حروف طرف اللسان اثنا عشر حرفا: الراء واللام، والنون والطاء والتاء والدال والصاد والزاي والسين والذال والظاء والثاء.
فأما الراء منها؛ فلا تدغم في شيء لما فيها من التكرير.
وقد روي إدغامها في اللام وسأذكره في إدغام القراءات إن شاء الله.
وأما اللام والنون؛ فقد ذكر إدغامهما. والإدغام فيهما بما يغني عن إعادته، وأما الطاء والتاء والدال والظاء والثاء والذال؛ فكل واحدة من هذه الحروف الستة تدغم في عشرة أحرف منها الخمسة الباقية معها، وحروف الصفير كلها، وهي الصاد والزاي والسين، وفي الضاد والشين.
وحروف الصفير لا تدغم في غيرها، ويدغم بعضها في بعض، وقد رتب سيبويه إدغام بعض ذلك في بعض ما
يستحسن منه، ويقوي ما يضعف، وأنا أسوق كلامه وأفسر ما يحتاج إلى تفسير إن شاء الله.
قال: الطاء مع الدال كقولك: اضبط دّلما لأنهما من موضع واحد، وهي مثلها في الشدة إلا أنك تدع الإطباق على حاله فلا تذهبه؛ لأن الدال ليس فيها إطباق والمطبق
[ ٥ / ٤٣٧ ]
أفشى في السمع ورأوا إجحاقا أن تغليب الدال على الإطباق، ومثل ذلك إدغامهم النون فيما تدغم فيه بغنة، وبعض العرب يذهب الإطباق حتى يجعلها دالا خالصة أرادوا أن لا تخالفها إذ آثروا أن يقلبوها دالا كما أدغموا النون بلا غنة، وكذلك الطاء مع التاء؛ إلا أن ذهاب الإطباق مع الدال أمثل قليلا؛ لأن الطاء كالدال في الجهر والتاء مهموسة، وكل عربي وهو قولك: اضبط توأما وتصير الدال مع الطاء طاء، وذلك قولك: انقذ طالبصا وكذلك التاء كقولك: ابعث طالبا؛ لأنك لا تجحف بهما في الإطباق، ولا غيره وكذلك التاء مع الدال؛ لأنه ليس بينهما إلا الهمس والجهر وليس في واحد منهما إطباق ولا استطالة ولا تكرير يريد ليس بين التاء والدال فضل إلا أن الدال مجهورة والتاء مهموس، وليس يفضل بذلك أحدهما على الآخر في الصوت فضلا بينا وليس في أحدهما فضل إطباق ولا فضل استطالة كما في الضاد والشين من الاستطالة ولا تكرير كما في الراء من التكرير واستشهد لبعض ما قدمه بقول العرب حتّهم يريدون حطتهم وبعده كلام يغني عنه ما مضى، ولو تبينت فقلت: اضبط دلاما واضبط تلك وانقذ تلك وانعت دلاما جاز.
والبيان في هذا يثقل لشدتهن ولزوم اللسان موضعين لا يتجافى عنه فيثقل البيان في هذه الحروف إذا تلاقت؛ لأنها من موضع واحد وهي شديدة ولو كانت من موضع واحد، وكان رخوة لكان البيان أحسن، وذلك في الصاد والزاي والسين لرخاوتهن.
قال: فإن قلت: أقول أصحب مطرا، وهما شديدتان؛ فالبيان فيهما أحسن فإنما ذلك لاستعانة الميم بصوت الخياشيم فضارعت ما لا يدغم ما قرب إليه فيه، وهو النون يريد أن الميم فيها غنة، والغنة من الخيشوم فصار بمنزلة ما تجافى عن موضعه وجرى فيه الصوت.
وقد ضارعت الميم النون بالغنة والنون لا تدغم فيها فحسن ذلك الإظهار، والبيان وعلى أن الباء شديدة والرخوة والطاء والدال والتاء شديدات فما بين الباء والميم أبعد.
قال: وقصة الصاد مع السين والزاي كقصة الطاء مع الدال والتاء إلى قوله، والبيان أحسن لرخاوتهن وتجافي اللسان عنهن يريد أن البيان في الصاد وأختيها أحسن منه في الطاء وأختها.
قال: وقصة الظاء والثاء والذال كذلك إلى قوله: والبيان فيهن أمثل منه في الصاد والسين والزاي؛ لأن رخاوتهن
أشد من رخاوتهن لانحدار طرف اللسان، ولم يكن له رد يعني أن الظاء والذال والثاء أشد رخاوة؛ لأن اللسان في النطق بهن يخرج عن الأسنان، ولا تردهن الأسنان كما ترد السين والزاي والصاد، وذلك أن الظاء والذال والثاء إذا وقفت
[ ٥ / ٤٣٨ ]
على كل واحد منهما رأيت طرف اللسان خارجا عن أطراف الثنايا والصاد والزاي والسين إذا وقفت على واحدة منهن رأيت الأسنان العليا مطبقة على الأسنان السفلى واللسان من وراء الأسنان إلى الفم.
قال: والإدغام فيهن أجود وأكثر من البيان فيهن؛ لأن أصل الإدغام لحروف اللسان، وأكثر حروف الفم من طرف اللسان، وهو أكثر حروفا من طرف الثنايا يريد أن الإدغام في الحرفين اللذين يلتقيان من مخرج واحد، والأول منهما ساكن من حروف طرف اللسان أجود، وإن كان البيان في بعضهن أحسن منه في بعض؛ لأن أصل الإدغام في حروف اللسان والفم، وأكثر حروف الفم من طرف اللسان؛ لأن حروف الفم تسعة عشر حرفا منها اثنا عشر حرفا من طرف اللسان وطرف اللسان أكثر حروفا من طرف الثنايا؛ لأن حروف الثنايا من طرف اللسان، وليس كل حروف طرف اللسان من طرف الثنايا.
قال: والطاء والدال والتاء يدغمن في الصاد والزاي والسين لقرب المخرجين لأنهما من الثنايا وطرف اللسان ألا ترى أن الطاء وأختيها من أصل الثنايا، وهي من أسفله قليلا ما بين الثنايا يعني الصاد وأختيها، وذلك قولك: ذهبت سلمى فتدغم التاء في السين، وقد سمعت فتدغم واضطر رده وقد سمعناهم ينشدون لابن مقبل.
وكأنما اغتبقت صبر غمامة بعر اتصفقه الرياح زلالا
فأدغم التاء في الصاد، وقرأ بعضهم لا يسمعون يريدون لا يتسمعون، والبيان عربي جيد لاختلاف المخرجين.
قال: وكذلك الطاء والثاء والذال؛ لأنهن من طرف اللسان، وأطراف الثنايا فهن الخوت، ومن حيز واحد والذي بينهما من الثنيتين يسير وذلك قولك: ابعث سلمة فتدغم واحفظ زد، وخذ صابرا وسمعناهم يقولون مدزمان فيدغمون الذال في الزاي ومذ ساعة وفي نسخة أبي بكر مبرمان فيدغمونها في السين والبيان فيهن أمثل؛ لأنهن أبعد من الصاد وأختيها، وهي رخوة يريد أن الطاء والدال والتاء أبعد من الضاد وأختيها الذال والثاء؛ فلذلك كان بيان الظاء وأختيها عند الصاد أمثل من بيان الطاء وأختيها عند الصاد وأختيها؛ فإن قال قائل: كيف صارت الطاء وأختاها أبعد من الصاد وأختيها قيل له: قد ذكرنا أن الطاء وأختيها والصاد وأختيها تنطبق الأسنان على اللسان عند النطق بهن، ولا يخرج اللسان عن الأسنان؛ فقد اشتركن في ذلك والظاء والذال والثاء يخرج اللسان عن الأسنان فيهن خاصة فقد باينهن وصارت الطاء وأختاها أقرب من الصاد وأختيها ومع
[ ٥ / ٤٣٩ ]
ذلك؛ فإن البيان تقوية رخاوة الطاء وأختيها.
وقد مضى الكلام في نحو ذلك.
قال: والظاء والذال والثاء أخوات الطاء والثاء والدال لا يمتنع بعضهن من بعض في الإدغام؛ لأنهن من حيز واحد، وليس بينهن إلا ما بين أصل الثنية وطرفها، وذلك قولك:
اضبط ظالما، وابعد ذلك وانعت ثابتا، واحفظ طالبا، وخذ داود وابعث تلك وحجته قولهم: ثلاثة دراهم، فأدغموا، وقالوا: حدثتهم فجعلوا الثاء تاء والبيان فيهن جيد هذا كله بين من كلام سيبويه.
وأما إدغام ثلاثة دراهم فلأن الهاء في ثلاثة تنقلب تاء في الدرج، وتسكن لإدغام في الدال من دراهم، وأما الصاد والسين، والزاي؛ فلا يدغمن في شيء من هذه الحروف التي أدغمت فيهن؛ لأنهن حروف الصفير وهير أندى في السمع، وهذه الحروف الثلاثة هي حروف الصفير وبها من الفضل في الصوت بما فيها من الصفير أكثر من التفاضل بين المجهور والمهموس والرخو ومثلهن فضل الحرف المكرر بالتكرير وهو الراء على ما يجاوزها مما ليس فيه تكرير؛ فلذلك لم تدغم الصاد والزاي والسين والراء فيما جاوزهن ومعنى أندى في السمع أي أبعد ذهابا كما قال الشاعر:
فقلت ادعي وادع فإنه أندى لصوت أن ينادي داعيان
قال: وتدغم الطاء والتاء والدال في الضاد؛ لأنها اتصلت بمخرج اللام وتطأطأت عن اللام حتى اتصلت بما اللام فوقه من الأسنان، وفي نسخة أبي بكر مبرمان حتى خالطت أصول ما اللام فوقه ولم تقع من الثنية موقع الطاء لانحرافها؛ لأنك تضع للطاء لسانك بين الثنيتين وهي مع ذلك مطبقة؛ فلما قاربت الطاء فيما ذكرت أدغموها فيها كما أدغموها في الصاد، وأختيها، وأدغم فيها التاء والدال، كما أدغموها في الصاد؛ لأنهما من موضعها وذلك قولك: اضبط ضرمة وابعد ضرمة وانعت ضرمة وسمعتها ممن يوثق بد من العرب قال:
ثار فضّجّت ضّجّة ركائبه
فأدغم التاء في الضاد وكذلك أدغم فيها الظاء والذال والثاء لأنه من حروف طرف اللسان والثنايا.
قال أبو سعيد﵀- جعل السبب في إدغام هذه الحروف في الضاد أن هذه الحروف قريبة المخرج من اللام، وأن الضاد قد اتصلت باللام وهي منحطة عن اللام
[ ٥ / ٤٤٠ ]
قليلا، وتشترك اللام وهذه الحروف جميعا في أنهن حروف طرف اللسان، وقد مضى تحقيق مخارجهن؛ فلما
كانت اللام تدغم في الصاد أدغمت هذه الحروف فيها، وقوي ذلك بأن قال: وهي مع ذلك مطبقة يعني الضاد فلما قربت الطاء أدغموها يعني أنه قد صار بين الضاد والطاء سوى ما ذكر الإطباق فصارت الضاد للطاء أكثر مشابهة؛ فأدغمت الطاء فيها كما أدغمت في الصاد وأختيها ثم أرغموا أختيها الباء والدال في الصاد كما أدغموها في الصاد؛ لأنهما والطاء من مخرج واحد.
قال: وكذلك الطاء؛ فالدال والثاء؛ لأنهن من حروف طرف اللسان والثنايا ويدغمن جميعا في الصاد والزاي والسين وهي من حيز واحد وهن بعد في الإطباق والرخاوة كالضاد فصارت الطاء، وأختاها كأنهن حيز واحد وفي الكتاب وهن بعد في الإطباق، وأظنه غلطا والذي يصحح عليه الكلام وهي بعد في الإطباق والرخاوة كالطاء يعني الضاد في الإطباق والرخاوة كالطاء فصارت الضاد بمنزلة حروف الثنايا.
قال: ولا تدغم الضاد في الصاد والسين والزاي لاستطالتها كما امتنعت الشين ولا تدغم الصاد وأختاها فيها لما ذكرت لك فكل واحد منهما له حاجز ويكرهون أن يدغموها فيما أدغم فيها من هذه الحروف كما كرهوا الشين.
والبيان عربي جيد لبعد الموضعين فهو فيه أقوى منه فيما مضى من حروف الثنايا أراه أنه لا تدغم الضاد في الصاد وأختيها لئلا تذهب استطالة الضاد، وهي فضيلة لها ولا تدغم الصاد وأختاها في الضاد لئلا يذهب الصفير الذي لهن وهو فضيلة لهن ففي كل واحد من الحيزين فضيلة هي حاجز له أن يدغم في الآخر.
ومنزلة الضاد منزلة الشين في الامتناع من الإدغام في غيرها لما لكل واحد من الشين والضاد من الاستطالة.
وقول سيبويه: ويكرهون أن يدغموها فيما أدغم فيها من هذه الحروف يعني أنهم يكرهون أن يدغموا الضاد فيما أدغم فيها من الحروف وذلك أن الضاد يدغم فيها سبعة أحرف وهي الطاء والتاء والدال والظاء والثاء والذال واللام والضاد لا تدغم في شيء منهن لما فيها من الاستطالة وهي بمنزلة الشين وفي إدغامها ذهاب الاستطالة.
وقوله: والبيان عربي جيد لبعد الموضعين فهو أقوى منه فيما مضى من حروف الثنايا يريد أن ما أدغم في الضاد من هذه الحروف بيانها مع الصاد أجود من بيانها مع غيرها من حروف طرف اللسان التي مضى ذكرها قبل الضاد لبعد الضاد من هذه الحروف.
[ ٥ / ٤٤١ ]
قال: وتدغم الطاء والتاء والدال في الشين لاستطالتها حين اتصلت بمخرجها وذلك قولك: اضبط شبثا وابعت شبثا وانقد شبثا.
والإدغام في الضاد أقوى؛ لأنها قد خالطت استطالتها الثنية وهي مع ذلك مطبقة ولم تجاف عن الموضع الذي قربت فيه من الطاء تجافيها.
ومما يحتج به في هذا قولهم عنبر وشنباء؛ فأدغموا.
وتدغم الظاء والذال والثاء فيها؛ لأنهم أنزلوها منزلة الضاد، وذلك قولك: احفظ شنباء وابعث شنباء وخذ شنباء، والبيان عربي جيد، وهو أجود منه في الضاد لبعض المخرجين، وأنه ليس فيها إطباق، ولا ما ذكرت لك في الضاد.
وقد تقدم القول بأن الضاد والشين بما فيهما من الاستطالة وليستا من حروف اللسان قد أدغم فيهما اللام، وأدغم في الضاد ما ذكرناه سوى اللام، وأدغم في الشين جميع ما أدغم في الصاد.
والإدغام في الضاد أقوى؛ لأنها قد خالطت استطالتها الثنية، وهذه الحروف من الثنايا والضاد مع ذلك مطبقة والإطباق فضيلة، ولم تجاف الضاد عن الموضع الذي قربت منه الطاء تجافي الشين.
قال: واعلم أن جميع ما أدغمته وهو ساكن يجوز فيه الإدغام إذا كان متحركا كما تفعل ذلك بالمثلين وحاله فيما يحسن فيه الإدغام ويقبح فيه وما يكون فيه أحسن، وما يكون خفيا وهو بمنزلته.
وفي نسخة أبي بكر قبل أن يخفى كحال المثلين، وقد مضى القول في المثلين، وأن الأول منهما إذا كان متحركا جاز إسكانه وإدغامه، والمتقاربان اللذان يدغم أحدهما في الآخر يجريان مجرى المثلين؛ لأنا إذا أدغمنا أحدهما في الآخر مكانهما مثلات، وكلامه مفهوم.
قال: وإذا كانت هذه الحروف المتقاربة في حرف واحد ولم يكن الحرفان منفصلين ازداد تعلا واعتلالا كما كان ذلك في المثلين، وأن الحرف لا يفارقه ما يستثقلون وهذا كلام مفهوم غير أن المثلين في كلمة وكلمتين إذا كان الأول منهما ساكنا لزم الإدغام ضرورة.
وإذا كان متحركا في كلمة لزم الإدغام في أكثر الكلام ولم يلزم في الحروف المتقاربة الإدغام سواء كان ساكنا أو متحركا.
قال: فمن ذلك قولهم في مثبرد مترد، فإنهما متقاربان مهموسان فالبيان حسن
[ ٥ / ٤٤٢ ]
وبعض العرب يقول: مترد وهي عربية جيدة والقياس مترد؛ لأن أصل الإدغام أن تدغم الأول في الثاني.
قال أبو سعيد﵀- في مثرد وهو مفتعل من الثريد ثلاث لغات: مثترد وهو الأصل، ومترد على إدغام التاء في التاء، وهو القياس والأولى؛ لأن الأول إنما يدغم في الثاني ومثرد يقلب الثاني إلى جنس الأول، وإدغام أحدهما في الآخر أما الإدغام فلتقاربهما وهما مع التقارب مهموسان، وذلك مما يقوي إدغام أحدهما في الآخر.
وأما البيان؛ فلأنهما ليسا بحرفين متجانسين يضطر الناطق إلى الإدغام إذا سكن الأول منهما، وأما إدغام الثاني
في الأول بأن يقلب الثاني إلى جنس الأول ويدغم الأول فيه فقد مضى بعضه، وذلك في الحاء والعين إذا كانت الحاء أولا والعين ثانيا واخترنا الإدغام قلبنا العين جاء وأدغمنا الحاء في الحاء.
وقالوا في مفتعل من صرت مصطبر أرادوا التخفيف حين تقاربا، ولم يكن بينهما إلا ما ذكرت لك وصارا في حرف واحد ولم يجز إدخال الصاد فيها لما ذكرنا في المنفصلين يعني من الصفير فأبدلوا من مكانها أشبه الحروف بالضاد وهي الطاء ليستعملوا ألسنتهم في ضرب واحد من الحروف، وليكون عملهم من وجه واحد إذ لم يضلوا إلى الإدغام، وأراد بعضهم الإدغام حيث اجتمعت الصاد والطاء فقالبوا الطاء صادا فقالوا:
مصبر لما امتنعت الصاد أن تدخل في الطاء، وقلبوا الطاء صادا فقالوا: مصبر.
وحدثنا هارون القاري أن بعضهم قرأ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا.
قال أبو سعيد﵀-: اعلم أن تاء الافتعال يلزم قلبها طاء مع أربعة أحرف ودالا مع ثلاثة أحرف؛ فأما الحروف التي يلزم قلبها معها طاء فهي حروف الإطباق الضاد والطاء والطاء والصاد.
وأما الحروف التي يلزم قلبها معها دالا فثلاثة أحرف وهي الدال والذال والزاي فأما قلبها طاء مع حروف الإطباق؛ فلما بين الطاء وبين هذه الحروف من الإطباق فطلبوا حرفا من مخرج التاء يوافقها في الإطباق وهي الطاء.
وقد علم أنه لا يقع لبس في ذلك، وأما قلبها دالا مع هذه الحروف؛ فلأن هذه الحروف مجهورة والتاء مهموسة.
والتمسوا حرفا مجهورا من مخرج التاء موافقا لهذه الحروف في الجهر غير مطبق مثلهن، وهو الدال فمن ذلك ما ذكره سيبويه، وهو مصطبر أصله مصتبر فقلبنا تاء
[ ٥ / ٤٤٣ ]
الافتعال طاء لما ذكرناه فصار مصطبر ولك في مصطبر وجهان: أحدهما: مصطبر بالبيان لاختلاف الحرفين.
وقال بعضهم: مصّبر فقلب الطاء صادا، ثم أدغم الصاد في الصاد، ولا يجوز إدغام الصاد في الطاء؛ فيقال: مطبر لما مضى أن حروف الصفير لا يدغمن في غيرهن، وسائر كلامه غير محتاج إلى تفسير.
قال: والزاي تبدل بها التاء دالا وذلك مزدان؛ لأنه ليس شيء أشبه بالزاي من موضعها من الدال وهي مجهورة مثلها وليست مطبقة ومن قال: مصّبر قال: مزّان.
قال أبو سعيد﵀- الأصل في مزدان مزتان لأنه مفتعل من الزاي وقلبت التاء دالا لما ذكرنا فصار مزدان؛ فإن أظهرت فالبيان حسن جيد لاختلاف المخرجين.
وإن أدغمت قلبت الذال زايا ثم أدغمت الزاي في الزاي فقلت: مزّان كما تقول في مصطبر مصّبر وتقول في مستمع بالإدغام أن شئت لأنهما مهموسان فتقول: مسمع كما تقول مصبر فتقلب التاء سينا، ولا يجوز إدغام
السين في التاء؛ لما ذكرنا.
قال: وقد قالوا في اضطجر كقولهم مصطبر اضطجر افتعل من الضجر وقلبت الطاء تاء لما ذكرناه قلبا لازما، ثم لك أن تدغم الطاء في الضاد؛ فتقول اضجر ولا تدغم الضاد في الطاء فتقول اطجر، وكذلك الطاء إذا كانا منفصلين جاز البيان وترك الإطباق على حاله إن أدغمت فلما صار في حرف واحد ازدادا تقلا كانا يستثقلان في المنفصلين، وألزموها ما ألزموا الصاد والتاء؛ فأبدلوا مكانها أشبه الحروف بالتاء وهو الطاء ليكون العمل من وجه واحد كما قالوا: مقاعد ومغالق فلم يحتجوا الألف وكان ذلك أخف عليهم ليكون الإدغام في حرف مثله إذا لم يجز البيان والإطباق حيث كانا في حرف واحد، ولزم الإدغام بلا إطباق يريد أن الطاء إذا كان معها تاء افتعل مثل الضاد والصاد والطاء في قلب التاء طاء؛ فيقال في مفتفعل من ظلم مضطلم ثم أنت بالخيار أن شئت أظهرت وإن شئت أدغمت الظاء في الطاء فقلبت مظلم، وإن شئت قلت: مظلم فقلبت الثاني للأول على ما ذكرنا.
وقوله: فأبدلوا مكانه أشبه الحروف بالطاء يريد أبدلوا مكان تاء الافتعال مع الظاء الطاء من مخرج التاء لاشتراك الظاء والطاء في الإطباق والاستعمال والجهر لئلا يتباعد بين الظاء والتاء.
وقوله: كما قالوا قاعد ومعالق فلم يحتجوا الألف يريد أن القاف من حروف الاستعلاء، ولم يميلوا الألف عند دخولها لئلا يكونوا في صعود بالاستعلاء، وفي نزول
[ ٥ / ٤٤٤ ]
بالإمالة.
وقد مضى شرح ذلك في الإمالة، وقوله: ليكون الإدغام في حرف مثله يعني إدغام الظاء في حرف مثله في الإطباق، ومن قال: مثرد ومصبر قال: مظلم وأقيسهما مظلم؛ لأن أصل الإدغام أن يتبع الأول الآخر ألا ترى أنك لو قلت في المنفصلين في نحو: ذهب به، وبين له فاسكنت الآخر لم يكن إدغام حتى تسكن الأول فلما كان كذلك جعلوا الآخر يتبعه الأول ولم يجعلوا الأصل أن يقينوا فيجعل من موضع الأول.
قال أبو سعيد﵀-: أجاز سيبويه مظّلم على قلب التاء ظاء، وقد تكلمت العرب بمثله الظاء والتاء في كلمتين وجاز فيهما إدغام الظاء في التاء ذهاب الإطباق في كلمة واحدة لا يجوز لقوة الإدغام في كلمة واحدة.
وفضل الإطباق، وقوله: فكرهوا أن يلزموه ذلك في حرف ليس من حروف الإطباق يعني كرهوا أن يلزموه الإدغام في التاء في كلمة واحدة لذهاب الإطباق فقالوا:
اظعنوا ولم يقولوا اتعنوا والأصل اظعنوا.
قال: وكذلك الدال وهو قولك: أدانوا؛ لأنه قد يجوز فيه البيان في الانفصال مع ما ذكرنا من الثقل وهو بعد حرف
مجهور؛ فلما كان هاهنا لم يكن سبيل إلى أن يفرد من التاء كما أفرد في الانفصال فيكون بعده غيره من الحروف فكرهوا أن يذهب جهره كما كرهوا إذ لا مع الدال يريد أن الدال مع التاء إذا التقتا في كلمتين جاز فيه والبيان على فقل لأنهما من مخرج واحد فإذا التقتا في كلمة واحدة لم يجز على الإدغام فقلبوا تاء الافتعال دالا وقلبها دالا أولى من قلب الداء تاء، وأن يقال مكان أدان أتان من جهتين: إحداهما ما ذكره سيبويه أن الدال فيما جهر فيكرهون قلبها تاء؛ فيذهب الجهر الذي في الدال والجهة الأخرى إن تاء الأفتعال زائدة فهي أولى بالتغيير من الأصلي.
قال: وشبه بعض العرب ممن ترتضى عربيته هذه الحروف الأربعة الضاد والضاد والطاء والطاء في فقلت بهن في افتعل؛ لأن الفعل بني على التاء فأسكنت لامه كما أسكنت الفاء في افتعل وذلك قولك: حصط تريد حصت وخبطه تريد خبطته، وحفظ يريد حفظت وسمعناهم ينشدون كعلقمة.
وفي كلّ حيّ قد تخبّط بنعمة فحقّ لشاش من نداك ذنوب
يريد أن من العرب من قلب باء المتكلم، والمخاطب التي هي ضمير الفاعل طاء إذا كان قبلها هذه الحروف الأربعة كما فعل بتاء الافتعال؛ لأن التاء لما اتصلت بما قبلها
[ ٥ / ٤٤٥ ]
وسكن لها ما قبلها ولم يمكن فصلها من الفعل صارت ككلمة واحدة، وأشبهت تاء افتعل، ثم قال: واعرب اللغتين، وأجودهما أن لا تقلب التاء هاهنا طاء؛ لأن التاء هاهنا علامة إضمار، وإنما تجيء لمعنى وتلزم الفعل ألا ترى أنك إذا أضمرت غائبا، قلت: فعل فلم يكن فيه وليست في الإظهار بمنزلة المنفصل يريد أن الأجود أن لا تقلب التاء طاء في فعلت وفعلت وفصل بين تاء الافتعال في هذه التاء بكلام واضح.
قال: وقال: بعضهم عدة يريد عدته شبهها بها في أدان كما شبه الصاد وأخواتها بهن في افتعل قالوا فقده يريدون نقدته، وقياس هذه العلة أن تقلب تاء المتكلم، والمخاطب إذا كان قبلها دال أو دال وزاي ودالا كما يدل ذلك بتاء الافتعال.
ولم يحكه سيبويه عنهم إلا في الدال.
قال: واعلم أن ترك البيان أقوى منه في المنفصلين لأنه مضارع وأن تقول: احفظ تلك وخذ تلك وابعث تلك فتبين أحسن من حفظت وأخذت وبعثت وإن كان هذا حسنا عربيا حدثنا من لانتهم أنه سمعهم يقولون أخذت فيبينون يريد أن تاء المتكلم، والمخاطب إذا اتصلت بحرف تدغم فيه؛ فإن الإدغام فيه أقوى من إدغام ذلك الحرف في تاء منفصلة كان قولك أخذت وابعثت وحفظت إدغام ما قبل التاء في التاء أقوى من احفظ تلك خذ تلك وإذا كانت التاء متحركة وبعدها هذه الحروف ساكنة لم يكن إدغام؛ لأن أصل الإدغام أن يكون الأول ساكنا لما ذكرت
لك في المنفصلين نحو تبين له، وذهب به فإن قلت: هلا قالوا: تبين أنهم فجعلوا اللام نونا، وأنهم لو فعلوا ذلك كان الأول هو الساكن؛ فلما كان كذلك كان الآخر أقوى عليه يريد أن التاء في استفعل إذا وقع بعدها حرف من هذه الحروف لم تغير التاء، ولا ذلك الحرف كقولك: استطعم واستضعف واستدرك وهذا واضح؛ لأن الأول متحرك، والثاني ساكن، ولا سبيل إلى الإدغام والتغيير إنما هو من توابع الإدغام، ولو كان بعد التاء في هذا البناء تاء أخرى لم تدغم كقولك: استتبع واستتلى واستد على أن ذلك لا إدغام فيه بأن المثلين فيهما يسكن ثانية ويتحرك أوله كقولك: رددت ورددن؛ لأن اللام لاتصل إليها، وكذلك لا سبيل إلى تسكين هذه التاء؛ لأن قبلها السين من استفعل ساكنة؛ فلو سكنت ألقيت حركتها على السين وحذفت ألف الوصل؛ فكثر التغيير فتجنبوا ذلك.
وقوله: وأصل الإدغام أن يكون الأول ساكنا لما ذكرت لك في المنفصلين لهم وذهب به فإن قلت: هلا قالوا: تبين أنهم فجعلوا اللام نونا؛ فإنهم لو فعلوا ذلك كان الأول هو الساكن؛ فلما كان كذلك كان الآخر أقوى عليه.
[ ٥ / ٤٤٦ ]
قال: وقد يحرك في فعل ويفعلون ونحوهما والتاء هنا بين ساكنين في بناء لا يتحرك واحد منهما فيه في اسم ولا فعل يريد بفعل رد ويفعلون يريدون وأنه لما تحركت الدال الثانية أدغموا؛ لأنه لا بد في الإدغام من تحريك الثاني ليريد أنه لا يدغم في باب استفعل الثاء في الحرف الذي بعده لسكونه.
وقوله: والتاء هنا بين ساكنين يريد استفعل قبلها ساكن، وهو السين، وبعدها ساكن، وهو فاء الفعل.
وقد مضى الكلام في ذلك قال: ودعاهم سكون الآخر في المثلين أن بين أهل الحجاز في الجزم فقالوا: اردد ولا تردد وهي اللغة القديمة الجيدة يريد أن ينع مع سكون الثاني في الإدغام أن أهل الحجاز يبينون في المجزوم في الحرفين المثلين، وإن كان سكون الثاني في الجزم ليس بلازم كما يلزم السكون فاء استفعل؛ لأن المجزوم يجوز أن يبطل جزمه ويرفع وينصب ويدركه التثنية والجمع والنون الخفيفة والألف واللام وألف الوصل؛ فيحول لهن.
وقد مضى الكلام في المضاعف وما بين أهل الحجاز وبين تميم من الاختلاف، وذكر اردد في الجزم لأن حكمه كحكمه في اللفظ وبنو تميم يدغمون فيقولون رد ولا ترد ولا يجعلونه كرددت لأن رد ولا ترد يدركها التثنية والجمع والنون الخفيفة والثقيلة والألف واللام في قولك: اردد الرجل ولا تردد الغلام وألف الوصل في قولك: اردد ابنك ولا تردد ابنتك، ورددت لا يدركه من ذلك شيء.
قال: فإذا كان هذا في المثلين لم يكن في المتقاربين إلا البيان نحو وتدته فلهذا الذي ذكرت لم يكن في استفعل إلا البيان يريد أن الحرفين المثلين إذا كانا لا يدغمان في رددت ورددن في كلام العرب وفي اردد ولا تردد على لغة
أهل الحجاز لسكون الثاني؛ فالمتقاربان أولى أن لا يدغم إذا سكن الثاني.
قال: ولا تدغمها في استدار واستطال واستضاء كراهة تحريك هذه السين ولا تقع إلا ساكنة، ولا يعلم لها موضع تحرك فيه ومع ذا إن بعدها حرفا أصله السكون تحرك لعلة أدركته فكانوا خلقاء أن لو لم يكن إلا هذا أن لا يحملوا على الحرف في أصله أكثر من هذا فقد اجتمع فيه الأمران يريد أن التاء في استدان واستطال لا تدغم في الدال والطاء، وإن كانتا متحركتين لأنه كان يمنع من إدغامها في الطاء في استطعم لسكون الطاء؛ فكان قائلا قال: الطاء في استطال قد تحركت فهلا أدغمت التاء في الطاء؟ فتقول له: لو أدغمت التاء في الطاء لألقيت حركتها على السين، وهذه السين لم تكن قط إلا ساكنة وقوي ذلك بأن قال: والحرف الذي بعده في نية سكون يعني الطاء المتحركة في استطال
[ ٥ / ٤٤٧ ]
بعد التاء في نية سكون.
وقوله: فكانوا خلقاء أن لو لم يكن إلا هذا يعني إلا هذا الإعلال أن لا يزيدوا فيه إدغاما وتغييرا لأنه إجحاف.
قال: وأما اختصموا، واقتتلوا فليستا كذلك؛ لأنهما حرفان وقعا متحركين والتحرك أصلهما، كما أن الأصل في ممد تحرك الدال.
وقد مضى الكلام في اختصموا وممدد وأشباه ذلك مستقصى. قال، وقالوا: وتد يتد ووطد يطد كراهية أن يلتبس بباب مددت يريد أنهم لو أدغموا التاء والطاء في الدال وجب أن يقال: ود يد فكان يلتبس عض يعض، ورد يرد ويلتبس برد من رددت ومع هذا لو قالوا: يد لجمعوا عليه ذهاب الواو التي هي فاء الفعل والإدغام الذي فيه الالتباس وذلك إجحاف ولم يوجد مثله فيما كان فيه الحرفان من جنس واحد إذا كان فاء الفعل واوا ولم يجئ مثل وددت إذ قال: ولم يكونوا ليظهروا الواو فيكون فيها كسرة وقبلها ياء وقد حذفوها، والكسرة بعدها يريد: لو أظهر الواو في يتد ويطد، وأدغموا الطاء والتاء في الدال لوجب أن يقولوا: يود بكسر الواو لأن الأصل في يتد يؤتد ويوطد فتلقى كسرة التاء والطاء على الواو؛ لأنه من باب وعد يعد ووزن يزن والأصل فيهما يوزن ويوعد.
قال: ومن ثم عز في الكلام مثل رددت وموضع الفاء واو وليس في الكلام فعل فاء الفعل منه واو وعينه ولامه من جنس واحد؛ لأنه يلزمه إسقاط الواو في المستقبل نحو:
وزن يزن وإدغام العين في اللام نحو: فر يفر وعض يعض فيلحقه إجحاف بإسقاط الواو مع الإدغام فقال: عز على معنى امتنع وجوده.
قال: وأما اصبروا وظلموا ويخصمون وومضجع وأشباه ذلك؛ فقد علموا أن هذا البناء لا تضاعف فيه الصاد
والضاد والطاء والدال فهذه الأشياء ليس فيها التباس وإن كان أصله اصطبر واظطلم ويختصمون ومضطجع؛ فلا يتوهم أن الضاد المشددة صارت في الأصل؛ لأنه ليس في الكلام بناء على حرف مشدد بعد ألف وصل وهما من جنس واحد في الأصل كما يتوهم في وتد ووطد إذا دغمنا فقلنا: ود لأنه ليس يلتبس بود من وددت وبمد وما أشبه ذلك.
قال: وقالوا: محتد؛ فلم يدغموا لأنه يكون في موضع التاء دال يريد أنهم لو أدغموا في محتد فقالوا: محد فيشبه مفرد ومحد مما عينه ولامه من جنس واحد قولهم: يطوعون في يتطوعون ويذكرون في يتذكرون ويسمعون في يتسمعون والإدغام في هذا أحسن وأقوى إذا كان يكون في المنفصلين والبيان عربي؛ لأنهما متحركان كما حسن ذلك في يختصون،
[ ٥ / ٤٤٨ ]
وتصديق الإدغام قوله: يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ويذكّرون.
قال: أبو سعيد﵀-: اعلم أن تفعل وتفاعل يتفاعل إذا كان فاء الفعل منه حرفا تدغم في التاء جاز إدغامه وإظهاره والحروف التي تدغم فيها التاء اثنا عشر حرفا:
التاء نفسها، والطاء والدال، والظاء، والذال، والثاء، والصاد، والزاي، والسين، والضاد، والشين، والجيم؛ فإذا كان شيء من هذه الحروف بعد التاء، وكان الفعل مستقبلا، وآثرت الإدغام أدغمت التاء فيما بعده وقلبته إليه كقولك: في يتسمع ويتطير ويتشرب ويجبر يسمع ويذكر ويطير كما قال الله ﷿ يَذْكُرُونَ * ويَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ وفي يتفاعل نحو: يتطارق ويتدارك ويتساقط، وما أشبه ذلك يطارق ويدّارك ويسّاقط.
وإذا كان في الماضي وآثروا إدغامه احتاجوا إلى تسكين التاء وإدغامه، وإذا سكنوا التاء لم يكن بد من ألف الوصل، وذلك قولك في تطوع اطّوّع وفي تزينت ازّينت وفي تدارأ القوم ادّارأ القوم وفي تثاقل اثاقل.
وقال الله ﷿: فَادَّارَأْتُمْ فِيها. وقال: اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ، وكذلك يجوز الإدغام في مصدر هذين الفعلين إذا كان التاء أحد الحروف التي تدغم التاء فيها كقولك:
اطوع اطوعا وازين ازينا وادارأتم ادارأوا وأثاقلا والأصل تطوع وتزين وتدارأ وتثاقل.
فلما أدغم وصار بألف الوصل صار على اطوع وازين وادارأ واثاقل، والإدغام فيما كان من مخرج التاء أقوى، وأما قول سيبويه؛ فإن وقع حرف مع ما هو من مخرجه مبتدأ أدغموا وألحقوا الألف الخفيفة يريد الفعل الماضي؛ لأن التاء في الفعل الماضي مبتدأ ليس قبله شيء.
وقوله: أدغموا يعني أرادوا الإدغام؛ لأن الإدغام غير لازم والألف الخفيفة يريد بها ألف الوصل، قال: ودعاهم إلى
إلحاق الألف ما دعاهم إلى إسقاطها حين قالوا: خطف فحركوا الخاء يريد أنهم لما سكنوا التاء مبتدأ احتاجوا إلى ألف الوصل فيما ليس ألف الوصل كما أنهم لما حركوا الحرف الساكن فيما فيه ألف الوصل وهو اختطف أسقطوا لأن الحاجة إلى ألف الوصل إنما هي لسكون الحرف المبتدأ، ويستغنى عنها بتحريكه.
قال: فإن التقت التاءان في تفعيل نحو: تتكلمون؛ فأنت بالخيار إن شئت أثبت وإن شئت حذفت وتصديق ذلك تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ وتَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ فإن شئت حذفت الثانية كما قال تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ.
[ ٥ / ٤٤٩ ]
قال أبو سعيد﵀-: اعلم أن ما كان على تفاعل أو تفعل فلحقته تاء أخرى للمخاطب أو للمؤنثة جاز حذف إحداهما؛ فأما سيبويه والبصريون فيقولون:
المحذوفة الثانية، وذلك قولك: ما زيد لا تكلم في هذا ولا تغافل عنه وتقديره لا تتكلم فيه ولا تتغافل عنه وكذلك هند تكلم في هذا وزينب تغافل عنه.
قال الله ﷿: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها وتقديره: تتنزل وكذلك التقدير تتمنوا في كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ وكذلك لا تَوَلَّوْا عَنْهُ أصله: تتولوا عنه، وإنما حذفوا إحداهما استخفافا؛ لأن لفظهما واحد؛ فإن انضمت الأولى لم يجز حذف إحداهما، ولو قلت: تتحمل وتتنازع على ما لم يسم فاعله لم يجز حذف إحداهما لاختلاف الحركتين، ولأنه يقع لبس بين تتفعل وتفعل.
وقال بعض الكوفيين: التاء المحذوفة هي الأولى، وقال بعضهم: يجوز أن تكون المحذوفة هي الأولى ويجوز أن تكون الثانية.
قال سيبويه محتجا: لأن المحذوفة هي الثانية قال: وإنما كانت الثانية أولى بالحذف؛ لأنها هي التي تسكن فتدغم في ازينت وادّارأتم، لأنها أسكنت وأدغمت وكذلك في تسمعون وتطير للمخاطب، والمؤنثة الغائبة تدغم التاء الثانية، وتسلم الأولى؛ فلما كان الاعتلال يلحقها دون الأولى كان الحذف لها دون الأولى؛ لأن الحذف كالاعتلال.
قال: وهذه التاء لا تعتل في الذال إذا حذفت الهمزة، ولا تدغم لأنه يفسد الحرف ويلتبس لو حذفت واحدة منهما يريد أن الذال إذا خففوا همزتها فألقوا حركتها على الدال فصار تدل لم يجز إدغام التاء في الدال، ولا إدغام الدال في التاء في تدع وهما من مخرج واحد ولو فعلوا ذلك فسد لزوال لفظ الاستقبال.
قال: ولا يسكنون هذه التاء في تتكلمون ونحوها ويلحقون الألف الخفيفة لأن ألف الوصل إنما لحقت واختص بها ما كان في معنى فعل وافعل في الأمر؛ فأما الأفعال المضارعة لأسماء الفاعلين فأرادوا أن يخلصوها من باب فعل وافعل ولا يجوز حذف حرف جاء لمعنى المخاطبة، أو التأنيث ولم تكن لتحذف الدال من نفس الحرف فيفسد
الحرف وتخل به ولم يروا ذلك محتملا إذ كان الباين عربيا؛ فكذلك تركت التاء التي للخطاب والاستقبال وهي الأولى على حالها، ولم تغير وفي آخر هذا الباب من نسخة أبي بكر مبرمان.
قال: وأما الدكر فإنهم كانوا يقلبونها في مدكر وشبهه يقلبونها هاهنا وقلبها شاذ شبيه بالغلط.
[ ٥ / ٤٥٠ ]
قال أبو سعيد﵀- الدكر جمع ذكره ولا طريق لقلبها دالا إلا من وجه يبعد، وهو أنهم قد قلبوا الدال من مدكر وأصلها مذتكر وقد ذكرنا ذلك فيما مضى.