الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الفعل الذي يحتمل الإشراك في (أن) والانقطاع مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الفعل الذي يحتمل الإشراك في (أن) والانقطاع؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز الانقطاع إلا بعد تمام الكلام؟
ولم ذكر من حروف الإشراك أربعة: الواو، والفاء، وثم، وأو، وهي عشرة؟
وما حكم: أريد أن تأتيني ثم تحدثني؟ وما الفرق بين النصب فيه، والرفع، وكذلك: أريد أن تفل ذاك وتحسن، و: أريد أن تأتينا فتبايعنا، و: أريد أن تنطق بجميل أو تسكت؟ ولم وجب بالنصب دخول هذه الأفعال كلها في الإرادة، ولم يجب بالرفع؟
[ ٩٠٩ ]
وهل يجوز الرفع في: أريد أن تأتيني ثم تحدثني، على وجهين: العطف على: أريد، والاستئناف؟ وما الفرق بين العطف على معمول: أريد، وبين العطف على: أريد؟
وما تأويل: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾، ثم قال: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ﴾ بالرفع، وفي بعض القراءة: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ﴾؟ فما الفرق بين الرفع والنصب؟ ولم كان الرفع على: ولا يأمركم الله، والنصب على: ولا يأمركم البشر أن تخذوا؟
وما حكم أريد أن تأتيني فتشتمني؟ ولم لا يصلح في هذا العطف على معمول: أن؟
[ ٩١٠ ]
وما الشاهد في قول رؤبة:
يريد أن يعربه فيعجمه؟
ولم كان الرفع يخرجه من الإرادة؟
وما تأويل: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾؟ ولم لا يصلح عطف ﴿وَنُقِرُّ﴾ على المنصوب المتقدم؟
/١٢٢ أوما تأويل: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾؟
ولم جاز العطف على ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾، ولم يقع الإشهاد لأن تضل إحداهما، إذ المعنى: أن تذكر إحداهما الأخرى إذا ضلت؟ وهل للإضلال مرتبة التقديم من جهة أنه سبب الإذكار، ومرتبة التأخير من جهة أنه مسبب الغرض، وللإذكار مرتبة التقديم من جهة أنه غرض، ومرتبة التأخير من جهة أنه يحتاج إلى، لأجل الإضلال، فقدم الإضلال، لأنه سبب الإذكار، ولو قدم الإذكار لجاز، لأنه غرض، فاللام مع الإذكار تدل على الغرض، ومع الإضلال تدل على السبب؟ وما نظيره من قولهم:
[ ٩١١ ]
أعددته أن يميل الحائط فأدعمه، فقدم ذكر السبب، وأخر الدعم الذي هو الغرض؟
وهل يجوز تأويل من قدره على: كراهة أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما؟ وعلى أي شيء يعطف ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ على هذا الوجه؟ ولم جاز حمله على: كراهة، ولم يجز حمله على متعلق: كراهة؟ وهل تقديره: الإشهاد لكراهة ذا والإذكار؟
وهل يجوز تأويل من ذهب فيه إلى حذف (لا) بتقدير: لئلا تضل إحداهما؟ وهل ذلك لا يسوغ إلا مع رفع ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾؟ ولم لا يكون على: لئلا تضل إحداهما فلا يحتاج إلى إذكار إحداهما الأخرى؟
وما الشاهد في قول بعض الحجازيين:
[ ٩١٢ ]
ما هو إلا أن أراها فجاءة فأبهت حتى ما أكاد أجيب؟
ولم جز في: فأبهت، الرفع والنصب؟ وما الفرق؟ ولم كان الرفع أبلغ في المعنى؟
وما الشاهد في قول ابن أحمر:
يعالج عاقرًا أعيت عليه ليلقحها فينتجها حوارا؟
ولم لا يكون منصوبًا على: ليلقحها؟ وهل ذلك لأنه ليس على إرادة: أن ينتجها حوارا، ولكنه على أنه موجب فعله، ويحتمل أن يكون على: يعالج فينتج، ويحتمل /١٢٢ ب الاستئناف؟
[ ٩١٣ ]
وما حكم: لا يعدو أن يأتيك فيصنع ما تريد؟ ولم جاز بالنصب والرفع؟
وما حكم: ما عدا أن رآني فيثب، بالرفع؟ ولم كان الوجه القطع، أو تقول: ما عداني أن رآني فوثب؟
ولم ضعف: ما أتيتني فتحدثني، بالرفع إذا كان في معنى النفي، ولم يضعف: ما أتيتني فحدثتني؟
وما حكم: ما عدوت أن فعلت، و: لا أعدو أن أفعل؟ ولم خالف حكم: ماآلو أن أفعل، [و: ما ألوت أن أفعل، بمعنى: لقد جهدت إلى أن أفعل، وطلبت أن أفعل]؟
وما حكم: ما عدوت أن آتيك؟ ولم فسره بما عدوت أن يكون هذا من رأيي فيما استقبل؟
ولم جاز أن تجعل (أفعل) في موضع (فعلت)، ولم يجز (فعلت) في موضع (أفعل)، وتصرفه إلى معنى المصدر؟
[ ٩١٤ ]
وما حكم: والله ما أعدو أن جالستك؟ ولم لا يكون بمعنى: ما أعدو أن أجالسك غدًا؟ وهل ذلك لأن (جالستك) لا يكون في معنى: أجالسك، كما أنه لو قال: ما أعدو أن أجالسك أمس، كان محالًا، لأن (أجالسك) للاستقبال؟
وما الشاهد في قول عبد الرحمن [بن] الحكم:
على الحكم المأتي يومًا إذا قضى قضيته أن لا يجور ويقصد؟
فلم رفع: ويقصد؟ وهل ذلك على إيجاب أنه يقصد، ولم يجعله مما هو عليه؟ ولم كان الرفع في مثل هذا أسبق وأعرف؟
[ ٩١٥ ]
الجواب:
الذي يجوز في الفعل الذي يحتمل الإشراك في (أن) والانقطاع إجراؤه على الوجهين في تمام الكلام مع صحة المعنى.
ولا يجوز الانقطاع قبل تمام الكلام، لأنه لا تحمل الجملة الثانية على الأولى قبل أن تتم، لما في ذلك من الفساد بتخليط الكلام.
وحروف الإشراك في المعنى ثلاثة: الواو، والفاء، وثم، فلذلك ذكرها سيبويه، وذكر معها (أو)، لما لها من المدخل في حروف النصب للفعل، ولم يذكر [باقي] حروف العطف، لأنه لا مدخل لها في هذا الباب.
/١٢٣ أوتقول: أريد أن تأتيني ثم تحدثني، فالنصب يوجب دخول الفعل الثاني في الإرادة، كأنه قال: أريد إتيانك ثم حديثك، فقد أرادهما جميعًا.
ويجوز الرفع في: ثم تحدثني، على وجهين: أحدهما العطف على: أريد، والأخر: الاستئناف على معنى: ثم أنت تحدثني.
وكذلك: أريد أن تفعل ذاك وتحسن، و: أريد أن تأتينا فتبايعنا، و: أريد أن تنطق بجميل أو تسكت.
[ ٩١٦ ]
وفي التنزيل: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾، ثم قال: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ﴾ أي: ولا يأمركم الله، فهذا في الرفع، ولا يجوز غيره، وقد نصب بعض القراء على معنى: ولا يأمركم البشر أن تتخذوا.
وتقول: أريد أن تأتيني فتشتمني، فلا يصلح في هذا العطف على الفعل الأول بالنصب، ولكن يجوز بالرفع على: فأنت تشتمني.
وقال رؤبة:
يريد أن يعربه فيعجمه
فهذا غير داخل في الإرادة، وإنما هو على معنى: فهو يعجمه.
وفي التنزيل: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾، [فهذا] على: ونحن نقر في الأرحام، لأنه لم تصرف الآيات إلا للبيان، لا للإقرار في
[ ٩١٧ ]
الأرحام ما يقر.
فالأصل في هذا الباب يجري على ثلاثة أوجه: منه ما يجوز فيه العطف على: أن، والاستئناف، ومنه ما لا يجوز فيه إلا العطف على الأول، ومنه ما لا يجوز فيه إلا الاستئناف.
وفي التنزيل: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾، ففيه ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون تقديم ذكر الضلال، لأنه سبب الإذكار، فإذا قيل: الإشهاد للضلال، فالمعنى في تقديمه أنه سبب الإذكار، ولو قيل: الإشهاد للإذكار في حال الضلال، لكان التقديم للإذكار، لأنه غرض، فالغرض مقدم، لأنه أول ما يقع في النفس، والسبب ثان في الطلب، ولأول هو الغرض وهو الأول في الطلب، فأما السبب فهو الأول في العمل /١٢٣ ب، وهو ثان في الطلب، فيصلح تقديم ذكر الضلال، لأنه سبب الإذكار، وهو أول في العمل، وإن كان ثانيًا في الطلب.
ومثل ذلك مثل من يريد الحج، فالحج غرض، وهو أول في الطلب، فأما إعداد الزاد والراحلة، وسلوك الطريق المؤدي إليه فهو سبب، وهو أول في العمل، وثان في الطلب، فعلى هذا يجري هذا الباب في الغرض والسبب، وهو مذهب سيبويه، وذلك أن لام الإضافة تتصرف في وجوه كثيرة، منها الغرض، ومنها السبب، ومنها لام العاقبة، ومنها لام الاستغاثة، وغير ذلك مما هو مبين في مواضعه من
[ ٩١٨ ]
أبواب النحو.
والوجه الثاني: أن يكون على حذف (كراهة)، كأنه قال: الإشهاد كراهة أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، وهذا مذهب أبي العباس، والزجاج، وغيرهما.
فإن قال قائل: فكيف يجوز عطف ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا﴾ على ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ فيصير المعنى: كراهة أن تذكر إحداهما الأخرى؟
قيل له: ليس معطوفًا على ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾، ولكن على: كراهة، كأنه قيل: الإشهاد لكراهة الضلال وللإذكار، فهذا معنى صحيح.
والوجه الثالث: حذف (لا)، وهو مذهب بعض الكوفيين وغيرهم، كأنه قيل: لئلا تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى.
فإن قال قائل: فكيف يكون عطف ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ على: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ في هذا الوجه؟
[ ٩١٩ ]
قيل له: يصح ذلك على معنى أنه: إذا انتفى الضلال لم يحتج إلى الأذكار، كقولك: قومته لئلا يسيء فتؤدبه، فهذا لم تكره أن تؤدبه، ولكن إذا انتفت الإساءة، استغني عن تأديبه.
ونظير ذلك في احتمال الأوجه الثلاثة: أعددته أن يميل الحائط فأدعمه، كأنك قلت: أعددته أن لا يميل الحائط فأحتاج إلى دعمه، وكذلك إن قدرته على: كراهة أن يميل الحائط فأدعمه، كأنك قلت: الإعداد لكراهة أن يميل الحائط وللدعم، والوجه الآخر: أعددته للميل إن وقع، على /١٢٤ أمعنى السبب، كقولك: الإشهاد للضلال إن وقع، على معنى السبب.
وقال بعض الحجازيين:
ما هو إلا أن أراها فجاءة فأبهت حتى ما أكاد أجيب
فيجوز فيه الرفع والنصب بالعطف على: أن أراها، والرفع أبلغ، لأنه أشد تحقيقًا لما يلحقه من أنه يبهت، كأنه قال: فأبهت لا محالة على هذا التأكيد ولم يجعله معلقًا بـ (أن أراها) في العطف، وكلا الوجهين حسن.
وقال ابن أحمر:
يعالج عاقرًا أعيت عليه ليلقحها فينتجها حوارا
فهذا رفع على وجهين: أحدهما: يعالج فينتج، والآخر: على الاستئناف.
[ ٩٢٠ ]
وليس بداخل في: إرادته ليلقحها، إذا رفع. ولو نصب، لدخل معنى الكلام في الإرادة.
وتقول: لا يعدو أن يأتيك فيصنع ما تريد، فيجوز بالنصب والرفع.
وتقول: ما عدا أن رآني فيثب، فهذا على معنى: فهو يثب، وإن حملته على العطف، كان الوجه: ما عدا أن رآني فوثب، ويضعف (يثب) في العطف كضعف: ما أتيتني فتحدثني، بالرفع إذا كان داخلًا في النفي، والوجه: ما أتيتني فحدثتني.
وتقول: ما عدوت أن فعلت، و: لا أعدو أن أفعل، فهذا وجه الكلام.
وتقول: ما آلو أن أفعل، وما ألوت أن أفعل، لأن فيه معنى: لقد جهدت أن أفعل، وطلبت أن أفعل.
وتقول: ما عدوت أن آتيك، أي: أن يكون هذا رأيي وعزمي، كأنك قلت: عزمي أن آتيك فيما أستقبل. ويجوز أن تجعل (أفعل) في موضع (فعلت)، لأن
[ ٩٢١ ]
(أن) تطلب المضارع، وتقلبه إلى معنى المصدر، ولا يجوز (فعلت) في موضع (أفعل) إلا في الجزاء، لقوة (إن) في الجزاء من جهة أنها تعمل في الشرط والجواب، وتعقد الجملة الثانية بالأولى، فتصير بمعنى جملة واحدة.
وتقول: والله ما أعدو أن جالستك، أي: ما أجاوز مجالستك، ولا يجوز على معنى المستقبل، لأن المعنى /١٢٤ ب يصح فيه على الماضي، كأنك قلت: ما أجاوز مجالستك في الماضي، فلا يصلح قلبه إلى الاستقبال.
وكذلك إذا قال: ما أعدو أن أجالسك، صلح للمستقبل، كأنه قال: ما أجاوز مجالستك في المستأنف، فـ (أن) لم تقلب الفعل عن معناه.
وقال عبد الرحمن بن الحكم:
على الحكم المأتي يومًا إذا قضى قضيته أن لا يجوز ويقصد
فقال: عليه ترك الجور، ورفع (ويقصد) على معنى: وهو يقصد، وليس ذلك بواجب عليه كما يجب عليه أن لا يجوز، فعلى هذا مجرى الكلام في مثل هذا
[ ٩٢٢ ]
وكذلك رفع، ولم يحمله على: يجور.
[ ٩٢٣ ]