الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الجزاء الذي يدخل عليه القسم مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الجزاء الذي يدخل عليه القسم؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز أن يكون الجواب للجزاء يكفي من جواب القسم؟ وهل ذلك لأن الواقع في صدر الكلام أحق بالجواب؟
وما حكم: والله إن أتيتني لا أفعل؟
ولم جاز أن يكفي جواب القسم من جواب الجزاء؟
ولم لا يجوز: والله إن تأتني آتك؟ وهل ذلك لأن القسم لا يلغى متقدمًا؟
وما معنى قوله: «لو قلت: والله من يأتني آته، كان محالًا»؟ فمن أين /١٤١ أاستحال؟ وهل ذلك لأنه وضع موضع الجواب ما يناقض معنى الجواب بالانقطاع عن القسم، والجواب لا يكون إلا متصلًا بالقسم؟
[ ٩٩٩ ]
ولم ذكر الألف بأنها لغو؟ وهل ذلك لأن دخوله كخروجها في أنها لا تغير الكلام، والقسم لليس كذلك، لأنه إذا دخل على الكلام غيره بما يؤذن بانعقاده به، فلو قلت: أزيد منطلق، جاز، ولو قلت: والله زيد منطلق، لم يجز؟
وما حكم: أنا والله إن تأتني لا آتك؟ ولم جاز أن يلغى القسم متوسطًا، ومتأخرًا، ولم يجز أن يلغى متقدمًا؟
ولم جاز: لئن أتيتني لا أفعل، ولم يجز: لئن تأتني لا أفعل، إلا على ضعف؟
وهل يجوز: والله إن أتيتني آتيك؟ ولم جاز على النفي، ولم يجز على الإثبات؟
وما الشاهد في قول الفرزدق:
وأنتم لهذا الناس كالقبلة التي بها أن [يضل] الناس يهدى ضلالها؟
[ ١٠٠٠ ]
وهلا قال: إن يضل الناس، لأنه موضع جزاء في المعنى؟ فلم فتح (أن) الفرزدق؟ وما معناه؟ ولم قدره على: لأن يضل الناس يهدى ضلالها؟ ولم لا يجازى بأن؟ وهل ذلك لأن الفعل صلة لها، والجزاء لا صلة له؟
[ ١٠٠١ ]
الجواب عن الباب الأول:
الذي يجوز في الجزاء الذي يدخل عليه ألف الاستفهام تقديم حرف الاستفهام عليه، لأنه ينقل معنى الجملة عن الخبر إلى الاستخبار، فهو أحق بصدر الكلام.
ولا يجوز أن يكتفى بمن وأخواتها عن حرف الجزاء وحرف الاستفهام في حال، لأن المعاني إذا اختلفت وجب أن يختلف اللفظ الدال عليها، فلذلك دخل ألف الاستفهام على الأسماء التي يجازى بها في قول: أمتى تشتمني أشتمك، وأمن يأتني أكرمه.
وتقول: أإن تأتني آتك /١٥١ ب، فيدخل حرف الاستفهام على (إن) كما يدخل على المبتدأ في قولك: أزيد منطلق؟
وتقول: أمن يقل ذاك أزره، وأيهم يأتك تكرمه؟
ويجوز إذا قال القائل: مررت بزيد، أن تقول: أزيد؟ ولا يجوز أن تقول: هل زيد؟ لأن الألف أم حروف الاستفهام، من أجل أنها ملازمة له، وليس كذلك (هل)، ومن أجل ذلك يصلح أن يدخل على (هل): أم، في قولك:
أم هل كبير بكى؟
ولم يصلح أن تدخل على الألف، فلم يخل بها تضمن معنى الحكاية، لأنها أم في بابها، ويخل ذلك بهل لو ضمنته.
[ ١٠٠٢ ]
وجاز حذف حرف الجر في: أزيد؟ للحكاية كما جاز ترك إعماله للحكاية في قولهم: دعنا من تمرتان، وليس بقرشيًا.
وإذا قال القائل: مررت بزيد، فقلت: أمررت بزيد؟ فهو على حكاية كلامه، فإن قلت: هل مررت بزيد؟ فهو مستأنف، ليس على حكاية كلامه لما بينا من العلة.
وقولك: قد علمت أزيد ثم أم عمرو، لم يخرج ألف الاستفهام عن الدليل بها على معنى الاستفهام، وإن كان هذا الكلام خبرًا ليس باستفهام، وذلك لأن التسوية فيه عند المخاطب [على حدها عند المستفهم في العلم بالتسوية بين الشيئين في احتمال المعنى، وأنه لا يخلو من أن يكون لذا أو ذاك، فأردت أن تجعل المخاطب] بمنزلتك حيث كنت مستفهمًا على ذلك الحد في الدلالة على المعنى بطريق الإبهام، من غير إفصاح به، فلم تخرج عن معنى الاستفهام، إلا أنه على هذا الوجه الذي لا يطلب به من المخاطب خبر، ولذلك قطعت العامل الذي بعدها عما قبلها كم تقطعه إذا كانت استفهامًا محضًا، فلا يجوز: زيدًا أضربت؟، ولا: قد علمت زيدًا أضربت؟
وألف الاستفهام لابد من معتمد تدخل عليه، وهو معنى يحتمل أن يكون كائنًا، ويحتمل أن لا يكون /١٤٢ ب كائنًا، فهو مبين لها، والجزاء يصلح أن بينهما، ويكون معتمدًا لها، كما يصلح ذلك في صلة: الذي، ولا يصلح في:
[ ١٠٠٣ ]
إذ، من قبل أن (إذ) تطلب أتم البيانين، وهو بيان الإضافة التي تصلح أن تعرف النكرة، وليس كذلك بيان الصلة والصفة، والبيان الذي تطلبه الألف دون البيان الذي يطلبه الموصول، لأن (الذي) اسم [والألف] حرف، فهذا أشد إبهامًا يكفي فيه من البيان ما هو أدنى مرتبة، وليس كذلك بيان الاسم، فهو على ثلاث مراتب: بيان الإضافة، وبيان الصفة، وبيان الحرف الذي يطلب معتمدًا من معنى يمكن أن يكون كائنًا، فلما جاز: الذي إن تأته يأتك زيد، كان في ألف الاستفهام أجوز.
ويونس يخالف في ذلك، ويقول: أإن تأتني آتيك، على: أآتيك إن تأتني، حتى يعتمد ألف الاستفهام على ما يحتمل الإيجاب.
وقبحه سيبويه، لأنه بمنزلة: إن تأتني آتيك، إذ كان حرف الاستفهام يصلح أن يكتفي ببيان الجزاء.
قال الشيخ: وهو الصواب على ما بينا من العلة.
وفي التنزيل: ﴿أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾، فهذا قد جاء على اعتماد الجزاء، وهو شاهد بين على قول سيبويه، ولو لم يكن يصلح أن تعتمد الألف على
[ ١٠٠٤ ]
الجزاء، لضعف هذا الكلام، وليس فيه ضعف، لأنه في القرآن الذي هو أجل الكلام.
ويقبح: أتذكر إذ إن تأتني آتيك، ولا يقبح: أتذكر إذ إن أتيتني آتيك، لأنك لم تعمل (إن)، فساغ لك أن تقدره على التقديم، كأنك قلت: أتذكر إذ آتيك إن أتيتني.
[ ١٠٠٥ ]
الجواب عن الباب الثاني:
الذي يجوز في الجزاء [الذي] يدخل عليه القسم أن يكون جواب القسم يكفي من جواب الجزاء.
ولا يجوز أن يكفي جواب الجزاء من جواب القسم، لأن القسم لما وقع في صدر الكلام كان أحق بالجواب، لأن الكلام مبني عليه، وليس كذلك لو وقع متأخرًا، أو متوسطًا، لأن هذا الموقع موقع الاستدراك بالشيء بعد /١٤٢ ب ما بني الكلام على غيره.
وتقول: والله إن أتيتني لا أفعل، فهذا جواب القسم، وقد كفى من جواب الجزاء.
ولا يجوز: والله إن تأتني آتك، كما لا يجوز: والله زيد منطلق، لأن القسم يلغى متقدما.
ولو قلت: والله من يأتني آته، كان محالًا، لأنك ناقضت بوضع الكلام موضع الجواب على ما يوجب الاتصال، وهو على الانقطاع من القسم، فهذا محال كما قال سيبويه على هذا الوجه من أنه يلغى متقدما، وقد ألغيته متقدما.
وذكر سيبويه الألف بأنها لغو على معنى أن دخولها كخروجها، وليس كذلك القسم متقدما، ودليله: أزيد منطلق، ولا يجوز: والله زيد منطلق، حتى يغير
[ ١٠٠٦ ]
الكلام بما يؤذن بالجواب.
وتقول: أنا والله إن تأتني لا آتك، فتلغي القسم، لأنه متوسط.
وتقول: لئن أتيتني لا أفعل، فهذا حسن، لأنك لم تعمل (إن)، ولا يحسن: لئن تأتني لا أفعل، لأنك أعملت (إن) من غير جواب لها.
وتقول: والله إن أتيتني آتيك، على حذف (لا)، كأنك [قلت]: لا آتيك، ولا يجوز على الإيجاب، لأن الإيجاب في مثل هذا: لآتينك، فوقع حذف (لا) في النفي، لأنه أحمل للحذف، وأقل فيما يحذف.
وقال الفرزدق:
وأنتم لهذا الناس كالقبلة التي بها أن يضل الناس يهدى ضلالها
هكذا أنشده الفرزدق: (أن) بالفتح، ولم يأت بإن التي للجزاء، فرارا من القبح في
[ ١٠٠٧ ]
جزم الشرط دون الجواب المذكور بالفعل، فوجه على وجه حسن، وهو معنى: لأن يضل الناس يهدى ضلالها.
ولا يجوز أن يجازى بان، لأنها موصولة، وحرف الجزاء لا يوصل، لما بينا قبل.
[ ١٠٠٨ ]