" اعلم أن هذا الباب قد تقدم تفسيره؛ لأنه ضمن أن ما كان من الأسماء الثلاثية على وزن الفعل وعينه واو أو ياء اعتلت وقلبت كما فعل ذلك بالفعل وذلك في ثلاثة أبنية وهي فعل وفعل وفعل كقولهم باب وساق وناب فهذا على فعل والذي على فعل رجل خاف ولبس صاف إذا كان كثير الخوف وكثير الصوف ورجل مال إذا كان كثير المال، ويوم راح إذا كان ذا ريح وإنما علم أن هذه الأسماء على فعل؛ لأنهم يقولون خاف يخاف، وقد مال الرجل بمال فقد بنوا الفعل منه على فعل يفعل يجيء فاعله على فعل كقولهم بطر يبطر فهو بطر ونزق ينزق فهو نزق، وقد جاءت أسماء على الأصل غير معتلة فمن ذلك على فعل القود والحركة والغيب جمع غائب وسيل اسم، وقد جاء في فعل رجل حول إذا كان كثير الحيلة وروع إذا كان فزعا وأما فعل فلم يجئ منه شيء استثقالا للضمة على الواو. قال سيبويه: " وأما فعل فلم يجيئوا به على الأصل كراهة للضمة في الواو ولما عرفوا أنهم يصيرون إليه من الاعتلال من الإسكان أو الهمز كما فعلوا ذلك بأدؤر وخون ".
[ ٥ / ٢٦٣ ]
يعني: أنه لم يجئ على الأصل فعل كما جاء روع وحول استثقالا للواو وللضمة، وقد علموا أنهم إذا ضموا الواو فجاؤوا بها على الأصل لزمهم أن يجعلوها مثل أدؤر فيهمزونها أو يسكنونها مثل خون وهو جمع خوان وكان حكمه أن يقال خون كما يقال حمار وحمر وكتاب وكتب وما لا نظير له في الأفعال لا يعتل نحو فعل وفعل وكقولك في فعل نوم يقال رجل نوم كثير النوم ورجل سولة من السؤال على لغة من قال سلت أسال ولم يهمز وهي لغة على غير تخفيف الهمز، ويجوز أن يكون سؤلة من قولك رجل أسول أي مستريح قال المتنخل:
كالسّحل البيض جلا لونها سحّ نجاء الحمل الأسول (١)
يعني: المسترخي بالمطر ورجل لومه كثير اللوم وعيبه كثير العيب، وفعل بهذه المنزلة كقولك حول وهو المتحول عن المكان قال الله تعالى لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا وصير جمع صيرة وهي حجارة تنبت كالخطيرة وبيع وديم ولو بنيت فعل لم تعله من ذوات الواو والياء؛ لأنه لا نظير له في الفعل كذلك بيع قال: " وأما فعل فإن الواو فيه تسكن لاجتماع الضمتين والواو " يعني: فيما كان عينه واوا كقولهم " عوان " و" عون " و" نوار " و" نور " والعوان التي بين الكبيرة والصغيرة والنوار النافرة والأصل عون ونور ولكنهم استثقلوا الضمة على الواو، وقد مضى هذا، وقد يجيء في الشعر مثقلا كما قال عدي بن زيد:
وتبدو في الأكف اللامعات سور
وأما فعل من الياء فإنه لا يستثقل فيه الضمة؛ لأن الياء أخف من الواو وذلك رجل غيور وقوم غير ودجاجة بيوض ودجاج بيض فإذا أجريته مجرى رسل وحمر وخففت قلت قوم غير ودجاج بيض لأن الياء قد سكنت وقبلها ضمة فكسر ما قبلها حتى تسلم الياء كما قالوا في جمع أبيض بيض.
قال أبو الحسن الأخفش: لو بنيت فعلا من البياض والبيع من غير أن تجعله جمعا قلت بوض وبوع، وقد بينا مذهب الأخفش بالفرق بين الجمع والواحد.