" فأما الذين يشبعون فيمطّطون وعلامتها واو وياء، وهذا تحكمه لك المشافهة، وذلك قولك: يضربها ومن مأمنك. وأما الذين لا يشبعون فيختلسون اختلاسا، وذلك يضربها ومن مأمنك. ومن ثم قرأ أبو عمرو (إلى بارئكم)، وبذلك على أنها متحركة قولهم: من مأمنك فيبيّنون النون، ولو كانت ساكنة لم تحقق النون ولا يكون هذا في النصب، لأن الفتح أخف عليهم كما لم يحذفوا الألف حيث حذفوا الياءات وزنة الحركة ثابتة كما تثبت في الهمزة حيث صارت بين بين ".
قال أبو سعيد: يريد أن ما كان مضموما أو مكسورا يجوز اختلاس الضمة والكسرة، واختلاسها إضعاف الصوت بها في سرعة، وعلى ذلك يحمل أصحابنا قراءة أبي عمرو (إلى بارئكم) أنها مختلسة وليست بساكنة وكذلك ما يروى عنه في قوله تعالى و(بارئكم) و(ينصركم) و(وما يشعركم) وما أشبه ذلك يحمل ذلك كله على الاختلاس، وبعض أصحابه يحكي عنه أنه يسكنها. والذي عنه سيبويه أنها مختلسة وأنها بزنتها متحركة، كما أن الهمزة المجعولة بين هي بزنتها محقّقة.
قال: " وقد يجوز أن يسكّنوا الحرف المرفوع والمجرور في الشعر شبهوا ذلك بكسرة فخذ حين حذفوا فقالوا: فخذ وبضمة عضد حين حذفوا فقالوا: عضد لأن الرفعة ضمة والجرة كسرة، وقال الشاعر " الفرزدق:
رحت وفي رجليك ما فيهما وقد بدا هنك من المئزر (١)
_________________
(١) انظر الخزانة ٢/ ٢٧٩، الأمالي الشجرية ٢/ ٣٧. ولم أجده في ديوان الفرزدق ويروى أنه للأقيشر الأسدي.
[ ٥ / ٧٤ ]
يريد: هنك، وأظن في شعره حرّك.
قال: " ومما أسكنوا في الشعر وهو بمنزلة الجّرة إلا أن من قال فخذ لم يسكّن ذلك، قال الراجز:
إذا اعوججن قلت صاحب قوّم بالدّوّ أمثال السّفين العوّم (١)
فسألنا من ينشد هذا البيت من العرب فزعم أنه يريد صاحبي، قد يسكّن بعضهم في الشعر ويشمّ، وذلك قول الشاعر:
فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل (٢)
وجعلت النقطة علامة الإشمام، ولم يجئ هذا في النصب، لأن الذين يقولون:
كبد وفخذ، " في كبد وفخذ، " لا يقولون في جمل جمل ".
قال أبو سعيد: اعلم أن الذي ذكر سيبويه من تسكين ما أجاز تسكينه في الشعر وقد أنكره المبرد وغيره ورووا: وقد بدا ذاك من المئزر، ورووا في مكان صاحب قوّم:
صاح قوّم. ومكان فاليوم أشرب غير مستحقب: فاليوم أسقى، ومنهم من يروي: فاليوم فاشرب. والذي قاله سيبويه عندي صحيح وذلك أن الذين أنكروا هذا إنما أنكروه من أجل ذهاب الإعراب ولا خلاف بينهم أن الإعراب قد يزول بالإدغام، والقراء على إدغام النون في قوله ﷿: ما لَكَ لا تَأْمَنَّا (٣) والأصل لا تأمننّا، فذهبت الضمة التي هي علامة الرفع، وقوّي قوله مع القياس الذي ذكرت لك الرواية.