مسائل:
ما حكم: ألا تقع الماء فتسبح؟ ولم جاز: فتسبح بالرفع والنصب؟ وما الفرق بينهما في المعنى؟ وهل ذلك على أن أحدهما الفعل الأول فيه سبب فيه الثاني، وليس كذلك الآخر؟
وما حكم: ألم تأتنا فتحدثنا؟ ولم جاز بالنصب والجزم؟ وما الفرق بينهما في المعنى؟ ولم جاز النصب مع أن الأول على معنى الإيجاب، إذ النفي الذي يدخل عليه حرف الاستفهام يخرج إلى الإيجاب؟ وهل ذلك لأن الكلام جرى على مجرى اللفظ من الاستفهام، لأنه يرتفع على أصل الإيجاب، كأنه قال: ألم يكن إتيان هو سبب للحديث؟
وما الشاهد في قول الشاعر:
[ ٨٦٦ ]
ألم تسأل فتخبرك الرسوم على فرتاج والطلل القديم
وما حكم: لا تمددها فتشقها، بالنصب والجزم؟ وما الفرق بينهما في المعنى؟ وهل ذلك على أن الثاني في الجزم نهي عن الشق، وليس هو في الأول نهيًا عن الشق؟
وما الشاهد في: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾؟ .
ولم ظهر /١١٣ أالتضعيف في الجزم في قولك: لا تمددها فتشققها؟
وما حكم: ائتني فأحدثك؟ ولم جاز بالنصب والرفع، ولم يجز بالجزم؟
وما الشاهد في قول أبي النجم:
[ ٨٦٧ ]
يا ناق سيري عنقًا فسيحًا إلى سليمان فنستريحا؟
ولم لا يجوز في الفعل المضارع السكون بوقوعه موقع: افعل؟ وهل ذلك لأن المعرب لا يكون إلا بعامل، كقولك: ائته فليحدثك؟
وهل يلزم من قال: ائتني فأحدثك، بالجزم أن يقول: تحدثني، في معنى الأمر؟
وما حكم: ألست قد أتيتنا فتحدثنا؟ ولم جاز بالنصب والرفع؟ وما الفرق بينهما؟
وما حكم: كأنك لم تأتنا فتحدثنا؟ ولم جاز بالنصب والجزم؟ ولم جاز النصب مع أن الأول ليس بنفي، وإنما هو على التشبيه بحال النفي؟
وما الشاهد في قول رجل مني بني دارم:
[ ٨٦٨ ]
كأنك لم تذبح لأهلك نعجة فيصبح ملقى بالفناء إهابها؟
وما حكم: ود لو تأتيه فتحدثه؟، ولم جاز بالنصب والرفع؟ وما الفرق بينهما؟ ولم جاز في: ود، وليس بحرف تمن؟
وما الشاهد في: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا﴾.
وما حكم: حسبته شتمني فأثب عليه؟ ولم جاز بالنصب في: حسبته، وهو واجب؟ وهل ذلك لأنه تضمن معنى النفي في هذا الموضع كما يقول القائل: حسبته شتمني وما شتمني، فيحذف بدلالة الحال التي تقتضي سلامته؟
وما الشاهد في قول النابغة البياني:
[ ٨٦٩ ]
ولا زال قبر بين تبنى وجاسم عليه من الوسمي جود ووابل
فينبت حواذنا وعوفا منورًا سأتبعه من خير ما قال قائل
ولم جاز في مثله النصب؟ وهل ذلك لأن الدعاء يجري مجرى الأمر والنهي في أنه غير واجب؟ ولم صار الرفع أبلغ؟
وما الشاهد في قول الشاعر:
ألم تسأل الربع القواء فينطق وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
[ ٨٧٠ ]
/١١٣ ب ولم رفع: ينطق؟ وهل ذلك لأنه جعله مما ينطق على كل حال بالعلامات التي فيها والآثار؟
وما الشاهد في قول الأعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويته تقضى لبانات ويسأم سائم؟
ولم لا يجوز إلا بالرفع إذا قال: تقضى، ويجوز بالنصب إذا قال: تقضي؟
ولم لا يجوز إضمار (أن) بعد الفاء في الواجب؟ وهل ذلك لأن الواجب أصل اقتضى أن تجري الفاء فيه على أصل العطف، وغير الواجب فرع اقتضى أن تجري الفاء على فرع العطف بالحمل على تأويل المصدر من غير تصريح به في اللفظ؟ وهل ذلك لأن غير الواجب أحق بالجواب لتعليق المعنى فيه من غير قطع بكونه كما يعلق في الجزء الثاني بالأول من غير قطع بأنه يكون؟
[ ٨٧١ ]
وما حكم: إنه عندنا فيحدثنا؟ ولم جاز العطف بالفاء من غير الفعل في الأول؟ وهل ذلك لأنه محمول على المعنى، كأنه قيل: إنه يكون عندنا فيحدثنا، ويجوز في الرفع وجه آخر على: فهو يحدثنا، بعطف جملة على جملة؟
وما حكم: سوف آتيه فأحدثه؟ ولم لا يجوز إلا بالرفع؟ وهلا جاز على تقدير: سوف يكون إتيان فأحدثه؟ وهل ذلك لأنه لا طريق إلى تعليق الحديث إلا أن يكون الأول معلقًا، فيشركه الثاني في التعليق، حتى تجري الأشياء على أصولها، أو مقتضى أصولها؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ﴾؟ وما الفرق بين الرفع والنصب لو قيل: فيتعلموا؟ وهل الرفع منقطع عن الأول، على معنى: فهم يأبون فيتعلمون، من غير أن يكون الكفر سببًا للتعلم؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ﴾؟ وما الفرق بين الرفع والنصب لو قيل: فيتعلموا؟ وهل الرفع منقطع عن الأول، على معنى: فهم يأبون فيتعلمون، من غير أن يكون الكفر سببًا للتعلم؟
وما الشاهد في: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾؟ ولم لا يجوز بالنصب على جواب: كن؟ وهل ذلك لأنه ليس هناك ثان يجب بأول، وإنما هو على أن يكون بعد قوله:
[ ٨٧٢ ]
كن؟
ولم جاز النصب في الواجب في الشعر؟
وما الشاهد في قول الشاعر:
سأترك منزلي لبني تميم وألحق بالحجاز فأستريحا
/١١٤ أوقال الأعشى:
ثمت لا تجزونني عند ذاكم ولكن سيجزيني الإله فيعقبا
[ ٨٧٣ ]
وقول طرفة:
لنا هضبة لا ينزل الذل وسطها ويأوي إليها المستجير فيعصما؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾؟ ولم جاز بالرفع في: فتصبح؟ وهل ذلك لأن الأول واجب، كأنه قيل: أتسمع أنزل الله من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة؟
وهل يلزم من أن الفاء والواو وأو ينصبن أن تدخل عليها الفاء والواو للعطف كما تدخل على واو القسم واو العطف؟
[ ٨٧٤ ]
الجواب:
وتقول: ألا تقع الماء فتسبح، فيجوز فيه وجهان: الرفع بالعطف على الفعل، كأنه قيل: ألا تقع الماء ألا تسبح، ويجوز النصب على الجواب الذي يكون الأول فيه سببًا للثاني على: إنك إن وقعت سبحت لا محالة.
وتقول: ألم تأتنا فتحدثنا، فيجوز بالنصب على الجواب، وبالجزم عطفًا على المجزوم، كأنك قلت: ألم تأتنا ألم تحدثنا، وتقدير النصب: ألم تأتنا إتيانًا يوجب الحديث، وإنما جاز الجواب مع خروج الكلام إلى الإيجاب، لأنه على طريقة المعلق في اللفظ من قوله: ألم تأتنا، فجرى الثاني على التعليق بالفاء، لأن الأصل في العطف أن يجمع الثاني والأول في معنى، فاجتمعا هاهنا في معنى التعليق في مخرج الكلام، والإيجاب في حقيقته.
وقال الشاعر:
ألم تسأل فتخبرك الرسوم على فرتاج والطلل القديم
فهذا اشهد في: ألم تأتنا فتحدثنا، بالنصب على ما بينا.
وتقول: لا تمددها فتشقها، فيجوز فيه وجهان: النصب على الجواب، والجزم على العطف ومعنى النهي، فتقول: لا تمددها فتشققها، بإظهار التضعيف،
[ ٨٧٥ ]
لسكون الثاني على مذهب أهل الحجاز.
/١١٤ ب وفي التنزيل: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾، فهذا على الجواب، ولا يجوز بالعطف على معنى النهي في الحقيقة، لأن السحت بالعذاب من فعل الله ﷿، ولا ينهون هم عنه.
وتقول: ائتني فأحدثك، فيجوز بالنصب على الجواب، والرفع على: فأنا أحدثك.
وقال أبو النجم:
يا ناق سيري عنقًا فسيحًا إلى سليمان فنستريحا
فهذا جواب الأمر، وهو شاهد فيه.
وتقول: ائته فليحدثك، ولا يجوز: ائته فيحدثك، بالجزم من أجل أن المضارع معرب، وكل معرب فلابد له من عامل.
وتقول: ألست قد أتيتنا فتحدثنا، فيجوز بالنصب على الجواب، وبالرفع على: فأنت تحدثنا على الإيجاب.
[ ٨٧٦ ]
وتقول: كأنك لم تأتنا [فتحدثنا، فيجوز بالنصب على الجواب، وبالجزم على: كأنك لم تأتنا]، كأنك لم تحدثنا، فهذا جائز فيه الجواب، وإن لم يكن الأول منفيًا، وإنما هو مشبه بحال النفي، لأنه قد خرج مخرج النفي.
وقال رجل من بني دارم:
كأنك لم تذبح لأهلك نعجة فيصبح ملقى بالفناء إهابها
فهذا شاهد على الجواب لحال التشبيه بالنفي.
وتقول: ود لو تأتيه فتحدثه، فيجوز بالنصب على جواب (لو)، إذ كانت للتمني في هذا الموضع، ويجوز فيه الرفع بالعطف على: تأتيه.
وفي التنزيل: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ بالرفع عطفا على ﴿تُدْهِنُ﴾، وفي بعض المصاحف ﴿فيدهنوا﴾ على الجواب للتمني بلو.
وتقول: حسبته شتمني فأثب عليه، بالنصب على الجواب لما تضمن حسبته من معنى النفي، إذ المعنى: حسبته شتمني وما شتمني فأثب عليه، ويجوز فيه الرفع على: فأنا أثب عليه.
وقال النابغة الذبياني:
[ ٨٧٧ ]
ولا زال قبر بين تبنى وجاسم عليه من الوسمي جود ووابل
فينبت حوذانًا وعوفا منورًا سأتبعه من خير ما قال قائل
/١١٥ أفهذا رفع على: فهو ينبت حوذانا، ولو نصب على جواب الدعاء لجاز، ولكن الرفع أحسن لأنه على التفاؤل بوقوع ذلك لا محالة، ولأنه لما دعا الله ﷿ وثق بالإجابة، فأخرج الكلام مخرج الإيجاب، فلهذا كان الرفع أحسن.
وقال الشاعر:
ألم تسأل الربع القواء فينطق وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
فهذا رفع بمعنى: إنه ينطق على كل حال بما فيه من العلامات والآثار.
وقال الأعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويته تقضى لبانات ويسأم سائم
فهذا لا يجوز فيه إلا الرفع مع: تقضى، لأنه فعل واجب، ولكن من رواه:
تقضي لبانات
جاز على هذا: ويسأم سائم.
[ ٨٧٨ ]
ولا يجوز إضمار (أن) بعد الفاء في الواجب، لأن الواجب أصل، والعطف على صريح اللفظ أصل، فاقتضى أن يجري أصل العطف على الأصل في اللفظ.
وأما غير الواجب فهو فرع عليه، لأنه إنما يكون بالزيادات للمعاني فهو فرع، والعطف على مضمن المصدر فرع، فاقتضى فرع العطف أن يجري على فرع اللفظ، وهو غير الواجب.
وفيه علة أخرى، وهي أن غير الواجب أحق بالتعليق، لأن الأول معلق لم يدل على أنه واقع، والثاني معلق كالتعليق الأول، وحرف العطف أشرك بينهما في التعليق، ليس كذلك الواجب، لأنه قطع بأنه كائن.
وتقول: إنه عندنا فيحدثنا، بالرفع لا غير، فيصلح فيه: فهو يحدثنا، بعطف جملة على جملة، ويصلح على معنى: إنه يكون عندنا فيحدثنا، أو إنه يستقر عندنا فيحدثنا، فيكون عطفا على خبر (إن) في هذا الوجه.
وتقول: سوف آتيه فأحدثه، بالرفع لا غير، لأن الأول قطع بأن الإتيان كائن، والثاني محمول على الأول /١١٥ ب على جهة أنه قطع بأنه كائن، ولا يجوز أن يكون الثاني معلقًا، والأول قطع بأنه كائن.
وفي التنزيل: ﴿فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ بالرفع على قطع الثاني عن الأول، كأنه قيل بعد أمر الملك بإخبار الله: يأبون فيتعلمون، وليس على معنى النهي عن
[ ٨٧٩ ]
كفر يكون سببًا للتعلم.
وفي التنزيل: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ على الرفع، ولا يجوز على الجواب، لأنه فعل واحد أمر به، وأخبر بأنه يكون، والجواب في هذا لا يصح، لأنه لا يكون إلا من فعلين أحدهما سبب للآخر، والذي ذكر فعل واحد، وهو نظير قولك: تعلم فتتعلم الخير، فهو فعل واحد أمر به، وأخبر بأنه يكون.
ويجوز النصب في الواجب لضرورة الشاعرة، كما قال:
سأترك منزلي لبني تميم وألحق بالحجاز فأستريحا
وقال الأعشى:
ثمت لا تجزونني عند ذاكم ولكن سيجزيني الإله فيعقبا
وقال طرفة:
[ ٨٨٠ ]
لنا هضبة لا ينزل الذل وسطها ويأوي إليها المستجير فيعصما
وتقول: لا تأتنا فنشتمك، بالرفع على: فنحن نشتمك على كل حال.
وتقول: ما أتيتني فأحدثك فيما أستقبل، بالرفع على جهة العدة، أي: فأنا أحدثك وأكرمك فيما أستقبل.
وفي التنزيل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بالرفع على المعنى، لأن الأول واجب في المعنى، وإنما نبه على ما هو كائن من إنزال الله جل وعز الماء من السماء.
ويلزم من زعم أن الفاء تنصب إدخال فاء العطف عليها، لأنه بمنزلة: والله لأفعلن، والله لأفعلن.
[ ٨٨١ ]