وذلك نحو ضيون وقولهم: قد علمت ذاك بنات الببة، وحيوة وتهلل ويوم أيوم للشديد؛ فأبنية كلام العرب صحيحها ومعتلها وما قيس من معتلها، ولم يجئ إلا نظيره من غيره على ما ذكرت لك أما ضيون فكان حقه أن يقال ضين؛ لأن الياء والواو إذا اجتمعتا والأول منهما ساكن قلبته الواو وياء، وأدغمت الياء في الياء كقولك طويت طيا وأصله طويا وكقولك في تصغير صعوة صعية، وأصله صعيوة ومعنى الضيون السنور.
ويجوز عندي أن تكون العرب قالت: ضيون؛ لأنه لا يعرف له اشتقاق ولا فعل يتصرف؛ فلو قالوا: ضين لم يعرف أهو من الياء أم الواو.
وقد علمت ذاك بنات الببة. معناه بنات أعقله، وهو من اللب، ومعناه قد علم ذاك العقلاء منهم، وكان حقه أ، يقال ألبه كما يقال أجله وأشد لأن أفعل تدغم عينه في لامه إذا كانا من جنس واحد.
وقال قوم: ألببه وهو جمع لب وبنات الألبب هي القلوب ومواضع العقول، وأما
[ ٥ / ٣٧٧ ]
تهلل فإن سيبويه ذكره على أنه تفعل، وأن الشذوذ فيه إظهار التضعيف وإحداهما عين الفعل والأخرى لام الفعل، ولا يكون مثل ذلك إلا مدغما كقولك: تمش وتعض والذي عندي أن تهلل فعلل مثل قردد؛ لأن التاء لا يحكم عليها في أصل الكلمة بالزيادة إلا بثبت ولو كانت اللام مدغمة لقضينا على التاء بالزيادة؛ لأنها لا تدغم إلا في تفعل والتاء في تفعل زائدة ولجاز أيضا أن تكون التاء أصلية، وتكون كميم معد ويقوي ذلك أنه قد جاء في الشعر تهل في معنى تهلل قال الراجز:
امض ودع عنك شعاب تهلا حتى تسوق الحي أرضا سهلا
أخذت أهلا وتركت أهلا
وذكر في أخبار طيء وانتقاله من اليمن إلى الجبلين أنه ظعن بمن معه، وخرجت مراد في آثارهم حتى خرجت طيء من ثنية في جبل يقال له تهلل إلى جنب ذات القصص، وهي قلعة جرش وكان طيء كاهنا فعال رئية.
امض ودع عنك شعاب تهلا.
في حديث يطول، وأما حيوة فكان القياس فيه أن يقال حية لاجتماع الواو والياء والأول منهما ساكن ويجوز أن يكونوا أظهروا الواو؛ لأنه لا يتصرف تصرفا لعلم به أن أصله واو.
قوله: فأبنية كلام العرب على ما ذكرت أي على ما قدمت ذكره صحيحها ومعتلها والمقيس على ذلك، ثم قال: واعلم أن الشيء قد يقل في كلامهم، وقد يتكلمون بمثله كراهية أن يكثر في كلامهم ما يستثقلون فما قل فعلل وفعلل وهم يقولون ردد الرجل يردد وقد يطرحونه وذلك نحو فعالل وفعلل كراهية كثرة ما يستثقلون في الكلام يريد أنه قل في الكلام فعلل الملحق من الثلاثي بجعفر مثل قردد وكذلك فعلل الملحق ببرثن نحو:
قعدد، وإن كانوا قد يستعملون كثيرا نحو: رد وردد من المضاعف وقد اطرحوا أصلا من كلامهم فعالل نحو: ضرابب وفعلل نحو: صربب، وذلك كله كراهية ما يستثقلون، وإن كانوا قد يستعملون مثله في الثقل أو أثقل منه؛ لأنه لا يستنكر أن يعدل الإنسان عند استثقال الشيء إلى ما هو أخف منه، وأن يصبر على ما يثقل عليه، ويستعمله.
وأراد سيبويه بما ذكره، وما يذكره في الباب تسهيل أمر الشاذ في أحرف لم يتجاوزها كما يستعملون ما يثقل في شيء ويلزمونه ويدعونه في شيء آخر استثقالا.
[ ٥ / ٣٧٨ ]
قال سيبويه: وقد يقل ما هو أخف مما يستعملون كراهية ذلك أيضا، وذلك نحو سبس وقلق ولم يكثر كثرة رددت في الثلاثة كراهية كثرة التضعيف في كلامهم؛ فكأن هذه الأشياء تعاقب يعني أن سلس وقلق لم يكثر وجميع ما كان فاء الفعل فيه ولامه من جنس واحد، وهو قليل في الكلام، وأثقل منه ما كان عين الفعل ولامه من جنس واحد نحو:
رددت وعضضت.
والحرفان من جنس واحد إذا اجتمعا كان أثقل من أن يكون بينهما حرف حاجز فقد قلّ اجتماع الأخف وكثر اجتماع الأثقل.
ومعنى قوله: فكان هذه الأشياء تعاقب يريد كأنهم عوضوا استعمال التثقيل في موضع استعمالهم إياه من تركهم له في مواضع تركه ثم وكد سيبويه بذلك.
فإن قال: وقد يطرحون الشيء وغيره أثقل منه في كلامهم كراهية ذلك وهو ويموت وحيوت، وتقول حييت وحيي تبل فتضاعف، وتقول: احووي فهذا أثقل، وإن كانوا يكرهون المعتلين بينهما حرف، والمعتلين وإن اختلفا يريد أن حيي واحووى أثقل من وعوت وحيوت؛ لأن في احووي واوين متواليين وهما من جنس واحد؛ فهي أثقل من الياء والواو في حيوت.
ثم قال: " فهذا أثقل يعني حييت واحووي، وإن كانوا يكرهون وعوت وحيوت، قال: ومما قل مما ذكرت لك نحو يدي وددا " يعني أنه قل ما فاؤه ولامه ياء بل ليس في الكلام الأحرف واحد، وهو يد وأصله يدي ويديته إذا ضربت يده فهو مبدي ويدي الرجل إذا اشتكى يده ويديت إليه يدا إذا أسديت إليه يدا، وأما فاؤه ولامه واوان فليس بموجود.
وأما ما فاؤه وعينه من جنس واحد فقليل منها ددا وددت ودد وذلك كله في معنى واحد، وهو اللهو ومثله في الكلام في أحرف منها بين وهو واد بقرب المدينة فيه ضياع وعمارة ومنها أول وهو أفعل فالواوان فاء الفعل وعليه وكوكب فالواو زائدة والكافان فاء الفعل والواو زائدة ومنها قولهم: الياس على بنان واحد وعين الفعل وفاؤه باءان وهما من جنس واحد ووزنه فعال والنون أصلية وقال: قور وزنه فعلان وذلك غلط لئلا يصير الفاء والعين واللام من جنس واحد وذلك غير موجود في شيء من الكلام.
قال: " وقد يدعون البناء من الشيء قد يتكلمون بمثله لما ذكرت لك وذلك
[ ٥ / ٣٧٩ ]
نحو رشاء لا يكسر على فعل ومن ثم تركوا من المعتل من جاء نظيره في غيره ".
وقد يجيء الاسم على ما قد طرح من الفعل، وقد بينا ذلك وما يجيء من المعتل على غير أصله، وما يجيء على أصله بعلله فهذه حال كلام العرب في الصحيح، والمعتل فعال يجمع على فعل في الصحيح كقولهم: حمار وحمر وخمار وخمر وحجاب وحجب، وكتاب وكتب، وفعال في المعتل لا يجمع على فعل نحو: رشاء ورداء وكساء وغطاء لا يقال فيه رشى وهو فعل، ولا رشى وهو فعل مخفف.
ومن ثم تركوا من المعتل ما نظيره في غيره، وذلك في أشياء كثيرة منها أن فعلاء كقولك: كريم وكرماء وظريف وظرفاء ورحيم ورحماء، ويجمعون من المعتل على أفعلاء نحو: قوي وأقوياء وصفي وأصفياء ولا يجمعون على فعلاء ومنها ما يعمل من الأفعال المعتلة ونظائرها من الصحيح على غير منهاجا.
وقوله: " وقد يجيء الاسم على ما طرح من الفعل " مثل قولهم، ويل وويج وآى هـ وقوة وآية وظاية وما أشبه ذلك لا يجيء فعل من شيء من ذلك، وقد بين ما يجيء من المعتل على أصله نحو: استحوذ واغيلت المرأة واعوز
الشيء والخونة والحوكة والقود، وما يجيء على غير أصله، وهو قال: وباع وأقام، وأبان، وما أشبه ذلك؛ فاعرفه إن شاء الله.