" الأمر والنهي يختار فيهما النصب، في الاسم الذي يبنى عليه الفعل، ويبنى على الفعل ".
قال أبو سعيد: اعلم أن الأمر والنهي هما بالفعل فقط؛ لأنك إنما تأمر بإيقاع فعل، وتنهى عن إيقاع فعل، وربما أمرت باسم هو في المعنى واقع موقع الفعل كقولك: " عندك زيدا " و" دونك زيدا " في معنى: خذ زيدا، وكقولك: " حذار زيدا " في معنى: احذر زيدا.
فإذا كان الأمر على هذا، ثم أتيت باسم، قد بني الفعل بعده على ضميره نصبته، لإضمار فعل، على نحو ما ذكرنا في الاستفهام، فقلت: " زيدا اضربه "، على تقدير: اضرب زيدا اضربه، و" زيدا لا تشتمه " على تقدير: لا تشتم زيدا لا تشتمه.
وكان النصب في الأمر والنهي أولى وأقوى من الاستفهام؛ من قبل أن الأمر والنهي لا يكون إلا بفعل على ما ذكرنا، وقد يكون الاستفهام بغير فعل، كقولك:
" أزيد أخوك "، و" أعبد الله عندك ".
ومن ذلك أيضا: " أمّا زيدا فاقتله " و" أمّا عمرا فاشتر له ثوبا "، و" أمّا خالدا فلا تشتم أباه "، و" أمّا بكرا فلا تمرر به "، وذلك أن ما بعد " أمّا " كالكلام المستأنف، فنصبته على ما ذكرنا من النصب في الأمر، ولم تقدّر الفعل بعد " أمّا "؛ لأنها لا يليها الفعل، ولكن تقدّر الفعل بعد الاسم بلا ضمير، وتعدّيه إلى الاسم وتحذفه، ثم تأتي بالفعل الواقع على الضمير، فتفسر به الفعل المحذوف، فيكون تقديره: " أمّا زيدا فاقتل قاتله " وأمّا بكرا فلا تلق فلا تمرر به، وأما خالدا فلا تهن فلا تشتم أباه، ولا بد من الفاء بعد " أمّا ".
ومنه: " زيدا ليضربه عمرو "، و" بشرا ليقتل أباه خالد "؛ لأنه أمر للغائب فهو كالمخاطب في باب الأمر، وقد يجوز فيه الرفع، وذلك قولك: " عبد الله اضربه " و" أمّا زيد فاقتله "، وذلك أن الأمر فعل ومعه فاعله، فهو جملة، فجئت بالاسم مبتدأ، وجعلت الجملة في موضع خبره، وأدخلت الفاء بعد " أمّا "، ولم تدخلها إذا بدأت بالاسم؛ لأنك جعلت الأمر في موضع الخبر، فإذا قلت: " زيدا اضربه " كان كقولك: " زيد منطلق " ولو قلت:
[ ١ / ٤٩١ ]
" زيد فاضربه " صار بمنزلة قولك: " زيد فمنطلق "، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز " فمنطلق " ويجوز " أمّا زيد فاضربه " كما يجوز " أمّا زيد فمنطلق ".
وإذا لم تجعل في الفعل ضميرا من الاسم، وقدمت الاسم وأخّرت الفعل، كنت في إدخال الفاء بالخيار، إن شئت أدخلتها وهي بمنزلتها في جواب " أمّا "، وإن شئت أخرجتها وذلك قولك " زيدا اضرب "، و" زيدا فاضرب "، فإذا قلت: " زيدا اضرب " فتقديره: اضرب زيدا، وإذا أدخلت الفاء؛ فلأن حكم الأمر أن يكون الفعل فيه مقدّما، فلما قدمت الاسم أضمرت فعلا، وجعلت الفاء جوابا له، وأعملت ما بعد الفاء في الاسم؛ لأنك قدمت الاسم عوضا من الفعل المحذوف، الذي ينبغي أن يكون مصدّرا به في الأمر. وتقدير الكلام: تأهب فاضرب زيدا، أو تعمد فاضرب زيدا، وما أشبه ذلك، فلما حذفت " تأهب " قدمت " زيدا " ليكون عوضا من المحذوف، وأعملت فيه ما بعد الفاء، كما أعملت ما بعد الفاء في جواب " أمّا " فيما قبلها، وقدمت الاسم على الفاء في جواب " أمّا " عوضا من الفعل المحذوف الذي قامت أمّا مقامه، وهو قولك: " مهما يكن من شيء فقد ضربت زيدا " فإذا نقلته إلى " أمّا " قلت: " أما زيدا فقد ضربت ".
والدليل على ما ذكرنا من عمل ما بعد الفاء فيما قبلها في الأمر، قولك: " بزيد فامرر "، فلولا أنّ ما بعد الفاء عمل فيما قبلها، ما دخلت الباء على زيد؛ لأن الباء في صلة المرور، ولا يصلح أن تضمر مرورا آخر؛ لأن ما كان من الفعل متعديا بحرف جر لا يضمر، ولا تشبه الفاء في هذا الفاء في قولك: " عبد الله فاضرب "؛ لأن قولك: " عبد الله "
مبتدأ، ولا يصلح أن تكون الفاء في خبره.
فإذا قلت: " زيدا فاضربه " فهو على تقديرين: أحدهما اضرب زيدا فاضربه، وعليك زيدا فاضربه؛ لأنك قد تقول: " زيدا "، في معنى: عليك زيدا، أو تعمد زيدا.
قال: (وقد يحسن ويستقيم أن تقول: " عبد الله فاضربه " إذا كان مبنيا على مبتدأ مظهر أو مضمر، فأما في المظهر فقولك: " هذا زيد فاضربه "، وإن شئت لم تظهر هذا، وعمل كعمله إذا أظهرته كقولك: " الهلال والله فانظر إليه " تريد هذا الهلال والله).
يعني أنك إذا جئت بمبتدأ وخبر، جاز إدخال الفاء بعدهما؛ لأن المبتدأ والخبر جملة.
[ ١ / ٤٩٢ ]
والفاء تدخل لجواب الجملة؛ لأنها قد أفادت معنى، كقولك: " زيد قائم فقم إليه "، وإن شئت أدخلت الفاء؛ لعطف جملة على جملة،
وقال الشاعر:
وقائلة: خولان فانكح فتاتهم وأكرومة الحيين خلو كما هيا (١)
أراد هذه خولان؛ فلذلك أدخل الفاء، ومعنى قوله: " وأكرومة الحيين خلو كما هيا " من قول القائلة، أرادت أن هذه الفتاة التي أشارت عليه بتزويجها، هي خلو كما كانت لم تتزوج، وإنما قال: حيين؛ لأن " خولان " قد اشتملت على حيين، وعلى أحياء، ويجوز نصب " خولان " كما في أول الباب.
قال: (وتقول " هذا الرجل فاضربه "، إذا جعلته وصفا).
يعني إذا جعلت " الرجل " وصفا لهذا، وكذلك " هذا زيدا فاضربه " إذا جعلت " زيدا " بدلا من " هذا " أو عطف بيان، وهو كالنعت، وإنما نصبته لأن الوصف والموصوف، والبدل والمبدل منه، كاسم واحد، ولو جعلته خبرا لقلت: " هذا زيد فاضربه " فجعلت الفاء جوابا للجملة، أو عطف جملة على جملة كما ذكرنا.
قال: (وتقول: " اللذين يأتيانك فاضربهما " تنصبه كما تنصب زيدا، وإن شئت رفعته على أن يكون مبنيا على مظهر أو مضمر، وإن شئت كان مبتدأ؛ لأنه يستقيم أن تجعل خبره من غير الأفعال بالفاء، ألا ترى أنك لو قلت: " الذي يأتيني فله درهم "، " والذي يأتيني فمكرم محمول " كان حسنا، ولو قلت: " زيد فله درهم " لم يجز).
قال أبو سعيد: قد تقدم من قول سيبويه أنه لا يجوز أن تقول: " زيد فاضربه "، كما لا يجوز أن تقول: " زيد فمنطلق " " وزيد فله درهم " والذي أبطل هذا أنّ دخول الفاء لا معنى له هاهنا، فإذا كان اسم موصول لفعل ما، ولم يقصد به إلى شخص بعينه، كان الفعل مستقبلا أو في معنى الاستقبال، وإن كان لفظه ماضيا جاز أن تدخل الفاء في خبره،
وتذهب بالاسم الأول مع صلته مذهب المجازاة، وذلك قولك: " الذي يأتيني فله درهم " إذا لم يكن قاصدا إلى واحد بعينه، وكان استحقاقه للدرهم بسبب إتيانه،
_________________
(١) الخزانة ١/ ٢١٨، ٣/ ٣٩٥ الدرر اللوامع ١/ ٧٩، شواهد المغني ١٥٩.
[ ١ / ٤٩٣ ]
فيصير هذا بمنزلة قولك: " من يأتيني فله درهم "؛ لأن الدرهم يستحق بالإتيان، فإن قصدت " بالذي " وصلته إلى اسم بعينه، لم يجز دخول الفاء في خبره، وجرى مجرى " زيد "، فقلت: " الذي يأتيني له درهم "، كأنك أردت: زيد الذي يأتيني له درهم، إذا قدرت أنه يأتيك، أو وعدك بذلك ولا يستحق الدرهم من أجل إتيانه فيجري مجرى " زيد " إذا قلت: " زيد له درهم ".
ومما يجري مجرى الذي " كل رجل يأتيني فله درهم "؛ لأنك إنما توجب الدرهم بسبب إتيانه، فتضمر معنى المجازاة، فدخلت الفاء من أجلها.
فنقول الآن: إن قوله: " اللذين يأتيانك فاضربهما " يجوز فيه الرفع والنصب، فإن جعلت " اللذين " بمنزلة " زيد "، ولم تضمر مبتدأ ولا خبرا، كان الاختيار النصب، ولم تكن الفاء داخلة لجواب المجازاة، ولكنها دخلت كما دخلت في الأمر حين قلنا:
" زيدا فاضرب " فيكون التقدير: اضرب اللذين يأتيانك فاضربهما، كما تقول: " زيدا فاضربه ".
ويجوز الرفع من وجهين:
أحدهما: أن تضمر مبتدأ وخبرا، وتجعل الفاء جوابا للجملة، كأنك قدرت: هذان اللذان يأتيانك، واللذان يأتيانك صاحباك فاضربهما.
والوجه الثاني: ألا تقصد إلى اثنين بأعيانهما، وتجعل الضرب مستحقّا بالإتيان، فكل اثنين أتياه وجب ضربهما. كما قال تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما (١) فوجب الأذى على كل اثنين يأتيان الفاحشة، وعنى بالاثنين الذكر والأنثى، ولم يكن الحكم جاريا على اثنين بأعيانهما دون غيرهما، ويكون قوله " فاضربهما " خبرا، ودخلت الفاء للجواب لا للأمر.
ولا يجوز سقوطها على هذا الوجه، ويجوز سقوطها في النصب؛ لأنك لم ترد هذا المعنى، وإن قصدت " باللذين " إلى اثنين بأعيانهما، لم يجز أن ترفع، وتدخل الفاء فتقول:
" اللذان يأتيانك فاضربهما " وأنت تعني زيدا وعمرا، كما لم يجز أن تقول: " زيد فاضربه "
_________________
(١) سورة النساء: ١٦.
[ ١ / ٤٩٤ ]
إلا بإضمار مبتدأ وخبر على ما بيّنّا.
قال وأما قول عدي بن زيد:
أروّاح مودّع أم بكور أنت فانظر لأيّ ذاك تصير (١)
ويروى: " لك " فانظر لأيّ حال تصير " ولا شاهد فيه، وإنما جاء سيبويه بهذا البيت لقوله: " أنت فانظر "، وهو يشبه: " زيد فاضربه "، وقد قال: " زيد فاضربه " لا يجوز إلا على إضمار؛ بسبب دخول الفاء، وقد دخلت الفاء في قوله: " فانظر " فتأول ذلك على وجوه أراد بها تصحيح دخول الفاء، وأنها علي غير الوجه الذي أفسد دخولها فيه، وجملة تأوله ثلاثة أوجه، وعندي وجه رابع قريب التأويل.
فأما الوجوه التي ذكرها سيبويه، فأن ترفع " أنت " بفعل مضمر يفسره الفعل المظهر الذي فيه ضميره، كأنك قلت: انظر أنت فانظر، كما تقول: " أزيد ضرب عمرا " و" أزيد ضرب غلامه عمرو "، فرفعت بفعل مضمر؛ إذ كان الظاهر فيه ضمير مرفوع.
والوجه الثاني: أن تجعل " أنت " مبتدأ، وتضمر له خبرا، وتجعل الفاء جوابا للجملة كأنه قال: أنت الراحل، كما تقول: أنت الهالك، ثم تحذف فتقول: " أنت "؛ لدلالة الحال عليه، كما قال: " إذا ذكر إنسان لشيء قال الناس: أنت، وقد قال الناس زيد " وهذا في كلام الناس مشهور كثير، وهو كقولك لمن تخاطب إذا وصفته بالشجاعة: إذا ذكر الناس والشجاعة قال الناس: أنت، وإذا ذكر النحو قال الناس: الخليل، أي أنت شجاع، والخليل نحويّ.
والوجه الثالث: أن تجعل " أنت " خبرا، كأنك قلت: نويت الراحل أنت، وجعلت في نيّتك المبتدأ، وقال سيبويه في هذا الوجه الثالث: " وهذا على قولك: شاهداك، أي ما يثبت لك شاهداك ".
ومعنى هذا أن يتقدم رجلان إلى حاكم أو غيره فيدعي أحدهما على الآخر شيئا فينكره، فيقول الحاكم: " شاهديك " وإن شاء قال: " شاهداك " فإن قال شاهديك فمعناه أحضر شاهديك، أو هات شاهديك، وإن قال: " شاهداك " فمعناه الشيء الذي يثبت
_________________
(١) الخزانة ١/ ١٨٣، الدرر ١/ ٧٩، الهمع ١/ ١١٠.
[ ١ / ٤٩٥ ]
ويصح شاهداك؛ لأن الدعوى لا تثبت مجرّدة، وحقيقة هذا الكلام ما يثبت شاهده شاهديك، لأن معنى قولك: يثبت شاهداك أي تثبت شهادة شاهديك، ومنه قول الناس:
" أثبت فلان في الديوان "، أي أثبت اسمه ..
قال: (ولا يجوز أن تضمر هذا؛ لأن المتكلم لا يشير إلى نفسه، ولا يشار للمخاطب إلى نفسه).
لا تقول: " وهذا أنت "، ولا " هذا أنا "، فلذلك لم تضمر هذا أنت فانظر "
وقد قال سيبويه في غير هذا الموضع: (ها أنا ذا وها أنت ذا في معنى هذا أنا، وهذا أنت "، فهو يخالف الذي ذكره هاهنا في الظاهر وإذا صرنا إليه فسّرناه هناك إن شاء الله تعالى. وذكر قوله تعالى: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ (١) فخرجه على الوجهين:
إضمار المبتدأ، وإضمار الخبر، فإضمار الابتداء كأنه قال: أمري طاعة، وإضمار الخبر قوله: " طاعة وقول معروف أمري ").
والوجه الرابع الذي عندي: أن ترفع " أنت " بيكون؛ لأن المصادر تعمل عمل الأفعال، فكأنك قلت: أن تروح أنت أم تبكر أنت، كما قال تعالى: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيمًا (٢) على تقدير أو أن يطعم يتيما، فكذلك هذا " أم أن تبكر أنت ".
وفيه وجه خامس: وهو أن تجعل البكور في معنى باكر، كما تقول: " زيد إقبال وإدبار " أي مقبل ومدبر.
ويجوز فيه وجه سادس: وهو أن تحذف المضاف، وتقيم المضاف إليه مقامه، كأنك قلت: أم صاحب بكور، حذفت الصاحب كما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (٣).
وفي البيت: " أرواح مودّع "، والرواح لا يودّع، قال الأصمعي: يودّع فيه، كما قال
_________________
(١) سورة محمد، آية: ٢١.
(٢) سورة البلد، آية: ١٤ - ١٥.
(٣) سورة يوسف، آية: ٨٢.
[ ١ / ٤٩٦ ]
تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِرًا (١) أي يبصر فيه، وتحقيقه من جهة النحو: أرواح ذو توديع، فبني له من المصدر الذي يقع فيه اسم فاعل، وإن لم يكن جاريا على الفعل، كما قالوا:
" رجل رامح وناشب " على معنى ذو رمح ونشّاب.
قال أبو الحسن: تقول: " زيدا فاضرب " وبعده كلام قد أتينا عليه.
قال سيبويه: (واعلم أن الدعاء بمنزلة الأمر والنهي، وإنما قيل دعاء؛ لأنه استعظم أن يقال أمر ونهي، وذلك قولك: اللهم زيدا فاغفر ذنبه، وزيدا فأصلح شأنه، وعمرا ليجزه الله خيرا. قال أبو الأسود الدؤلي:
أميران كانا آخياني كلاهما فلا جزاه الله عنّ بما فعل) (٢)
اعلم أن جمهور النحويين لا يسمون مسألة من هو فوقك أمرا وإنما يسمونها مسألة أو دعاء، وينكرون تسمية ذلك أمرا، وللأخفش بعينه احتجاج طويل، ورأيت بعض أهل النظر يسميه أمرا، ويزعم أن ذلك جائز في الكلام والشعر وأنشدنا فيه بيتا يروى لعمرو بن العاص، يخاطب فيه معاوية:
أمرتك أمرا جازما فعصيتني وكان من التوفيق فقدان هاشم (٣)
فزعم عمرو أنه أمر " معاوية "، ومعاوية فوقه، قيل له: يجوز أن يكون عمرو رأى نفسه من طريق المشورة، وحاجة معاوية إليه في رأيه أنه فوقه في هذا الباب، واحتج أيضا بقول الله تعالى: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (٤) وزعم أن الطاعة إنما تكون للآمر، وليس أحد في القيامة يسأل غير الله تعالى، وليس لهم في هذا حجة؛ لأن نفي الطاعة لا يدل على أن ثمّ آمرا لم يطع، وإنما المعنى أنهم لا يؤمرون، وأنه لا أمر فيطاع، كما قال: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٥)، وليس ثمّ شفاعة لهم، وإنما المعنى لا شفاعة لهم فتنفع، مثله قول أبي ذؤيب:
_________________
(١) سورة يونس، آية: ٦٧، النمل: ٨٦.
(٢) الأغاني ١٢/ ٣١٨.
(٣) رغبة الآمل ٣/ ١١٣.
(٤) سورة غافر، آية: ١٨.
(٥) سورة المدثر، آية: ٤٨.
[ ١ / ٤٩٧ ]
متفلّق أنساؤها عن قاني كالقرط صاو غبره لا يرضع (١)
والغبر: بقيّة اللّبن، أي ليس بها لبن فترضع.
والدعاء وإن كان لا يسمى أمرا على ما ذكرنا فسبيله سبيل الأمر في الإعراب من كل وجه، وهو أيضا في المعنى مثل الأمر، وذلك أن الداعي ملتمس من المدعو إيقاع ما يدعوه به، كما أن الآمر مريد من المأمور إيقاع ما يأمره به.
ويدخل في الأمر: " أما زيدا فجدعا له "؛ لأنك تريد فجدعه الله، وإذا كان الدعاء بغير فعل لم ينصب الاسم الأول،
وذلك قولك: " أما زيد فسلام عليه "، و" أما الكافر فلعنة الله عليه "؛ لأنه لم يظهر فعل فتجعله تفسيرا لما ينصب.
قال: وأما قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (٢) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما (٣).
فهذا عند سيبويه مبني على ما قبله، كأنه قال: ومما نقص عليكم السارق والسارقة، والزانية والزاني، فقد تم الكلام، ثم قال: فاجلدوا، فجعل الفاء جوابا للجملة.
قال: ومثله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ (٤).
فمثل الجنة اسم مرفوع، وتمامه محذوف، كأنه قال: ومما نقصّ عليك مثل الجنة، فقد تم الكلام بهذا.
ثم قال من بعد: فِيها أَنْهارٌ، بعد تمام الجملة الأولى كما قال تعالى: فَاجْلِدُوا بعد الجملة الأولى.
قال: " وإنما وضع المثل للحديث الذي بعده ".
يعني أنه لما قال: مَثَلُ الْجَنَّةِ- وقد قلنا: إن التقدير فيه ومما نقصّ عليكم مثل
_________________
(١) سورة المائدة، آية ٣٨.
(٢) سورة المائدة، آية: ٢٨.
(٣) سورة النور، آية: ٢.
(٤) سورة محمد، آية: ١٥.
[ ١ / ٤٩٨ ]
الجنة- توقع السامع الذي وعد بقصصه عليه فقال: فِيها أَنْهارٌ وتوقع أيضا حكم الزاني والزانية الذي وعد بقصصه وذكره، فقال: فَاجْلِدُوا.
وقال الفراء وأبو العباس المبرد: إن الفاء دخلت للجزاء، وإنها خبر، والزانية ترتفع على الابتداء في قول أبي العباس، و" فاجلدوا " خبره، وعند الفراء الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي يرتفعان بما عاد من ذكرهما، ودخلت الفاء؛ لأن الزانية والزاني، في معنى التي تزني والذي يزني، وقد ذكرت هذا في قوله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما (١).
قال سيبويه مستشهدا على ما قال: لمّا قال الله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها (٢) قال في الفرائض: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي (٣) ثم جاء " فاجلدوا " فجاء بالفعل بعد أن مضى فيهما الرفع كما قال:
وقائلة: خولان فانكح فتاتهم
وقد مضى الكلام في هذا.
قال: (وقد يجري هذا في زيد وعمرو على هذا الحد إذا كنت تخبر بأشياء أو توصي).
يعني أنك تقول: " زيد فأحسن إليه " إذا أردت: زيد فيمن أوصى به فأحسن إليه، فيكون بمنزلة الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا وتكون الفاء جوابا للجملة.
قال: (وقد قرأ أناس " والسارق والسارقة " و" الزانية والزاني " وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوة)
وهذه القراءة تروى عن عيسى بن عمر، وهو على: اجلدوا الزانية والزاني، كما ذكرنا في قولنا " زيدا فاضربه " وهو قوي في العربية ولكن القراءة سنّة منقولة.
قال: (وإنما كان الوجه في الأمر والنهي النصب؛ لأن حد الكلام تقديم الفعل، وهو فيه أوجب؛ إذا كان ذلك يكون في ألف الاستفهام).
_________________
(١) سور النساء، آية: ١٦.
(٢) سورة النور، آية: ١.
(٣) سورة النور، آية: ٢.
[ ١ / ٤٩٩ ]
يعني لما كان الاختيار في ألف الاستفهام نصب الاسم على ما شرطنا كان نصبه أولى في الأمر والنهي؛ لأنهما لا يكونان إلا بفعل، وقد ذكرنا هذا.
قال: " وقبح تقديم الاسم في سائر الحروف؛ لأنها حروف تحدث قبل الفعل، ويصير معنى حديثهن إلى الجزاء، والجزاء لا يكون إلا خبرا، وقد يكون فيهن الجزاء في الخبر، وهي غير واجبة كحروف الجزاء فأجريت مجراها، فالأمر ليس يحدث له حرف سوى الفعل، فيضارع حروف الجزاء، فيقبح حذف الفعل منه، كما يقبح حذف الفعل بعد حروف الجزاء ".
قال: " وإنما قبح حذف الفعل وإضماره بعد حروف الاستفهام لمضارعتها حروف الجزاء، وإنما قلت: " زيدا اضربه " مشغولة بالهاء والمأمور لا بد له من أمر؛ لأن الأمر والنهي لا يكونان إلا بالفعل فلا يستغنى عن الإضمار إذا لم يظهر ".
وأما قوله: " وقبح تقديم الاسم في سائر الحروف ".
يعني سائر حروف الاستفهام سوى الألف، كقولك: " أين زيدا ضربته " و" أين زيدا ضربت "؛ لأن الوجه تقديم الفعل حتى يكون هو الذي يليها، كقولها: " أين ضربت زيدا " وقد ذكرنا هذا فاحتج بأن قال: " إنها حروف تحدث قبل الفعل ".
يعني حروف الاستفهام " ويصير معنى حديثهن إلى الجزاء ".
يعني أن حروف الاستفهام في المعنى إلى حروف الجزاء، ومصيرها إلى الجزاء أنها غير واجبة، كما أن حروف الجزاء غير واجبة وأراد بالجزاء هاهنا حروف شرط الجزاء؛ لأن قولك: " أين تقوم " غير واجب، و" هل زيد قائم " ليس بواجب كما أنك تقول: " أين يقوم زيد فأكرمه " فقيام زيد ليس بواجب.
وقوله: " والجزاء لا يكون إلا خبرا ".
يعني جواب الشرط إذا قلت: " إن تأتني أكرمك "؛ لأنه يصح أن يقال: صدق أو كذب.
وقوله: " وقد يكون فيهن الجزاء في الخبر ".
يعني يكون في حروف الاستفهام مثل جواب الشرط كقولك: أين زيد أكرمه؟
[ ١ / ٥٠٠ ]
فقد يصح له في هذا أيضا صدق أو كذب، وإنما أراد سيبويه التسوية بين حروف الجزاء وحروف الاستفهام، وأرى أنها حروف بالفعل أولى، وأن وليّ الأسماء إياها قبيح، إلا في الألف وأن يفرق بينهما وبين الأمر، وذلك أن الأمر لا يقبح تقديم الاسم فيه إذا قلت:
" زيدا اضربه "؛ لأنه ليس قبله حرف هو بالفعل أولى، فيحتاج إلى إيلائه الاسم فاعرفه إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٥٠١ ]
شرح كتاب سيبويه
تأليف
أبي سعيد السيرافي الحسن بن عبد الله بن المرزبان المتوفى سنة ٣٦٨ هـ
تحقيق
أحمد حسن مهدلي
علي سيد علي
[المجلد الثاني]
دار الكتب العلمية
[ ٢ / ٥٠٠ ]
بسم الله الرّحمن الرّحيم