الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في إذن من الأعمال والإلغاء مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في إذن من الإعمال والإلغاء؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز أن تعمل إلا إذا كانت جوابًا مبتدأة؟
ولم جاز أن تلغي؟
وما حكم: إذن - والله - أجيئك؟ ولم ألغي القسم في هذا الموضع؟
ولم جاز: إذن - والله - أجيئك، على الفصل، ولم يجز: أريد [أن]- والله - أجيئك؟
[ ٨٠٧ ]
ولم جاز أن تؤخر وتلغى، ولم يجز في شيء من أخواتها ذلك؟
وما نظيرها من ظننت وأخواتها؟
وما حكم إذن إذا وقعت بين الفاء والواو وبين الفعل؟ ولم جاز فيهما الإعمال والإلغاء في هذا الموضع؟ وهل ذلك لأنها بالوقوع بعد الواو قد خرجت عن الابتداء، وبعطف جملة على جملة قد صارت بمنزلة الابتداء، فجاز فيها الوجهان لذلك؟
وما نظيرها من حسبت وأخواتها إذا توسطت؟
ولم جاز: فإذن آتيك، وإذن أكرمك، بالنصب والرفع؟
وما الشاهد في: ﴿وَإِذن لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقراءة بعض العرب: ﴿وَإِذن لا يَلْبَثُونَ﴾.
وما الشاهد في: ﴿فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾.
[ ٨٠٨ ]
ولم لا تعمل إذن إذا كان ما بعدها معتمدًا على ما قبلها؟
ولم لا تعمل إذا كان الفعل الذي بعدها للحال؟
وما نظيرها من قولهم: كان أرى زيد ذاهبًا؟ فلم لا تعمل في هذا ألبتة؟
وما حكم: أنا إذن آتيك؟ ولم لا تعمل في هذا الموضع؟ ولا في إن تأتني إذن آتك، ولا في: [إني] إذن أذهب؟
وما في قول ابن عنمة االضبي:
أردد حمارك لا تنزع سويته إذن يرد وقيد العير مكروب؟
[ ٨٠٩ ]
فلم أعمل إذن في هذا الموضع؟
ولم جاز: والله إذن لا أفعل، ولم يجز: إذن والله أفعل، إلا بالنصب؟ فلم غلبت اليمين إذا تقدمت. ولم تغلب إذا توسطت؟
ولم جاز: إذن والله أفعل، على الإيجاب، ولم يجز: والله إذن أفعل، على الإيجاب؟ وهل ذلك لأن القسم إذا ت قدم لابد له من جواب، وليس كذلك إذا توسط؟
[ ٨١٠ ]
وما الشاهد في قول كثير عزة:
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها وأمكنيي منها إذن لا أقيلها؟
وما حكم: إن تأتني آتك وإذن أكرمك؟ ولم جاز فيه الجزم، والنصب، والرفع؟
وما حكم: إذن عبد الله يقول ذاك؟ ولم لا يجوز فيها إلا الإلغاء في هذا الموضع؟ ولم جاز أن يليها الاسم، ولم يجز: كي زيد يقول ذاك، ولا أن زيد يقول ذاك؟
[ ٨١١ ]
وما وجه قول بعض العرب: إذن أفعل، في الجواب بالإلغاء على كل حال؟ وهل ذلك لأنها لما خالفت أخواتها [بما] يصلح فيها من الإلغاء، أخرجها عن حدها في الإعمال، والأول أقيس، لأنها تنقل الفعل نقلين: إلى الاستقبال والجواب؟
ولم جاز: إذن أظنه فاعلًا، وإذن إخالك كاذبًا، إذا كان الفعل للحال؟ .
وما وجه قول الخليل: إن أن مضمرة بعد إذن؟ وهل ذلك لأنه رآها تعمل تارةً وتلغي تارةً كحتى وأخواتها؟
ولم ألزمه سيبويه أن ينصب في اعتماد الفعل على ما قبله في قوله: عبد الله إذن يأتيك، إذا معناه معنى: إذن يأتيك عبد الله؟
وهل ينقلب عليه هذا المعنى، فيقال له: فانصب بها في التوسط بين الاسم والفعل، لأن المعنى واحد؟
[ ٨١٢ ]
وهل له أن ينفصل من هذا بأنها إذا كانت حرفًا عاملا، أشبهت (أرى) في أنها عاملة تصلح أن تلغى، ولا تلغى: أن؟
الجواب:
الذي يجوز في إذن الإعمال إذا كانت جوابًا مبتدأة، والفعل بعدها على الاستقبال، ولم يكن معتمدًا على ما قبلها، لأنها إذا كانت جوابًا للاستقبال فقد نقلت الفعلين نقلين، فصلح أن عمل على قياس أخواتها، لتغيير الفعل بوجهين.
فأما إذا كانت مبتدأة فتعمل لأنها موافقة لمعنى الجواب، إذ الحرف الذي يدل على الجواب كالحرف الذي يدل على السؤال في أن له صدر الكلام، [ولأنها لما كانت لها حالان: حال قوة، وحال ضعف لا تعمل فيها، وكان صدر الكلام].
حال قوة، وجب أن تعمل بهذا الوجه مع الأسباب الأخر.
[ ٨١٣ ]
فأما إذا كان ما بعدها معتمدًا على ما قبلها، فلا تعمل لأنها بمنزلة الاعتراض في أن دخولها كخروجها، إذ كانت مما يصح أن يلغى.
وإنما جاز أن تلغى لأنها مما يصح أن يستدرك به في آخر الكلام، كقول القائل: أنا أكرمك إذن، فتدل بذلك على معنى الجزاء، إذا قال له: أنا آتيك، وقد كان بني كلامه على غير حرف الجواب، إذ لو قال: أنا أكرمك، وسكت، لفهم المعنى.
وتقول: إذن والله أجيئك، فتلغي القسم لأنه قد توسط ولا تلغي إذن.
وإنما جاز الفصل بين إذن وبين معمولها، ولم يجز في في أخواتها، لأنها لما كانت مما يصلح فيها الإلغاء، وهو أشد من الفصل، جاز الفصل مع الإعمال بما يؤكد الكلام، وليس ذلك في شيء من أخواتها، ونظيرها في جواز الإلغاء والإعمال
[ ٨١٤ ]
ظننت وأخواتها.
وإذا وقعت إذن بين الفاء والواو وبين الفعل، جاز فيها الإعمال والإلغاء.
أما الإلغاء فلأنها قد خرجت عن الابتداء في اللفظ بتقدم الفاء والواو، وأما الإعمال فلأنها على تقدير عطف جملة على جملة، فما بعد الواو في الجملة مبتدأ، وفي التنزيل: ﴿وَإِذن لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، بالرفع على الاعتماد على تقدم الواو، وقرأ بعض العرب ﴿وَإِذن لا يَلْبَثُوا خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، على تقدير عطف جملة على جملة، وفي التنزيل: ﴿فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾.
وتقول: أنا إذن آتيك، فلا تعمل هاهنا، لاعتماد الفعل على [ما] قبلها، وكذلك: إن تأتني إذن آتك، وإني إذن أذهب.
وقال ابن عنمة الضبي:
اردد حمارك لا تنزع سويته إذن يرد وقيد العير مكروب
فهذا على خلاف الجزاء بإن لأنها لابد لها من جواب، وليس كذلك النهي، لأنه يصلح بغير جواب، فلذلك استأنف، فأعمل إذن في قوله: يرد.
[ ٨١٥ ]
وتقول: والله إذن لا أفعل، بالرفع على جواب القسم، فأما: إذن والله لا أفعل، فبالنصب لأن القسم ملغى في هذا الموضع، فاليمين إذا تقدمت لا تلغى، وإذا توسطت أو تأخرت أتلغى.
وتقول: إذن والله أفعل، على الإيجاب، ولا يجوز: والله إذن أفعل، على الإيجاب لأنه حينئذ جواب القسم، بمنزلة: والله أفعل، أي: لا أفعل ولو كان إيجابًا كان: لأفعلن، وقال كثير عزة:
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها وأمكنني منها إذن لا أقيلها
فجاء بجواب القسم، وألغى إذن
وتقول: إن تأتني آتك وإذن أكرمك، فيجوز فيه ثلاثة أوجه: الجزم على الإلغاء، والنصب بالاعتماد على الواو، والرفع لأن إذن قد وقع بين الواو والفعل.
وتقول: إذن عبد الله يقول ذاك، بالرفع، لدخول إذن على الاسم، وإنما جاز دخوله على الاسم، لأنه مما يصلح فيه الإلغاء، فيصبر بمنزلة الحرف الذي لا يعمل، كقولك: هل، وبل، وما أشبه ذلك. ولا يجوز مثل ذلك في شيء من أخوات إذن، لأنها تلغى، فتصير بمنزلة الحرف الذي لا يعمل.
[ ٨١٦ ]
وبعض العرب تقول: إذن أفعل، في الجواب، فيلغيها على كل حال، ووجه قوله أنه لما جاز فيها الإلغاء، ولم يجز في شيء من أخواتها، توجه فيها أن تشبه حالها في المواضع التي تقع فيها بحالها في المواضع التي تلغى، فتجري على منهاج واحد، لتتشاكل أحوالها، والأول أقيس، لأنها تنقل الفعل نقلين، فيجب أن تعمل في الحال التي توجد فيها مثل هذه العلة، ولا تلبس بالعوارض التي تضعف بها أن تخرج عن أخواتها.
وتقول: إذن أظنه فاعلًا، وإذن إخالك كاذبًا، إذا كان الفعل على معنى الحال، لأنها لم تنقله نقلين على هذا الوجه، فصارت بمنزلة سوف في أنها لا تعمل.
والخليل يذهب إلى إضمار أن بعد إذن، ووجه قوله أنه وجدها بمنزلة الفاء وأخواتها تعمل تارة، ولا تعمل تارة، فقاسها على الأحرف الخمسة التي تضمر بعدها أن.
وخالفه سيبويه وألزمه من ذلك أن تعمل في قولك: عبد الله إذن يأتيك، لأنه
[ ٨١٧ ]
على معنى: إذن يأتيك عبد الله.
ولا ينقلب هذا على سيبويه، لأنه إنما يعمل تلك الأحرف تارة، ولا يعملها تارة، لاختلاف المعنى، فأما إذن فإنها تلغى تارة، وتعمل تارة، لأنها تشبه حسبت وأخواتها في الاستدراك بها تارة، والاعتماد عليها تارة.
[ ٨١٨ ]