(وهي ظننت، وحسبت، وخلت، ورأيت، وزعمت، وما يتصرف من أفعالهن كأحسب وتظن).
قال أبو سعيد: أعلم أن هذه الأفعال تدخل على جمل، هي أسماء وأخبار قد كانت قائمة بنفسها فيحدث الشك أو اليقين في أخبارها، فلذلك لم يجز الاقتصار على أحد المفعولين دون الآخر، وذلك أنك إذا قلت: " حسبت زيدا منطلقا "، فالمحسبة وقعت منك
[ ١ / ٤٥٠ ]
على انطلاق زيد، فلم يجز أن تقول: " حسبت زيدا " وتسكت؛ لأن المحسبة لم تقع على زيد فلا يجوز أن تأتي بما لم تقع عليه المحسبة، وتترك ما وقعت عليه المحسبة ولا يجوز أن تقول: حسبت منطلقا وتسكت؛ لأن الانطلاق الواقع عليه المحسبة إذا لم يكن مسندا إلى صاحب فلا فائدة فيه؛ ألا ترى أنك تقول: " زيد منطلق "، تكون الفائدة للمخاطب في الانطلاق؛ لأن المخاطب قد عرف " زيدا "، ولا يجوز مع هذا أن تفرد أحدهما من دون الآخر، فتقول: " زيد " أو تقول: " منطلق "؛ لأنك إذا قلت: " زيد " فلا فائدة فيه إذ لم تخبر عنه بخبر. وإذا قلت: " منطلق " فلا فائدة فيه؛ إذا لم تذكر الذي له الانطلاق.
فهذه الأفعال إنما دخلت على مبتدإ وخبر، فلم يجز الاقتصار على أحدهما، كما لم يجز الاقتصار على المبتدإ، ولا على الخبر. ويجوز ترك المفعولين جميعا والاقتصار على الفاعل كقولك: " ظننت "، و" حسبت "؛ لأنك لم تأت باسم يحتاج إلى خبر، ولا خبر يحتاج إلى صاحب، وإنما جئت بالفعل والفاعل فكان الفعل خبرا عن الفاعل، وتم الكلام.
وفي بعض أمثال العرب: " من يسمع يخل "، فلم يأت " ليخل " بمفعول.
فإن قال قائل: فما الفائدة في قولنا: " ظننت، وخلت "، إذا لم تأت بالمفعولين؟
قيل له: الفائدة فيه: أنه وقع منه ظن، ومخيلة، كما تقول: أكلت، وشربت "، فتكون الفائدة أنه وقع منه أكل، ولا تذكر منه المأكول والمشروب.
وجميع الأفعال التي تجري هذا المجرى أربعة عشر فعلا: منها سبعة أفعال قد سميّ فاعلوها، وسبعة أفعال لم يسمّ فاعلوها.
فأما السبعة الأفعال التي سمي فاعلوها فهي: " ظننت، وحسبت، وخلت، ورأيت من رؤية القلب-، ووجدت- من وجود القلب- وعلمت وزعمت ".
وأما السبعة التي لم يسم فاعلوها فهي: " أعلمت، وأريت، ونبئت، وأنبئت، وخبّرت، وأخبرت، وحدّثت ".
فأما ظننت وحسبت وخلت فمعناها واحد، وهو أن تتصور الشيء من غير استثبات ولا دليل عليه، وقد يكون ل " ظننت " فقط، من هذه الثلاثة الأفعال مذهب يتعدى فيه إلى مفعول واحد، وهو أن تقول: " ظننت زيدا "، بمعنى: اتهمت زيدا، ومنه
[ ١ / ٤٥١ ]
" رجل ظنين "، أي متهم قال الله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (١) أي بمتهم.
وقد يكون بمعنى العلم كما قال الله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ (٢) أي:
يعلمون. وإنما يقع الظن بمعنى العلم في كل ما لم تدركه الحواس، وعلم من طريق الاستدلال، فقلت: " ظننت الحائط مبنيا "، وأنت قد شاهدته، لم يجز ذلك.
وأما " رأيت ": فإنه من رؤية العين، يتعدى إلى مفعول واحد كقولك: " رأيت زيدا " أي: أبصرته، وإن قلت: " رأيت زيدا قائما " من رؤية العين فإنما ينصب " قائما " على الحال. ورؤية القلب لا يجوز فيها الاقتصار على أحد المفعولين ولها مذهبان: مذهب العلم، ومذهب الظن، قال الله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا. وَنَراهُ قَرِيبًا (٣)، معناه: أنهم يظنونه بعيدا، ونعلمه قريبا.
وأما " وجدت " من وجود القلب، فإنه بمعنى العلم يقال: " وجدت زيدا قائما وجودا " بمعنى: علمته قائما، قال الله تعالى: وَجَدْناهُ صابِرًا (٤) أي: علمناه صابرا.
وإذا كان " وجدت " في غير معنى العلم، فليس مصدره " وجودا "، ولا يتعدى إلى مفعولين، وذلك قولك: " وجدت الضالة وجدانا "، بمعنى: أصبتها و" وجدت على زيد موجدة "، إذا عتبت عليه، وغير ذلك من وجوهها.
وأما: " علمت ": فإن له مذهبين: إن أردت به معرفة الاسم ولم تكن عارفا به من قبل تعدّى إلى مفعول واحد، وصار بمنزلة " عرفت " فإذا قلت: " علمت زيدا اليوم "، فمعناه: عرفته اليوم، ولم تكن عارفا به من قبل، قال الله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ (٥) أي: عرفتموهم، ولم تكونوا عارفين بهم، وكذلك قوله:
لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ (٦).
والمذهب الآخر من مذهبيه: أن يكون العلم واقعا بالثاني، كقولك: " علمت زيدا
_________________
(١) سورة التكوير، آية: ٢٤.
(٢) سورة البقرة، آية: ٤٦.
(٣) سورة المعارج، الآيتان: ٦، ٧.
(٤) سورة ص، آية: ٤٤.
(٥) سورة البقرة، آية: ٦٥.
(٦) سورة التوبة، آية: ١٠١.
[ ١ / ٤٥٢ ]
منطلقا اليوم "، وقد كنت عارفا بزيد من قبل، غير أنك لم تكن عارفا بانطلاقه، فحدث لك العلم اليوم بانطلاقه.
وأما " زعمت " فإنه قول يقترن به اعتقاد ومذهب، وقد يصح ذلك وقد لا يصح.
ولو كان الزعم في معنى القول المحض لحكي ما بعده ولم ينصب، كما يفعل ذلك بعد القول، إذا قلت: " قال زيد عمرو قائم ".
وأما السبعة التي لم يسم فاعلوها: فهي متعدية إلى ثلاثة مفعولين، إذا سمّي فاعلوها وأنا أبينها في باب: " ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين ".
فإذا تقدمت هذه الأفعال عملت النصب في المفعولين جميعا، ولا يجوز إلغاؤها كقولك: " علمت زيدا منطلقا "، و" علمت أباك ذاهبا " فهي في تقدمها بمنزلة: " ضربت، وأعطيت " في الإعمال. والمفعول الثاني منها خبر للمفعول الأول، فهو ينقسم أقسام الأخبار، يجوز أن يكون اسما هو الأول كقولك: " حسبت زيدا منطلقا "، ويجوز أن يكون فعلا له ماضيا، ومستقبلا كقولك: " حسبت زيدا قام "، و" حسبت زيدا يقوم "، وظرفا له كقولك: " حسبت زيدا عندك " وجملة فيها ذكر يعود إليه كقولك: " حسبت زيدا أبوه قائم "، و" حسبت زيدا إن تأته يأتك ".
وإذا توسطت هذه الأفعال، أو تأخرت جاز إلغاؤها وإعمالها كقولك: " زيد حسبت منطلق "، و" زيدا حسبت منطلقا "، و" زيد منطلق حسبت " و" زيدا منطلقا حسبت ".
وإنما جاز إلغاؤها؛ لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها، فإذا تقدمت الجملة، أو تقدم شيء منها حصل لفظ الخبر، ولم يكن في الكلام لفظ شك، فحملت الجملة على منهاجها ولفظها قبل دخول الشك، وصير موضع الشك واليقين في تقدير ظرف له. فإذا قلت: " زيد منطلق ظننت "، أو " زيد ظننت منطلق "، فكأنك قلت: " زيد منطلق في ظني ".
وإذا تقدم الفعل، حصل فعل الشك واليقين قبل ورود الاسم فعمل؛ لأن الاسم ورد وقد تقدم الشك في خبره، فمنعه ذلك التقدم من أن يجري على لفظه الأول قبل دخول الشك واليقين.
قال سيبويه: (فإذا جاءت مستعملة فهي بمنزلة " رأيت " يعني: رؤية العين و" ضربت، وأعطيت " في الإعمال والبناء على الأول في الخبر والاستفهام، وفي كل
[ ١ / ٤٥٣ ]
شيء).
يعني أنك إذا أعملته، فقد صيرته بمنزلة " رأيت، وضربت، وأعطيت "، فينبغي أن تجرى مجراه في البناء على الأول في الخبر والاستفهام وفي كل شيء.
أما البناء على الأول في الخبر، فقولك: " عبد الله حسبته منطلقا "، كما تقول: " عبد الله أعطيته درهما "، تختار الرفع في هذا كما اخترته في " عبد الله أعطيته درهما " ويجوز النصب فيه، كما جاز في " عبد الله أعطيته درهما ". وأما الاستفهام فقولك: " أعبد الله حسبته منطلقا "، يختار النصب في هذا على تقدير: أتوهمت عبد الله حسبته منطلقا، كما اخترت النصب في " عبد الله أعطيته درهما " على تقدير: أعطيت عبد الله أعطيته درهما، ويجوز الرفع فيهما جميعا بالابتداء.
وقوله: (وفي كل شيء).
يعني: في سائر الأفعال التي تختار فيها النصب بعد الاستفهام، كقولك: " أظنّ عبد الله منطلقا "، و" بكرا أظنه خارجا "، كما تقول: " ضربت زيدا، وعمرا ضربته "، وإن شئت قلت: " وبكر أظنه خارجا "، كما تقول: " ضربت زيدا وعمرا ضربته ".
قال: (فإن ألغيت قلت: " عبد الله أظنّ ذاهب "، و" هذا أخال أخوك "، و" فيها أرى أبوك).
يعني: أن " أرى " قد توسط بين الاسم والخبر؛ لأن الاسم المبتدأ هو الأب، و" فيها " خبره، و" أرى " كالفضلة؛ لأنه شيء هجين في نفسه، فأشبه باب القول في الحكاية، وضعف الفعل فيه إذا توسط، أو تأخر.
وإذا تأخر كان الإلغاء فيه أحسن منه إذا توسط؛ لبعد الفعل من الأول. وكل عربي صحيح جيد. قال اللعين المنقري:
أبالأراجيز يابن اللّؤم توعدني وفي الأراجيز خلت اللوم والخور (١)
" فاللؤم " مرفوع بالابتداء، و" الخور " عطف عليه، " وفي الأراجيز " هو الخبر، و" خلت " ملغي، فهو بمنزلة " فيها أرى أبوك ".
قال: (وإنما كان التأخير أقوى؛ لأنه إنما يجيء بالشك بعد ما يمضي كلامه على
_________________
(١) الدرر اللوامع ١/ ١٣٥ - الهمع ١/ ١٥٣ - الأعلم ١/ ٦١.
[ ١ / ٤٥٤ ]
اليقين، أو بعد ما يبتدئ، وهو يريد اليقين ثم يدركه الشك، كما تقول: " عبد الله صاحب ذاك بلغني "، وكما قال: " من يقول ذاك تدري "، فأخر ما لم يعمل في أول كلامه. وإنما جعل ذلك فيما بلغه بعد ما مضى كلامه على اليقين).
يعني: " زيد قائم ظننت ".
وقوله: (وبعد ما يبتدئ وهو يريد اليقين).
يعني: " زيد ظننت قائم ".
وقوله: (ثم يدركه الشك).
يكون هذا على أحد وجهين: إما أن يبتدئ كلامه وليس في قلبه منه مخالجة شك، فإذا مضى كله أو بعضه على لفظ اليقين يعني: " زيد قائم ظننت " لحقه فيه الشك، كما تقول: " عبد الله أمير "، على طريق الإخبار بذلك، و" عبد الله صاحب ذاك "، وأنت لم تشاهده، وإنما خبرت به، فيجب أن تستظهر في خبرك، فتقول: " بلغني " أي: هذا الذي قلته فيما بلغني، لا فيما شاهدته. ولو قدمت " بلغني " لم يجز أن تقول: " بلغني عبد الله أمير "؛ لأن " بلغني " فعل ولا بد له من فاعل، و" عبد الله أمير " جملة، ولا تكون فاعله، ولكن تقول: " بلغني إمارة عبد الله "، و" بلغني أن عبد الله أمير ". وإذا قلت: " عبد الله صاحب ذاك بلغني "، ففاعل " بلغني " مضمر فيه، كأنك قلت: " بلغني ذاك الأمر، أو ذاك البلاغ "، كما تقول: " من يقول ذاك بلغني "، كما تقول: " من يقول ذاك تدري؟ " مستفهما، فيرتفع بالابتداء، " ويقول " خبره، و" تدري " ملغي، ولو قدمته لعمل " تدري " في " من "، وصارت " من " بمعنى الذي، وخرجت عن الاستفهام.
وقد يقول القائل: " زيد ظننت قائم "، و" زيد قائم ظننت "، وهو في أول كلامه شاك، غير أنه لا يعمل الشك، كما يقول القائل: " زيد أمير "، وهو يضمر " عندي " أو " في ظني "، فإذا جاز هذا، جاز أن يظهر ما أضمر، ويكون الكلام على حاله، كما قال الله تعالى: قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ (١)، فقال المسؤول: " لبثت يوما أو بعض يوم " على ما كان عنده الأغلب.
قال: (فإذا ابتدأ كلامه على ما في نيته من الشك أعمل الفعل قدم أو أخّر، كما
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ٢٥٩.
[ ١ / ٤٥٥ ]
قال: " زيدا رأيت، ورأيت زيدا "، وكلما طال الكلام ضعف التأخير إذا أعملت).
يعني: إذا ابتدأ الاسم وفي نيته أن يأتي بفعل الشك، نصب، كما يفعل ذلك في " ضرب " وإذا طال الكلام ضعف التأخير الإعمال، إذا قلت: " زيدا منطلقا اليوم أظن "، كان أضعف من قولك: زيدا أظن منطلقا و" زيدا منطلقا أظن "، أضعف من قولك: " زيدا أظن منطلقا " قال: كما يضعف " زيدا قائما ضربت "؛ لأن الوجه أن تقول: " ضربت زيدا قائما "، و" زيدسا قائما ضربت " أضعف من " زيدا ضربت قائما "، ولا يجوز في " ضربت " إلا النصب.
قال: (ومما جاء في الشعر معملا في زعمت قول أبي ذؤيب:
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهل)
أعمل الزعم في النون والياء، وهي المفعول الأول، و" كنت أجهل فيكم " جملة في موضع المفعول الثاني:
(وقال النابغة الجعدي:
عددت قشيرا إذ عددت فلم أسأ بذاك ولم أزعمك عن ذاك معزلا)
فالمفعول الأول: " الكاف " في " أزعمك "، وهو في موضع نصب والثاني: معزلا.
والتقدير: فلم أزعمك معزلا عن ذاك.
قال: (وتقول: " أين ترى عبد الله قائما "، و" هل ترى زيدا ذاهبا "؛ لأن " هل "، و" أين "، كأنك لم تذكرهما، لأن ما بعدهما ابتداء فكأنك قلت: " أترى عبد الله قائما " و" أنظن عمرا منطلقا ").
يعني: أنك إذا جعلت " قائما " هو المفعول الثاني، فقد تقدم الفعل المفعولين جميعا، فوجب النصب فيهما، ويكون " أين " ظرفا ملغي في صلة قائم.
قال: (فإن قلت: " أين "، وأنت تريد أن تجعلها بمنزلة " فيها " إذا استغنى بها الابتداء، قلت: " أين ترى زيدا، وأين ترى زيد ").
يعني: أنك إذا جعلت " أين " خبرا لقولك: " أين زيد "، و" في الدار زيد "، ثم جئت بالظن بعد " أين "، جاز الإعمال والإلغاء، فتصيره بمنزلة قولك: " قائما ظننت زيدا، وقائم ظننت زيد "، ويجوز أن تقول: " أين ترى زيد قائما "، على أنك تجعل " أين " خبر " زيد " وتلغي " ترى "، وتنصب " قائما " على الحال.
[ ١ / ٤٥٦ ]
قال: (واعلم أنّ " قلت "، إنما وقعت في كلام العرب على أن يحكي بها، وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاما لا قولا نحو قولك: " قلت زيد منطلق "، لأنه يحسن أن تقول: " زيد منطلق "، ولا تدخل " قلت "، وما لم يكن هكذا أسقطنا القول عليه).
قال أبو سعيد: اعلم أن " قلت "، و" قال "، و" تقول "، وما تصرف منه أفعال لا بد لها من فاعلين، وهي بمنزلة الفعل الذي لا يتعدى من وجه، وبمنزلة الفعل الذي يتعدى إلى مفعول من وجه.
فأما شبهها بالفعل الذي لا يتعدى، فلأنها لا مفعول لها تصل إليه تنصبه غير مصدرها والظرف والحال فيها. لا تقول: " قال زيد عمرا "، كما لا تقول: " قام زيد عمرا "، ولكن تقول: " قال زيد قولا يوم الجمعة منطلقا خلفك "، كما تقول: " قام زيد قيامك خلفك يوم الجمعة ضاحكا ".
وأما شبهها بالفعل الذي يتعدى إلى مفعول فهو أن الجمل تقع بعدها على لفظ اللافظ بها، فتكون الجمل التي تقع بعدها بمنزلة المفعول، وذلك قولك: " قال زيد عمرو منطلق "، و" قال زيد قام أخوك، وقال زيد " إن عمرا منطلق (فقوله): " عمرو منطلق "، و" قام أخوك " جملة وقع عليها القول فلم يغيرها، وحكيت بعدها على لفظ اللافظ بها، وصارت في موضع المفعول المنصوب فيما يتعدى من الأفعال إلى مفعول وهو قولك:
" ضرب زيد عمرا ".
وأما قوله: (وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاما).
يعني: ما كان جملة قد عمل بعضها في بعض.
وقوله: (لا قولا).
يعني: لا مصدرا له؛ لأنه يعمل في مصدره، كقولك: " قال زيد قولا حسنا " و" قال كلاما حسنا " لأنه في معنى: " قال قولا جيدا "، وقال خيرا "، " وقال حقا "؛ لأنه يراد: " قال قولا خيرا، وقال قولا حقا ".
وقوله: (ولا تدخل " قلت ").
يعني: أن الجمل التي يقع عليها القول يجوز أن تلفظ بها، ولا يدخل القول؛ لأنك إذا قلت: " قال زيد عمرو منطلق " جاز أن تقول: " عمرو منطلق "، من غير أن تقول: " قال زيد ".
[ ١ / ٤٥٧ ]
وقوله: (وما لم يكن هكذا سقط القول عليه).
يعني: ما لم تكن جملة نحو المصدر والظرف والحال سقط القول عليه وعمل فيه.
قال سيبويه: (وتقول: " قال زيد إن عمرا خير الناس "، وتصديق ذلك قول الله تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ (١) ولولا ذلك لقال " أن " (الله».
يعني: أن " أنّ " إنما تكسر إذا وقعت مبتدأة، ولم يعمل فيها ما قبلها كقولك: " إن زيدا قائم "، فإذا عمل فيها ما قبلها فتحت كقولك: " بلغني أن زيدا قائم "، و" ظننت أن زيدا قائم "، فلما قال تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ إِنَّ اللَّهَ ، علمنا
أن القول لم يعمل فيها، وأن الجملة حكيت على لفظها قبل أن يدخل القول، ولو عمل القول لقال " أنّ " على ما بينا في الظن.
قال: (وكذلك " جميع " ما تصرف من فعله. إلا " تقول " وحدها في الاستفهام.
شبهوها في الاستفهام ب " تظن "، ولم يجعلوها ك " يظن "، و" أظن " في الاستفهام؛ لأنه لا يكاد يستفهم المخاطب عن ظنّ لغيره، ولا يستفهم (هو) إلا عن ظنه، فإنما جعلت ك " تظن "، كما أن " ما " ك " ليس " في لغة أهل الحجاز ما دامت في معناها. فإذا تغيرت عن ذلك أو قدم الخبر رجعت إلى القياس، وصارت اللغات فيها كلغة بني تميم).
قال أبو سعيد: أعلم أن القول قد يستعمل في معنى الظن والاعتقاد وذلك أن القول والظن يدخلان على جملة، فتصورها في القلب هو الظن أو العلم، والعبارة عنها باللسان هو القول ومن ذلك قول القائل: " هذا قول فلان "، و" مذهب فلان ".
ومن العرب من يعمل القول إعمال الظن على كل حال، فيقول: " قلت زيدا منطلقا "، كما تقول: " علمت زيدا منطلقا "، و" ظننت زيدا منطلقا "، وفيهم من يجعله بمنزلة الظن إذا استفهم المخاطب خاصة، فيقول: " أقلت زيدا منطلقا "، و" أتقول زيدا منطلقا "، على معنى: " أظننت زيدا منطلقا "، و" أتظنّ زيدا منطلقا "، وإنما يفعل ذلك في المخاطب إذا استفهم عن ظنه؛ لأن أكثر ما يقول الإنسان لمخاطبه: " أتقول كذا وكذا في كذا، أو ما تقول في كذا " إنما يريد به ما يعتقد إلى أي شيء يذهب. ألا ترى أنك لو قلت
_________________
(١) سورة آل عمران، آية: ٤٢.
[ ١ / ٤٥٨ ]
لفقيه: " ما تقول في تحريم المسكر؟ " فقال لك: " أنا أذهب إلى تحليل القليل منه " لكان معناه: أنا أعتقد هذا وأذهب إليه، وكثر هذا المعنى فأجروه مجرى الظن. فإذا قالوا للمخاطب: " أتقول زيد عمرو منطلق " حكوا؛ لأنه لم يكن أن يستفهم المخاطب عن ظن غيره، فجعله سيبويه بمنزلة تشبيه أهل الحجاز " ما " " بليس " إذا لم يقع استثناء ولم يقدم الخبر، فإذا وقع الاستثناء أو قدم الخبر رجع إلى القياس، لأنها لم تقو أن تعمل مع التغيير عمل " ليس " كما لم يقو القول في غير استفهام المخاطب عمل الظن؛ لأنه لم يكثر كثرته فيه فرجع إلى القياس.
قال: (ولم تجعل " قلت " " كظننت ").
يعني: أن " قلت " في غير الاستفهام، لم تجعل كظننت في نصب المفعولين بعدها، لأن الأصل فيها أن يكون ما بعدها محكيا، فلم تحمل على " ظننت " في مواضعها كلها، كما أن " ما " لم تحمل على " ليس " في مواضعها كلها، والأصل
فيها أن يكون ما بعدها مبتدأ، كما كان الأصل في " قلت " أن يكون ما بعدها مبتدأ.
قال: (وسأفسر لك- إن شاء الله- ما يكون بمنزلة الحرف في شيء، ثم لا يكون معه على أكثر أحواله، وقد بيّن بعضه فيما مضى).
يعني: أن الأشياء التي قد يشبّه بها الشيء في حال، ويفارقه في أحوال كثيرة منها ما قد مضى في أول الكتاب، نحو تشبيه الفعل بالاسم في حال، وتشبيه " ما " " بليس "، وغير ذلك.
ومنها ما يأتي من بعده، ثم مثل الاستفهام في: تقول.
فقال: (وذلك نحو قولك: " متى تقول زيدا منطلقا "، و" أتقول عمرا ذاهبا "، و" أكلّ يوم تقول عمرا منطلقا "، لا يفصل بها كما لم يفصل بها في: " أكلّ يوم زيدا تضربه ").
يريد: " متى تظن زيدا "، و" ألا تظن عمرا ".
وقوله: (ولا يفصل بها).
يعني: أنك إذا قلت: " أكلّ يوم تقول عمرا منطلقا " فالاستفهام قد وقع على " تقول ". فلذلك جعلته في مذهب " تظن "، و" كل يوم " لم يفصل بها بين ألف الاستفهام وبين " تقول "، كما لم يفصل في قولك: " أكلّ يوم زيدا تضربه "، وكأنك قلت: " أزيدا
[ ١ / ٤٥٩ ]
تضربه كل يوم "، فكذلك ها هنا، كأنك قلت: " أتقول عمرا منطلقا كل يوم ".
قال: (وتقول: " أأنت تقول زيد منطلق " رفعت؛ لأنه فصل بينه وبين حرف الاستفهام، كما فصل في قولك: " أأنت زيد مررت به " فصارت بمنزلة أخواتها، وصارت على الأصل).
قال أبو سعيد: يعني: أنّ " أنت "، فصلت بين الاستفهام وبين " تقول "، فخرجت " تقول " عن الاستفهام، فعادت إلى حكمها وحكاية ما بعدها، كما أنك إذا قلت: " أأنت زيد مررت به " فصلت " أنت " بين ألف الاستفهام وبين " زيد "، فرفع " زيد " كحكمه في الابتداء. قال الكميت شاهدا لجعل " تقول " في مذهب " تظن " في الاستفهام:
أجهّالا تقول بني لؤيّ لعمر أبيك أم متجاهلينا (١)
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أما الرّحيل فدون بعد غد فمتى تقول الدّار تجمعنا (٢)
قال: (وإن شئت رفعت بما نصبت فجعلته حكاية).
يعني: إن شئت حكيت بعد القول في الاستفهام، ولم تجعله في مذهب " تظن " فقلت: " أتقول زيد منطلق ".
قال أبو عثمان: غلط سيبويه في قوله: وإن شئت رفعت بما نصبت؛ لأن الرفع بالحكاية، والنصب بإعمال الفعل.
يريد أبو عثمان: أنك إذا قلت: " أتقول: زيد منطلق "، " فزيد " مرفوع بالابتداء، وإذا قلت: " أتقول زيدا منطلقا "، فهو منصوب بالفعل.
فقال المجيب عن سيبويه: إن هذا لا يذهب على من هو دون سيبويه ولم يغز سيبويه هذا المغزى، إنما أراد: وإن شئت رفعت في الموضع الذي نصبت، ولم يعرض لذكر العامل كما تقول: " زيد بالبصرة "، وإنما تريد: " في البصرة ".
وقد يجوز أن يكون المعنى: وإن شئت رفعت ما نصبت، والباء زائدة كما قال تعالى: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ (٣) أي: تنبت الدّهن وكما قال الشاعر:
_________________
(١) البيت للكميت في الخزانة ٤/ ٢٤، الدرر اللوامع ١/ ١٤٠.
(٢) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٣٩٤، الخزانة ٤/ ٢٤.
(٣) سورة المؤمنون، آية: ٢٠.
[ ١ / ٤٦٠ ]
هن الحرائر لا ربّات أحمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسّور (١)
يريد: لا يقرأن السور.
(وزعم أبو الخطاب وسألته عنه غير مرة: أن أناسا من العرب يوثق بعربيتهم، وهم بنو سليم يجعلون باب " قلت " أجمع مثل " ظننت ").
وقد ذكرنا هذا فيما مضى.
قال سيبويه: (واعلم أن المصدر قد يلغى كما يلغى الفعل وذلك قولك: " متى زيد ظنك ذاهب "، و" زيد ظني أخوك "، و" زيد ذاهب " ظني ").
ف " زيد " يرتفع بالابتداء، وخبره " ذاهب "، و" متى " ظرف للذهاب " وظنك " منصوب بفعل مضمر ملغي، كأنك قلت: " متى زيد تظن ظنك ذاهب "، وجاز إلغاؤه؛ لأنه بين الاسم والخبر وليس بمتقدم.
قال: (فإن ابتدأت فقلت: " ظني زيد ذاهب "، كان قبيحا ضعيفا، كما قبح " أظن زيد ذاهب ").
يعني: أن قولك: " ظني زيد ذاهب " - لما قدمت " ظني " - صار بمنزلة قولك:
" أظن ظني زيد ذاهب "، وأنت لا تقول: " أظن زيد ذاهب ".
قال: (وهو في " أين، ومتى " أحسن إذا قلت: " متى ظنك زيد ذاهب ". و" متى تظن زيد منطلق "؛ لأن قبله كلاما، وإنما يضعف هذا في الابتداء كما ضعف " غير ذي شك زيد ذاهب "، و" حقا عمرو منطلق ").
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه قد أجاز في هذا الموضع إلغاء الظن، وقد تقدم الفعل المفعولين، إذا كان قبل الظن شيء متصل بالمفعول الثاني. وذلك أنه أجاز " متى تظن عمرو منطلق "، وعمر: مبتدأ ومنطلق: خبره، و" متى " ظرف للانطلاق، و" متى ظنك زيد ذاهب "، ف " زيد ": مبتدأ و" ذاهب ": خبره، و" متى ": ظرف للذهاب، وقد رد عليه ذلك أبو العباس وغيره، وقالوا: هذا نقض للباب، وذلك أنه شرط: متى ما تقدم الفعل لم يلغ، وأعمل، فوجب أن يعمل ها هنا.
_________________
(١) البيت في الخزانة ٣/ ٦٦٧.
[ ١ / ٤٦١ ]
فقال المحتج عنه: إنما شرط سيبويه أن يتقدم الفعل، وليس قبله شيء في صلة ما بعده.
قال: (إذا تقدم شيء مما بعده، قبل أن يأتي بفعل الشك، فقد مضى ذلك اللفظ على غير الشك والظن جاز فيه الإلغاء، كما جاز في " أين تظن زيدا " إذا تقدم الخبر).
وقوله: (وإنما يضعف هذا في الابتداء كما ضعف: " غير ذي شك زيد ذاهب "، و" حقا زيد منطلق ").
قال أبو سعيد: واعلم أن " حقا، وغير ذي شك "، وما جرى مجراهما يؤكد به الجمل وتحقق، ولا تأتين مبتدأ، إذا أردت ذلك المعنى لأنك إذا قلت: " زيد منطلق حقا " فقد وكدت إخبارك بانطلاقه، كأنك قلت: حق ذلك حقا؛ لأن قولك: " زيد منطلق " ظاهره يدل على أنك تخبر بما تحقه وما هو صحيح عندك، فلا تقدم هذا التأكيد، ويؤتى بالجمل بعده فضعف تقديم الظن كضعف تقديم هذا لأنه نقيضه وذلك أن قولك: " زيد منطلق حقا " في باب التحقيق كقولك: " زيد منطلق ظنا " في باب الظن.
قال: (وإن شئت قلت: " متى ظنّك زيدا أميرا " كقولك: " متى ضربك عمرا ".
يعني: أنك تجعل " ظنك ": مبتدأ، و" متى ": خبره، و" زيدا أميرا " مفعولي الظن.
قال: (" وقد " يجوز أن تقول: " عبد الله أظنه منطلق " تجعل هذه الهاء على ذاك، كأنك قلت: " زيد منطلق أظن ذاك ").
قال أبو سعيد: إذا قلت: " عبد الله أظنه منطلق " فهذه الهاء " للظن " لا " لعبد الله "، و" أظنه " ملغي وليس بالقوي في الكلام، وذلك أن هذه الهاء إذا جعلتها للظن الذي هو المصدر، فقد أكدت " أظن " بذكر الظن، وأنت قد ألغيت " أظن " برفعك " عبد الله " و" زيدا "، فالأجود أن هذه الهاء إذا جعلتها للظن الذي هو المصدر أن تقول: " عبد الله أظن
منطلق " وإذا قلت: " عبد الله أظنه منطلق " فهو أجود من أن تقول: " عبد الله أظن ظنا منطلق " و" أظن ظني منطلق؛ لأنك إذا قلت: " أظنه "، فليس فيه لفظ الظن، وإنما هو كناية عنه، والظن أبلغ في التأكيد؛ لأنه من لفظ " أظن "، وكأنه أعيد لفظه تاكيدا.
وكذلك إذا قلت: " عبد الله أظنّ ذاك منطلق " وجعلت " ذاك " إشارة إلى المصدر، كان أجود من أن تقول: " عبد الله أظنّ الظن منطلق "؛ لأنه أبعد من لفظ التأكيد، وإن جعلت هذه الهاء لعبد الله لم يجز إلا نصب " منطلقا "؛ لأنه يكون " عبد الله " مبتدأ، والهاء
[ ١ / ٤٦٢ ]
في " أظنه " المفعول الأول، و" منطلقا " المفعول الثاني.
وقد تقدم الظنّ المفعولين، فلا يجوز الإلغاء، ويجوز أن تقول في الابتداء: " أظنه عبد الله منطلق "، وأظنه عبد الله منطلقا "، على مذهبين مختلفين.
أما إذا قلت: " أظنه عبد الله منطلق "، جعلت الهاء للأمر والشأن وجعلتها للمفعول الأول، وجعلت الجملة التي هي مبتدأ وخبر في موضع المفعول الثاني، كما تقول: " إنه زيد قائم "، و" كان زيد قائم "، وإن نصبتها جعلت " الهاء " ضمير الظن، وصارت تأكيدا للفعل، فكأنك قلت: " أظن ظني عيد الله منطلقا ".
قال: (وإنما يضعف هذا إذا ألغيت؛ لأن الظن يلغى في مواضع " أظن "، حتى يكون بدلا من اللفظ به، فكره المصدر هنا، كما قبح أن يظهر ما أنتصب عليه سقيا، وسترى ذلك- إن شاء الله- مبنيا ولفظك بذاك أحسن من لفظك بظني).
يعني: إنما يضعف " عبد الله أظنه منطلق " لأن " أظن " قد ألغى والمصدر تأكيد، فكره أن يؤتى بتأكيد شيء قد ألغى.
فإن قال قائل: فأنت قد تقول: " عبد الله ظنك منطلق " وتجيء بالمصدر، وقد ألغيت.
قيل: المصدر هاهنا بمنزلة الفعل؛ لأنك لم تأت بالفعل وجعلت المصدر بدلا من اللفظ به، فكأنك لفظت بالفعل بلا مصدر.
وقوله: (كما قبح أن يظهر ما انتصب عليه " سقيا ").
يعني: قبح أن تقول: " عبد الله أظن ظني منطلق "، فتجمع بين الفعل والمصدر، كما قبح أن تقول: " سقاك الله سقيا لك "؛ لأن الكلام " سقاك الله "، أو " سقيا "، ولا يجمع بينهما.
قال: (ولفظك بذاك أحسن من لفظك " بظني "). وقد مر هذا.
قال: (ألا ترى أنك لو قلت: " زيد ظنّي منطلق " لم يحسن ولم يجز أن تضع ذاك موضع " ظني ").
يريد: أن " ظني " أدل على " أظن " من ذاك. فلذلك صار " ذاك " أبعد من التأكيد. ألا ترى أنك تقول: " زيد ظني منطلق " ولا تقول: " زيد ذاك منطلق ".
قال: (وترك ذاك في " أظن " إذا كان لغوا أقوى منه إذا وقع على المصدر).
[ ١ / ٤٦٣ ]
يعني: أن قولنا: " زيد أظن منطلق " أقوى من قولنا: " زيد أظن ذاك منطلق "، لأن " ذاك " إشارة إلى المصدر الذي هو تأكيد.
قال: (وأما " ظننت أنه منطلق " فاستغنى بخبر " أنّ "، تقول: " أظن أنه فاعل كذا وكذا، فتستغنى. فإنما يقتصر على هذا إذا علم أنه مستغن بخبر " أن ").
قال أبو سعيد: اعلم أن " أنّ " المشددة وما بعدها من الاسم والخبر يكون بمعنى المصدر ويقع في موضع الفاعل، والمفعول، والمجرور:
فوقوعها في موضع الفاعل قولك: " بلغني أنك منطلق " أي: " بلغني انطلاقك ".
ووقوعها في موضع المفعول قولك: " عرفت أنك منطلق " أي: عرفت انطلاقك.
ووقوعها مجرورة قولك: " أخبرت بأنك منطلق " أي: بانطلاقك.
وإذا وقعت في موضع مفعول فهي تقع موقع المفعول الواحد، وتنوب عنه في الفعل الذي يتعدى إلى مفعول واحد كما ذكرنا في: " عرفت أنك منطلق ". وموقع المفعولين في الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين وتنوب عنهما وهو قولك: " ظننت أنك منطلق "، و" حسبت أن بكرا خارج "، فنابت " أن " وما بعدها عن مفعولي المحسبة، كما أنك إذا قلت: " علمت لزيد منطلق " نابت الجملة، وإن كانت هي غير عاملة فيها عن المفعولين.
ولو أظهرت المصدر الذي في معناه " أن "، فقلت: " حسبت انطلاقك " لاحتجت إلى مفعول ثان؛ لأن " أن " قد وجد بعدها اسم وخبر لو حذفتهما واقتصرت عليهما، كانا مفعولي الظن، والمصدر ليس فيه شيء من ذلك.
وكان بعض البصريين يقول: إن المفعول الثاني مضمر فإذا قلنا: " حسبت أن زيدا منطلق " فتقديره: " حسبت أن زيدا منطلق واقعا "، كأنا قلنا: " حسبت انطلاق زيد واقعا ".
والقول ما قاله سيبويه؛ لأن هذا المضمر لا يجوز إظهاره ولا مانع له من الإظهار لو كان مضمرا، ولأنا إذا قلنا: " حسبت زيدا منطلقا "، أو " حسبت أن زيدا منطلقا " كان الأمر فيهما واحد من جهة المعنى.
قال: (ويجوز أن تقول: " ظننت (زيدا) " إذا قال: " من تظن؟ " أي من تتهم؟
فتقول: " ظننت زيدا " كأنه قال: " اتهمت زيدا " وعلى هذا قيل: " ظنين " أي متهم).
يعني: أن " ظننت "، يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى " اتهمت " وقد ذكرنا هذا.
[ ١ / ٤٦٤ ]
قال: (ولم يجعلوها ذلك في: " حسبت، وخلت، وأرى "؛ لأن من كلامهم أن يدخلوا المعنى في الشيء لا يدخل في مثله).
يعني: أنهم لم يقتصروا في " حسبت وأرى وخلت على مفعول واحد كما فعلوا ذلك في الظن، واتسعوا في " ظننت "؛ لأنها أكثر دورا في ألسنتهم وهم لها أكثر استعمالا، وقد ذكرنا ما يكون له حكم في كلام العرب لا يكون لنظائره، وسيأتي من بعد إن شاء الله تعالى.
قال: (وسألته عن أيهم؛ لم لم يقولوا: أيهم مررت به؟ فقال: لأن " أيهم " هو حرف الاستفهام، ولا تدخل عليه الألف، وإنما تركت الألف استغناء فصارت بمنزلة الابتداء، ألا ترى أن حد الكلام أن يؤخر الفعل فتقول: " أيهم رأيت "، كما تفعل ذلك في أما، فهي نفسها بمنزلة الابتداء).
قال أبو سعيد: أمّا قوله: (وسألته).
يعني: الخليل وكذلك كل ما كان مثله في الكتاب إذا لم يتقدم ذكر إنسان.
وأما قوله: (أيهم مررت به).
فالاختيار أن تقول: " أيهم مررت به " و" أيهم ضربته ". فقال قائل: لم لم يجز النصب وهو استفهام، كما اختير في قولك: " أزيدا ضربته "؟
فقال: لأنا إذا قلنا: " أزيدا ضربته "، فحرف الاستفهام منفصل من زيد وهو أولى بالفعل، فأضمرنا بينه وبين " زيد " فعلا ينصبه. و" أيهم " لم يدخل عليها حرف، وإنما صيغ له لفظه الاستفهام ولم يكن فيه حرف هو أولى (بالفعل) فصار بمنزلة " زيد ضربته " في الاختيار. ومن قال: " زيدا ضربته " على إضمار " ضربت زيدا ضربته "، قال: " أيهم مررت به " و" أيهم ضربته " على تقدير: " أيهم لاقيت مررت به " و" أيّهم ضربت ضربته " فتضمر بعده فعلا ينصبه؛ لأنه استفهام.
وأما قوله: (وتركت الألف استغناء).
يعني: لم تدخل ألف الاستفهام على " أي " في حال الاستفهام بها ونظيرها " من " و" ما " و" كيف " وسائر الأسماء التي يستفهم بها، وكان حكمها عند سيبويه أن تدخل ألف
[ ١ / ٤٦٥ ]
الاستفهام عليها؛ لمعنى الاستفهام أي: على " أيّ " في حال الاستفهام بها لأنها أسماء وللأسماء دلالة على معانيها
التي وضعت لها، من مكان وزمان وإنسان وحيوان، وحروف الاستفهام تدل على الاستفهام فيها.
غير أنهم طرحوا حرف الاستفهام؛ لأنهم لم يستعملوا هذه الأسماء في جميع المواضع، كما يستعملون سائر الأسماء الصحاح، فاكتفوا بدلالتها على الاسم المستفهم عنه أن يأتوا لها بحرف الاستفهام، وكذلك إذا استعملت هذه الأسماء في المجازاة، اكتفوا بها عن حروف الجزاء.
قال: (فإن قلت: " أيهم زيدا ضرب "، قبح، كما يقبح في " متى " ونحوها، وصار أن يليها الفعل هو الأصل؛ لأنها من حروف الاستفهام ولا يحتاج إلى الألف فصارت ك " أين ").
يعني: أن الاختيار أن تقول: " أيهم ضرب زيدا "، و" متى ضرب زيد عمرا "، وذلك أنك إذا قلت: " أيهم "، فقد جئت باسم الاستفهام، وحصل فالواجب أن تأتي بالفعل بعده، وصار تقدم " أي "، كتقدم الألف في اختيار الفعل بعده.
قال: (وكذلك " من "، و" ما " لأنهما يجريان معها ولا يفارقانها تقول: " من أمة الله ضربها "، و" ما أمة الله أتاها "، نصب في كل ذا لأنه أن يلي هذه الحروف الفعل أولى، كما أنه لو اضطر شاعر في " متى " وأخواتها نصب، فقال: " متى زيدا رأيته ").
قوله: " من " و" ما ".
يعني: حكمها كحكم " أي "؛ لأنهما يجريان مع " أي "، ولا يفارقانها في الاستفهام والجزاء، فإذا قلت: " من أمة الله ضربها "، فالاختيار أن تنصب " أمة الله " بإضمار فعل، وكذلك: " ما أمة الله أتاها "، كأنك قلت: " من ضرب أمة الله ضربها "، و" ما أتى أمة الله أتاها "؛ لأن " من " و" ما " لما تقدمتا صارتا بمنزلة ألف الاستفهام وهي بالفعل أولى، وكان الاختيار أن يكون لفظ الفعل متقدما في " من " و" ما " و" متى " و" أي ".
وهذه الحروف لا يليها الاسم البتة، فيقال: " من ضرب أمة الله " وألا يقال: " من أمة الله ضربها "؛ لأنها أضعف من ألف الاستفهام وليس لها تصرف ألف الاستفهام، فإذا اضطر
[ ١ / ٤٦٦ ]
شاعر أو تكلم متكلم على قبح، فقدّم الاسم، وشغل الفعل بضميره، نصب بإضمار فعل كما ذكرنا. فقال: " متى زيدا رأيته " على تقدير: متى رأيت زيدا رأيته. وأقبح من هذا أن تقول: " متى زيد رأيته " و" من أمة الله ضربها " كما تقول: " متى زيد منطلق " و" من أمة الله جاريته "، والاختيار ما ذكرناه.