لذكر ما ذكره الكوفيون من الإدغام وبعضه يخالف مذهب سيبويه، وذكر الشاذ والاحتجاج في بعض ذلك، ومذهب الكوفيين في الإدغام قليل ليس بعام مستوعب للحروف والكلام عليها، ولم يصنفوا الحروف على ما صنفه سيبويه، ولم يلقبوها كتلقيبه وأنا ذاكر ما ذكره مما يحتاج إلى ذكره إن شاء الله.
فمن ذلك أن الفراء سمى بعض الحروف مصوبا وذكر من الصوت الصاد والصاد وسمي بعضها أخرس وذكر منه التاء والباء وأظنه أراد بالمصوت ما جرى فيه من الصوت نحو: الضاد والصاد والضاد والزاي، والظاء والذال والثاء ونحو ذلك.
وأراد بالأخرس الحروف الشديدة التي يلزم اللسان فيها مكانة، وهو الثمانية الأحرف الشديدة التي يجمعها قولك: أجدك قطبت؛ لأنه لما ذكر الباء قال: الشفتان ينضمان انضمام الأخرس لا صوت له وضعف الانضمام بالميم لأن الصوت من الخيشوم
[ ٥ / ٤٦٢ ]
يبقى في الميم مع انضمام الشفتين.
وذكر أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب عن الفراء قال: إنما يعلم ما تناسب من الحروف باللغة أن يبدل الحرف من أخيه ويكون مع أخيه في قافية واحدة مثل مدح ومده والنون والميم في قافية والعين والهمزة مثل استأديت واستعديت وهذا كثير يبدل الحرف من أخيه فيدغم فيه إذا قرب ذا القرب.
فقال الفراء: الهمزة والعين والحاء والهاء أخوات، وذلك أنهن متقاربات في المخارج إذا امتحنت ذلك وجدته.
وقال أحمد بن يحيى بعد كلام الفراء: وقد ذكر إدغام الهاء في الحاء والحاء في الهاء؛ فقال: وقد قلنا أن اللغة قد أوجبت إدغام كل واحد منهما في صاحبه إذ وجب أن يقوم كل واحد منهما مقام صاحبه في قولهم: المدح والمده وهذا القياس وكذلك جعل الهمزة والعين متداخلتين من حيز واحد لإبدال أحدهما من الآخر في قولهم: استعديت واستأديت وهذا كله خطأ فاحش في باب الإدغام؛ لأنه يلزم قائله إذا اعتبر الإدغام بالقلب والإبدال في بعض المواضع أن يدغم الهمزة في العين والعين في الهمزة من حيث قالوا: استأديت واستعديت، وهذا لا يقوله أحد، ويلزمه أيضا أن يدغم الهاء في الهمزة والهمزة في العين من حيث قالوا: إياك وهياك وهيهات وايهات فيقول في
أجبه أحمد أجبا أحمد، وفي اقرأ هذا قر هذا وذا مستشفع لا يقوله أحد، وكذلك تدغم الياء في الهمزة والهمزة في الياء من حيث قالوا: يلمعي والمعي إذا كان طريقا ويرقان وارقان ويلندد والندد ومعناه شديد الخصومة وطير يناديد متفرقة وكذلك إدغام الجيم في الحاء والحاء في الجيم من حيث قالوا:
تركت فلانا يجوس بني فلان يعني يدوسهم ويطلب فيهم وكذلك يحوسهم بهذا المعنى وأحم الأمر وأجم إذا حان وقته؛ فيقال في الإدغام في قولنا: أخرج حاتما أخر حاتما وفي اذبح جذعا اذبحذعا وهذا مستشنع منكر لا يقوله أحد.
وكذلك إدغام الثاء في الفاء والفاء في الثاء؛ لأنهم قالوا: جدت وجدف والدفي والدثي وغير ذلك مما يطول شرحه، وليس أحد يدغم بعض ما ذكرناه في بعض والنون تدغم في الراء ليس بين الناس في ذلك خلاف ولا تدغم الراء في النون عند الفراء ولا غيره؛ فيقال للمحتج عند اليس ألنون إذا ادغمت في الراء فإنما تدغم فيها لما بينهما من المؤاخاة لاجتماعهما في قافية أو بدل أحداهما من الأخرى ما ذكرناه عنه من صفة الحروف التي يدغم بعضها في بعض؟ فإذا قال: نعم قيل له؛ فبهذا المعنى أجز ادغام الراء في النون لأن الاتفاق بينهما قائم وقد ناقض فيه والصحيح ما قاله سيبويه من أن الراء فيها
[ ٥ / ٤٦٣ ]
تكرير وهو صوت تختص به الراء دون ما قاربها في المخرج.
وأبدل منها، وكذلك غيرها من الحروف التي بها صوت، وتفش واستطالة نحو الصاد والزاي والسين والشين فكرهوا إدغامها لئلا يذهب ذلك الصوت ومن ذلك أن الفراء ذكر أن تاء افتعل إذا كان فاء الفعل من حروف الإطباق، وغنما قلبت طاء؛ لأن التاء حرف أخرس لا يخرج له صوت إذا بلوت ذلك وجدته فكرهوا إدغام مصوت في حرف أخرس فلما فاتهم الإدغام وجدوا الطاء معتدلة في المخرج بين الثاء والضاد لتكون غير ذاهبة بواحد من الحرفين.
قال أبو سعيد﵀-: هذا كلام غير صحيح؛ لأن التاء إنما صار أخرس لأنه يلزم مكانه ولا يجري فيه الصوت والطاء مثله في الشدة أو أشد وكذلك الدال وهما في الخرس مثل التاء؛ لأن الطاء والدال يلزمان مكانهما ولا يجري فيهما الصوت إذا قلت اط واد كما لا يجري في قولك: ات فإن كاف إنما أزيل التاء للخرس؛ فلا ينبغي أن يجعل مكانه حرف مثله في الخرس.
وقال سيبويه: إنما أتوا بالطاء مكان التاء مع حروف الإطباق التي هي الصاد والضاد والطاء والظاء؛ لأن الطاء من حروف الإطباق وهي من مخرج التاء فجعلوها مكان التاء لموافقتها حروف الإطباق.
وقوله: فلما فاتهم الإدغام وجدوا الطاء معتدلة في المخرج بين التاء والصاد والضاد؛ فإن الطاء من مخرج التاء والدال، وإنما بينهما وبين الطاء والدال أن التاء مهموسة غير مطبقة، والطاء والدال مجهورتان والطاء مطبقة، ومما يدل على بطلان ما قاله في ذلك أنهم يقلبون التاء دالا إذا كان فاء الفعل ذالا أو وزايا والتاء مثل الداء في المخرج والخرس والذي بينهما من الفرق الجهر والهمس.
والصحيح ما ذكرناه عن سيبويه في موضعه الذي تقدم ومن ذلك أن أبا العباس أحمد بن يحيى لما حكي عن سيبويه عند ذكر الصاد والزاي والسين أنها تدغم أخواتها فيها ولا تدغم هي فيهن؛ لأن الصاد والزاي والسين وردت الصفير، وهي أندى في السمع وأن الصاد لا تدغم في الصاد والزاي والسين لاستطالة الصاد اعترض على سيبويه؛ فقال: قد أدغم النون وهي مغنونة في اللام؛ فما الفرق بين المغنونة وبين المستطيلة والتي فيها صفير؟ فطالب بفرق ولم يزد على ذلك.
قال أبو سعيد﵀-: ولا يخلو أبو العباس في طلبه الفرق بين ذلك من أن يكون يرى أن النون لا تدغم في غيرها كما لا تدغم حروف الصفير والصاد في غيرهن أو
[ ٥ / ٤٦٤ ]
يرى أن حروف الصفير والصاد يدغمن في غيرهن كما أن النون تدغم في غيرها أو يكون ساكنا في ذلك طالبا للفرق فإن كان يرى أن النون لا تدغم في غيرها فذلك مخالف لمذهبه ومذهب أصحابه.
والقراء في إدغام النون في خمسة أحرف قد ذكرناهن يجمعهن ويرمل ومذهب العرب هو الحجة في ذلك، وحسب مخطئ العرب في لغتها بتخطئته إياها وإن كان يرى أن يدغم حروف الصفير في غيرها فينبغي أن يقول في اصطعط وهو من الصعوط اصعط ويقول في اصطبر اطبر والذي قالته العرب إذا آثروا الإدغام اصعط واصبر.
وقد حكى الفراء عليك بأبوال الإبل فاصطعطها، وقد قرئ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وهو إدغام من يصطلحا ولم يقل أحد بطلحاء ولا فاطعطها وإن كان شاكا طالبا للفرق ففيما ذكرنا من الحجة كفاية ونذكر فرقا بينهما لمن تدبره إن شاء الله، وهو أن النون مبتدأ مخرجها ومفتحها من الخيشوم إذا وقعت عليها أو حركتها أو أدغمتها في نون أو كانت ساكنة وبعدها حروف الحلق؛ فإن منتهاها من الفم في مخرج النون الذي يقارب مخرج الراء واللام، وإن كان بعدها الخمسة عشر التي تخفي معها، وهي مقصورة على الخيشوم لا تجاوزه إلى موضعها فهي في هذه الحالة أضعف منها إذا تجاوزت الخيشوم إلى الفم؛ فإذا أدغمت ازدادت قوة لأن حروف الفم أقوى، وهذه إذا تجاوزت الخيشوم إلى الفم أقوى منها إذا انفردت بالخيشوم؛ فليست تسلب إلا صوتا ضعيفا الذي
صارت إليه أقوى من الذي سلبته وليس كذلك حروف الصفير لأنها من الفم وأصوبها فأشبه رخوة جارية تزيد فشوا على غيرها من حروف الفم.
وقال الفراء: العنبر وكل نون ساكنة قبل الباء مخفى أخفيت النون قبل الباء، والذي قال سيبويه والبصريون الها ميم وهو الصحيح، ويمكن أن تجعل نونا إلا أنها إذا جعلت نونا فلا بد من بيانها كما تبين النون الساكنة قبل الحاء والهاء والعين لا يمكن إخراجها على مثال إخراجها قبل الكاف والقاف؛ فإن ادعى مدع أنها نون مخفاة غير بينة وهي ساكنة بعد هاء ياء قيل له: اجعلها ميما؛ فإذا جعلها ميما؛ فانظر هل بينها وبين النون المخفاة فرق لا يوجد فرق بينهما إذا تأملته وإذا كانت مخفاة مع الباء فهي بمنزلتها مع القاف والكاف ونحوهما، والذي شدد أدى مثله إلا الميم فإنها إذا شددت أدت نونا؛ فلذلك أدغمت في الميم ولم تدغم في أختها يعني الباء، وإنما امتنعت الباء أن تؤدي ما أدت الميم أن الشفتين ينضمان بالباء انضمام الأخرس الذي لا صوت له وضعف الانضمام بالميم فأدت النون من الأنف.
[ ٥ / ٤٦٥ ]
قال أبو سعيد﵀-: وفي هذا الكلام أشياء منها أنه ذكر أن تشديد الميم يؤدي نونا، وقد استقصيت امتحان ذاك فوجدت أن الميم المشددة لا تؤدي إلا ميما ولنفس الميم صوت من الخيشوم أظنه توهم أن ذلك الصوت هو النون وقد يشترك الحرفان والأكثر في شيء يختصان به ويباينان فيه سائر الحروف كاشتراك حروف الصفير.
وحروف الإطباق وحروف الاستعلاء، وكذلك الميم والنون اشتركا في صوت الخيشوم، ومنها أنه منع إدغام النون في الباء.
وقد رأينا أحدهما أبدل من الآخر قالوا: الذان والذاب في معنى العيب وأنشدوا:
رددنا الكتيبة مفلولة بها أفنها وبها ذابها
ويروى هذا البيت في قصيدة أخرى:
بها أفنها وهاذا أنها
وما قاله الفراء في جواز الإدغام فيما يجوز البدل منه يوجب إدغام النون في الباء، وقد أباه ومنها أنه يجعل سبب إدغام النون في الميم أن الميم تؤديها.
وقد زعم أن جميع الحروف لا تؤدي غيرها إلا الميم افترى جميع ما أدغم فيه غيره من الحروف لا يؤدي ذلك الحرف الذي أدغم فيه.
قال الفراء: حكى الكسائي أنه سمع العرب تبين اللام يعني لام المعرفة عند كل الحروف إلا عند اللام مثلها، أو الراء
والنون.
قال: يقول بعضهم: الصامت، ولم أسمعها من العرب، وكان صد وقافي روايته والذي حكاه الكسائي لم يحكه أيضا البصريون.
وإذا كانت اللام غير لام المعرفة لم يلزم إدغامها في الحروف التي تدغم فيها لام المعرفة وسأذكر بعض ذلك في باب القراءات إن شاء الله.
وذكر الفراء أن العرب كرهوا إدغام الطاء والظاء في تاء افتعل كراهة أن يلتبس بافتعل من الوزن وبابه نحو: اتزن واتعد وقال قالوا: ما ترك جهدا، وهو يشاكل الافتعال من وزنت؛ لأنها تاء مع تاء فلا بد من الإدغام، وإنما فرقوا في الوزن الذي لا يلزمه كل اللزوم إدغام بعضه في بعض لاختلاف لفوظه وهم إذا قارنتها مضطرون إلى الإدغام لسكون الأول، وحركة الثاني.
قال أبو سعيد﵀-: جملة هذا الكلام أن الفراء زعم أن الطاء والظاء لم تدغما في تاء افتعل إذا قيل اطلع واظلم وأصله اطتلع واظتلم ولم يقل اتلع واتلم لئلا يلتبس
[ ٥ / ٤٦٦ ]
اتلع واتلم بأتزن، وهو افتعل فكان قائلا قال: فقد قالوا ما ترك جهدا وهو افتعل فلم لم يطلب الفرق من اطلع وبين اترك فقال: إنما طلبوا الفرق في افتعل بين حيزين وقع في كل واحد منهما قبل تاء افتعل حرف غير التاء؛ لأن باب اتزن وايأس يقع قبل تاء الافتعال واوا وياء وباب اطلع واظلم وقع قبل تاء الافتعال ظاء أو طاء ففصل بينهما وباب اترك إنما وقعت فيه تاء ساكنة قبل تاء افتعل فأدغمت ضرورة لأنها ساكنة قبل تاء افتعل، ولم يبين الفراء لم صار باب اتزن واتأس أولى بالياء من باب اطلع واظلم.
وقد ذكرنا في تفسير كلام سيبويه في ذلك ما يكتفي به إن شاء الله.
قال الفراء: ومما يدل على أنهم أرادوا الإدغام في التاء وأخواتها، ثم انثنوا عنه للفرق أنهم قالوا مذكر فقلبوا الأول لما كرهوا الإدغام الأول في الثاني واحتمالهم أن يدخل المتحرك في الساكن دليل على أنهم أرادوا الإدغام في التاء فلما فاتهم ردوا الثاني إلى ما كان يدغم فيه.
قال أبو سعيد﵀- استدل الفراء على أن العرب أرادوا الإدغام في التاء في باب افتعل الذي فاؤه طاء أو ظاء أو ضاد أو زاي أو دال ثم أنثنوا عنه، وتركوه للفرق بينه وبين باب اتزن واتأس والأمر على خلاف ما قاله؛ لأنه اعتبر الفرق بين بابين مجملا ولم يعتبر خواص الحروف في أنفسها وأحكام إدغامها والإدغام فيها.
وإنما ينبغي أن يعتبر أحكام الحروف في ذلك والدليل على ذلك أنا رأينا افتعل من غير باب اتزن واتأس الذي فاء
الفعل فيه واو أو باء وغير باب اتجر واترك الذي فاء الفعل فيه تاء قد جاء مختلفا في الإدغام حسب ما يوجب حكم الإدغام في الحروف كقولنا:
اصطبر واصطلح يجوز أن تقلب الطاء صادا وتدغم الصاد في الصاد فتقول: اصبر واصلح ولا يجوز أن تدغم الصاد في الطاء فتقول: اطبر واطح وتقول فيما فاؤه ظاء إذا بني على افتعل نحو: افتعل من الظلم ومن الظن تقول: اظطلم واظطن وإن شئت قلت: اطلم، واطن، فتقلب الظاء طاء، ويجوز اظلم واظن، فتقلب الطاء ظاء ومثل هذا اذكر وادكر لأن كل واحد من الظاء والطاء يدغم في صاحبه، وكذلك كل واحد من الدال والذال يدغم في صاحبه.
ولو قلت: ازدرع جاز أن تقول فيه ازرع، ولا تقول فيه: ادرع؛ لأن الزاي لا تدغم في الدال كما لا تدغم الصاد والضاد في الطاء، وتدغم الدال في الزاي والطاء في الصاد والضاد، وقالوا في افتعل من الثريد انثرد وقالوا: ترد واترد؛ لأن كل واحد من الثاء والتاء يدغم في صاحبه، ولم يسقطوا أثرد لمشابهة باب اتزن فاعرف ذلك إن شاء الله.
[ ٥ / ٤٦٧ ]
قال الفراء: فإن قلت: فكيف قالوا: يتخذ من غير هذا الجنس وغير الياء والواو؟
قلت: أصلها من الأخذ وكثر بها تاء الافتعال فصارت بمنزلة اتقيت حتى توهمها بالتاء أنها أصل ووجدوا الهمزة مقاربا باللواو فاحتملوا ذلك وقواهم عليه قولهم: خذ بحذف الهمزة فضارعت رن وجنسها؛ فإن قال: فينبغي أن تجيزه في تتكل من اكلت وتتمر من أمرت لقولهم مر وكل قلت لو أن ذاك أني فيها لكان مذهبا، والأول أكثر لكثرته، وقالوا فيه لما كثرها تخذها سربه تقعده فكسر الحاء فصارت عند العرب كأنها فعلت وكان ينبغي أن تكون تخذها كما قالوا: تقاك كما قال الشاعر:
تقاك بكعب واحد وتلذه يداك إذا ما هر بالكف يعسل
قال أبو سعيد﵀-: إذا كان اتخذ افتعل من الأخذ فالقياس فيه أن يقال:
اتخذ يأتخذ ائتخاذا كما يقال في افتعل من الأمر ائتمر يأتمر ائتمارا ومن الأكل ائتكل الضرس ياتكل ائتكالا ويمكن أن يكون قلبوا الهمزة واوا ثم أدخلوه في باب اتزن، واتعد من الوعد والوزن.
وأما قوله: قواهم عليه خذلانه يشبه زن في الحذف والنقصان ضعيف لأنهم يقولون:
كل ومر بالنقصان ولا يقولون: اتمر واتكل، ويقال للمحتج عنه إذا زعمت أن ترك الإدغام في التاء في باب اطلع واظلم للفرق بينه وبين باب اتزن فهلا أدغموا في التاء الطاء إذا كانت عين الفعل معتلة من واو أو ياء لأن عين الفعل
لا تعتل في باب اتزن فيقال في افتعل من طاع يطوع وإن يزن اتاع يتاع وأثاب يثاب وكلام العرب أطاع يطاع وازان يزان.
فإن قال: لما وجب في الصحيح الفرق حمل عليه المعتل قيل له: فهلا حملت المنقوص في الأمر مما عينه من واو على الصحيح؛ فقلب في المعتل من جاز يجوز وجاز اتار واتار لأنك تقول: جز في الطريق وجزلنا يا ربنا، وهذا أبين ضعفا من أن يتشاغل به أكثر من ذا.
وقد جعل الفراء تخذها مخففا من اتخذها كما يقال: تقاك من اتقاك، وهذا وهم؛ لأن تقاك خففت من اتقاك بأن حذفت التاء الأولى من اتقاك تخفيفا فبقيت التاء الثانية وهي تاء افتعل قلبها ألف الوصل وهي متحركة فاستغنى عنها فطرحت، وإذا فعل هذا باتخذ سقطت التاء الأولى وبقي تخذ ولا طريق لدخول الكسر.
قال أبو سعيد﵀-: والوجه لتخذ أن تكون الياء منقلبة من فاء الفعل؛ أما
[ ٥ / ٤٦٨ ]
من الهمزة، وأما قلبت الهمزة واوا ثم قلبت الواو تاء وصرف منها فعل يفعل كما قالوا:
اتلج يتلج أولج يولج فقلبوا التاء من الواو وصاغوا الفعل منه كما صاغوه من الواو والدليل على هذا أن أبا زيد الأنصاري حكى تخذ يتخذ وقال الشاعر:
وقد تخذت رحلي إلى جنب غررها نسيفا كافحوس القطاة المطرق
وقال أبو زيد: يقال: اتخذنا مالا فنحن تخذه اتخاذا وقد ائتخذنا في القتال نأتخذ ائتخاذا بمعنى اتجهنا، وهو أيضا عندي بمنزلة تتخذنا وأصله من الواو من واجه بعضنا بعضا وصيغ الفعل من تاء مقلوبة من واو وأنشد أبو زيد:
قصرت له القبيلة إذا تجهنا وما ضاقت بشدته ذراعي
وقال الأصمعي: تجهنا فقول الأصمعي في تجهنا يحتمل أن يكون على إسقاط التاء الأولى والقبيلة اسم فرسه وقال صخر الغي:
تجهنا عاد بين فساد الفتى بواحدها وأسلها تليدي
قال الفراء: مما يدلك أنهم أرادوا الفرق بين وزنت والدال وأخواتها أين وجدت الذين يقولون: يتزن من كلامهم ياتزن وياتسع لك الطريق ويتزن، وإنما أرادوا أن لا يوافقوا يترك وأنشد:
وايتصلت بمثل فنو الفرقد
وقد ذكرنا فساد ما ذكره من طلب العرب الفرق بين حيزين.
وقال الفراء: إنما قالوا: اتصلت فاتزنت فخلفوا الواو بالتاء وهي بعيد أنهم وجدوا الواو تسقط في يزن وتزن
وتسقط في زنة فأحبوا أن يبنوا الفعل على النقص فلما جاءت تاء الافتعال، ويلزمها الحركة فلم يجدوا بدا من حرف يسكن قبلها ليخرج وزن افتعلت صحيحا، ومن شأنهم سقوط الواو وزادوا على التاء تاء ساكنة كما قالوا من وعن وكما قالوا الذي فزادوا على اللام متنها وأن الذين خلطوا فبدلوه مرة بالألف في ياتسع ومرة يتسع فإنهم قالوا في التاء والألف والنون بالكسر فلما لم يكسروا الياء جعلوا الواو تابعة لفتحة الياء من يفعل والذين قالوا: يتسع فإنهم أرادوا أن يخرجوا الياء صحيحة فكرهوا أن يعودوا إلى الواو، وقد أسقمت فردوه إلى الياء بناء على التاء والألف والنون.
قال أبو سعيد﵀-: هذا الذي ذكره الفراء مذهب تفرد به والبصريون يدفعون أصل المذهب والحجة التي احتج بها، وأصل المذهب أن الفراء يقول: أن التاء الأولى من اتزنت واتصلت لا أصل لها في الكلمة وأنها ليست مبدلة من واو وصل ووزن
[ ٥ / ٤٦٩ ]
أن الواو التي كانت في وزن ووصل فاء الفعل قد سقطت في افتعل كما سقطت في يزن وازن وتزن وفي زنة وأن تاء الافتعال احتاجت إلى حرف ساكن قبلها فجاءوا بتاء مثلها تكثير الهاء كما زادوا اللام على لام المعرفة في الذي تكثير الهاء كما زادوا اللام وكما قالوا: مني وعني فزادوا نونا بسبب النون الذي في من وعن والذي قاله فاسد من جهات منها أن الذي يقولون ياتزن وياتسع هم يقولون في غير افتعل يزن ويصل وفي زنة وصلة وتزن وتصل وزنه فينقصون في يزن ويصل وفي زنة وصلة ما جرى مجراهما ولم يحملهم النقص في غير افتعل على النقص ومنها أنا رأينا الواو تبدل منها التاء في نحو: تراث وتجاه وتخمة وتؤدة وغير ذلك مما يكثر ويطول وليس بينهما مناسبة ولا مجاورة توجب ذلك أكثر من إبدال الواو تاء في افتعل الذي هو اتزن واتعد واتجه وما أشبه ذلك، ومنها أن الذي احتج به ليس على ما ادعاه لأن البصريين يقولون: أن أصل الذي دخلت عليه الألف واللام وأن النون في مني وعني لم ترد من أجل النون في من وعن بل النون ت زاد قبل ياء المتكلم في كل ما أرادوا حراسة بناء ما قبله من متحرك وساكن نونا كان أو غيره كقولهم: قدني وقطني وليتني وفي الفعل الواقع بالمتكلم نحو: أكرمني، وأتابني ويكرمني ويتيبني والذي حكاه البصريون في يفتعل من وزنت وبابه وجهان يتزن وياتزن ولم يحكوا بيتزن.
وإنما حكاه الفراء وأصحابه وليس ذلك مما ينكر، وقال الفراء إذا قالوا: اختصموا واحتجموا وما أشبهه مما جاز فيه الإدغام فإنك إذا أدغمته فحركت ما بعد الألف إلى كسر أو فتح أشبه الألف إذا لم يكن قبلها كلام فقلت: اهدوا واخصموا وخصموا بكسر الثاني وبفتحه والأول مكسور وبكسر الألف والخاء وإنما تثبت الألف وقد
تحرك ما بعدها فأنت تقول: في امدد وامسس وما أشبهه مس ومد فتسقط الألف، وقد تحرك امد وامس وليس بالوجه الوجه في هذا إسقاط الألف وفي افتعل أن لا تسقط وذلك أن خلفه الفاء في كل ما كان مثل استفعل وافتعل أن لا يحرك فاء الفعل في مدار العربية فلما لزمها السكون في كل موضع لزمتها الألف لأن تسكينها كالخلقة وقد يسكن في يفعل ويتحرك على أنه في التقدير، وقد اختصموا ثم ادغم وحرك الخاء وترك كسرة دال قد على حكم سكون الخاء، وإن كان قبلها حرف يسقط لاجتماع الساكنين نحو الياء والواو والألف ففيه وجهان: إن شئت لم تحذف، وإن شئت حذفت على نية السكون كقولك: القاضي خصموا عنده والقاضي خصموا عنده وكذلك كان خصما عنده بإثبات ألف كانا وقد خصما عنده بحذف ألف كانا.
[ ٥ / ٤٧٠ ]
وقد ذكر أنه سمع من العرب في ائتدم الناس وهو افتعل من الأدم أدموا وأدغم التاء في الدال كما يدغمها في الصاد من اختصموا فوجب أن يقال في ذلك أدموا وأدموا، وعلى جواز ألف الوصل في مذهب الفراء ادموا وادموا فذكر أنه سمع ما أدموا ومادموا كما تقول: ما خصموا ومخصموا بإثبات ألف ما وحذفها على ما ذكرنا أجاز الفراء إدغام الراء في الراء من شهر رمضان على وجهين أحدهما أن يجمع بين ساكنين الهاء من شهر والراء منه، وهذا عنده جيد ليس بمنكر والوجه الآخر أن تلقى حركة الراء على الهاء فتقول: شهر رمضان واستضعف هذا الوجه وأجازه.
وزعم أنه كالمتصل وسيبويه ينكر إدغام ذلك على الوجه الأول والثاني وقد مضى ذلك من كلام سيبويه واحتج الفراء بأنهم قالوا في عبد شمس التميمة عبشمس كأنه يقول:
أنهم ألقوا حركة الدال على الباء، وأدغموا الدال في الشين والبصريون يقولون عبشمس ضوء الشمس فيقال أصله عب الشمس والهمزة قد خففت فهذا يبطل احتجاج الفراء ومما يدل على ما قاله البصريون بيت أنشد في ذلك أنشدناه أبو بكر بن دريد:
إذا ما رأت حربا عب شمس شمرت إلى زملها والجارمي عميدها
وكسر السين بغير تنوين فيه دليل على أن أصله عب الشمس وفي بني سعد عبشمس.
قال: صورج: عبد شمس بن زيد مناة بن تميم وعبد شمس بن كعب بن سعد بن زيد مناة.
وقال محمد بن حبيب: كل شيء في العرب عبد شمس إلا عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم وعبشمس بن أخزم بن ربيعة بن جرول بن تعل بن عمرو بن الغوث ابن طيء.
وقال أبو العباس قال الكسائي في باب أحست أجيزه في كل موضع سكنت فيه لام الفعل سكونا لا تناله الحركة لم
تجز في فعلن ويفعلن لأن اللام تتحرك في الواحدة في فعلت وفعلتا وتفعل وتفعلان فلم يجزه إذا كان الجمع مبنيا على واحدة متحركة.
وقال: سقطت الأولى لاستثقال الحركة فيها، ولم يقل شبهت بالثلاثي، وقال:
كذلك أقول في فعلن ويفعلن؛ لأني لم أجد الفعل مبنيا على واحدته ألا ترى أنك تقول تفعل وتفعلان بالتاء ويفعلن بالياء فلم يبن على الواحدة في جمع التأنيث.
وقال: سمعت من يحطن علينا يريد ينحططن.
[ ٥ / ٤٧١ ]
وقال: قرئ وقرن في يريد واقررن والذي احتج به الفراء على الكسائي صحيح والذي قرأ بهذا عاصم ومعناه أقررن من القرار يقال: قررت بالمكان أقر وقررت أقر وقراءة عاصم من هذه اللغة ومن قرأ وقرن في بيوتكن بكسر القاف ففيه وجهان أجودهما أن يكون من وقر بالمكان يقر من الوقار كما تقول: وقف يقف وقفن يانسوة والوجه الآخر أن يكون واقررن فحذفت الراء المكسورة وألقيت حركتها على القاف وذلك لا يختار لأنه لا ضرورة إليه.
وقد روى بيت أبي زبيد:
سوى أن العتاق من المطايا أحسن به فهن إليه شوس