فإذا كان الحرف قبل الحرف المعتل ساكنا في الأصل، ولم يكن ألفا ولا واوا فإنك تسكن المعتل وتلقي حركته على الساكن وذلك مطرد في كلامهم وإنما دعاهم إلى ذلك أنهم أرادوا أن تعتل وما قبلها إذا لحق الحرف الزيادة كما اعتل ولا زيادة فيه ولم يجعلوه معتلا من محوّل إليه كراهة ما يحول إلى ما ليس من كلامهم ولو كان يخرج إلى ما هو من كلامهم لاستغنى بذا، لأن ما قبل المعتل قد تغير عن حاله في الأصل كتغير قلت ونحوه وذلك نحو أجاد وأقال وأبان وأخاف واستراث واستعاذ.
اعلم أن الأفعال التي تلحقها الزوائد وتعل أربعة وهي أفعل وافتعل وانفعل واستفعل فأما أفعل فنحو أجاد وأبان وأقال والأصل فيه أجود وأقول وأبين ألقوا فتحة الياء والواو على الساكن، وهو فاء الفعل وقلبوهما ألفا فقالوا أجاد وأبان، وأما افتعل فنحو اختار واقتود والأصل اختير وقئود قلبوا الياء والواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها كما فعلوا ذلك بباع، وكذلك انفعل نحو انقاد وانساب والأصل انقود وانسيب قلبوا الواو والياء ألفا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما فقالوا انقاد وانساب وصار ما قبل الياء والواو من فاء الفعل بمنزلته حيث لم يكن زائدا كان قود وسيب في انقود وانسيب بمنزلة قول وبيع ولم يحفلوا بالألف والنون، وأما استفعل فهو كقولك استجار واستبان واستقام والأصل استقوم
[ ٥ / ٢٣٩ ]
واستبين فألقيت فتحة الياء والواو على ما قبلهما وقلبتهما ألفا، فأما علة إعلال افتعلن وانفعل فقد ذكرناها وأما إعلال أفعل واستفعل فلأنهما يجريان مجرى ما لم يلحقه زيادة، أما أفعل فلأنه يشبه مستقبل الثلاثي مثل أخاف وأهاب وما أشبه ذلك فلما وجب إعلال الثلاثي بما ذكرناه وجب أن يفعل هذا إذا كان مثله لا غير وأما استفعل فإنا متى طرحنا منه الألف والسين كان الباقي منه تفعل، وتفعل هو مستقبل الثلاثي وقد وجب إعلاله وسائر الأفعال لا يجب إعلاله وقد ذكرنا علة امتناع افعل وتفاعل من الإعلال وأما فعل فلا يعتل كقولك زين وعود وإنما لم يعتل لأنا لو أعللنا الواو المتحركة أو الياء فسكناها احتجنا إلى تحريك الساكنة وهذه الساكنة لا تحرك أبدا، لأنها عين من الفعل أيضا وإذا اجتمعت عينان من الفعل الأولى منهما لا تكون إلا ساكنة وأما تفعل وتفاعل فلا يعتلان كقولك تعود وتعاودنا، لأن هذه الفاء دخلت على فعل وفاعل وقد بينا امتناعهم من الإعلال.
أما قوله: " إذا كان الحرف الذي قبل الحرف المعتل ساكنا ولم تكن ألفا ولا واوا ولا ياء ".
يعني: في أفعل واستفعل كقولك أجاد لأن الأصل أجود واستعودوا بين ما قبل الواو والياء ساكن وليس بألف ولا واو فأعللته بإلقاء حركة الياء والواو على ما قبلهما وقلبهما ولو كان قبلهما ألف أو واو ما اعتلتا وذلك نحو قاول وساير وقوول وسوير وقد بينا العلة المانعة من إعلال هذا.
وقوله: " ولم يجعلوه يعتل من محول إليه كراهة أن يحول إلى ما ليس في كلامهم ".
يعني: أنهم إذا قالوا أقام وأجاد فهو أفعل وإذا قالوا استعاد واستراب فهو استفعل ولم يكن على بناء غير هذا فحوّل إليه كما كان قلت وبعت على فعلت، ثم حوّل إلى فعلت وفعلت وليس في الكلام بناء على هذا النحو إلى أفعل.
وقوله: " ولو كان يخرج إلى ما هو من كلامهم لاستغني بذا، لأن ما قبل المعتل قد تغير عن حاله في الأصل " يعني: لو كان في الكلام بناء يخرج إليه هذا البناء كما خرج قلت إلى فعلت الذي هو مثله في كلامهم لاستغنى بهذا عن البناء
الآخر، لأنه قد عمل به ما يعمل به لو حوّل من بناء إلى بناء آخر ألا ترى إن أجاد وأخاف قد غيروا الفعل منه وهو قلت وبعت ولا يعتل في فاعلت؛ لأنهم لو أسكنوا حذفوا الألف والواو والياء في فاعلت وصار الحرف على لفظ ما لا زيادة فيه من باب قلت وبعت وكرهوا الإجحاف بالحرف والالتباس.
[ ٥ / ٢٤٠ ]
قال سيبويه: قد بينا العلة المانعة من إعلال فاعلت وأنا لو أعللناه وجب أن نقول قال بعد سقوط قال وجاءت حروف على الأصل غير معتلة مما أسكن ما قبله فيما ذكرت قبل هذا شبهوه بفاعلت إن كان ما قبله ساكنا.
يعني أن أفعل واستفعل وأن كانا مستوجبين للإعلال فقد تكلمت العرب بأحرف منها على الأصل غير معتلة تشبيها بفاعلت إذا كان قد اشتركا في سكون ما قبل حرف الاعتلال وذلك نحو قولهم اجودت واطولت واستحوذ واستروح واطيب واخيلت واغيلت واغيمت واستقبل.
" وقد سمع من العرب إعلال هذه الأحرف إلا استحوذ واستروح من شم الريح قد سمع من العرب أجادوا طاب وغيرهما من الحروف ولم يسمع منهم استحاذ واستراح الريح في موضع استحوذ واستروح الريح ولا ينكر أن يجعلوها معتلة في هذا الذي استثنينا لأن الإعلال هو الكثير المطرد ".
يعني أن استحوذ واغيلت المرأة واستروح لا ينكر فيها أن تجيء معتلة نحو استحاذ واستراح وأغالت لأن القياس فيها الاعتلال وقد حكى أهل اللغة أغيلت المرأة وأغالت وهي مغيلة ومغيلة حكاه يعقوب بن السكيت وغيره من أهل اللغة والنحو.
قال: " وإذا كان الحرف قبل المعتل متحركا في الأصل لم يغير ولم يعتل الحرف من محول إليه كراهية أن يحول إلى ما ليس من كلامهم وذلك نحو اختاروا واعتادوا وأهاسوا " يعني: كافتعل وانفعل إذا كانت عين الفعل منه واوا أو ياء وقد ذكرنا هذا فيما مضى بعلته.
ومعنى قوله: " ولم يعتل الحرف من محول إليه " يعني: لم يكن على بناء غير هذا فحول إلى هذا كما حول قولت إلى قوّلت.
قال: " وإذا قلت افتعل وانفعل قلت اختير وانقيد ".
قال أبو سعيد ﵀: اعلم أن ما لم يسم فاعله في افتعل وانفعل من الصحيح تضم الألف منه والحرف الثالث كقولك ارتبط هذا الفرس ارتجع من زيد انطلق بأخيك وعلامة ما لم يسم فاعله ضم الثالث من الحروف أما من افتعل فضمة التاء الزائدة، وأما من انفعل فضمة تاء الفعل ثم ضمت ألف الوصل ولم تكسر لئلا يخرج من ضمة إلى كسرة وليس بينهما إلا حرف ساكن كما فعل في قولهم اقتل أخرج وإنما صارت العلامة
[ ٥ / ٢٤١ ]
بضم الحرف الثالث من قبل أن ألف الوصل غير معتد بها، لأنها اجتلبت للتوصل بها إلى الساكن الذي بعدها فضم أول حرف متحرك في الكلمة فلما كان الأمر على ما وصفنا ووجب ضم الحرف الثالث الذي قبل الواو والياء، ووجب كسر الياء والواو لأن فعل من انفعل وفعل من افتعل قد صار بمنزلة الثلاثي فإذا وجب ضم أوله، وجب كسر الحرف الثاني فيصير بمنزلة ضرب فإذا صار من الصحيح بمنزلة ضرب صار بمنزلة بيع وقيل من المعتل، وقد ذكرنا اللغات في قيل وهي ثلاث منهم من يقول قيل بلا إشمام ومنهم من يقول قيل بإشمام ومنهم من يقول فهذه اللغات الثلاث هي موجودة في افتعل وانفعل فقال اختير وانقيد بلا إشمام ومنهم من يقول اختير وانقيد بإشمام ومنهم من يقول اختور وانقود.
وذكر أن العرب تقول: " احتشوا واهتشوا وإن لم يقولوا تفاعلوا " يعني: أن احتشوا واهتشوا إنما صحتا لأنهما في معنى تهاوشوا وتحاوشوا وإن كان لا يستعمل تهاوشوا وتحاوشوا، ولكن هذا التقدير فيهما ألا ترى أنا تقول رجل فقير على معنى فقر، ومثل ذلك قولهم صيد البعير لأنه في معنى أصيد ولا يستعمل أصيد وصيد في معناه لأنه من باب الخلق وهو التواء في عنق البعير.
قال: " فهما يعتوران باب افعلّ ".
يعني: أن فعل وافعلّ كثيرا يشتركان في هذا الباب كقولهم سود واسودّ وثول واثولّ.
قال: " فإذا لم تعتل الواو في هذا ولا الياء نحو عورت وصيدت، فإن الواو والياء لا يعتلان إذ ألحق الأفعال الزيادة وتصرفت، لأن الواو بمنزلة واو شويت والياء بمنزلة ياء حييت ألا ترى أنك تقول ألا أعور الله عينه إلا أردت أفعلت من عورت وأصيد الله بعيره " يعني: أن الفعل متى صح قبل دخول الزوائد عليه، ثم دخلت عليه الزوائد صح كقولك عوروا واعوره الله وصيد البعير واصيده الله إذا صيره كذلك، وإنما صح مع الزوائد لأن الزوائد دخلت على شيء صحيح ولم تكن بمنزلة أقام وأخاف وأبان بالأصل في ذلك قبل الزوائد قام وباب وخاف فدخلت عليها الزوائد فبقيت معتلة وأما قول ابن أحمر:
[ ٥ / ٢٤٢ ]
تسائل بابن أحمر من رآه أعارت عينه أم لم تعارا (١)
في معنى اعورت عينه أم لم تعور فإنما اعتل لأنه لم يذهب به مذهب افعل فكأنه قال: " عارت عينه تعور " من قال هذا كان القياس أن يقول أعار الله عينه فتأمل وقس عليه إن شاء الله.