" وذلك إذا كانت فعلت على خمسة أحرف فصاعدا وذلك قولك اغزيت وغازيت واسترشيت.
قال: " وسألت الخليل عن ذلك فقال إنما قلبت ياء لأنك إذا قلت يفعل لم تثبت الواو للكسرة فلم يكن ليكون فعلت على الأصل وقد أخرجت يفعل إلى الياء وأفعل وتفعل ونفعل ".
قال أبو سعيد ﵀: قد مضى فيما تقدم من شرح هذا جملة كافية ولكنا نعيد منها ما يتسق عليه الكلام الذي يأتي بعده اعلم أن الفعل متى كان ماضيه على أربعة أحرف فصاعدا فلابد من كسر ما قبل آخر مستقبله كقولك أكرم يكرم وقاتل يقاتل ودحرج يدحرج وكسر يكسر وانطلق ينطلق وارتبط يرتبط وغيرها من الأفعال التي ماضيها على أربعة أحرف أو أكثر، فإذا كان لام الفعل واوا فلا محالة أنها تنقلب ياء في
[ ٥ / ٣٠٨ ]
المستقبل؛ لأنك إذا وقفت عليها سكنت وقبلها كسرة فتنقلب ياء كما انقلبت ياء ميزان وما أشبهه فلما انقلبت ياء في جميع المستقبل من أفعل وفاعل وسائر ما ذكرنا لانكسار ما قبلها وسكونها في الوقف وجب قلبها في جميع تصاريف الفعل.
قال: " قلت فما بال تغازينا وترجينا وأنت إذا قلت يفعل منهما كان بمنزلة يفعل من غزوت قال الألف هاهنا بدل من الياء التي أبدلت مكان الياء وإنما أدخلت التاء على غازيت ورجيت " قوله " قلت " يعني قت للخليل لم قالوا تغازينا وترجينا فقلبوا الواو التي كانت في غزوت ورجوت ياء ومستقبل هذين الفعلين لا ينكسر ما قبل آخره، لأن تفاعل وتفعل تقول في مستقبلهما يتفعل ويتفاعل فإذا قلت يترجى ويتغازى لم ينكسر ما قبل آخرهما وإنما كان السبب في قلب الواو ياء في اغزيت ورجيت انقلابها في المستقبل إذا قلت يغزي ويرجي وليست هذه العلة موجودة في يتغازى ويترجى لانفتاح ما قبل آخرهما في المستقبل فقال الخليل مجيبا إن تغازيت وترجيت أصلهما غازيت ورجيت وانقلابها ياء في غازيت ورجيت للعلة التي ذكرناها.
وقال: " ضوضيت وقوقيت بمنزلة ضعضعت ولكنهم أبدلوا الياء إذا كانت رابعة فإذا كررت الحرفين فهما بمنزلة تكريرك الحرف الواحد " يعني أن الأصل في ضوضيت وقوقيت ضوضوت وقوقوت وقلبت الواو ياء للعلة التي لها قلبت الواو ياء في اغزيت وسائر ما ذكرناه وهي انكسار ما قبلها في المستقبل وإنما حكمنا أن الياء في قوقيت منقلبة من واو دون أن يكون ياء في أصلها أنّا رأينا أكثر هذه الأفعال الرباعية مضاعفة كقولك صعصعت وصلصلت وجرجرت وما أشبه ذلك فقضينا ضوضيت وقوقيت بالأغلب في الباب وفعلل من المكرر يجيء على
ضربين أحدهما أن يكون أصله مما عينه ولامه من جنس واحد فاذا بنوا منه فعلل اجتمع فيه ثلاثة أحرف من جنس واحد وأشبه لفظة لفظ فعل فيقلبون الأوسط من الثلاثة الأحرف وهو لام الفعل مثل الحرف الذي في موضع الفاء من الفعل كقولك كفكفتة من كففته وكبكبت من كببت قال الله ﷿ فَكُبْكِبُوا فِيها أي فكبوا فيها وأصله كببوا وكففته واستثقل ثلاثة أحرف من جنس واحد مع اللبس الذي يقع بين فعللت وفعلته فقلبوا واحدا منها على لفظ أقرب الحروف إليه وهو فاء الفعل ولو تركوه ولم يقلبوه فقالوا كففته وكببته لكان لفظه كلفظ فعلت فكان يجتمع مع الاستثقال ليس بين بناءين والدليل على أنهم يستثقلون كففته وكببته وما جرى مجراهما
[ ٥ / ٣٠٩ ]
لاجتماع حروف من جنس واحد قولهم دسيت في دسست وقد قال الله ﷿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها في معنى من دسسها وكما قال تظنيت في معنى تظننت وذكر الفراء أن كبكبت وما كان نحوه مما عينه ولامه جنس واحد في الأصل يجوز أن يكون فعل ويجوز أن يكون فعلل فأما فعلل فقد ذكرناه ولا يجوز أن يكون فعل كما ذكره وذلك أن فعل مصدره تفعيل أو تفعله فلو كان كبكبت فعلت لوجب أن يكون مصدره تكبيب أو تكبة فلما قالوا كبكبت كبكبة علمنا أنه فعللت والضرب الثاني من هذا ما كان مبنيا لصوت على حرفين يتكرران كقولك قرقر الطائر وقعقع الحلي إذا صوت، وذاذا الحجر إذا تدحرج من علو جبل إلى قراره. فإن قال قائل فكيف اقتصروا من هذا الصوت المكرر على اثنين فلم يجاوزوه ولم ينقصوه فيصيروه واحدا قيل له أما مجاوزة الواحد فقد وجبت بالتكرير الذي يلزم الصوت وأما الاقتصار على الاثنين فلو لم يقتصروا على الاثنين للزمهم أن يذكروا عدد ما يكرر عليه الصوت من المرات ومثل ذلك قولهم قام القوم رجلا رجلا رضوا من عدد الرجال برجلين فلم يجاوزوهما ولم يقتصروا على واحد وذلك أن المعنى يراد منه التردد فلم يكتف بالواحد ولو جاوز الاثنين لاحتاجوا أن يعدوا جمع الرجال وقد يجيء على فعللت مضاعفا ما لا يعرف منه فعل عينه ولامه من جنس واحد ولا هو من الأصوات المكررة كقولك عسعس الليل إذا أدبر وولى، وقال بعضهم: إذا اعتكر وتراكبت ظلمته وصعصع القوم إذا اضطربوا ونحو ذلك فهذا إما أن يكون أصله ما ذكرناه وإما أن يكون على فعلل مثل دحرج واتفق أن يكون لاماه من جنس عينه وفائه.
قال: " فإنما الواوان هاهنا بمنزلة ياءي حييت وواوي قوّة لأنك ضاعفت " يعني أن الواوين في ضوضوت وقوقوت وإن كانت الثانية منهما منقلبة ياء بمنزلة ياءي حييت وواوي قوّة وذلك إن ياءي حييت وإن كانتا ياءين على لفظ واحد هما عين الفعل والأخرى لامه فكذلك واو ضوضوت إحداهما عين والأخرى لام.
قال: " وكذلك حاحيت وعاعيت وهاهيت ولكنهم أبدلوا الألف لشبهها بالياء فصارت كأنها هي " يعني أن حاحيت
فعللت مثل ضوضيت والألف فيه منقلبة من ياء والأصل حيحيت والدليل على أن الألف منقلبة من ياء أنا رأينا ذوات الواو من هذا الباب تجيء على أصلها كقولك ضوضيت وقوقيت ولم نر شيئا من ذوات الياء جاء من هذا
[ ٥ / ٣١٠ ]
الباب، والألف لا تكون أصلا وإنما هي منقلبة فجعل انقلابها من ياء وقد ذكرنا هذا فيما مضى بأتم من هذا التفسير مع ذكر الخلاف الذي فيه وقد يقلبون من الياء الساكنة ألفا كقولك ياجل في ييجل.
قال: " يدلك " على أنها ليست فاعلت قولهم الحيحاء والعيعاء كما قالوا السرهاف والفرشاط والقلقال والحاحاة والهاهاة فأجري مجرى دعدعت إذ كن للتصويت كأن متوهما توهم أن حاحيت وهاهيت وعاعيت فاعلت فاحتج عليه سيبويه بمصدرهن وذلك أن مصدر فاعلت مفاعلة ومصدر فعللت فعللة فلما قالوا في مصدر حاحيت حاحاة وحاحاة فعللة قضي على حاحيت أنه على فعللت لما ذكرناه.
ومعنى قوله " فأجري مجرى دعدعت " يعني أن دعدعت قد علم أنه فعللت وأنه ليس بفاعلت وهو تصويت فكذلك حاحيت وهاهيت وكذلك أكثر ما يجيء من الأصوات على هذا الوزن كقولك جهجهت بالسبع وساسات بالحمار وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.
قال: " كما أن دهديت هي فيما زعم الخليل دهدهت بمنزلة دحرجت ولكنه بدل الياء من الهاء لشبهها بها وإنها من الخفاء والخفة نحوها فأبدلت كما أبدلت من الياء في هذه " يعني أن دهديت أصله دهدهت وقلبوا من الهاء الثانية ياء لاجتماع الهاءين فكذلك حاحيت أصله حيحيت ولاجتماع الياءين قلبت إحداهما وكان قلب الأولى أولى، لأن الثانية طرف ولو كانت غير ياء انقلبت ياء فإن قال قائل: إذا كانوا يقولون دهدهت ودهديت ودهدية ودهدوهة فكيف صارت الهاء الأصل والياء بدل منها قيل له الهاء أولى أن تكون أصلا وذلك أنا رأيناهم قد يبدلون للتضعيف أحد الحرفين إلى الياء كقولهم في تظننت لاجتماع النونات فكذلك دهديت أصلها دهدهت فقلبوا إحدى الهاءين فإن قال قائل: فما وزن دهدية قيل له فعلولة مثل دهدوهة ودحروجة وكان أصله دهدوية فاجتمعت واو وياء الأولى منهما ساكنة فقلبت الواو ياء وأدغمت الدال لتسلم الياء.
قال: " فأما الغوغاء ففيها قولان أما من قال غوغاء فأنث ولم يصرف فهي عنده مثل عوراء " يعني تكون الألف للتأنيث وتكون غوغاء على فعلال مثل صلصال وأصله غوغاو.
[ ٥ / ٣١١ ]
وقال: " وكذلك الصيصية والدوداة والشوشاة فإنما يضاعف حرف ياء وواو كما ضاعفت القمقام فجعلت هؤلاء بمنزلتها " يعني أن شوشاة أصلها شوشوة ودوداة دودوة وقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها،
فوزنهما فعللة وليس فيها زائد غير هاء التأنيث ومعنى شوشاة السريعة ودوداة أرجوجة من أراجيج الصبيان فإنما جعل شوشاة فعللة ولم يجعل شيئا من حروفه زائدا؛ لأنها أولى بها من سائر الأبنية وذلك أنها تحتمل أن تكون فوعلة إذا جعلت الواو زائدة ويحتمل أن تكون فعلاة إذا جعلت الواو أصلية والألف زائدة، ويحتمل أن تكون فعللة بأن تكون الواو أصلية وتكون الألف منقلبة من واو ويكون أصلها شوشة وهذا البناء أولى بها وأن فعللة أكثر في الكلام من فوعلة وفعلاة وكذلك صيصية الياءان أصليتان وهي فعللة مثل سمسمة وجعل صيصية بمنزلة سمسمة وشوشاة بمنزلة خلخلة وجميع ذلك من الرباعي بمنزلة واحدة على وزن واحد وإن كان في بعضه حروف العلة مع أن وزن الحيا كوزن الغصص، ووزن جئت كوزن غصصت فقد تساوي ذوات الحروف الزوائد غيرها من سائر الحروف ومثل ذلك الموماة هي فعللة وإن كانت الميم من حروف الزيادة والأصل موموة ومثل مرمر فعلل لتكرير الميم وقد كثر فعلل من هذا المكرر فحمل عليه.
قال: " ولا تجعل موماة بمنزلة تمسكن لأن ما جاء هكذا والأول من نفس الحرف هو الكلام الكثير ولا تكاد تجد في هذا الضرب الميم زائدة إلا قليلا " يعني أن الميم فيه أصلية بسبب التكرير الذي فيه ولو كان بدل مرمر مرتع أو غير ذلك لقضي على الميم الأولى بالزيادة ولكن يقضي عليها بالأصل لما ذكرناه وذلك معنى قوله " لا تكاد تجد الميم في هذا الضرب زائدة " يعني فيما تكرر لفظ عينه وفائه وقد تبين أن الميم زائدة في تمسكن بالاشتقاق لأن أصله من السكوت ولأنه يقال أيضا في معنى تمسكن تسكن.
قال: " وأما قولهم الفيفاة فالألف زائدة لأنهم يقولون الفيف " يعني أن فيفاة هي فعلاة مثل علقاة وأرطاة وليست بمنزلة شوشاة ودوداة وذلك أنهم يقولون فيف ثم تزاد عليه الألف.
قال: " وأما الفيفاء والزيزاء فبمنزلة العلياء لأنه لا يكون في الكلام بمنزلة القلقال إلا مصدرا " يعني أن زيزاء وفيفاء ليسا من المضاعف والحرف الذي انقلبت منه الهمزة زائد وهو إما ياء وإما واو وزنه فعلاء كما أن علياء وزنه فعلاء ولو كانت الهمزة
[ ٥ / ٣١٢ ]
منقلبة من حرف أصلي لكان وزنها فعلال وليس في الكلام فعلال مضاعف مكرر لفظ الفاء والعين إلا مصدرا كقولك زلزل زلزالا وقلقل قلقالا والقياس في فيفاء وزيزاء أن تخالف الياء الأولى منها في التقدير الهمزة إن كانت منقلبة من ياء فالياء الأولى منقلبة من واو لسكونها وانكسار ما قبلها وإن كانت الهمزة منقلبة من واو فالياء الأولى غير منقلبة من واو وذلك أن الياء الأولى لو كانت من جنس الهمزة لكان بمنزلة القلقال وليس بمصدر ومثل غير موجود في الكلام.
قال: " وإذا كانت الياء رابعة في الكلام فهي تجري مجرى ما هو من نفس الحرف وذلك نحو سلقيت وجعبيت تجريهما وأشباههما مجرى ضوضيت وقوقيت " يعني أن الياء متى لحقت في آخر الثلاثي رابعة كانت للإلحاق فيكون سلقيت الذي من سلق بمنزلة ضوضيت الذي حروفه أصلية.
قال: " وأما المروراة فبمنزلة الشجوحي وهما بمنزلة صمحمح ولا تجعلهما على عثوثل لأن مثل صمحمح أكثر ".
قال أبو سعيد ﵀: يعني أن شجوجي يحتمل أن يكون فعلعل مثل صمحمح فتكون السين فاء الفعل والجيم الأولى عينه والواو لامه، ثم أعاد الجيم والواو للشين هما عين ولام وقلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ويحتمل أن يكون فعوعل مثل عثوثل فتكون الواو الأولى زائدة غير أن فعلعل أولى به لأنه أكثر في الأبنية من فعوعل وقطوطي مثل شجوجي.
قال: " وقالوا القيقاءة والزيزاءة " أراد سيبويه أن يريك أن الهمزة في القيقاء والزيزاء ليست للتأنيث كما كانت في حمراء وخنفساء بإدخال الهاء عليها، والهاء التي للتأنيث لا تدخل على ما فيه علامة التأنيث.
قال: " وبعضهم يقول قيقاءة وقواقي " إن الذي يقول قيقاءة وقواقي جعل الياء في قيقاءة منقلبة من واو بسبب انكسار ما قبلها وسكونها فلما انفتح ما قبلها في الجمع وتحركت عادت الواو كقولنا ميزان وموازين وقد يقال في جمعها قراق ولم يذكره سيبويه أنشدنا أبو بكر بن دريد:
إذا تبارين على القياقي لاقين منه أدنى عناق
قال: " وسألته عن أثفية فقال هي فعلية فيمن قال اثّفت " يعني إن اثّفت فعلت
[ ٥ / ٣١٣ ]
فالهمزة فاء الفعل والثاء عينه والفاء لامه فاثفية على هذا فعلية قال النابغة:
لا تقذفني بركن لاكفاء له وإن تأثفك الأعداء بالرفد (١)
فقال تاثّفنك ووزنه تفّعلك ومن قال ثفيت القدر فأثفية أفعولة لأن الهمزة زائدة وأصلها أثفوية فقلبت الواو ياء.