الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الجزاء الذي يدخل عليه حرف الجر، مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الجزاء الذي يدخل عليه حرف الجر؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز أن يجري حرف الجر مجرى غيره من العوامل في الامتناع من الدخول على الجزاء؟ وهل ذلك لأنه مع ما دخل عليه بمنزلة اسم واحد، فلم يخرجه عن الصدر، كما لم يخرجه في الاستفهام فكأنه الاسم المفرد؟
وما حكم: على أي دابة أحمل أركبه، وبمن تؤخذ أو خذ به؟
ولم جاز: بمن تمر، وعلى أيها أركب، في الاستفهام؟ وهل ذلك لأنه بمنزلة من تضرب، وأيها تركب، في المتعدي، إذ حرف الجر مع الاسم فيما لا يتعدى بمنزلة الاسم وحده فيما يتعدى؟
وما الشاهد في قول ابن همام السلولي:
[ ٩٨٥ ]
لما تمكن دنياهم أطاعهم في أي نحو يميلوا دينه يمل
ولم منع العامل الرافع والناصب من الجزاء، ولم يمنع العامل الجار من الجزاء؟
وهل ذلك لأن الرافع والناصب عامل منفصل، والجار متصل؟
ولم جاز: أيهم تضرب يأتك، على أن يعمل العامل فيما هو معموله؟ وهل ذلك لأنه خلف من عامل الجزم /١٣٨ أفعمله عارض، من أجل أنه خلف؟
ولم جاز أن يترتب على التقديم من أجل أنه عامل، وعلى التأخير من أجل أنه معمول في حال واحدة، مع استحالة ذلك؟
وهل وجه جوازه في الاستفهام على أنه ترتب في الذكر على التقديم، وفي حقيقة الموضع على التأخير، من أجل أنه معمول في قولك: أيهم ضربت، فتقديمه عارض كما هو في قولك: زيدًا ضربت، لأنه وقع موقع غيره من حرف الاستفهام، وكذلك هو عارض في الجزاء، لأنه وقع موقع (إن)، فتقديره في المتعدي: إن زيدا تضرب أضرب، وفي غير المتعدي: إن بزيد تمرر أمرر، ولا يجوز إظهار [إن]
[ ٩٨٦ ]
مع (من) وأخواتها، لأنها صارت معاقبة وخلفا تغني عن الحرف كما تغني (كيف) عن ألف الاستفهام؟
وما حكم: بمن تمر به أمر، وعلى أيهم تنزل عليه أنزل، وبما تأتيني به آتيك؟
ولم بطل الجزاء في هذا؟ وهل ذلك لأن الباء في: (بمن) صارت للفعل الآخر الذي هو الجواب، والجوب لا يعمل في الاسم الذي يجازى به، لئلا يختلط متعلق الجواب بمتعلق الشرط، وصار بمعنى: الذي، ووجب رفع الفعل لما بطل الجزاء، وصارت الباء الثانية في (تمر) الذي هي متصلة [به] على معنى الشرط؟
وما حكم: بمن تمر به؟ ولم بطل الاستفهام في هذا، ولم يجز كما يجوز في: بمن تمر؟ وهل ذلك لأن الباء الثانية هي متعلق الفعل المذكور، والباء الأولى لابد لها من عامل غير الفعل المذكور، لأنه قد استوفى معموله بالباء الثانية، كأنك قلت: بالذي تمر به أمر، ولا يعمل في الأسماء المبهمة التي يجازى به أو يستفهم إلا الفعل الذي يليها دون الفعل الذي هو جواب، فإذا بطل عمله فيها بطل الجزاء والاستفهام؟
وما معنى قوله: «صارت الباء الأولى ككان، وإن»؟ وهل ذلك في المنع من الجزاء؟
[ ٩٨٧ ]
وما حكم: بمن تمرر أمرر، وعلى من تنزل أنزل؟ ولم جاز حذف (به)، و(عليه)؟ وهل ذلك لقوة دلالة / ١٣٨ ب الشيء على مثله؟
يتلوه: وما الشاهد في قول بعض الأعراب.
الحمد لله الواحد العدل، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
[ ٩٨٨ ]
الجزء الخامس والثلاثون من شرح كتاب سيبويه، إملاء أبي الحسن علي بن عيسى بن علي النحوي.
بسم الله الرحمن الرحيم
وما الشاهد في قول بعض الأعراب:
إن الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يومًا على من يتكل
ولم حمله على الحذف في: يتكل عليه؟ وهل تقديره: يجد على الذي يتكل عليه، من الموجدة، كأنه قال: وإن لم يجد يومًا على الذي يتكل عليه؟
وما حكم: غلام من تضرب أضربه؟ ولم جاز تقديم المضاف قبل الاسم الذي يجازى به؟ وهل منزلته في الجزاء كمنزلته في الاستفهام، كقولك: غلام من تضرب، وأبا أيهم رأيت؟
وهل يجوز: بغلام من تؤخذ أوخذ؟ ولم جاز؟
ولم كان الاستفهام على قياس الجزاء دون الصلة؟ وهل ذلك لأن الأسماء
[ ٩٨٩ ]
المبهمة لا توصل فيهما، وتقديرهما على الحرف المتروك فيهما؟
ولم جاز: بمن تمرر أمرر، وعلى من تنزل أنزل، ولم يجز: من تضرب أنزل، حتى تقول: عليه؟ وهل ذلك لأنه ليس في هذا الكلام شيء يقتضيه يكون كالخلف منه كما يكون مع ذكر: على؟
الجواب:
الذي يجوز في الجزاء الذي يدخل عليه حرف الجر دخوله على الاسم الذي يجازى به، لأن ذلك له بحق الاسمية.
ولا يجوز أن يدخل على (إن) لأن حروف الجر لا تدخل [إلا] على الاسم، ١٣٩ أوإنما يقدر حرف الجزاء قبل حروف الجر، كقولك: إن بزيد تمرر أمرر.
ولا يجوز أن يجري حرف الجر مجرى غيره من العوامل في منع الجزاء، لأنه
[ ٩٩٠ ]
يتصل بالاسم حتى يكون معه كالشيء الواحد، فهو في غير المتعدي بمنزلة الاسم وحده في المتعدي.
وتقول: على أي دابة أحمل أركبه، وبمن تؤخذ أو خذ به، فتجازي بمن، وأي، مع دخول حرف الجر، لما بينا من أنه بمنزلة الاسم المفرد، كقولك: من تضرب يأتك، وأيها تركب تجده وطيًا.
وقال ابن همام السلولي:
لما تمتكن دنياهم أطاعهم في أي نحو يميلوا دينه يمل
فهذا شاهد في دخول حرف الجر مع معنى الجزاء.
والعامل الرافع والناصب يمنع من الجزاء، لأنه منفصل، والعامل الجار لا يمنع من الجزاء، لأنه متصل، بمنزلة الاسم المفرد.
ويجوز: أيهم تضرب يأتك، على أن العامل قد عمل فيما هو معموله، لأنه خلف من عامل آخر، فعمله عارض، وعلى ذلك يترتب الكلام في الجزاء والاستفهام إذا قلت: أيهم تضرب؟ فمرتبة (أي) التأخير، وهي مقدمة على جهة العارض الذي يكون في قولك: زيدًا ضربت، إلا أنه يلزم التقديم، لوقوعه موقع حرف الاستفهام، ولو زال تقدير الحرف لجاز التأخير كما يجوز فيها إذا كانت
[ ٩٩١ ]
موصولة في قولك: لأضربن أيهم قام، بمعنى: لأضربن الذي قام، فترتيب الشيء على التقديم والتأخير في حال محال، وترتيبه على التأخير مع ذكره في التقديم على جهة العارض لا يستحيل، وإنما وقع الاسم في التقديم موقع غيره مما له مرتبة التقديم، وهو حرف الاستفهام، فلزمه حكمه على جهة العارض.
ولا يجوز إظهار (إن) مع الأسماء المبهمة التي يجازى بها، لأنها صارت معاقبة لحرف الجزاء، وخلفًا منها، ومغنيًا عن ذكره معها.
وتقول: بمن تمر به أمر / ١٣٩ ب، وعلى أيهم تنزل عليه أنزل، وبما تأتيني به آتيك، فيبطل الجزاء في هذا، لأن فعل الشرط قد استوفى معموله، وبقي الحرف الأول لابد له من عامل، فعمل فيه الفعل الذي في موضع الجواب، ولا يجوز أن يعمل فيه مع الجزاء، لئلا يختلط متعلق الشرط بمتعلق الجواب، فكل واحد منهما يعمل فيما يليه.
وكذلك سبيله في الاستفهام إذا قلت: بمن تمر؟، فهذا الفعل هو العامل في موضع الباء، فإن قلت: بمن تمر به؟ بطل الاستفهام، واحتاج الباء إلى عامل، كأنك قلت: بالذي تمر به أمر.
وقوله: «صارت الباء الأولى ككان، وإن»، أي: في إبطال الجزاء.
وتقول: بمن تمرر أمرر، وعلى من تنزل أنزل، فيجوز فيه الحذف، لدلالة الشيء على مثله، مع اقتضاء الفعل له.
وقال بعض الأعراب:
[ ٩٩٢ ]
إن الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يومًا على من يتكل
فهذا شاهد في حذف: عليه، لدلالة مثله، واقتضاء الفعل له، كأنه قال: على من يتكل عليه. ومعنى البيت على أن الكريم يعتمل وإن لم يجد يومًا على من يتكل عليه، فيكون (يجد عليه) من الموجدة على هذا الوجه، والكلام متصل بيجد،
وهو العامل في: على.
ويجوز أن يكون على تقدير: يعتمل على من يتكل عليه من أضيافه وقراباته، فيكون (يجد) من الجدة على هذا الوجه.
وكلا هذين الوجهين حسن، وهو موافق للشاهد الذي أراده سيبويه، و(من) في كلا الوجهين على معنى: الذي.
وقد قيل فيه: إن (من) بمعنى الاستفهام، كأنه قال: إن الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يومًا، ثم قال: على من يتكل؟ أي: ليس يعتد بأحد يتكل عليه
[ ٩٩٣ ]
سوى نفسه إن لم يجد.
وليس هذا هو الوجه المختار في تأويل هذا البيت، لأن ذلك ليس من صفة الكريم خاصة، بل الكريم / ١٤٠ أواللئيم في هذا سواء، وإنما يحمل في التأويل على ما تقتضيه صفة الكريم، وهو مع ذلك يبعد عن شاهد سيبويه، لأنه إذا كان على معنى الاستفهام، لم يصلح فيه حذف (عليه)، من أجل أن الفعل المذكور في الاستفهام يعمل فيما قبله، كأنه قيل: على من يتكل فلان؟ فلا يحتاج في هذا إلى: عليه.
وتقول: غلام من تضرب أضرب، فيجوز دخول المضاف على الاسم الذي يجازى به كما يجوز دخول حرف الإضافة، لأن قياسهما واحد في الاتصال بالاسم، وكذلك في الاستفهام كقولك: غلام من تضرب؟ وأبا أيهم رأيت؟
[ ٩٩٤ ]
وتقول: بغلام من تؤخذ أوخذ، فتدخل عليه حرف الجر كما تدخله على الاسم الذي يقع موقع الشرط.
وتقول: بمن تمرر أمرر، وعلى من تنزل أنزل، ولا يجوز: من تضرب أنزل، لأنه ليس فيه حرف يقتضي مثله، مع اقتضاء الفعل له.
[ ٩٩٥ ]