اعلم أن الفعل الثلاثي إذا كان ثانيه ياء أو واوا، وكان الحرف الأخير من غير حروف المد واللين وجب أن تقلب ثانية ألفا، وذلك لتحركه وانفتاح ما قبله كقولك قال وباع وهاب وخاف والأصل قول وبيع وهيب وخوف، وإنما قلبت الواو ياء ألفا لاستثقال الحركات عليهما وكثرة هذه الأحرف في كلامهم، ولأن هذه الأفعال لو سلمت
[ ٥ / ٢٢٨ ]
في الماضي للزمها في المستقبل ما يثقلها وذلك أنهم لو قالوا قول وبيع، لأنهم قد جعلوا قول بمنزلة الصحيح مثل قتل فينبغي أن يكون المستقبل بمنزلة يقتل فيقال يقول ويبيع فلو قالوا يقول ويبيع لانضمت الواو وانكسرت الياء، فثقل ذلك عليهم لاجتماع أشياء منها أن الفعل ثقبل ومنها أن هذه الأفعال كثيرة في كلامهم والشيء الكثير الدور في الكلام يتضاعف ما فيه من الفعل لتكرره في الكلام ومنها إن ضم الواو ثقيل لثقله يجوز إبدال الهمزة من الواو المضمومة لغير إعراب كقولهم في وجوه أجوه وفي دور أدور فلما كان ذلك ثقيلا أسكنوها في المستقبل وألقوا حركتها على ما قبلها فقالوا في يقول يقول وفي يبيع يبيع وقلبوها في الماضي ألفا وذلك أن ما قبلها مفتوح فلم يلقوا حركتها لتحرك ما قبلها ولكن سكنوها فقلبوها ألفا ليكون قلبهم إياها ألفا دلالة على أنها قد كانت متحركة، لأنهم لو تركوها ساكنة لأشبهت بيع وقول وهما مصدران فجعلوا قلبها ألفا دلالة على ما ذكرناه واعلم أن الماضي من هذا النوع على ثلاثة أوزان أما فعل وأما فعل وأما فعل وينقلب الثاني من هذه الأوزان كلها ألفا حتى يصرن في اللفظ على صورة واحدة فأما فعل نحو قال وباع وأصله قول وبيع وأما فعل فنحو خاف وهاب والأصل خوف وهيب وأما فعل فنحو طال وجاد إذا كان طويلا وجوادا والأصل طول وجود وصورة قال وباع وهاب وخاف وطال واحدة وإنما تستدل على كل وزن من هذه الأوزان بشيء غير صفته إن كانت صفته تشاكل صيغة الوزن الآخر فأما قال وباع فإنما حكم على أنهما فعل لأن مستقبل قال يقول وهو يفعل ومستقبل باع يبيع
وهو يفعل وإذا كان المستقبل على يفعل ويفعل فالباب في الماضي أن يكون على فعل متى كان الفعل متعديا، وكان اسم الفاعل منه على فاعل دون فعيل أو غيره من الأبنية كقولك يضرب ويشتم ويفرض ويقبل ويحسب ويرحم وفاعله على وزن فاعل كقولك ضارب وشاتم وقاتل وراحم وهو متعدّ، لأنك تقول يضربه ويرجمه ويقبله وماضي هذه الأفعال كقولك ضرب وشتم ورجم فلما كان يقول ويبيع على يفعل ويفعل مثل يضرب ويقبل ووزن الفاعل منه بايع وقائل كضارب وقاتل وكان متعديا كتعدي يضرب ويقتل لأنك تقول بعته وقلته حكموا على أن الماضي منه على وزن فعل كما كان الماضي من يضرب ويقبل على ضرب وقبل فهذا هو الباب الذي يعمل القياس عليه وقد يجيء ما يخالف هذا شاذ غير متخذ أصلا وسنقف عليه إن شاء الله وإما خاف وهاب فإنما حكم عليهما أنهما على
[ ٥ / ٢٢٩ ]
فعل من أجل أن المستقبل على يفعل كقولك يهاب ويخاف والأصل يهيب ويخوف وإذا كان المستقبل على يفعل ولم يكن عليه عين الفعل ولامه من حروف الحلق فحكم الماضي أن يكون على فعل كقولك عمل يعمل وفرق يفرق، فأما طال وجاد فإنما حكم عليه أنه فعل دون فعل لأنه يقال طال فهو طويل ولا يقال طائل كما يقال قال وقام فهو قائل وقائم فصار طال بمنزلة ظرف وطويل بمنزلة ظريف، وإذا قلت طال زيد عمرا على معنى غلبه في الطول فهذا هو فعل بمنزلة قام وقال وذلك من جهتين إحداهما أن يقال زيد طائل عمرا بمعنى غالب له في الطول والجهة الأخرى أنه متعد إلى عمر، وفعل لا يكون متعديا ليس في الكلام مثل ظرف يتعدى إلى مفعول قال الشاعر في تعديه:
إن الفرزدق صخرة عادية طالت فلا تستطيعها الأوعال (١)
أراد طالت الأوعال وغلبتها فلا تستطيعها الأوعال وإذا جعلت ما كان على فعل لنفسك أو لمخاطبيك من باب قال وباع فإنك تغير البناء، فجاعل ما كان من ذوات الواو على فعل وما كان من ذوات الياء على فعل وذلك قولك في قال وقام قلت وقمت وفي باع وسار بعت وسرت، وكان الأصل في قمت قومت فنقلوه إلى قومت ثم نقلوا ضمة الواو فألقوها على القاف وسكنوا الواو كما سكنوها في قام فلما سكنوها اجتمع ساكنان الميم والواو فسقطت لاجتماع الساكنين وكذلك أصل بعت بيعت على فعلت نقلوا كسرة الياء إلى الباء وسكنوا الباء كما سكنوها في باع ثم حذفوا الياء لاجتماع الساكنين فإن قال قائل وما الذي أحوج إلى هذا التغيير قيل له أرادوا الدلالة على ما كان من ذوات الواو وما كان من ذوات الياء فبنوا ذوات الواو على فعل وذوات الياء على فعل كما فرقوا بينهما في المستقبل فبنوا ذوات الواو على يفعل لا غير كقولهم يقوم ويقول، وفي ذوات الياء يبيع ويسير فإن قال وكيف صار فعل
المتكلم أولى بالتغيير من فعل الغائب وهلا فصلوا في فعل الغائب بين ذوات الياء والواو ولم نرهم فعلوا ذلك، لأنهم قالوا قام كما قالوا باع فلم يفصلوا قيل له أرادوا فصلا بين ذوات الواو والياء في الماضي كما فصل في المستقبل، وكان الفصل في فعل المتكلم والمخاطب في كل موضع تسقط فيه عين الفعل، لسكون لامه بسبب اتصال الضمير به أولى وألزم وذلك من قبل شيئين
_________________
(١) المخصص/ ٣٠٩، المحكم ٩/ ٢٣٥، لسان العرب ١١/ ٤١١
[ ٥ / ٢٣٠ ]
أحدهما أن فعل المتكلم تسقط عين الفعل منه، فلو تركوه على فعل لوجب أن يقال في قام وباع قمت وبعت فكانت تسقط وليس منها أثر باق ولا تعويض وإذا نقل إلى فعل وفعل فإنه ينقل حركة العين ألفا فإذا سقطت عين الفعل فحركتها المنقولة الفاء باقية وفعل الغائب عين الفعل منه غير ساقطة فلم يحتج إلى تعويض منها فهذا وجه، والوجه الثاني وهو أن فعل الغائب الماضي قد لزم فيه إن تجعل عين الفعل فيه تابعة للفاء، لأن الفاء مفتوحة والعين قد اعتلت فصارت تابعة لما قبلها فجعلت ألفا لأن ما قبلها مفتوح ألا ترى أنهم قالوا قام الآن والأصل أقوم وألين فألقوا حركة عين الفعل على الفاء ثم قلبوها ألفا لانفتاح ما قبلها فلما كان الفاء من الفعل في الثلاثي مفتوحا في فعل منه وفعل وفعل قلبوا العين ألفا لانفتاح الفاء فاستوت أبنية الثلاثي وصارت الألف فيها بمنزلة ما يسكن من عينات الفعل والفاءات باقية على حركتها وفتحها كقولك علم زيد وظرف زيد ومما يقوي الفرق بين فعل المتكلم والمخاطب وبين فعل الغائب أن فعل المتكلم يلحقه لا محالة التعيين بتسكين آخره وفعل الغائب لا يكون فيه ذلك فما كان التبيين لازما له أولى بتغييره.
قال سيبويه: " اعلم أن فعلت وفعلت وفعلت منهما معتلة كما تعتل ياء يرمي وواو يغزو وإنما كان هذا الاعتلال في الياء والواو لكثرة ما ذكرت لك من استعمالهم إياهما وكثرة دخولهما في الكلام وأنه ليس حرف يعري منهما ومن الألف أو من بعضهن " قوله: " فعلت وفعلت وفعلت منهما معتلة " يعني: يفعل قال وفعل طال وفعل خاف وهاب.
وقوله: " منهما يعني من الواو والياء " وقد بينا ذلك وقوله: " كما يعتل ياء يرمي وواو يغزو " يعني انقلبت الواو والياء في قال وباع ألفا فسكنت كما سكنت ياء يرمي وواو يغزو فلم يدخلهما إعراب واعتلالهما هو تسكينهما في موضع كان يستحق فيه الحركة.
وقوله: " لكثرة ما ذكرت لك من استعمالهم إياهما وكثرة دخولهما في الكلام " يعني: إنما اعتلت الواو والياء في
هذه المواضع التي ذكرها لكثرتها في كلامهم وهي في نفسها تستثقل تحريكها فلما اجتمع فيها الاستثقال لتحريكها وإنها كثيرة خففوها بالتسكين.
وقوله: " وإنه ليس حرف يعرى منهما ومن الألف أو من بعضهن " أراد أن يدل
[ ٥ / ٢٣١ ]
على كثرتها في الكلام ليس في الكلام كلمة إلا وفيها ياء أو واو أو ألف أو حركات هي مأخوذة من الياء والواو والألف، لأن الكسرة من الياء والضمة من الواو والفتحة من الألف والحركات بعض الحروف وقد مضى الكلام في نحو هذا.
قال: " فلما اعتلت هذه الأحرف جعلت الحركة التي في العين محمولة على الفاء وكرهوا أن يدعوا حركة الأصل حيث اعتلت العين كما أن يفعل من غزوت لا تكون حركة عينه إلا من الواو " يعني: أن يفعل من رميت لا تكون حركة عينه إلا من الياء حيث اعتلت كما أن يفعل من غزوت لا يكون متحركة عينه إلا من الواو.
وقوله: " فلما اعتلت هذه الأحرف جعلت الحركة التي في العين محمولة على الفاء " يعني: أنهم بنوا من قال فعل ومن باع فعل ثم قالوا قلت بعت ثم ألقوا ضمة العين على الفاء في قلت وكسرتها على الفاء في بعت وكرهوا أن يدعوا فتحة فاء الفعل ولا يلقوا عليها حركة العين لأنهم أرادوا الدلالة على ذوات الواو والياء بإلقاء الضمة والكسرة فألزموه ذلك كما ألزموا مستقبل غزا يفعل يغزو ومستقبل رمى يرمي يفعل، لأنها معتلة فألزموا كل واحد منهما من البناء ما يشاكل الحرف الذي هو فيه وفرقوا بين المعتل لأن المعتل أقل تصرفا لاستثقال الحركة عليه.
قال: " ألا ترى أن خفّت وهبّت فعلت فألقوا حركتها على الفاء واذهبوا حركة الفاء فجعلوا حركتها الحركة التي كانت في المعتل الذي بعدها " يعني: أن خفت وهبت أصله فعلت وقد ألقوا حركة العين على الفاء في فعل المتكلم ولم يفعلوا ذلك في فعل الغائب لما ذكرناه وجعل ذلك حجة لقلت وبعت في إلقاء حركة العين على فاء الفعل وإن كان خفت وهبت في الأصل على فعلت وقلت وبعت الأصل فيهما فعل ثم نقل إلى فعل وفعل.
قال: " وإنما حولت إلى فعلت ليغيروا حركة الفاء عن حالها لو لم تعتل فلو لم يحولوها وجعلوها تعتل من قولت لكانت الفاء إذا هي التي عليها حركة العين غير متغيرة عن حالها لو لم تعتل فلذلك حولوها إلى فعلت " قال أبو سعيد ﵀: احتج لتحويل بناء قلت من فعلت إلى فعلت وأنهم لو لم يحولوها إلى فعلت لبقيت فاء الفعل مفتوحة على حالها فلم يكن متبين الفصل بين ذوات الياء والواو وقد استقصينا الكلام في هذا.
[ ٥ / ٢٣٢ ]
قال: " ويدلك على أن أصله فعلت أنه ليس في الكلام فعلته " يعني: أن الدليل على أن أصل قلت فعلت إنما رأيناه متعديا كقولك قلته وجزته ورمته وما أشبه ذلك وليس في الكلام فعل متعديا.
قال: " ونظيره في الاعتلال من محول إليه يعد ويزن " وقد تبين ذلك يعني: أن يعد ويزن وبابهما يجئ على يعل وماضيه على فعل وقد كان حكم الماضي إذا كان على فعل أن يكون مستقبله على يفعل ويفعل فألزم باب يعد يفعل وقصر عليه وحول إليه من يفعل كما حول باب رمى من ذوات الياء إلى يفعل وإنما فعل بباب بعد هذا التحويل لتقع الواو بين ياء وكسرة فتسقط.
قال: " وليس في بنات الياء فعلت وذلك لأن الياء أخف عليهم من الواو وأكثر تحويلا للواو من الواو لها وكرهوا أن ينقلوا الخفيف إلى ما يستثقلون ودخلت فعلت على بنات الواو كما دخلت في باب غزوت في قوله شقيت وغبيت لأنها نقلت من الأثقل إلى الأخف " يعني: أنه ليس فيما عينه ياء ولا ما لامه ياء فعلت أما ما عينه ياء فنحو باع وهاب، لأنه من البيع والهيبة وأما ما لامه ياء فنحو رمي وقضى لا يجوز أن يكون في هذين البابين فعل لأنه لو كان فعل لكان مستقبله يفعل ولو جعل كذلك لقيل في باع وبابه باع يبوع وهاب يهوب وقيل في باب رمى يرمو ونقل الياء إلى الواو ثقيل، لأن الواو أثقل من الياء لم يبنوا من الياء بناء يخرجهم إلى ما يستثقلون وقد يجيء في باب التعجب من ذوات الياء كقولهم لقضو الرجل وإنما جاز ذلك لأن فعل قد صار بمعنى التعجب ولا يأتي منه مستقبل وهو قليل في كلامهم وقد جاء في ذوات الواو فعل مما عينه واو كقولهم خاف وقد قلنا أن أصله خوف، وما لامه واو كقولهم غبي وشقي وهو من الغباوة والشقوة، لأن قلب الواو ياء خروج من ثقيل إلى خفيف.
قال: " وقالوا وجد يجد فلم يقولوا في يفعل يوجد وهو القياس ليعلموا أن أصله يجد " يعني: أن يجد لو كان أصله يفعل لوجب أن يقال يوجد ولم يكن تسقط الواو وإنما تسقط في يعد ويزن لوقوعها بين ياء وكسرة فأصل يجد على الباب قال الشاعر في يجد:
لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة يدع الصّوادي لا يجدن غليلا (١)
_________________
(١) قائل البيت جرير انظر الديوان ١/ ٤٨٣، انظر تاج العروس ٢٢/ ٢٨٣، العين ١/ ١٧٢.
[ ٥ / ٢٣٣ ]
قال: " وقال بعضهم طلته مثل قلته وهو فعلت منقول إلى فعلت ".
وقد بينا أن طلته هذا المتعدي بمعنى طاولني فطلته أي غلبته في الطول وقد ذكرنا.
طالت فلا يستطيعها الأوعال
قال: " وإذا قلت يفعل من قلت. قلت يقول لأنه إذا قال فعل فقد لزمه يفعل وإذا قلت يفعل من بعت قلت يبيع ألزموه يفعل حيث كان محولا إلى فعلت من فعلت ليجري مجرى ما حول إلى فعلت وصار يفعل لهذا لازما إذ كان في كلامهم فعل يفعل في غير المعتل فكما وافقه في تغيير الفاء كذلك وافقه في يفعل ".
يعني: إن قلت لما نقلنا فعلت منه إلى فعلت لزم في المستقبل منه يفعل، لأنه متى كان الماضي منه على فعل والمستقبل منه يفعل، ثم ألزموا ذوات الياء منه يفعل فقالوا يبيع فكأن قائلا قال لسيبويه كيف جعلت بعت فعلت وفعل يفعل قليل في الكلام.
فقال سيبويه: المعتل يحتمل من الأبنية أكثر من الصحيح، وقد رأينا في الأبنية فعل يفعل في غير المعتل كقولك حسب يحسب فلما كان هذا جائزا في غير المعتل كان في المعتل لازما وقوي ذلك أن نظيره من ذوات الواو وهو قلت وبابه قد لزم فيه فعلت افعل وكذلك الزم ذوات الياء فعلت افعل وأما يفعل من خفت وهبت فإنه يخاف ويهاب، لأن فعل يلزمه يفعل وإنما خالفنا يبيع ويزيد لأنهما لم تعتلا محولتين وإنما اعتلتا من بناء ما الذي هو لهما في الأصل فكما اعتلتا في فعلت من البناء الذي هو لهما كذلك اعتلت في يفعل منه ".
يعني: أن يخاف ويهاب ماضيهما فعل في الأصل ولم يكن مثل بعت وزدت لأن بعت كان فعلت فحول إلى فعلت وليس كذلك خفت.
قال: " وإذا قلت فعل في هذه الأشياء كسرت الفاء وحولت عليها حركة العين كما فعلت ذلك في فعلت وفعلت لتغيير حركة الأصل لو لم تعتل كما كسرت الفاء حيث كانت العين منكسرة وأصلها الفتح كذلك تكسر الفاء وأصلها الضم حيث كانت العين منكسرة للاعتلال وذلك قولك خيف وبيع وهيب ".
وقيل يعني أن ما لم يتم فاعله مما عينه واو وياء يبنى على فعل مثل ضرب ثم يلقي كسرة العين على الفاء ويسكن العين فإن كانت واوا انقلبت ياء بسكونها وانكسار ما قبلها كقولك " قيل " أصله " قول " ألقيت كسرة الواو على القاف فانكسرت القاف وسكنت الواو فقلبناها ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
[ ٥ / ٢٣٤ ]
قال وإنما ألقيت كسرة العين على الفاء فيما لم يسم فاعله كما ألقيت ضمة العين وكسرتها على الفاء في قلت وبعت فإن قال قائل كيف صار ما سمي فاعله تسكن عينه ولا تلقي حركتها على الفاء بل تقلب ألفا لأنفتاح الفاء ولا يكون ما لم يسم فاعله تابعا للفاء.
قيل له اتبعوا في كل واحد منهما ما يليق بمذاهب العرب من إيثار التخفيف وذلك أن اتباع العين الفاء فيما سمي فاعله، لأن الفاء مفتوحة وإذا اتبعوها العين صيروها ألفا والألف أخف الحروف ولو ألقوا على الفاء حركة العين
لصارت الفاء مرة مكسورة ومرة مضمومة لأن في الفعل ما هو على فعل وفعل نحو طال وخاف فكانت تضم العين مع الضمة واوا ومع الكسرة ياء والألف أخف منهما وأما ما لم يسم فاعله فإلقاء حركة العين أخف من اتباع العين الفاء وذلك أن الفاء مضمومة والعين مكسورة فإذا ألقينا حركة العين على الفاء انكسرت الفاء وانقلبت العين ياء إن كانت واوا فتصير الفاء مكسورة والعين ياء إذا جعلنا العين تابعة للفاء صيرناها واوا وإن كانت ياء في الأصل فقلنا بوع ورود وما أشبه ذلك فالكسرة والياء أخف من الضمة والواو.
قال: " ومن العرب من يشمّ الضم فيما لم يسم فاعله حرصا على البيان لعلامة ما لم يسم فاعله إن كانت علامته ضم أوله فيقول خيف وبيع ومنهم من يحمل ما لم يسم فاعله على ما سمي فاعله فيتبع عين الفعل فإذن كما فعل ذلك بما سمي فاعله فيقول " بوع وقول " كما يقول " باع وقال " وليس ذلك بالكثير في كلامهم ".
قال: " فإذا قلت فعل صارت العين تابعة وذلك قولك " باع وخاف وهاب " ولو لم يجعله تابعا للفاء فيجعل العين ألفا لالتبس ما سمي فاعله بما لم يسم فاعله؛ لأنا نقول فيما لم يسم فاعله خيف وهيب على ما ذكرنا من إلقاء حركة العين على الفاء وكان يكون خيف وهيب فيما سمي فاعله أيضا وذلك أن أصل خاف خوف وهاب هيب فكنا نلقي حركة الواو على الخاء فتصير الخاء مكسورة والواو ساكنة فتنقلب ياء فتصير حرفا فكرهوا أن يساوى ما سمي فاعله وما لم يسم فاعله فإن قال قائل فقد استوى ما سمي فاعله وما لم يسم فاعله في فعل المتكلم وذلك أن خاف يقول فيه المتكلم لنفسه خفت وخيف أيضا يقول فيه المتكلم لنفسه خفت قيل له فعل المتكلم قد تتغير فيه الأبنية الموضوعية في الأصل فلا يجعل أصلا يحتذى عليه ألا ترى أن " قال " و" باع " فعل فإذا قلت " قلت " و" بعت " صار فعلت وفعلت والأصل فعلت أو لا ترى أن فعل المتكلم تسكن لامه فيلحقه من التغيير ما ليس له في الأصل وهو أيضا أقل من فعل الغائب فإذا
[ ٥ / ٢٣٥ ]
حصل الفرق في فعل الغائب الذي هو كثير كان القليل كالنادر من الباب.
قال: " وحدثنا أبو الخطاب أن ناسا من العرب يقولون قد كيد زيد يفعل وما زيل يفعل ذاك يزيدون كاد وزال هؤلاء ناس من العرب يلقون حركة العين على الفاء فيما سمي فاعله كما يفعلون فيما لم يسم فاعله وذلك أن أصل " كاد وزال " " كيد وزيل " فألقوا كسرة الياء على الكاف والزاي فقالوا كيد وزيل كما فعلوا بما لم يسم فاعله حيث قالوا بيع فقال الشاعر ويروي لأبي خراش:
وكيد ضباع القفّ يأكلن جثّتي وكيد خراش يوم ذالك ييتم (١)
قال: " فإذا قلت فعلت أو فعلن أو فعلنا من هذه الأشياء ففيها لغات أما من قال قد بيع وزين وهيب وخيف فإنه يقول
قد خفنا وبعنا وخفن وهبن وزنت وبعت وهبت يدع الكسرة على حالها وذلك أن من لغته بيع وخيف فإذا اتصلت بها تاء المتكلم أو نون جمع المؤنث سكن ما قبل التاء والنون والياء ساكنة فاجتمع ساكنان فحذفت الياء وبقيت الفاء مكسورة على حالها وكذلك من ضم وكذلك من ضم بإشمام نحو هاب وخاف، فإذا قالوا لست لم يغيروا حركته وقياس نظائره أن يقال لست بكسر اللام كما يقال خفت وهبت، لأنهم جعلوا هذه الياء ساكنة ولم يقلبوها ألفا فتكون في نية حركة، فلما سكنوها من غير قلب صارت بمنزلة حرف السكون فيه أصل فإذا اتصلت التاء بها أو نون الجماعة فسكنت السين حذفوا الياء لاجتماع الساكنين، وبقوا اللام على فتحها وصار بمنزلة ظلت على لغة من فتح وذلك؛ لأن الأصل فيه ظل اللام الأولى ساكنة ثم سكنت الثانية باتصال التاء بها فاجتمعت اللامان ساكنتين فحذفوا الأولى وابقوا الطاء على فتحتها ولم يكن سبيلها سبيل هبت، لأن هاب الألف منه في نية حركة فألقيت تلك الحركة التي كانت في الألف منه في نية حركة فألقيت تلك الحركة التي كانت في الألف على الهاء.
ومعنى قوله " وإنما فعلوا ذلك بها حيث لم يكن في يفعل وفيما مضى من الفعل " والمعنى يؤول إلى شيء واحد يريد لزم السكون ياء ليس ولم يغيروا فتحة اللام منها في لست، لأنها ليس لها مستقبل وماض كما لسائر الأفعال التي تعتل من نحو هبت، لأنك تقول خفت أخاف وهبت أهاب ولم يكن لها اسم فاعل نحو لا يائس كما يقال هائب
_________________
(١) انظر تاج العروس ٩/ ١١٧، لسان العرب ٣/ ٣٨٣، المحكم ٧/ ١٠٥.
[ ٥ / ٢٣٦ ]
ولا له مصدر كما لهاب وخاف قال: " ولا يكون له اشتقاق لأنه لا يعرف من أي شيء اشتق كما يعرف أن هاب مشتق من الهيبة.
قال: " فلما لم تصرف تصرف أخواتها جعلت بمنزلة ما ليس من الفعل نحو ليت لأنها صارعتها ففعل بها ما فعل بما هو بمنزلة الفعل وليس منه " يعني: أن ليس لما نقصت عن سائر الأفعال بنقصان تصرفها شبهت بالحروف التي لا تنصرف وهي ليت ونحوها.
قال: " وأما قولهم عور يعور وحول يحول وصيد يصيد فإنما جاؤوا بهن على الأصل لأنه في معنى ما لا بد له أن يخرج على الأصل نحو اعوررت واخوللت وابيضضت واسوددت فلما كن في معنى ما لا بد من أن يخرج على الأصل لسكون ما قبله تحركن، فلو لم يكن في هذا المعنى اعتلت ولكنها بنيت على الأصل إذا كان الأمر فيهن على هذا " قال أبو سعيد ﵀: اعلم أن " عور " فعل وكذلك " حول " و" صيد " وقد بينا أن فعل إذا كانت عين الفعل منه واوا وياء أنها تنقلب ألفا نحو " خاف " و" هاب " والأصل فيه " خوف " و" هيب " ولكن عرض في " حول " و"
عور " و" صيد " ما منعه من الاعتلال وذلك أن أفعل لا تعتل نحو أبيض وأسود والواو والياء فيها بمنزلة الحروف الصحيحة كقولك أحمر وأشهب وإنما لم يعتل أسود وأبيض من قبل أنا لو أعللناهما لأدى إلى ضرب من الإجحاف، لأن الياء والواو متى أعللناهما سكناهما فألقينا حركتهما على ما قبلهما إن كان ما قبلهما ساكنا كما قلنا في أقام وأجاز والأصل أقوم وأجوز ألقينا حركة الواو على القاف والجيم وقلبناها ألفا وكذلك يعمل بأسود وأبيض لو أعللناهما فإذا سكنا الواو والياء وألقينا حركتها على ما قبلها تحرك ما قبلها وهو فاء الفعل، فسقطت ألف الوصل فيصير ساد وباض فيجتمع ما كان الألف وإحدى الدالين وإحدى الضادين فتسقط لاجتماع الساكنين فيصير سد وبض. فإن قال قائل إذا صار ساد وباض لم يحتج إلى سقط الألف، لأنه يصير بمنزلة راد وصال. قيل له يجتمع في ساد وباض ثلاثة تغييرات وليس ذلك بمنزلة في راد وصال من قبل أن الأصل فعلل يفعلل فعللة نحو دحرج دحرجة فلو كانت الهمزة أصلية كانت تكون فاء للفعل وتكون بمنزلة اللام من " دحرج " والسين من " سرهف " فعدم مثل هذا في كلام العرب مع ترك العرب لصرف أفكل إذا سمي به رجل مع زيادة نظائره بالاشتقاق نحو أشهب وأبلق كلها دلائل على زيادتها.
[ ٥ / ٢٣٧ ]
قال سيبويه: " فإن لم تقل ذلك دخل عليك أن تزعم أن ألحقت بمنزلة دحرجت فإن قيل تذهب الألف في يفعل فهذه أجدر أن تذهب إن كانت زائدة وصار المصدر كالزلزال ولم يجدوا فيه كالزلزلة للحذف الذي في يفعل فأرادوا أن يعوضوا حرفا يكون في نفسه بمنزلة الذي قد ذهب فإذا صير إلى هذا فقد صير إلى ما لم يقله أحد ".
قوله " فإن لم تقل ذلك " يعني: فإن لم تقل أن الهمزة في أفكل زائدة وأنها تخالف الحروف الأصلية التي تكون في أوائل الأسماء والأفعال لزمك أن تجعلها في ألحقت بمنزلة الدال من دحرجت، وإذا جعلتها كذلك وجب أن تجري مجرى دحرجت كما جرى حوقل وبيطر مجرى دحرج، ولو جرى ما في أوله الهمزة مجرى دحرج لوجب أن يقال ألحق ألحقة وأكرم أكرمة كما قلت حوقل حوقلة فلما لم يقل ألحق ألحقة علمنا أنه ليس بمنزلة دحرج.
وقوله: " فإن قيل تذهب الألف في يفعل فلا يجعلها بمنزلة أفكل " يعني: أن فرق مفرق بين الهمزة في أفكل والهمزة في ألحق فقال الهمزة في ألحق تسقط في المستقبل إذا قلت يلحق ولا تسقط من أفكل بحال فعلمنا أن الهمزة من الحق ليست بمنزلة الدال لسقوطها في المستقبل وليست في أفكل كذلك لأنها تسقط.
فأبطل سيبويه هذا الجواب بأن قال: " قيل ذهبت الهمزة كما ذهبت واو وعد في يفعل " يعني: أن سقوط الهمزة في المستقبل ليس بدلالة على أن الهمزة في ألحق لم تجر مجرى الدال في زيد لأنا قد رأينا الواو من وعد بمنزلة الضاد من ضرب، لأنها فاء الفعل ومع ذلك فإن الواو تسقط في يعد على أن الهمزة في يلحق أولى بالسقوط وأجدر أن
تذهب لأنها زائدة.
ثم قال: " وصار المصدر كالزلزال ولم يجدوا فيه كالزلزلة للحذف الذي في يفعل فأرادوا أن يعوضوا حرفا يكون في نفسه بمنزلة الذي ذهب ".
كأن هذا القائل الذي طالبه سيبويه بأن يجعل ألحق بمنزلة دحرج احتج للفصل بين ألحق ودحرج بأن قال أن مصدر دحرج دحرجة وهي فعللة وفيها فعلال نحو زلزل زلزالا وسرهف سرهافا ومصدر ألحق إلحاق جعل بمنزلة سرهاف وزلزال ولم يأت في باب ألحق إلحقة مثل دحرجة وزلزلة لأنهم أحبوا أن يجيء المصدر على التمام بمنزلة سرهاف لتكون
[ ٥ / ٢٣٨ ]
هذه الألف التي قبل الكلمة عوضا من الهمزة التي تذهب في يتحقق وسائر مستقبل بابه فلما أبطل سيبويه على من فصل بين ألحق ودحرج إذا كان قول هذا القائل أن الهمزة في أفكل بمنزلة الجيم من جعفر لزم أن يقول أن ألحق بمنزلة دحرج.
وإذا قال: " أن ألحق بمنزلة دحرج " قال " لم يقله أحد " قال: وأما أولق فالألف من نفس الحرف يدلك على ذلك قولهم ألق فهو ما لوق وإنما أولق فوعل ولولا هذا الثبت لحمل على الأكثر " يعني: أن الهمزة في أولق أصلية ولم تجعل بمنزلة أفكل، لأن الاشتقاق قد دل على أن الهمزة أصلية وهو قولهم ألق وزنه فعل وفاء الفعل همزة والواو زائدة وأجود من هذا الاستدلال في فعلت وفعلت وفعلت ونفعل ويفعل.
يعني: أنهم لو لم يعلوا ما كان من هذه الأفعال التي عيناتها واوات أو ياءات لدخلت الضمة على الواو في يفعل وفعل فقلت تقول وقولت والكسرة على الياء فقلت تبيع وبيعت وما أشبه ذلك فكان الحذف والإسكان أخف عليهم من ذلك.