الغرضُ فيه:
أن يُبيَّنَ ما يجوزُ في حروفِ الجزمِ مما لا يجوزُ.
[مسائلُ هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في حروفِ الجزمِ؟ وما الذي لا يجوزُ]؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ إضمارُ الجازم من غير عِوَضٍ كما جازَ مع اللامِ /٩٤ ب من غيرِ عوضٍ، ولكن بدليلٍ عليه؟ وهل ذلك لأنَّ الجازمَ أضعفُ من الجارِّ، والجارُّ لا يُضمرُ مع تبقيهِ عملهِ؟ .
وما حروفُ الجزمِ التي هي الأُصولُ؟ .
ولمَ جُزم بلم، ولما، ولا في النهي، ولامِ الأمرِ، وإن في الجزاءِ؟ .
ولمَ جرى الدُّعاءُ مجرى الأمرِ والنهي في قولك: لا يقطعِ اللهُ يدكَ، وليجزكَ خيرًا؟ .
[ ٧٨٤ ]
وما الشاهدُ في قولِ الشاعرِ:
(مُحمدُ تفدِ نفسكَ كُلُّ نفسٍ إذا ما خفتَ من شيءٍ تبالا)
وفولِ مُتممٍ:
(على مثلِ أصحابِ البعوضةِ فاخمُشي لك الويلُ حُرَّ الوجهِ أو يبكِ من بكى؟)
ولمَ خالفَ في ذلك أبو العباسِ، وقال: لا يجوزُ إضمارُ الجازمِ أصلًا من غيرِ عوضٍ؟ .
[ ٧٨٥ ]
ولمَ جازَ أن يعملَ الجازمُ بحقِّ الأصلِ إن لم يكن في عوامل الأسماءِ جازمٌ يُشبه به، مع أنَّ المعمولَ لهُ بحقِّ الفرعِ؛ لشبهِ المضارعِ بالاسمِ؟ وهل ذلك لأنَّه ما عملَ إلا بحقِّ الشبهِ، وإن لم يُشبه جازمًا، وإنما أشبهَ جارًا في الاختصاصِ، فالجارُّ مُختصٌّ بالاسمِ، والجازمُ مُختصٌّ بالفعلِ؟ .
ولمَ جازَ: وبلدٍ قطعتُ، على إضمارِ: رُبَّ، مع جوازِ: وربَّ بلدٍ قطعتُ؟ وهل ذلك لأنه ليس على اجتماعِ العوضِ والمعوضِ منه، ولكن على الردُّ إلى الأصلِ في حروفِ العطفِ؟ .
[ ٧٨٦ ]
الجوابُ عن البابِ الأولِ:
الذي لا يجوزُ في الحروفِ التي تُضمرُ فيها (أن) إجراؤها على وجهينِ: أحدُهما: ما لا يجوزُ فيه إلا الإضمارُ، والآخرُ: ما يجوزُ فيه الإظهارُ والإضمارُ.
فالذي لا يجوزُ فيه إلاّ الإضمارُ ما كان الكلامُ محمولًا فيه على التأويلِ. والذي يجوزُ فيه الإضمارُ والإظهارُ هو ما فيه دليلٌ من غيرِ حملٍ على التأويلِ؛ لأنَّه لما كان المعنى [على] التأويلِ؛ وجبَ أن يجريَ اللفظُ على طريقهِ في الحملِ على التأويلِ بإضمارِ (أن)، ولما كانَ اللفظُ محمولًا على التصريحِ بذكرِ الدليلِ؛ وجبَ أن يجوزَ الإضمارُ والإظهارُ، كاللامِ التي يصلحُ فيها الإضمارُ والإظهارُ.
فلا يجوزُ أن تُضمرَ في سائر حُروفِ العطفِ كما أُضمرت في الواو، /٩٥ أالفاء، وأو؛ لأن هذه الحروف أُصولٌ تحتملُ الوجوهَ، فلما أُخرجت إلى الوجهِ الذي تحتملُه في أصلها؛ صلحَ أن يضمرَ معها: أن؛ ليُؤذنَ بخُروجها إلى ذلك الوجهِ.
فالواوُ تحتملُ الجمعَ والإشراك، كقولك: لا تأكُلِ السمكَ وتشربِ اللبنَ، فهذا إشراكٌ في النهي؛ إذ قد نهيتَ عن كُلِّ واحدٍ منهما، فأما: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبنَ؛ فإنما هو نهيٌ عن الجمع بينهما، فلما أُخرجت إلى معنى الجمعِ؛ أُضمرَ معها: أن؛ ليُؤذنَ بإخراجها إلى هذا المعنى.
[ ٧٨٧ ]
وأما الفاءُ فتحملُ الخروجَ إلى الجوابِ؛ لأنها في الأصلِ تُرتبُ وتُشركُ، فأُخرجت في الجوابِ إلى الترتيب خاصةً من غير مُهلةٍ، وأضمرَ معها (أن)؛ ليُؤذنَ بالخروجِ إلى معنى الجوابِ.
وأما (أو) فهي لأحدِ الشيئينِ، إلا أنها مُضمنَةٌ بأنه إذا حصلَ لأحدهما المعنى؛ بطلَ أن يكونَ للآخرِ في دلالةِ ذلك الكلامِ، فخرجت إلى معنى: إلا أن، في قولكَ: لألزمنك أو تُعطيني حقي، بمعنى: إلا أن تُعطيني حَقي، أي: إن حصلَ الإعطاءُ بطلَ اللزومُ، كما أنَّه إن حصلَ المعنى لأحدهما بطلَ أن يكونَ للآخرِ، فخَرَجت إلى هذا الذي هي في الأصلِ مُضمنةٌ به.
وأمَّا اللامُ فيجوزُ إضمارُ أن معها؛ لأنها أُمُّ حروف الإضافةِ، وهي محتملةٌ للمُلكِ والغرضِ، فإذا أُخرجت مع الفعلِ إلى الغرضِ خاصةً؛ أُضمرَ معها: أن؛ ليُؤذنَ بخُروجها إلى الغرضِ؛ لأنها إنما تكونُ مع المصدر، كقولكَ: جئتُه حذرًا منه؛ أي: للحذرِ.
ولم يصلحُ أن يُضمرَ مع الباءِ؛ للعلةِ التي ذكرنا من أن اللامَ أمُّ حروفِ الإضافةِ، وهي تكثرُ في الغرضِ الذي يُدلُّ عليه بالمصدرِ.
[ ٧٨٨ ]
وأما حتى فصلحَ بعدها إضمارُ أن؛ لأنها مُحتملةٌ للوجوهِ من الغايةِ في المُفردِ، والغايةِ في الجُملةِ، والغايةِ التي معها شَركةٌ، فإذا أُخرجت إلى الغايةِ في المُفردِ على جهةِ التأويلِ بذكرِ الفعلِ الذي /٩٥ ب يدُلُّ على المصدرِ؛ أُضمرَ معها: أن، ولزمها الإضمارُ لهذه العلةِ.
ولم يجُز مثلُ ذلك في: إلى، وإن شاركتها في معنى الغايةِ، إلا أنَّها تلزمُ طريقةً واحدةً كلزومِ نقيضها الذي هو: من، وليس لحتى نقيضٌ؛ لأنَّك [لا] تقولُ: خرجتُ من بغدادَ حتى البصرةِ، على تلك الطريقةِ.
والدليلُ على أنَّ (أنْ) مُضمرةٌ في: اللام، [و] حتى أنَّ حرف الجرِّ لا يدخلُ إلا على الاسمِ.
[ ٧٨٩ ]
ودليلٌ آخرُ، وهو أنها تُظهرُ مع: أن، وتُضمرُ على معنىً واحدٍ، فلو لم تكُن مُقدرةً؛ لم تُوافق معنى المُظهرةِ، ويظهر عملُها كما يظهرُ إذا كانت مذكورةً.
واختلفوا في: كيمه، فذهبَ سيبويه إلى أن بعض العربِ يجعلها بمنزلةِ: لمه، ويجبُ على قولهِ أن يُضمرَ بعدها كما يُضمرُ بعد اللامِ، إلا أنَّه ذكرَ أنَّ (أن) لا تظهرُ بعد (كي) بإجماعٍ، وتظهرُ بعد اللامِ.
وخالفه ابنُ السراجِ في ذلك، فذهبَ إلى أنه لا يُضمرُ بعدها: أن، وإنما تنصبُ الفعلَ بحقِّ الأصلِ عندَ الجميع، إلا أنَّ الذي قال: كيمه، شبهها بلمه، من جهةِ الغرضِ الذي يكونُ كُلُّ واحدٍ منهما له، إذا قلت: جئتُك لتفعلَ، وكي تفعلَ، فالمعنى متَّفقٌ.
ويقوي قولَ ابن السراجِ أنه لو كانت بمنزلةِ اللامِ؛ لجاز: المالُ كي زيدٍ، كما يجوزُ: المالُ لزيدٍ، فكانت تدخلُ على الأسماءِ الظاهرةِ المُتمكنةِ، فتقعُ مواقعَ اللامِ فلما امتنعَ ذلك؛ دلَّ على الشبهِ في موضعٍ مخصوصٍ، ومذهبُ ابنِ السراجِ في
[ ٧٩٠ ]
هذا البابِ أقوى، ويقوي مذهبَ ابن السراجِ دخولُ اللامِ عليها في قولك: جئتك لكي تفعلَ كذا؛ وذلك لأنها شُبهت بأن من جهةِ موافقةِ المعنى في قولك: لأن تفعلَ، ولكي تفعلَ، فهو بحقِّ الشبهِ.
ونظيرُ حتى في امتناعِ إظهارِ العاملِ: أمَّا أنتَ مُنطلقًا انطلقتُ معكَ، والعلةُ في ذلك العوضُ بـ: ما في هذ، [و] (حتى) في ذاك.
وليست اللامُ /٩٦ أعوضًا من (أن) في: جئتُك لتفعلَ، وإنَّما هي دليلٌ عليها مع الفعلِ، ولو كانت عوضًا لم تجتمع معها؛ لأنَّخ لا يُجمعُ العوضُ والمُعوضُ منه، ويجتمعُ الدَّليلُ والمدلولُ عليه.
ونظيرُها قولُهم أيضًا: إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشرٌّ، وإنما لم تكن عوضًا؛ للإيذانِ بصحةِ إضمارِ أن بعدَ هذه الأحرفِ.
[ ٧٩١ ]
وتقولُ: ما كانَ زيدٌ ليفعل كذا، على إضمارِ: أن، ولا يجوزُ إظهارُها في هذا الموضعِ؛ لأنَّ الكلامَ محمولٌ على تأويلِ الخبرِ؛ إذ لو كان على صريحهِ؛ لجاز في الإثباتِ، فلما كان الإثباتُ إنما هو: كان زيدٌ سيفعلُ، والنفيُ: ما كان زيدٌ ليفعلَ؛ كان محمولًا على التأويل.
وإنما اختصَّ النفيُ بذلك؛ لأنه واقعٌ على الخبرِ، وقد تراخى عنه حرفُ النفي، فدخلت اللامُ لتعقده بمعنى حرف النفي.
ونظيرُه: إيَّاك وزيدًا، في إضمارِ عاملٍ لا يجوزُ إظهارُه في بعضِ المواضعِ، ويجوزُ في غيره، فتقولُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] على إظهارِ العاملِ، ولا يجوزُ إظهارُه في التحذيرِ إذا قُلتَ: إيّاكَ أن تفعلَ، وإيّاك وزيدًا.
[ ٧٩٢ ]
فاللامُ في هذا الموضع عوضٌ من: أنْ، ونظيرها ألفُ الاستفهامِ في قولك: آللهِ لتفعلنَّ؛ إذ هي عوضٌ من واوِ القسمِ.
وعلةٌ أخرى في امتناعِ إظهارِ: أن، وذلك أنها نفيٌ لما معهُ حرفٌ واحدٌ، وهو سيفعلُ، فلم يصلُح أن تكونَ لما معه حرفانِ لكل واحدٍ منهما معنى؛ لأنَّ ذلك يخرجُ إلى التنافرِ في الكلامِ، ويبعدُ في التشاكُلِ.
[ ٧٩٣ ]
الجوابُ عن البابِ الثاني:
الذي يجوزُ في حُروف الجزمِ أن تعملَ [و] تنقُلَ الفعلَ إلى معنى لا يكونُ عليه الاسمُ؛ لأنه إعرابٌ لا يكونُ في الاسمِ.
ولا يجوزُ أن تكونَ كحروفِ النصبِ التي تنقُلُ إلى معنىً يكونُ عليه الاسم؛ لأن النصبَ مُشتركٌ، والجزمَ مُختصٌّ بالفعلِ.
وحروف الجزمَ التي هي الأُصولُ خمسةٌ: لم، ولما، ولا في النهي، ولامُ الأمرِ، وإن في الجزاءِ.
فـ: لا قد نقلت الفعلَ إلى معنى النهي الذي لا يكونُ في الاسمِ، وكذلك لامُ الأمرِ، وكذلك (إن) نقلته إلى الشرطِ والجوابِ، وهو معنىً لا يكونُ للاسمِ، و(لم) نقلته إلى معنى الماضي، لو قلت: زيدٌ يقومُ أمسِ؛ لم يجُز، وإذا قلت: لم يقُم أمسِ، جازَ، فلم نقلته إلى الماضي، وهو نقلٌ لا يصلحُ للاسمِ، وكذلك: لما يقُمْ.
ولا يجوزُ إضمارُ الجازِم مع غيرِ عوضٍ؛ لأنه أضعفُ من الجارِّ، والجارُّ
[ ٧٩٤ ]
لا يُضمرُ إلا بعوضٍ.
والدُّعاءُ يجري مَجرى الأمرِ والنهي في قولك: ليجزك اللهُ خيرًا، ولا يقطعِ اللهُ يده، وإنما وجبَ ذلك؛ لأنه طلبٌ للفعلِ كما أنَّ الأمرَ طلبٌ للفعلِ، وكذلك النهيُ طلبٌ للانتهاءِ عن الفعلِ، فجاز لهذه العلةِ، وإن أنصلَ بأنَّ الأمرَ فيه ترغيبٌ في الفعلِ، والنهيَ تحذيرٌ من الفعلِ، وليس ذلك في معنى الدُّعاءِ، إلا أنه طلبٌ للفعلِ يطلبُه الداعي من غيره.
وقال الشاعرُ:
(مُحمدُ تفدِ نفسكَ كلُّ نفسٍ إذا ما خقتَ من شيءٍ تبالا)
فحذفَ لامَ الأمرِ من غيرِ عوضٍ.
واختلفوا في هذا، فذهبَ سيبويه إلى أنه يجوزُ في الضرورةِ؛ لأنَّه يُشبهُ بعاملِ الجر.
وذهبَ أبو العباسِ إلى أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّ عاملَ الجزمِ أضعفُ.
وقال مُتمُ بنُ نُويرةَ:
[ ٧٩٥ ]
(على مثلِ أصحابِ البعوضةِ فاخمشي لكِ الويلُ حُرَّ الوجهِ أو يبكِ من بكى؟)
فأجاز هذا أبو العباسِ على ضعفٍ؛ لأن قوله: فاخمُشي، أمرٌ يقومُ مقامَ العوضِ من المحذوفِ.
والجازمُ يعملُ بحقِّ الشبهِ للجارِّ من عوامل الأسماءِ من جهةِ الاختصاصِ الذي بينهما، فالجازمُ للفعلِ، والجارُّ يختصُّ الاسمَ، فصار نظيرَه في الاختصاصِ القويِّ الذي يكونُ معناه فيما دخلَ عليه على هذا الحدِّ، ولم يعملْ لشبههِ بجازمٍ آخرَ، وإن عملَ بحقِّ الشبهِ.
ويجوزُ: وبلدٍ قطعتُ، على معنى: ربُ بلدٍ قطعتُ، إلا أنَّ الواوَ عوضٌ من رُبَّ؛ فإذا قُلتَ: /٩٧ أورُبَّ بلدٍ؛ لم تكن واوَ العوضِ، ولكن واوَ العطفِ الذي يقتضي إشراكَ الثاني مع الأولِ، وإذا كانت عوضًا؛ لم تكُن كذلك؛ لأنَّه لا يجتمعُ العوضُ والمُعوضُ منه أصلًا.
[ ٧٩٦ ]