الغرضُ فيه:
أنْ يُبينَ ما يجوزُ في (أيٌ) مما لا يجوز.
مسائلُ هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في (أيٍ)؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولِمَ ذلك؟ .
ولِمَ لا يجوزُ في (أيً) أنْ تكون بمنزلةِ (مَنْ) في تركِ الإضافةِ؟ وهل ذلك لنها لتفصيلِ ما أجملتْه: ما، ومن؟ .
وعلى كَمْ وجهًا تكونُ أي؟ ولِمَ جاز فيها أنْ تكونَ استفهامًا، وجزاءً، وموصولةً بمنزلةِ: الذي، وصفةً، وحالًا؟ .
ولِمَ جاز فيها أنْ تكونَ مُضافةً في هذه الأوجهِ، وغيرَ مُضافةٍ؟ .
وما الفرقُ بين قولهم: أي أَفْضَلُ؟ وبينَ: أيُ القومِ أفْضَلُ؟ وهل ذلك من جهةِ الأخصِّ والأعمِّ، فأي أَفْضَلُ،، أعمُّ؟ .
وما الفرقُ بين: من أفضلُ، وبينَ: أي أفضلُ؟ وهل ذلك من جهةِ أن أيًا على تقديرِ الإضافةِ، وليس كذلك: مَنْ، فهي تُحْضِرُ معنى المضاف إليه؛ لاقتضائها له،
[ ٦٩٨ ]
وليس كذلك: مَنْ، كقولك: أيُّ الناسِ أفضلُ؟ ففي أحدهما تنبيهٌ على المضافِ إليه، وليس ذلك في الآخرِ؟ .
وما تأويلُ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١١]؟ ولِمَ وجبَ أنْ تكون-هاهنا- جزاءً؟ وما دليله من حذف النونِ من: تدعونَ؟
وما حُكمُ: أيُها تشاءُ فلك؟ ولِمَ جاز: أيُها تشاءُ فلك، على الجزاءِ، والصلةِ، والاستفهامِ إذا دخلت الفاءُ؟ .
وما حُكْمُ: اضربْ أيُهم أَفْضَلُ؟ ولِمَ جاز على معنى: اضرب الذي أفْضلُ؟ .
وما تأويلُ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]؟ .
[ ٦٩٩ ]
ولِمَ جاز النصبِ على قراءة الكوفيين، وبالرفعِ على قراءةِ غيرهم؟ وما الاختلافُ في عِلةِ الرفْعِ؟ وما وجهُ قولِ/٧٦ أالخليل: إنه على الحكايةِ، وقولِ يونُسَ: إنه على تعليق الفِعْلِ، كقولك: قدْ عَلِمْتُ أيُهم في الدارِ، وقول سيبويه: إنه على البناءِ؟ .
وما الشاهدُ في قولِ الأخطلِ:
ولقدْ أبيتُ من الفتاةِ بمنزلٍ فأبيتُ لا حَرجٌ ولا محْرومُ؟
فلِمَ رَفَعَ: لا حرجٌ ولا محرومُ؟ وهل ذلك مما لا يتوجه إلا على الحكايةِ لما قَدْ قيل، ولو نَصَبَ، فقال: لاحرِجًا ولا محرومًا؛ لَمْ يَكُنْ فيه معنى الحكايةِ؟ .
وما عِلةُ البناءِ في: اضْرِبْ أَيُهم أَفْضَلُ، على مذهبِ سيبويه؟ ولم جَعل خروجَه
[ ٧٠٠ ]
عن نظيرهِ علةً للبناءِ؟ وهل ذلك لأنَّه خرجَ بحذفٍ يقتضي تركَ بعضِ الاسمِ فلما خرجَ بهذا الوجهِ أُجري مُجرى بعض الاسم في البناء؟ .
ولمَ جاز: اضرب أيُّهم أفضلُ، على معنى: أيَّهم هو أفضلُ، ولم يجُزْ ذلك في أخواتِه إلا على ضعفٍ، فلمْ يَجُزْ: اضرب الذي أفضلُ، ولا: اضربْ مَنْ أفضلُ؟ وهل ذلك لأن (أيًّا) لما كانت للتفضيل بعدَ الإجمالِ؛ احتملتَ من الحذف لتقدُّمِ الإجمالِ ما لا يحتملُه ما ليس له هذه المنزلةُ، كما أنَّ الجوابَ لما كان مبنيًا على السؤالِ؛ احتملَ من الحذفِ ما لا يحتملُه غيرهُ، وكذلك التفصيلُ بأي مبني على الإجمال بـ: ما، ومَنْ؛ فلذلك جاز: هات أيُّها أحسنُ، ولم يَجُز: هاتِ ما أحسنُ؟
وما نظيرُه من قولهم: يا الله اغفر لي، في أنه لما خرجَ عن نظائره في النداءِ بإثبات الألفِ واللام فيه؛ اقتضى أن تُثبتَ ألفُه؛ لأنها قد صارت بمنزلة ما هو من نفسِ الاسمِ، إذ يُثبتان جميعًا في النداءِ، فكلُّ ما خرجَ عن أخواتهِ بوجهٍ جازَ أنْ يخرجَ بمقتضى ذلك الوجه أيضًا؟
وهل من ذلك (لَيْسَ) لما وجبَ فيها أنْ تخرُجَ عن أخواتها بامتناع التصرُّف جاز أنْ تخرُج بمقتضى امتناعِ التصرُّفِ من لزوم التخفيفِ، دون الأصلِ، فلم يَجُزْ
[ ٧٠١ ]
لَيِسَ ولَيْسَ، كصَيِدَ وصَيْدَ؟ .
وما قياسُ الحذف في: اضربْ أيُّهم أفضلُ، من: لا عليكَ؟
ولمَ جازَ: اضربْ أيُّهم أفضلُ ولم يجُز: اضربْ اللذيْنِ أفضَلُ؟ وهل ذلك لأنَّ (اللَّذينِ) لمْ يخرُجْ عن قياس أخواتِه في ضعفِ الحذفِ فيه/ ٧٦ ب كضعفهِ في سائر أخواتِه؟ .
وهل يجوزُ: امرُرْ على أيهم أفضلُ، وامرُرْ بأيهم أفضلُ؟ ولمَ جازَ ذلك؟ وهل علتُه البناءُ؟ .
وما حُكمُ: أيَهم، إذا جاء على قياس أخواته؟ وهل يمتنعُ على هذا الوجهِ فيه البناءُ؛ إذْ قد جرى على قياسِ ما يَمتنعُ منه البناءُ؟ .
وما نظيرُه مِنْ قولهم: ما زيدٌ إلا مُنطلقٌ، في الردِّ إلى الأصلِ؛ إذ خرجَ عن الشبهِ الذي يُوجبُ الإعمالَ؟
وهلْ يلزمُ الخليلَ على الحكاية في: اضربْ أيهم أفضلُ؛ أن يُجيزَ: اضرب
[ ٧٠٢ ]
الفاسقُ الخبيثُ، على: اضرب الذي يُقال له الفاسقُ الخبيثُ؟ .
ولمَ لا يكون خروجُه عن نظائرِه بالحذفِ يُجوزُ فيه الحكايةَ بعدَ الأفعالِ التي لا تَحكي غيرهَ بعدَه كما جُوِّز فيه البناءُ عند سيبويه؟ .
ولمَ لا يجوزُ قولُ يُونسُ: إنه بمنزلةِ: أشهدُ إنك لمنطلقٌ، عند سيبويه، وأبي العبّاس، فيكونُ كأنه قيل: نزعتُ بالشهادةِ إنك لمنطلقٌ، وبالشهادةِ أيهم أفضلُ؟ .
ولمَ جاز: اضرب أيُّ أفضلُ، عند الخليلِ ويونسَ، ولمْ يَجُزْ عند سيبويه إلا بالنصبِ في هذا الموضع؟ .
ولمَ جاز أن يُبنى: أمس، ولمْ يَجُزْ أن يُبنى: أمسُك؟ ولمَ جاز: أزيدًا تقولُ مُنطلقًا، ولم يَجُزْ: أزيدًا يقولُ فلانٌ مُنطلقًا؟ .
ولمَ جازَ: كان هذا الآنَ، ولم يَجُزْ: حان آنَك، بالبناء كما بُني: الآنَ؟ وهل ذلك لأنَّ الإضافةُ بما لا تُمكنُه الألفُ واللامُ اللازمةُ؟ .
[ ٧٠٣ ]
وما حكمُ قولهم: أيي وأيك كان شرًا فأخزاه اللهُ؟ ولمَ جاز هذا، ولم يَجُزْ: أيُّنا كان شرًا؟ وما نظيرُه من قولهم: أخزى اللهُ الكاذب مني ومنك، بمعنى: منَّا، وقولهم: هو بيني وبينك، بمعنى: بيننا؟ .
وما الشاهدُ في قول ابن عباس بت مرادس:
(فأيي ماوأيُّك كان شرًا فَقيدَ إلى المُقامةِ لا يَراها)
وقولِ خداشِ بن زُهير:
[ ٧٠٤ ]
(ولقدْ علمتُ إذا الرجالُ تَناهزُوا أيي وأيُّكُمُ أعزُّ وأكرمُ)
وقول خداشٍ أيضًا:
(أيي وأيُّ الحُصينِ وعَثعثٍ غداةَ التقينا كانَ بالحلف أعذَرا؟)
الجوابُ:
الذي يجوزُ في (أيِّ) إجراؤها على خمسةِ أوجهٍ: /٧٧ أاستفهامٍ، وجزاءٍ، وموصولةٍ، واستعمالُها على هذه الأوجُهِ الثلاثةِ أكثرُ، ويجوزُ أنْ تكونَ صفةً للنكرةِ، وحالًا للمعرفة.
ولا يجوزُ أنْ تكونَ بمنزلةِ (مَنْ) في الامتناعِ من الإضافةِ والصِّفةِ؛ لأنها لتفصيلِ ما أجملتهُ: ما، ومَنْ، وذلك التفضيلُ يُبيَّنُ بالإضافةِ، ويُوجبُ لها بيانًا تكونُ به
[ ٧٠٥ ]
مُعربةً؛ لأنه يُخرجُها عن إبهام الحرف، فتتبعُ الموصوفَ في الصفةِ، وإذا صحَّ فيها معنى صفة النكرةِ؛ صحت الحالُ في المعرفةِ على قياسِ نظائرها في ذلك.
وإنما جاز أن تكون استفهامًا؛ لتُبينَ عن تفصيل ما أجملتهُ: ما؛ إذْ كانَ القائلُ يقولُ: ما عندَك؟، فتقول: متاعٌ: أيُّ المتاعِ هو؟، فيردُّ ذكرَ المتاعِ مُضافًا إليه (أيَّ)؛ ليدُلَّ على أنه يطلبُ التفصيلَ، ولا سبيلَ إلى مثلِ هذا المعنى إلا بمثلِ (أيَّ)، في موضعها.
وإنما جاز أنْ تكون جزاءً؛ لمُضارعةِ الجزاءِ للاستفهامِ؛ إذ الاستفهامُ فيها هو الأصلُ بأنه أكثرُ، والحاجةُ إليه أشدُّ؛ لاستخراجِ البيانِ من المُجيبِ على هذه الجهةِ، فأمَّما الجزاءُ؛ فقد يُستغنى عن (أيُّ) فيه بـ: مَنْ، وما، وتحوِهما، إلا أن التفصيل الذي تدُلُّ عليه (أيُّ)، مع مشاكلةِ الجزاءِ للاستفهامِ أحسنُ.
وأما كونُها موصولةً بمعنى: الذي؛ فلمُضارعتها للاستفهام باقتضاء البيانِ، فهي في الاستفهامِ تقتضي البيانَ من المُجيبِ، وفي الموصولةِ تقتضي البيانَ بالصلةِ.
[ ٧٠٦ ]
وأما كونُها صفةً للنكرةِ؛ فلأنه يصلحُ أنْ تكونَ مُبينةً مع ضربٍ من الإبهامِ على جهة التفخيم للشأن في مثل قولك: مررتُ بكريمٍ أيِّ كريمٍ، وبلئيمٍ أيِّ لئيمٍ، فقد عظمتَ الشأنَ في الأمرينِ. وعلى ذلك تجري في الحال.
فالأصلُ في الموضوع أنْ تكون أسمًا كسائر الأسماءِ في التعريِّ من معنى الحرفِ، والأصلُ في الاستعمالِ إجراؤها في الاستفهام على ما بينا.
وتقولُ: أيُّ أفضلُ؟، فَتدلُ على الإضافةِ دلالةَ التصريحِ بذكر المضاف إليه، ومع ذلك فالمضاف إليه أعمُّ، كأنكَ قُلتَ: أيُّ الأشياء/ ٧٧ ب أفضلُ؟، إذا أطلقتَ اللفظ على هذه الجهة.
ولو قُلتَ: من أفضلُ؟ / لم تكنْ قد دللتَ على إضافةٍ كدلالتك في: أيِّ، لا دلالة تصريحٍ، ولا تضمينٍ؛ إذ كانتْ (مَنْ) لا تُضافُ، فأيُّ تُحضرُ [في] النفسِ معنى المضاف إليه باقتضائها له، واختصاصها به، وليس كذلك: مَنْ.
وفي التنزيل: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، فأيُّ -هنا- جزاءٌ، ودليلُه سقوطُ النونِ منْ: تدعونَ؛ لأنه لو كان استفهامًا؛ لكانَ: أيًا ما تدعونَ، مع أن المعنى على الجزاء، وهو: إن دعوتموه بقولكم: اللهُ؛ فهو من أسمائه الحُسنى، وإن دعوتموه بقولكم: الرحمنُ، فهو -أيضًا- من أسمائه الحُسنى، وفي هذا دليلٌ على جهلِ منْ تأثَّم في دُعائه بـ: يا رحمانُ؛ لأنه تشبهٌ باليهود، فقد بيَّنَ اللهُ -جلَّ وعزَّ- لنا بأنَّ ذلك حسنٌ جائزٌ. من غير أنْ نقصدَ به تشبهًا باليهود.
[ ٧٠٧ ]
وتقول: أيُّها تشاءُ، فهي -هاهنا- موصولةٌ، كأنك قُلتَ: الذي تشاءُ لك، فإن زدتَ ألفاءَ، فقلت: فلكَ، جاز فيه ثلاثةُ أوجهٍ: الاستفهامُ، والجزاءُ، والصلةُ، فتقولُ في الاستفهام: أيها تشاءُ فلكَ؟، وفي الجزاءِ: أيها تشأ فلكَ، وفي الصلةِ: أيُّها تشاءُ فلكَ.
وتقولُ: اضربْ أيُّهم أفضلُ، على معنى: اضربْ الذي [هو] أفضلُ، إلا أنَّه يحسنُ حذفُ (هُو) من: أيِّ، ولا يَحسنُ من: الذي؛ لأنَّ أيًا أشدُّ اقتضاءً للبيانِ من: الذي، وأمكنُ في ذلك بأمرينِ:
أحدهما: دورُها في اقتضاءِ البيان.
والآخرُ: الإعرابُ الذي فيها يقتضي البيانَ عن معنى المفعول.
فاحتملتْ [حذفَ] (هُوَ) من الصلةِ بما لا يحتملُه: الذي؛ لهذه العلةِ.
وفي التنزيل: ﴿ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيَّهُمْ أَشَدُّ علَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]، فقرأها الكوفيُّون بالنصبِ على حذفِ: هُوَ، وحسُنَ ذلك فيها على ما بيَّنا، ولم يحسنْ في: الذي.
فأما الرفعُ على قراءة غيرهم؛ فلا يَحتاجُ إلى إضمارِ: هُوَ [على] مذهبِ الخليلِ ويونسَ؛ لأنَّ الخليل يجعلها في مخرجِ الاستفهام على جهةِ الحكايةِ، كأنَّه قيلَ: ثُمَّ للننزعنَّ منْ كلِّ شيعةٍ/ ٧٨ أبالقول: أيُّهم أشدُّ على الرَّحمن عِتيًّا،
[ ٧٠٨ ]
وعلى ذلك يجيز: اضربْ أيُّهم أفضلُ.
وأمَّا يونسُ فيجعلُه على تعليقِ الفعلِ كتعليقهِ إذا قُلتَ: أشهدُ لزيدٌ خيرٌ منك.
وأمَّا سيبويه فيجعلُ الضمَّة ضمَّةَ بناءٍ، وهو على معنى: الذي، فلا بُدَّ له من حذفِ: هُوَ.
ففيه الاختلافُ على هذه الأوجُهِ الثلاثة، والذي عندي أنَّ قولَ الخليلِ جائزٌ حسنٌ، وكذلك مذهبُ سيبويه.
وأما مذهبُ يونسَ فلا يجوزُ ألبتةَ؛ لأنَّ (اضربْ) وما جرى ماجراه من (يَنْزَعُ) ليس من الأفعال التي تُعلَّقُ؛ لأنه لا يصحُّ أنْ يكون معناها في الجملةِ التي هي اسمٌ وخبرٌ كما يصحُّ في العلم وأخواته؛ وذلك أنَّها إذا ألغيتْ؛ بقيت الجملةُ التي معنى الفعل فيها يعملُ بعضُها في بعضٍ، وليس كذلك: اضربْ وأخواتُها.
وأنشدَ الخليلُ في صحةِ مذهبه قولَ الأخطلِ:
(ولقد أبيتُ من الفتاةِ بمنزلٍ فأبيتُ لا حَرجٌ ولا مَحرومُ)
[ ٧٠٩ ]
فهذا على الحكايةِ، ولولا ذلك لنصبَ بـ (أبيتُ)، فقال: لا حَرجًا ولا محرومًا، فهو مُضمَّنٌ بأنه قد قيلَ، ولو لم يكُنْ على الحكايةِ؛ لم يكن مُضمَّنًا.
وعلةُ جوازِ البناءِ في: اضربْ أيُّهم أفضلُ، خروجُه عن نظائره بما يقتضي حذفًا يكونُ الباقي بعدهَ بمنزلةِ بعضِ الاسم، وبعضُ الاسمِ مبنيُّ، فجري مَجري: ﴿مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]؛ منْ أجلِ الحذفِ الذي يقتضي تبقيةَ بعض الاسمِ، ولا يجوزُ ذلك في نظائره لعلَّةٍ قد اختصَّ بها، وهو ما ذكرنا.
ونظيرها في جوازِ الحذف لما فيها من اقتضاءِ البيانِ الحذفُ في جوابِ السَّؤالِ؛ لما فيه من اقتضاءِ البيانِ، فأيُّ مبنيٌّ على إجمالِ: ما، والجوابُ مبنيُّ على اقتضاءِ السُّؤالِ، فتقولُ على هذا: هاتِ أيُّها أحسنُ، ولا يجوزُ: هاتِ ما أحسنُ، حتّى تقولَ: هاتِ ما هُو أحسنُ.
ونظيرهُ قولُهم: يا أللهُ اغفر لي، في أنه لما خرجَ عن نظائره؛ جاز أنْ يخرجَ بمُقتضى ذلك الوجهِ.
[ ٧١٠ ]
/٧٨ ب وكذلك قياسُ (لَيْسَ) لما خرجَ عن نظائره بامتناع تصرفهِ؛ خرجَ بلُزومِ التخفيفِ له، فكذلك لما خرجَ: اضربْ أيُّهم أفضلُ، ببيانٍ ليس لنظائره منْ جهةِ التفصيلِ الذي فيه؛ خرجَ بالحذفِ الذي يقتضيهِ ذلك الوجهُ، وخرجَ بالحذفِ إلى البناءِ على ما فسرَّنا، فقد خرجَ بثلاثةِ أوجهٍ: بالتفصيلِ، وبالحذفِ، وبالبناءِ.
وتقولُ: اضربْ أيُّهم أفضلُ، ولا يجوزُ: اضرب اللَّذانِ أفضلُ؛ لأنَّه لا يجوزُ فيه الحذفُ كما لا يجوزُ في: أيُّهم.
وتقولُ: امرُر على أيُّهم أفضلُ، وامرُر بأيُّهم أفضلُ، على طريقة البناءِ، وإذا جاءَ (أيُّهم) على قياس أخواتِه في التَّمام؛ لم يكنْ إلى البناءِ سبيلٌ، فتقولُ: اضربْ أيَّهم هُو أفضلُ، لا غيرَ.
ونظيرُه في الردِّ إلى الأصل ببطلانِ العلةِ التي أخرجتهُ عنه: ما زيدٌ [إلاّ] مُنطلقٌ.
وألزمَ سيبويه الخليلَ على الحكايةِ في: اضرب أيُّهم أفضلُ، أن يُجيزَ: اضرب الفاسقُ الخبيثُ.
وهذا الإلزامُ ينقلبُ عليه في إجازته البناءَ، فيقالُ له: قد أجَزْتَ البناءَ؛ للحذفِ، وأجزتَ الحذفَ؛ للبيانِ الذي في قولكَ: الفاسقُ الخبيثُ، وإنْ لم يعتمدْ على الحكايةِ.
[ ٧١١ ]
ويجوزُ: اضربْ أيُّ أفضلُ، عندَ الخليلِ، ويونسَ، ولا يجوزُ عندَ سيبويهِ في هذا الموضع إلا بالنصبِ، لأنَّه موضعٌ يدخلُه التنوينُ، فيردُّ إلى الأصلِ.
ويجوزُ أنْ يُبنى: أمسِ، ولا يُبنى: أمسُك؛ لأنَّ الإضافة تُمكنُه، وتمنعُ من بنائه، ولا تمنعُ من بناءِ: أيُّهم أفضلُ؛ لأنه هناك يدُلُّ على المحذوفِ، فيصيرُ كبعضِ الاسمِ، وليس كذلك: أمسُك؛ لأنَّ الإضافةَ قد أبطلتْ تضمينَ الألفِ واللامِ الذي كانَ في: أمسِ، وليس كذلك: اضربْ أيُّهم أفضلُ؛ لأنَّ الإضافةَ لم تُبطلْ علَّةَ البناءِ، وإما تُوجَّهُ في حالِ الإضافةِ بالحذفِ.
وكذلك يجوزُ: أزيدًا تقولُ مُنطلقًا، ولا يَلزمُ عليه: أزيدًا يقولُ أخوك مُنطلقًا؛ لأنَّه مبنيٌّ على الأغلبِ في استفهام المُخاطب عن ظنِّه، لا عن ظنِّ غيره.
وتقولُ: /٧٩ أ ﴿الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١] بالبناءِ على الفتحِ، ولا يجوزُ أنْ يُبنى: آنُك؛ لأنَّ الإضافة قد أبطلتْ لُزومَ الألفِ واللامِ على المعنى المُبهمِ إبهامَ الحرفِ؛ إذْ قد صارتْ الإضافةُ قد بينتْ أنَّه على أمرٍ قد اختصَّ بك، وليس على تحديد فَصلِ الزَّمانينِ: الماضي من المستقبلِ، كأنه قد أُحيل في ذلك على بيانك بالإضافةِ إليك.
وتقولُ: أيَي وأيُّك كانَ شرًا فأخزاهُ اللهُ، والمعنى أيُّنا كان شرًا، وإنما فُصِّلَ؛
[ ٧١٢ ]
لِيُؤذِنَ التفصيلُ في اللفظِ على التبري في المعنى على طريق المُبالغةِ، على نحو قولِ الشاعرِ:
(أحارثُ إنا لو تُساطُ دماؤُنا تزايلنَ حتى لا يمسَّ دمٌ دَما)
فهذا مبالغةٌ، لا أنَّ الدَّمَ إذا خلطَ لا يختلطُ في الحقيقةِ.
فأما قولُهم: هو بيني وبينكَ، عل معنى: بيننا؛ فإنما كُرر توكيدًا.
وقال عباسُ بنُ مِرداسٍ:
(فأيِّي [ما] وأيُّك كانَ شرًا فقيدَ إلى المُقامةِ لا يَراها)
وقال خِداشُ بنُ زُهيرٍ:
(ولقد علمتُ إذا الرجالُ تَناهزُوا أيَّي وأيُّكُمُ أعزُّ وأكرمُ)
وقال خداشٌ أيضًا:
(أيَّي وأيُّ الحُصين وعَثعَث غَداة التقينا كانَ بالحلف أغْدرا)
[ ٧١٣ ]