الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الفاء مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الفاء من الإعمال؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز أن ينتصب الفعل بعدها في الواجب؟ وهل ذلك لأن غير الواجب مفرع على الواجب، فهو أحق بالتفريع الذي يقع فيها على تقدير إضمار: أن، لأنه يشعر بذلك الموقع الذي هو أحق به؟
ولم أجاز أن تخرج عن العطف إلى نصب الفعل بإضمار: أن؟ وهل ذلك للتصرف في وجوه العطف بعطف مفرد على مفرد، واسم على اسم، وفعل على فعل، وجملة على جملة، واسم مقدر على اسم مقدر وهو الذي يقع في هذا الباب؟
وما حكم: لا تأتيني فتحدثني؟ ولم جاز النصب فيه على وجهين: لا تأتيني محدثًا، ولا تأتيني فكيف تحدثني؟
[ ٨٥٢ ]
ومن أين خرج العطف بالفاء إلى معنى الحال؟ وهل ذلك لأنه في الجواب معلق بسببه، كما هو في الحال معلق بالفعل الذي هو بمنزلة الوقت له، فإذا نفي / ١١٠ أسببه، انتفى بانتفائه، كما أنه إذا نفي الفعل، نفي أن يكون هناك وقت وقع فيه، أو حال وقع فيها؟
وما الفرق بين المعنيين؟ وهل أحدهما على نفي الإتيان رأسًا، وليس كذلك الآخر، لأنه إنما ينفي إتيانًا وقع في حال حديث، أو إتيانًا هو سبب للحديث؟
ولم لا يجوز أن تظهر (أن) مع الفاء؟ وهل ذلك لأن المصدر الأول مدلول عليه غير مصرح به، فيجب أن يكون الثاني على قياسه؟
ولم جاز مع إضمار (أن) تضمن معانٍ لا تكون في التمثيل بإظهار: أن؟ وهل ذاك لأنها لما اختزلت تضمنت الفاء معنى الجواب، للصرف عن العطف إلى وجه آخر، ولولا ذلك لكان العطف أحق بها أن تجري على لفظ الفعل؟
وما نظير إضمار (أن) من غير أن يجوز إظهارها في: لا يكون، وأخواتها في باب الاستثناء؟
ولم لا يجوز: لم آتك فحديث، إذا التقدير عليه؟
[ ٨٥٣ ]
وما الشاهد في قول الفرزدق:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا ببين غرابها؟
ولم استشهد على ما يجوز ويحسن في الكلام بما لا يجوز إلا في الضرورة؟
وهل ذلك لأنهما قد اجتمعا في الحمل على مقدر لم يذكر، وإن كان أحدهما أقوى من الآخر، ففيه بيان للحمل بالعطف على مقدر؟
وقول الفرزدق:
وما زرت سلمى أن تكون حبيبة إلى ولا دين بها أنا طالبه
[ ٨٥٤ ]
فلم جاز: ولا دين؟
وقول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئًا إذا كان جائيًا؟
وما نظير انتصاب الفعل بعد الفاء على وجوه مختلفة من اليمين وغيرها؟
ولم قدر: ما تأتيني فتحدثني، على وجهين: ما تأتيني فكيف تحدثني، وما تأتيني أبدًا إلا لم تحدثني؟
[ ٨٥٥ ]
ولم جاز رفع الفعل الثاني في: ما تأتيني فتحدثني؟ وما الفرق بينه /١١٠ ب وبين النصب في المعنى؟ ولم لا يكون الأول سببًا للثاني في الرفع؟ .
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾؟ وهل يجوز على معنى: لا يقضى عليهم بالموت فكيف يموتون؟ وما الفرق بينه وبين الرفع لو تكلم به؟ وهل النصب أدل على المعنى، لئلا يوهم: فهم يموتون؟
وما الشاهد في: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾؟
وهل هو على: ولا يؤذن لهم في النطق ولا يعتذرون، لأنه قد حيل بينهم وبين ذاك؟
ولم جاز: ما تأتيني فتحدثني، بالرفع على إيجاب الحديث؟
وما الشاهد في قول بعض الحارثيين:
غير أنا لم تأتنا بيقين فنرجي ونُكثر التأميلا؟
[ ٨٥٦ ]
وما حكم: ما أتيتنا فتحدثنا؟ ولم جاز بالنصب والرفع على: أنت تحدثنا الساعة، وجاز الرفع على النفي؟ ولم اختير النصب، إذا لم يقل: ما أتيتنا فحدثتنا؟
ولم لا يجوز في: ما أنت منا فتنصرنا، إلا النصب، أو الرفع على الاستئناف؟
وما حكم: ما تأتينا فتكلم إلا بالجميل؟ ولم فسره على: إنك لم تأتنا إلا تكلمت بالجميل؟ ولم جاز بالرفع؟
وما الشاهد في قول الفرزدق:
وما قام منا قائم في ندينا فينطق إلا بالتي هي أعرف؟
ولم خرج إلى إيجاب النطق بالتي هي أعرف؟
وما حكم: لا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة؟ ولم فسره على: ما تأتيني
[ ٨٥٧ ]
محدثًا إلا ازددت فيك رغبة؟ .
وما الشاهد في قول اللعين:
وما حل سعدي غريبًا ببلدة فينسب إلا الزبرقان له أب؟
وهل هذا على إيجاب أن ينسب الزبرقان إلى أنه أب للغريب؟
وما حكم: لا يسعني شيء فيعجز [عنك]؟ وما الفرق بين الفاء فيه وبين الواو؟ /١١١ أولم لا يجوز عطفه على الأول؟ .
وما حكم: ما أنت منا فتحدثنا؟ ولم لا يجوز الرفع على نفي الحديث؟ .
وما الشاهد في قول الفرزدق:
وما أنت من قيس فتنبح دونها ولا من تميم في اللها والغلاصم؟
[ ٨٥٨ ]
ولم جاز فيه الرفع على:
فنرجي ونكثر التأميلا.
ولم يجز على النفي؟
وما حكم: ألا ماء فأشربه، وليته عندنا فيحدثنا؟
وما الشاهد في قول أمية بن أبي الصلت:
ألا رسول لنا منا فيخبرنا ما بعد غايتنا من رأس مجرانا؟
ولم لا يجوز إلا بالنصب؟
[ ٨٥٩ ]
الجواب:
الذي يجوز في الفاء من الإعمال نصب الفعل بعدها في الجواب على إضمار: أن.
ولا يجوز ذلك في الواجب، لأنه ضرب من تفريع العطف بعطف مقدر على مقدر يؤذن به غير الواجب بمشاكلته له بمعنى الفرع.
ويدل على معنى الفرع فيه مصاحبة الحرف له كحرف النفي وحرف الاستفهام ونحو ذلك من الحروف التي تكون في غير الواجب. فالنصب في الفاء على الجواب لستة أشياء: الأمر، والنهي، والاستخبار، والعرض، والتمني، والنفي.
وتقول: ما تأتيني فتحدثني، بالنصب على وجهين:
أحدهما: ما تأتيني فكيف تحدثني، وذلك أنك إذا نفيت سبب الحديث، امتنع وجود الحديث.
والوجه الآخر: ما تأتيني محدثًا، وإن شئت قدرته: ما تأتيني إلا لم تحدثني، كأنك قلت: ما يكون إتيان هو سبب للحديث، وإن كان قد يكون منك إتيان كثير.
[ ٨٦٠ ]
وإنما توجه على هذا التأويل من أجل أن النصب يكون على معنى الجواب الذي الأول فيه سبب للثاني، فالنصب على وجهين.
ويجوز الرفع فيه على وجهين:
أحدهما: نفي الحديث والإتيان جميعًا كما ينتفيان بالواو إذا قلت: ما تأتيني وما تحدثني.
والوجه الثاني: على إيجاب /١١١ ب الحديث، كأنك قلت: ما يكون منك إتيان في المستأنف فأنت تحدثني الآن. فالنصب على وجهين، والرفع على وجهين.
ولا يجوز أن تظهر (أن) مع الفاء، لأنه محمول على مصدر مدلول عليه لم يصرح بذكره، فكذلك يجب أن لا يصرح بذكر: أن، ليشاكل بالثاني الأول، ويؤذن ذلك بأنه محمول على مدلول عليه لم يذكر، وكذلك لا يصرح بذكر المصدر، لا يجوز: ما تأتيني فحديث.
ويصلح مع إضمار (أن) تضمن معانٍ لا تكون فيها لو ظهرت، لأن
[ ٨٦١ ]
الصرف عن العطف يؤذن بالحمل على التأويل، ويطرق تضمين المعاني من جهة الجواب الذي يكون الأول فيه سببًا للثاني، وما يوجبه تقدير السبب من أنه إذا انتفى: انتفى المسبب، لا محالة، ومن أنه إذا انتفى أن يكون الفعل سببًا لشيء مع وجوده، لم يكن ذلك الشيء.
ونظير إضمار (أن) التي لا يجوز إظهارها الإضمار في: لا يكون وأخواتها في الاستثناء، فهي في هذا على ذلك القياس.
وقال الفرزدق:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا ببين غرابها
فحمل الثاني بالعطف على مقدر لم يذكر، فهذا (على قياس حمل الثاني)
بالعطف في الفاء على مقدر لم يذكر، وإن كان أحدهما قويًا يجوز في الكلام، لأن دلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالة (ليس) على الباء في الخبر، فلهذه العلة لم يجز إلا في الضرورة، وجاز بالفاء في الكلام، فالقياس إنما هو الحكم اللطيف الذي يفهم من أحد الشيئين فيه الآخر، وإن اختلفت العلل، وعلى ذلك أنشد الأبيات الأخر.
وفي التنزيل: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾، فهذا نصب على جواب النفي، كأنه قيل: لا يقضى عليهم بالموت فيموتوا، لأن من تدبير الله جل
[ ٨٦٢ ]
وعز، فيما يكون من /١١٢ أحوادث الأمور أن يقدم القضاء به، فصار على معنى: لا يقضى عليهم بالموت فكيف يموتون، ولا يصح الوجه الآخر من جهة المعنى.
ولو رفع: فيموتون، لاحتمل في التأويل: فهم يموتون، وهو خطأ في المعنى، فالنصب أبعد من الغلط في التأويل.
وفي التنزيل: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾، فهذا بالرفع عطفًا على الفعل المرفوع، وليس فيه إبهام يقتضي الغلط في التأويل.
وقال بعض الحارثيين:
غير أنا لم تأتنا بيقين فنرجي ونكثر التأميلا
فهذا على الإيجاب، كأنه قال: فنحن نرجي.
وتقول: ما أتيتنا فتحدثنا، فيحسن فيه النصب والرفع على: فأنت تحدثنا الآن، ويضعف فيه الرفع على نفي الفعل، لأن الذي قبله ماضٍ، ولكنه يجوز لأنه
[ ٨٦٣ ]
عطف فعل على فعل، ولو كان اسمًا لم يجز، كقولك: ما أنت منا فتنصرنا، لا يجوز بالرفع على النفي.
وتقول: ما تأتينا فتكلم إلا بالجميل، فهذا على إيجاب التكلم بالجميل، لإدخال (إلا) بعد حرف النفي.
ومثله قول الفرزدق:
وما قام منا قائم في ندينا فينطق إلا بالتي هي أعرف
وتقول: لا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة، ولا يصلح على الوجه الآخر من أجل: إلا.
وقال اللعين:
وما حل سعدي غريبًا ببلدة فينسب إلا الزبرقان له أب
فهذا على وجهين:
أحدهما: أنه إذا حل الغريب ببلدة انتسب إلى الزبرقان لشرفه.
والوجه الآخر: إذا حل غريبًا، كان الزبرقان له أبا، لحنوه عليه، فهذا على المبالغة في تعطف الزبرقان عليه في [كل] بلدة.
[ ٨٦٤ ]
وتقول: لا يسعني شيء فيعجز عنك، فهذا على: لا يسعني شيء عاجزًا عنك، ولا يصلح الوجه الآخر، ولا الرفع / ١١٢ ب، لأنه لا يصح في المعنى، إذ هو في المعنى: لا يسعني شيء أصلًا، ولا يعجز عنك شيء.
وقال الفرزدق:
وما أنت من قيس فتنبح دونها ولا من تميم في اللها والغلاصم
فهذا بالنصب على جواب النفي، ولا يجوز الرفع على نفي الفعل، ولكن على قوله:
فنرجي ونكثر التأميلا
وتقول: ألا ماء فأشربه، وليته عندنا فيحدثنا، فهذا على جواب التمني.
وقال أمية بن أبي الصلت:
ألا رسول لنا منا فيخبرنا ما بعد غايتنا من رأس مجرانا
فهذا لا يجوز فيه إلا النصب، لأن الذي قبله اسم، فيحمل على المصدر بإضمار: أن، ولا يصلح فيه الرفع على الإيجاب، لأنه داخل في التمني.
[ ٨٦٥ ]