأتني آته؟ ولم جاز؟ ولم لا تخفف (أن) إلا وفيها إضمار الهاء؟ وهل يقوي ذلك أنها لا تعمل مخففة في اللفظ؟
وما الشاهد في قول الشاعر:
أكاشره وأعلم أن كلانا على ما ساء صاحبه حريص؟
[ ٩٦٤ ]
ولم جاز في: كان، وليس، إضمار الغائب من غير ذكر علامة له، ولم يجز إضمار المخاطب من غير ذكر علامة له؟ وهل ذلك لأن الغائب قد جرى ذكره فأغنى عن إظهار ذكر العلامة له، وليس كذلك
المخاطب والمتكلم؟ ولم لا يجوز: كان من يأتك تعطه، بمعنى: كنت، و: ليس من يأتك تعطه، بمعنى: لست، على الحذف؟ وهل ذلك لأن الفاعل لا يحذف؟
وما الشاهد في قول الأعشى:
/١٣٣ ب في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل؟
ولم لابد في (أن) من ضمير؟ وهلا كانت بمنزلة (إن) في جواز ترك الإضمار معها؟
[ ٩٦٥ ]
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾، و﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾؟
ولم لا يقوى: قد علمت أن تقول ذاك، كما يقوى: قد علمت أن لا تقول ذاك؟
ولم ضعف: قد علمت أن عبد الله منطلق؟ وهو ذلك لذهاب العوض؟
الجواب:
الذي يجوز في الاسم الذي يجازى به الكائن بمنزلة (الذي) إجراؤه على أنه إذا وقع موقع المخبر عنه، ودخل عليه عامل الاسم على تقدير (الذي).
ولا يجوز أن يجرى في هذا الموقع على معنى الجزاء، لأنه موقع للاسم المذكور للبيان، ولا يجوز أن يعمل فيه عامل الاسم، لأنه قد وقع موقع (إن) التي
[ ٩٦٦ ]
للجزاء، وعامل الاسم لا يدخل على عامل الفعل إذا كان لا يدخل على الفعل، لأن معناه في الاسم خاصة، فلا يدخل على الفعل، فسبيل (إن) مع الفعل كسبيل (لم) معه في أن عامل الاسم لا يدخل عليه، لأنه بمنزلة الدخول على الفعل، وعلى الجملة التي هي فعل وفاعل.
ولا يدخل عليها إذا كانت استفهامًا، لأن للاستفهام صدر الكلام، فالجزاء والاستفهام يمتنع كل واحد منهما أن يبني على عامل الاسم الذي يخرج الاستفهام عن صدر الكلام، ويخرج الجزاء عن أن يكون للفائدة.
ويصلح أن يقع الجزاء موقع الخبر، ويعمل فيه عامل الاسم في ذلك الموقع، ولا يعمل فيه في موقع الاسم المخبر عنه، لأن موقع الخبر للفائدة، وموقع المخبر عنه للبيان، والموقع الأول هو موقع المخبر عنه، والموقع الذي هو للبيان.
وتقول: إن من يأتيني آتيه، وكان من يأتيني آتيه، وليس من يأتيني آتيه، فيذهب الجزاء في كل هذا، وكذلك في: ما، وأي، كذهابه مع (إن)، لأنها مقدرة مع الأسماء التي يجازى بها.
والأسماء التي /١٣٤ أيجازى بها على وجهين: منها ما يصلح أن يخرج إلى معنى: الذي، ومنها ما لا يصلح.
[ ٩٦٧ ]
فما، ومن، وأي، يصلح أن تخرج إلى معنى: الذي، لأنها على طريقة الجنس، يجوز أن يخبر عنها.
ومتى، وأين، وأنى، وحيثما، وإذا ما، وإذا ما، لا يصلح إن تخرج إلى معنى: الذي، لأنها ظروف غير متمكنة، والظرف الذي ليس بمتمكن لا يجوز الإخبار عنه.
فأما (مهما) فهي مغيرة بما يقتضيه الجزاء، فلم يجز أن تخرج عنه إلى معنى: الذي ولا الاستفهام إلا بأن ترد إلى أصلها، وهو: ما.
وتقول: إنه من يأتنا نأته، فيجوز الجزاء في هذا الموضع، لأنه في موضع الخبر.
ولا يجوز إن من يأتنا نأته لأنه في موقع الاسم.
وفي التنزيل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾، فهذا شاهد في أنه يجوز الجزاء في موقع الخبر.
وتقول: كنت من يأتني آته، ولا يجوز: كان من يأتني آته، من غير إضمار في: كان، ولكن تقول: كان من يأته يعطه، على الإضمار في: كان، وليس من
[ ٩٦٨ ]
يأته يحببه، على الإضمار في: ليس.
وقال الأعشى:
إن من لام في بني بنت حسان ألمه وأعصه في الخطوب
فهذا على إضمار الهاء، بتقدير: إنه من لام، ولا يجوز إلا في الضرورة، وإنما جاز فيها تشبيهًا بما يحذف [من الكلام] لكثرة الاستعمال إلى حد لا يخل به الحذف.
وقال أمية بن أبي الصلت:
ولكن من لا يلق أمرًا ينوبه بعدته ينزل به وهو أعزل
فهذا على الإضمار، بتقدير: ولكنه.
وقال الراعي:
فلو أن حق اليوم منكم إقامة وإن كان سرح قد مضى فتسرعا
فهذا أبين في أنه لابد من الإضمار في (أن) لدخولها على الفعل في اللفظ، ولا يجوز تقديره على حذف (ما)، لأن الهاء أغلب على الباب، وأجرى في النظائر، إذا كان يصلح مع: ما، وليس، وكان.
ويجوز في الكلام: قد علمت أن من يأتني آته /١٢٤ ب لأن (أن) لا تخفف
[ ٩٦٩ ]
إلا على إضمار الهاء، وهي مع ذلك غير عاملة في اللفظ، فوقع: من يأتني آته، موقع الخبر، وإنما لم تخفف إلا على إضمار الهاء، لما تقتضيه حالها من تغيير الكلام إلى معنى المصدر مع التأكيد الذي فيها، فلم يجز أن تلغى من العمل كما يلغى ما هو للتأكيد فقط، فلذلك قدر معها الهاء، لئلا يقع بها الإخلال في الحذف والإلغاء من العمل، مع ما يقتضى لها أن تعمل في اللفظ كما هي عاملة في المعنى بتغييرها الكلام إلى المصدر، وليس كذلك (إن) المخففة، لأن دخولها كخروجه إلا بمقدار التأكيد، فصلح أن تلغى في التخفيف، ولم يصلح في: أن.
وقال الشاعر: أكاشره وأعلم أن كلانا على ما ساء صحابه حريص
فهذا على الإضمار، بتقدير: وأعلم أنه كلانا.
ويجوز في: كان، وليس، إضمار الغائب من غير ذكر علامة له، لأن تقدم الذكر قد أغنى عن إظهار علامة، وليس كذلك المخاطب، والمتكلم، ولا يجوز حذف علامة المخاطب، أو المتكلم، لأن الفاعل لا يحذف، فليس يجوز: كان من تأته تعطه، على معنى: كنت من تأته تعطه.
وقال الأعشى:
في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل
فهذا لا يجوز إلا على: أنه هالك، لما بينا من لزوم الإضمار في (أن)، وإن دخلت على الاسم، وهو يضعف قليلًا، لذهاب العروض، وهو مع الفعل أضعف، لأنه
[ ٩٧٠ ]
ذهب العوض، وولي مالم يكن يصلح أن يليه في الأصل.
وفي التنزيل: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾، و﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾، فهذا حسن للعوض.
ولا يحسن: قد علمت أن يقول ذاك، لسقوط العوض، فهو في دون منزلة: قد علمت أن لا يقول ذاك، وأقوى منه: قد علمت أن عبد الله منطلق، لأنه وإن ذهب العوض، فقد دخل على /١٣٥ أالاسم الذي حقه أن يدخل عليه في الأصل.
[ ٩٧١ ]