بالفاعل فيما عملت فيه، ولم تقو أن تعمل عمل الفاعل؛ لأنها ليست في معنى الفعل المضارع، فإنما شبّهت بالفاعل فيما عملت فيه، وما تعمل فيه معلوم، إنما تعمل فيما كان من سببها معرّفا بالألف واللام أو نكرة لا تجاوز هذا لأنه ليس بفعل، ولا اسم هو في معناه.
قال أبو سعيد: ينبغي أن نقدم جملة نوطئ بها شرح هذا الباب ونقربه؛ حتى نوقف على أصله، والسبب الذي أجاز تغييره عنه، وبالله تسديدنا.
اعلم أن العرب قد تصف الشيء بفعل غيره إذا كانت بينهما وصلة في اللفظ بضمير يرجع إلى الموصوف، فمن ذلك قولك: " مررت برجل قائم أبوه "، و" مررت برجل ذاهب عمرو إليه " و" رأيت رجلا محبّة له جاريتك " نعت رجلا بقيام أبيه، وذهاب عمرو، ومحبة الجارية، لما كان في الكلام ضمير يعود إليه ولو لم يكن ضمير يعود إليه لم يجز الكلام، ولا تقول: " مررت برجل قائم عمرو " لأنه لا وصلة بينهما.
فإذا قد تبين ما وصفناه، وصح أن الشيء يوصف بفعل غيره؛ للعلاقة اللفظية التي بينهما جاز أيضا أن ترفع الشيء بفعل غيره إذا كان على ما ذكرنا، من الضمير العائد إلى الأول، وهو الذي يشتمل عليه ابتداء هذا الباب، وتلزمه هذه الترجمة، ويقال له: " الصفة المشبهة " وذلك قولك: " مررت برجل حسن الوجه " و" مررت برجل قائم الأب "، " وبامرأة حسنة الوجه " وكان الأصل في ذلك: " مررت برجل حسن وجهه "، و" بامرأة حسن وجهها "، فإذا قلت ذلك فقد نعتّ الرجل والمرأة بالحسن الذي للوجه، ورفعت الوجه بفعله، وكذلك إذا قلت: " مررت برجل قائم الأب " فالأصل فيه: " مررت برجل قائم أبوه " نعتّ رجلا بقيام أبيه ورفعت الأب بفعله، وجعلت الضمير العائد إلى الرجل
[ ٢ / ٥٠ ]
متصلا بالأب والوجه، وأخليت النعت الذي هو " حسن " و" قائم " من ضمير الأول؛ لأنك رفعت الأب والوجه بفعلهما، وجعلت الضمير العائد إلى الأول متصلا بهما، ثم إنك توسعت على مذهب العرب، فجعلت الأول فاعلا للحسن وللقيام في اللفظ، وإن كانت حقيقة الحسن للوجه، والقيام للأب، فإذا فعلت ذلك جعلت في " حسن " و" قائم " ضميرا للأول مرفوعا بحسن وقائم، كأنهما فعل، فإذا فعلت ذلك لم يجز أن ترفع الأب والوجه، لأنه لا يرتفع فاعلان بفعل واحد، إلا على سبيل العطف، ولم يجز أن يبقى الضمير الذي في الأب والوجه؛ لأنك قد جعلت ذلك الضمير بعينه فاعلا، وجعلته مستكنا في الفعل، فبطل أن يكون الوجه مرفوعا لمّا جعلت ضمير الأول فاعلا في " حسن " ولم يكن بد من ذكر الوجه، لأنك لو لم تذكره لم يعلم أن الحسن في الأصل للأول، أو منقول إليه عن غيره، فذكرت الوجه؛ ليعلم أن الفعل كان له، ونقل عنه فلما ذكرته للحاجة إليه وكان متعلقا بالفعل وقد ارتفع بالفعل غيره، وجب أن يكون محله كمحل المفعول لفظا، والمفعول قد يكون نصبا إذا نوّن اسم الفاعل، وقد يكون جرا إذا أضيف إليه اسم الفاعل، فجاز في " الوجه " النصب والجر على ذلك المعنى.
وأنا أعيد ما فسرته ممثلا له بمثال حاضر قريب، تقول: " مررت برجل حسن وجهه "، فترفع الوجه بحسن، وليس في " حسن " ضمير، والضمير الذي في " وجهه " يعود إلى رجل و" حسن " هو صفة للرجل، ثم تنزع الضمير الذي في وجهه، فتجعله في " حسن " فاعلا، فتقول: " مررت برجل حسن وجها وحسن وجه " فيصير الوجه لفظه لفظ المفعول، لما جعلت الفاعل غيره، فيصير بمنزلة قولك: " مررت برجل ضارب زيد وضارب زيدا "، فالصفة المشبهة " حسن " واسم الفاعل " ضارب "، فحسن يعمل في الوجه ما يعمل " ضارب " في " زيد " وليس " حسن " كضارب؛ لأن " ضاربا " يعمل كعمل فعله، ويجري عليه، تقول " هذا ضارب زيدا " كما تقول؛ " هذا يضرب زيدا "، وتقول: " هذا حسن وجها " ولا تقول: " هذا يحسن وجها " غير أنا شبهنا " حسن " بضارب لما قدمنا، وبينهما اختلاف
في وجوه نذكرها والذي يبين لك أنك إذا قلت: " مررت برجل حسن وجها " أو " حسن الوجه " ولم ترفع الوجه بالحسن، ورفعت به ضمير الأول، أنك تثنيه وتجمعه وتؤنثه على حسب الأول، تقول: " مررت برجلين حسني الوجوه، وبرجال حسني الوجوه، وبامرأة حسنة الوجه "، كما تقول: " مررت برجل قائم، وبرجلين قائمين،
[ ٢ / ٥١ ]
وبامرأة قائمة ".
ولو لم تجعل فيه ضميرا ورفعت الوجه بفعله، لم تثن ولم تجمع، وقلت: " مررت برجلين حسن أوجههما، وبرجال حسن أوجههم، وبامرأة حسن وجهها، وبنساء حسن أوجههنّ " فإذ قد وصفنا السبب المغيّر للفظ الأصلي في الصفة المشبهة، فإنا نذكر ضروب اللفظ بذلك، والاختيار منها.
إذا قلت: " مررت برجل حسن الوجه " ففيه خمسة ألفاظ: أولها: " مررت برجل حسن وجهه " والثاني: " مررت برجل حسن الوجه " وهو أجود الوجوه بعد الأول، إذا نقلت الفعل، و" مررت برجل حسن الوجه "، و" مررت برجل حسن وجه "، و" مررت برجل حسن وجها ".
فأما قولك: " مررت برجل حسن وجهه " فهو الأصل غير مغيّر، وأما قولك " مررت برجل حسن الوجه "، فهو الاختيار من وجهين: أحدهما أن الوجه في هذا الباب تختار فيه الإضافة، وإدخال الألف واللام في المضاف إليه.
فأما الذي أوجب اختيار الإضافة، فمن قبل أن اسم الفاعل في هذا الباب لم يكن منه فعل مؤثر فيما بعده، كما كان ذلك في قولك: " زيد ضارب عمرا "؛ لأن " حسن " لم يعمل بالوجه شيئا، كما عمل زيد " الضرب بعمرو " فأرادوا الفرق بين ما كان له فعل مؤثر وبين ما لم يكن له فعل مؤثر، فاختاروا فيما كان له فعل مؤثر إجراؤه على الفعل ونصبه، وما لم يكن له فعل مؤثر يجري عليه، جعلوه بمنزلة الاسم إذا اتصل بالاسم، كقولك: " غلام زيد "، و" دار عمرو "؛ لأن الصفة المشبهة غير معتبرة بفعلها، وإنما حدث لها هذا المعنى حيث صارت اسما.
ووجه ثان يوجب اختيار الجر، وهو أن الصفة المشبهة غير مستغنية عن الاسم الذي بعدها؛ لأنك لو حذفت الاسم تغير المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: " زيد حسن الوجه " فقد أوجبت أن الحسن للوجه، منقول إلى لفظ زيد، ولو حذفت فقلت: " زيد حسن " كان الحسن له دون غيره، وأنت إذا قلت: " زيد ضارب عمرا " ثم حذفت " عمرا " لم يجهل أن الضرب واقع منه بغيره فحذف " عمرو " لا يخل بالمعنى، فلما كان كذلك، وكان ذكر الوجه ألزم من ذكر المفعول الصحيح، وجب أن يكون الجر أولى به؛ لأن المجرور داخل في الاسم الأول كبعض حروفه.
[ ٢ / ٥٢ ]
وأما الاختيار للألف واللام فيه؛ فمن قبل أنه قد كان " الوجه " معرّفا بالإضافة إلى الهاء التي هي ضمير الأول فلما
نزعوا ذلك الضمير، وجعلوه فاعلا مستكنا في الأول جعلوا مكانه ما يتعرف به، وهو الألف واللام.
وأما الذي قال: " مررت برجل حسن الوجه " فإنه ترك الاختيار حين ترك الإضافة، وأتى بالتشبيه باسم الفاعل الذي يوجب النصب.
ومن قال: " مررت برجل حسن وجه " فقد أتى بأحد وجهي الاختيار وهو الإضافة، وحذف الألف واللام؛ استغناء بعلم المخاطب أنه لا يعني من الوجوه إلا وجهه.
ومن قال: " مررت برجل حسن وجها " ففيه وجهان: أحدهما أنه أعمل " حسن " في الوجه كما يعمل " ضارب " في " زيد " إذا قلت: " هذا ضارب زيدا "، والوجه الثاني: أن يكون على التمييز كما تقول: " هو أحسن منك وجها "، و" ما في السماء موضع راحة سحابا ".
واعلم أن المضاف في هذا الباب لا يكتسب بالإضافة تعريفا إذ كانت النية فيه التنوين، فلذلك جاز أن تدخل الألف واللام على المضاف، فيقال: " مررت بالرجل الحسن الوجه " فيعرّف " الحسن " بالألف واللام لا بالإضافة.
فإن قال قائل: يلزمكم على هذا أن تقولوا: " مررت بالرجل الضارب زيد " لأنكم إذا قلتم: " مررت برجل ضارب زيد "، وعنيتم المستقبل والحال لم يكن " ضارب " متعرفا بزيد، فإذا احتجتم إلى تعريفه، أدخلتم عليه الألف واللام كما أدخلتموها على " الحسن ".
قيل له: بينهما فرق، وطريقهما مختلف، فمن ذلك أن " حسن الوجه " إنما هو مأخوذ من فعل ماض، وأمر مستقر، وإذا كان " ضارب " في مذهب " حسن " من المضي وجبت إضافته، وتعرّف بما يضاف إليه.
ومنها أن الأصل في " حسن " والأولى به الجر، الذي لا يوجب له تعريفا، فإذا أدخلنا عليه الألف واللام لتعريفه تركناه على ما هو حقيق به.
والأصل في " ضارب " التنوين؛ لأنه يجري مجرى الفعل، وإنما يضاف تخفيفا، فإذا أدخلنا عليه الألف واللام، جرى مجرى الفعل المضارع، وإنما يضاف تخفيفا؛ فإذا أدخلنا الألف واللام عليه جرى على أصله الذي يوجبه له القياس؛ لبطلان التخفيف الذي يلتمس بحذف التنوين.
[ ٢ / ٥٣ ]
[قول سيبويه في «الحسن الوجه»:]
قال سيبويه في " الحسن الوجه ":
فالإضافة فيه أحسن وأكثر؛ لأنه ليس كما جرى مجرى الفعل، ولا في معناه، فكان أحسن عندهم أن يتباعد منه في
اللفظ، كما أنه ليس مثله في المعنى، وفي قوته في الأشياء ".
يعني أن قولك: " حسن الوجه " لم يجر مجرى " حسن " كما جرى " ضارب " مجرى " ضرب "، فكان الأحسن عندهم في " حسن " الإضافة؛ لبعد الإضافة من الفعل في اللفظ، كما تباعد " حسن الوجه " من الفعل، ومما جرى مجراه في المعنى.
قال: " والتنوين عربيّ جيد " لما ذكرناه.
قال: " ومع هذا أنهم لو تركوا التنوين أو نون الجمع لم يكن أبدا إلا نكرة على حاله منوّنا، فلما كان ترك التنوين والنون فيه، لا يجاوز به معنى التنوين والنون كان تركهما أخفّ عليهم، فهذا يقوي الإضافة مع التفسير الأول ".
يعني أن الإضافة والتنوين في " حسن الوجه " لا يختلفان في المعنى، فلأنهما لا يختلفان في المعنى مع طلب التباعد بين " حسن الوجه " و" ضارب زيدا " قويت الإضافة.
والمضاف إلى ما فيه الألف واللام بمنزلة ما فيه الألف واللام في هذا الباب، كقولك: " هذا أحمر بين العينين " و" هو جيّد وجه الدار " كأنك قلت: هذا أحمر العينين، وهو جيد الدار، ولو نونت لكان أيضا عربيّا، كقولك: " هذا جيّد وجه الدار " كقول زهير:
أهوى لها أسفع الخدين مطّرق ريش القوادم لم تنصب له الشّرك (١)
أراد مطرق ريش القوادم، أي متراكب كثير، يعني بذلك صقرا، قال العجاج: (٢)
محتبك ضخم شؤون الرأس (٣)
أي شؤون رأسه، وقال " النابغة " فيما كان على مذهب التنوين:
ونأخذ بعده بذناب عيش أجبّ الظهر ليس له سنام (٤)
_________________
(١) ديوان زهير ١٧٢.
(٢) ملحقات ديوان العجاج ٧٩ وهذا صدر بيت وعجزه والسّدس أحيانا وفوق السدّس.
(٣) العجاج هو عبد الله بن رؤبة راجز مجيد عاش في الجاهلية ثم أسلم وعاش إلى أيام الوليد بن عبد الملك وهو والد رؤبة الراجز المشهور شواهد المغني ١٨، الشعر والشعراء ٢٣٠.
(٤) ديوان النابغة ٧٥، الخزانة ٤/ ٩٥، العيني ٣/ ٥٧٩، ابن يعيش ٦/ ٨٣.
[ ٢ / ٥٤ ]
أراد: " أجبّ الظهر ليس له سنام " على مذهب " حسن الوجه " إلا أنه لا ينصرف، ولو جعله على مذهب " حسن
الوجه " بالإضافة لقلت: " أجبّ الظهر ".
قال: (واعلم أن كينونة الألف واللام في الاسم الآخر أحسن وأكثر من ألّا تكون فيه الألف واللام؛ لأن الأول في الألف واللام وفي غيرهما هاهنا في حال واحدة، وليس كالفاعل فكان إدخالهما أحسن، كما كان ترك التنوين أكثر، وكان الألف واللام أولى؛ لأن معناه حسن وجهه، فكما لا يكون في هذا إلا معرفة اختاروا في ذلك المعرفة).
يعني أن الألف واللام إثباتهما في الوجه أحسن، لأن المعنى في إثباتهما ونزعهما سواء، وفي إثباتهما تعريف عوض من التعريف الذي كان في " وجهه "، حيث كان مضافا إلى الهاء، وقد بينا هذا.
قال: " والأخرى عربية ".
يعني نزع الألف واللام، قال عمرو بن شأس:
ألكني إلى قومي السّلام رسالة بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا (١)
ولا سيئي زيّ إذا ما تلبّسوا إلى حاجة يوما مخيّسة بزلا
فهذا على من قال: " مررت بحسن وجه "، ومن قال: " مررت بحسن الوجه " قال سيّئي الزيّ، ومن قال: " بحسن الوجه " قال: سيئي الزيّ، ومن قال: " حسن وجها " قال:
" سيئين زيّا " قال حميد الأرقط:
" لاحق بطن بقرا سمين " (٢)
قال: " ومما جاء منونا قول أبي زبيد:
كأن أثواب نقّاد قدرن له يعلو بخملتها كهباء هدّابا (٣)
أراد كهباء هدابها، ولو كان مما يتصرف قلت: متكهّبا هدّابا كقولك: " حسنا
_________________
(١) من شواهد سيبويه انظر العيني ٣/ ٥٩٦ - الخصائص ٣/ ٢٧٤ / المقتضب ٤/ ١٦٠ وقائله عمرو بن شأس بن عبيد بن نكلبة بن دومة بن مالك بن الحارث شاعر مخضرم، الشعر والشعراء ١٦٣ - سمط الآلئ ٧٥٠.
(٢) انظر سيبويه ١/ ١٠١ بولاق- ١/ ١٩٧ هارون. ابن يعيش ٦/ ٨٣، ٨٥.
(٣) خزانة الأدب ٢/ ١٥٥ - الشعر والشعراء ٢٦٠ - اللسان (نقد) ٤/ ٤٣٧.
[ ٢ / ٥٥ ]
وجها "، تنصبه على الحال من ضمير الثياب المتصل بخملتها، كأنه قال: تعلو الخملة الثياب أكهب هدابا يصف أسدا،
و" النقّاد ": الراعي صاحب النّقد، وهو ضرب من الغنم صغار، فشبّه لون الأسد بثوب النقّاد، والكهباء: الغبراء.
وقال أيضا:
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة محطوطة جدلت شنباء أنيابا (١)
كأنه قال: نقية أنيابها، المحطوطة: البراقة اللون المصقولة.
وقال عدي:
من حبيب أو أخي ثقة أو عدوّ شاحط دارا (٢)
أراد: شاحط داره.
وقال سيبويه: " وقد جاء في الشعر حسنة وجهها، شبهوه بحسنة الوجه، وذلك رديء ".
يعني أن من العرب من يقول: " زيد حسن وجهه " و" هند حسنة وجهها "، فيضيف " حسن " إلى " الوجه "، وفي الوجه ضمير يعود إلى الأول، وذلك رديء؛ من قبل أن في " حسن " ضميرا يرتفع به يعود إلى " زيد "، فلا حاجة بنا إلى الضمير الذي في " الوجه "؛ لأن الأصل: " كان زيد حسن وجهه "، والهاء تعود إلى " زيد "، فنقلنا هذه الهاء بعينها إلى " حسن "، فجعلناها في حال رفع، فاستكنّت فيه، فلا معنى لإعادتها، ولكن من أعادها- إن كان قد أعادها معيد- جعل الضمير مكان الألف واللام، وبقي الضمير الأول على حاله مرفوعا، وجعل للاسم الأول ضميرين يعودان إليه، وصيّره كقولك: " زيد ضارب غلامه " ففي " ضارب " ضمير " يعود إليه مرفوع " وفي الغلام ضمير يعود إليه مجرور.
وأنشد سيبويه قول الشماخ استشهادا لحسنة وجهها:
أمن دمنتين عرّج الركب فيهما حقل الرّخامي قد عفا طللاهما (٣)
أقامت على ربعيهما جارتا صفا كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما
_________________
(١) قائله أبو زيد بن حرملة بن المنذر الطائي العيني ٣/ ٥٩٣ - ابن يعيش ٦/ ٨٣، ٨٤.
(٢) قائله عدي بن زيد من دهاة الجاهليين من أهل الحيرة وكان شاعرا فصيحا يحسن العربية والفارسية الخزانة ١/ ١٨٤ - الأغاني ٢/ ٩٧ - الشعر والشعراء ٦٣.
(٣) ديوان الشماخ ٣٠٨ - الخصائص ٢/ ٤٢٠ - الخزانة ٢/ ١٩٨ والدرر ٢/ ١٣٢.
[ ٢ / ٥٦ ]
والشاهد في البيت الثاني في قوله: " جونتا مصطلاهما " فجونتا مثنى، وهو بمنزلة " حسنتا " وقد أضيفتا إلى "
مصطلاهما "، ومصطلاهما بمنزلة " وجوههما " فكأنه قال:
حسنتا وجوههما، والضمير الذي في مصطلاهما يعود إلى " جارتا صفا ".
ومعنى " جارتا صفا " الأثافي و" الصفا " هو الجبل، وإنما يبنى في أصل الجبل في موضعين ما يوضع عليه القدر، ويكون الجبل هو الثالث، فالبناء في الموضعين هما جارتا صفا، وقوله: " كميتا الأعالي "، يعني أن الأعالي من موضع الأثافي لم تسود؛ لأن الدخان لم يصل إليها فهي على لون الجبل، وجعل ما علا من الجبل أعالي الجارتين، و" جونتا مصطلاهما " يعني مسودّتا المصطلى، يعني الجارتين، مسودّتا " المصطلى "؛ وهو موضع الوقود.
وقد أنكر ذلك على سيبويه، وخرّج للبيت ما يخرّج به عن " حسن وجهه "، و" حسنة وجهها " وذلك أنه لا خلاف بين النحويين أن قولنا: " زيد حسن وجه الأخ جيد بالغ، وأنه يجوز أن تكني عن الأخ فتقول: " زيد " حسن وجه الأخ وجميل وجهه فالهاء تعود إلى الأخ، لا إلى زيد، فكأنا قلنا: زيد حسن وجه الأخ وجميل وجه الأخ، فعلى هذا قوله:
" كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما "
كأنه قال: كميتا الأعالي، جونتا مصطلى الأعالي، فالضمير في " المصطلى " يعود إلى " الأعالي "، لا إلى الجارتين، فيصير بمنزلة قولك: " الهندان حسنتا الوجوه، مليحتا خدودهما " فإن أردت بالضمير الذي في خدودهما " الوجوه " كان الكلام مستقيما كأنك قلت: حسنتا الوجوه، مليحتا خدود الوجوه، وإن أردت بالضمير فإن أردت بالضمير " الهندين " فالمسألة فاسدة، فكذلك " جونتا مصطلاهما " إن أردت بالضمير الأعالي؛ فهو صحيح وإن أردت بالضمير الجارتين فهو رديء، لأنه مثل قولك: " هند حسنة وجهها ".
فإن قال قائل: فإذا كان الضمير الذي في " مصطلاهما " يعود إلى الأعالي فلم ثنّي والأعالي جمع؟ قيل له: الأعالي في معنى الأعليين فرد الضمير إلى الأصل، ومثله:
متى ما تلقني فردين ترجف روانف أليتيك وتستطارا (١)
_________________
(١) البيت لعنترة الخزانة ٣/ ٣٥٩، الدرر ٢/ ٨٠.
[ ٢ / ٥٧ ]
فرد " تستطارا " إلى رانفتين؛ لأن " روانف " في معنى رانفتين، وعلى هذا يجوز أن تقول: " الهندان حسنتا الوجوه جميلتا خدودهما " لأن الوجوه في معنى الوجهين، فكأنك قلت: جميلتا خدود الوجهين، وقد يجوز أن يكون " تستطارا " للمخاطب، وتنصب " تستطارا " على الجواب بالواو، كما قال الله ﷿: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١) ومما يدخل في هذا النحو قول طرفة:
رحيب قطاب الجيب منها رفيقة بجسّ الندامى بضّة المتجرّد (٢)
فهذا هو الإنشاد الصحيح بتنوين " رحيب "، ورديء إضافته بمنزلة " حسنة وجهها "، وذلك لأن الأصل رحيب قطاب الجيب منها، فقطاب يرتفع برحيب، والضمير في " منها " يعود إلى الأول، فإذا أضفنا " رحيب " فقد جعلنا فيها الضمير العائد فلا معنى لمنها، على ما بينا في " حسنة الوجه " وكذا لا يحسن أن تقول: " زيد حسن العين منه " على ذلك.
قال سيبويه: " واعلم أنه ليس في العربية مضاف تدخل عليه الألف واللام، غير المضاف إلى المعرفة في هذا الباب، وذلك قولك هذا الحسن الوجه ":
فإن قال قائل: لم جاز أن تدخل الألف واللام على الصفة المشبهة إذا كانت مضافة قيل له: من قبل أن الإضافة لا تكسوها تعريفا البتة، وقد بينا أمرها وأصلها، وأنها في تقدير المنفصل، فإذا كانت الإضافة لا تكسوها تعريفا ولا تخصيصا، لم تمنعها الإضافة دخول الألف واللام، وحلت محل النكرة، التي تتعرّف بدخول الألف واللام لمّا احتاجت إلى دخولهما حين احتاجت إلى التعريف الذي لا تكتسبه بالإضافة.
فإن قال قائل: ولم جعله " سيبويه " مضافا، والمضاف ما كان مقدرا فيه اللام، أعني لام الإضافة أو " من "؟ فإن الجواب في ذلك أنه أراد أنه مضاف في اللفظ، والتقدير على ما وصفنا ثم ذكر ما أغنى عنه التفسير المتقدم.
ثم قال: فأما النكرة فلا يكون فيها إلا " الحسن وجها " تكون الألف واللام بدلا من التنوين.
_________________
(١) سورة آل عمران، آية: ١٤٢.
(٢) ديوان طرفة ٤٨، الخزانة ٣/ ٤٨١.
[ ٢ / ٥٨ ]
يعني أنك إذا أدخلت الألف واللام في الصفة، ونكّرت ما بعدها لم تجز إضافتها.
فإن قال قائل: فلم لا تجوز إضافة الصفة إلى نكرة في اللفظ، وليست الإضافة فيه صحيحة، فيقال: " الحسن وجه "؟ قيل له: ومن قبل أنا إذا أعطيناها لفظ الإضافة- وإن لم يكن معناها معنى الإضافة- لم يجز أن يكون لفظها خارجا عن لفظ الإضافة الصحيحة.
لأنا سميناها بها، وليس في شيء من الإضافات لفظا وحقيقة ما يكون المضاف معرفة، والمضاف إليه نكرة فلم يحسن أن تقول: " مررت بزيد الحسن وجه " فيكون " الحسن " معرفة و" الوجه " نكرة، فيجري على خلاف ألفاظ
الإضافة التي سميناها بها.
فإن قال قائل فأنتم تقولون: " مررت بالحسن الوجه " فتضيفون ما فيه الألف واللام، وليس ذلك في باب المضاف؟ فالجواب عن ذلك، أنه غير مخالف لباب الإضافة، وإن كان في المضاف الألف واللام، وذلك من قبل أن المضاف قد يكون معرفة بالمضاف إليه، إذا قلت: " غلام زيد " و" دار بكر " فالمضاف معرفة بالمضاف إليه، والمضاف إليه معرفة بنفسه، وقد صح أن المضاف قد يكون معرفة إذا كان المضاف إليه معرفة، فغير مستنكر أن يكون في " الحسن " الألف واللام، ويكون مضافا، إذا كان التعريف والإضافة لا يتنافيان في اللفظ، غير أن قولنا: " الحسن الوجه "، لما لم يقع له التعريف بالإضافة كما وقع " لغلام زيد " أدخلوا ما يقع به لتعريف من الألف واللام، مكان ما يقع من التعريف بالإضافة، و" غلام زيد " وما بعده قد وقع تعريفه بزيد، فلم يحتج إلى دخول الألف واللام، " فالحسن الوجه " يشبه " غلام زيد " في هذا المعنى.
ومع هذا فإن الأصل دخول الألف واللام في الوجه، وطرحهما استخفافا، والشيء الذي هو الأصل أقوى وألزم، فلما كان دخول الألف واللام مع الإضافة، إنما هو ضرورة، لم يتجاوز بها اللفظ الذي هو الأصل، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
وقال سيبويه: بعد قوله: " تكون الألف واللام بدلا من التنوين ".
لأنك لو قلت: " حديث عهد " أو " كريم أب " لم تخلل بالأول في شيء فيحتمل به الألف واللام؛ لأنه على ما ينبغي أن يكون عليه ".
" أما قوله: " فأما النكرة فلا يكون فيها إلا الحسن وجها "
يعني إذا كان الثاني نكرة وهو " وجها " والأول فيه الألف واللام، لم تجز الإضافة، ووجب نصب الثاني.
[ ٢ / ٥٩ ]
وقوله: " تكون الألف واللام بدلا من التنوين " يعني أن الألف واللام في الأول بدل من التنوين فيه فلو كان منوّنا كان مثل قولك: " حسن وجها " لا غير، فإذا أدخلت فيه الألف واللام كان محلّ إدخال التنوين.
وقوله: " لأنك لو قلت حديث عهد، أو كريم أب ".
فهو بمنزلة قولك: " حديث العهد " أو " كريم الأب "؛ لأنك وإن نكرته فقد علم أنه ليس تعني من العهود إلا عهده، ومن الآباء إلا أباه، فتنكير الثاني لا يخل ولا يزوله عن حاله لو كان معرفا، وليس بمنزلة سائر الأشياء المضافة تتنكر بتنكير المضاف إليه، وتتعرف بتعريفه.
قوله: (فيحتمل به الألف واللام) يعني لو كانت إضافة الأول إلى الثاني في التنكير، تخالف الإضافة في حال
التعريف، لجاز أن تدخل الألف واللام على الأول، وإن كان مضافا إلى نكرة، فتقول " الحسن وجه " كما جاز أن تدخل عليه الألف واللام، وهو مضاف إلى المعرفة، فلما كان الثاني المضاف إليه، تنكيره وتعريفه سواء في المعنى، ثم أردنا إدخال الألف واللام في الأول، وهو مضاف إلى المعرفة، أدخلناهما في الثاني؛ لئلا يخرج عن لفظ الإضافة على ما بيناه قبل هذا.
ولو كان الثاني منكورا على خلاف معناه معروفا، جاز إدخال الألف واللام في الأول، وإن كان الثاني نكرة؛ لأن الألف واللام تعرفه فقط دون غيره، ولو عرفنا الثاني زال عن معناه منكورا، فلما لم يكن كذلك آثروا تعريف الثاني، إذا عرفوا الأول؛ لاستواء التعريف والتنكير في المعنى، وصحة لفظ التعريف في مشاكلة الإضافات على ما مر.
ومما يدل على صحة القول بتعريف الأول، وتنكير الثاني عند الحاجة والضرورة، أنا لو نادينا رجلا فقلنا: " يا حسن وجه " و" يا ضارب رجل "، وقصدنا واحدا بعينه دون سائر أمته، لكان الأول معرفة بالقصد بالنداء، والثاني منكورا على حاله الأولى.
وقوله: " فيحتمل به الألف واللام " يحتمل أن يكون الضمير في " به " عائدا إلى الأول، ويحتمل أن يكون إلى الثاني، فإن كان إلى الأول فالمعنى فيحتمل بالأول الألف واللام لما ذكرناه، وإن كان إلى الثاني فمعناه فيحتمل بالثاني دخول الألف واللام على الأول.
وقوله: " لأنه على ما ينبغي أن يكون عليه " يعني لو كان تنكير الثاني يخالف
[ ٢ / ٦٠ ]
تعريفه لجاز أن تدخل الألف واللام على الأول، وتدع الثاني نكرة على ما كان؛ لأنه على ما ينبغي أن يكون عليه، يعني أن الثاني يكون على حاله منكورا لصحة معناه، وتدخل الألف واللام في الأول.
ثم قال: قال رؤبة:
الحزن بابا والعقور كلبا (١)
ومعناه الحزن بابه وهو الشديد، والعقور كلبه، ثم نصب لدخول الألف واللام في الأول.
قال: وزعم أبو الخطاب (٢) أنه سمع قوما من العرب ينشدون هذا البيت للحارث بن ظالم (٣).
فما قومي بثعلبة بن بكر ولا بغزارة الشّعرى رقابا (٤)
و" الشّعرى " جمع أشعر، وهو الكثير الشعر، وكانت العرب تمدح بالجلاء وخفة الشعر، قال الشاعر هدبة:
فلا تنكحي إن فرّق الدهر بيننا أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
ضروبا بلحييه على عظم زوره إذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا (٥)
فهجاه بكثرة شعر قفاه ووجهه، وكذلك قوله:
ولا بغزارة الشعرى رقابا
هجاهم بكثرة شعور رقابهم.
والشاهد أنه أدخل الألف في " الشّعرى "، ونصب رقابا، وانتفى الحارث بن ظالم من ثعلبة بن سعد، وهم من بني ذبيان، ومن فزارة بن ذبيان، وانتسب إلى قريش من قصيدة له طويلة.
_________________
(١) ديوان رؤبة ١٥، الخزانة ٣/ ٤٨٠، العيني ٣/ ٦١٧.
(٢) أبو الخطاب هو الأخفش الكبير عبد الحميد بن عبد المجيد من متقدمي علماء العربية انظر الإنبا ٥/ ١٥٧، نزهة الألباء ٤٣.
(٣) الحارث من أشهر فتاك العرب في الجاهلية الخزانة ٣/ ١٨٥.
(٤) العيني ٣/ ٦٠٩ - ابن الشجري ٢/ ١٤٣ - ابن يعيش ٦/ ٨٩.
(٥) الخزانة ٤/ ٨٤ - البيان والتبيين ٤/ ١٠ وهما لهدبة بن خشرم.
[ ٢ / ٦١ ]
قال سيبويه: وإنما أدخلت الألف واللام في " الحسن " ثم أعملته كما قلت:
الضارب زيدا.
يعني أنك أدخلت الألف واللام على " حسن وجها "، فصارت الألف واللام بمنزلة التنوين، فعمل في " وجه " مع الألف واللام، كما عمل مع التنوين كما قلت:
ضارب زيدا " ثم أدخلت الألف واللام في " الضارب زيدا " فصار بمنزلة التنوين وكان ذلك بمنزلة قولك: " ضارب زيدا "، ثم تقول: الضارب زيدا تنصب زيدا مع الألف واللام، كما كنت تنصبه مع التنوين.
وعلى هذا الوجه تقول: " الحسن الوجه " وهي عربية جيدة، قال الحارث بن ظالم:
فما قومي بثعلبة بن سعد ولا بغزارة الشعرى رقابا (١)
قال سيبويه: وقد يجوز في هذا أن تقول: " هو الحسن الوجه " على قوله: " هو الضارب الرجل "، فالجر في هذا الباب من وجهين.
قال أبو سعيد اعلم أنّا إذا قلنا: " الضارب زيدا والضارب رجلا " لم يجز فيه إلا النصب؛ لأنّ " ضارب " قبل دخول
الألف واللام عليه كان أصله منونا ناصبا لما بعده، ويجوز حذف التنوين منه وجر ما بعده استخفافا، وإن كان الأصل التنوين، فإذا أدخلنا الألف واللام أدخلناه على ما بعده قبل أن ننقله عن أصله وحدّه؛ لطلب الخفة، فعاقبت الألف واللام التنوين، فوجب نصب ما بعده، وذلك قولك: " الضارب زيدا " و" الضارب رجلا "، وعلى هذا تقول: " الضارب الرجل "، كما قلت: " الضارب زيدا "، وقد بينا أن الصفة المشبهة قد أعملت عمل اسم الفاعل فقيل: " الحسن الوجه "، كأنا قلنا: " حسن وجها "، ثم أدخلنا الألف واللام للتعريف، كما قلنا: " ضارب الرجل "، ثم قلنا: " الضارب الرجل ".
وقد بينا وجه الجر في: " الحسن الوجه " الذي يستحقه في بابه، وبينا ما بينه وبين اسم الفاعل من المناسبة، فأجازوا لذلك أن يقولوا: " الضارب الرجل "، فحملوه على " الحسن الوجه " لفظا للألف واللام التي في الرجل، بالمشابهة للألف واللام التي في الوجه، فلما كان " الحسن الوجه " في حال النصب، قد جعل في منزلة " الضارب الرجل " وفي
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٦٢ ]
خبره، وحملوا " الضارب " بعد النصب على " الحسن الوجه " في حال الخفض لما بينهما من المناسبة، ولاشتباه لفظيهما، حملوا على " الحسن الوجه " كل محمول نصبه على " الضارب الرجل " فجروه، وحصل " للحسن الوجه " الجر من وجهين؛ أحدهما: ما كان له من الجر في الأصل، والآخر: دخوله مع " الضارب الرجل " بعد أن كان منصوبا في تشبيه " الحسن الوجه " في الأصل.
وتحصيل هذا المعنى، أنّا إذا قلنا: " حسن الوجه " فأدخلنا الألف واللام، فقد أدخلناهما على مخفوض، لم يكن منونا.
والوجه الثاني: أنا إذا قلنا: " الحسن الوجه "، فكأنه كان " حسن الوجه "، ثم دخل عليه الألف واللام، فعاقب التنوين، فصار بمنزلة " الضارب الرجل " على ما فسرنا ثم خفضناه كخفض " الضارب الرجل "، فأحد وجهي الجر على أصله والآخر حملا على ما شبه بأصله، وهو الضارب الرجل.
وقد حكي عن المازني (١) أنه قال: النصب في " الضارب الرجل " من وجهين؛ أحدهما: ما له من الأصل على ما وصفنا من النصب، والآخر: أنّا لما قلنا: " الضارب الرجل " تشبيها " بالحسن الوجه " في الخفض، وقد جاز في " الحسن الوجه " أن تنصبه تشبيها بالرجل، نصبنا كل محمول على " الحسن الوجه " في الخفض، فصار نصب "
الضارب الرجل " من وجهين: أحدهما ما له في الأصل، والآخر حملا على ما شبه به على نحو ما ذكرنا في الجر. فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: (وإذا ثنيت أو جمعت فأثبتّ النون فليس إلا النصب، وذلك قولك: هم الطيبون الأخبار، وهما الحسنان الوجوه وهم الحسنون الوجوه، وهما الكريمان (الآباء).
وإنما لم يكن إلا النصب من قبل أن النون في الاثنين والجماعة محل التنوين من الواحد. والدليل على ذلك أنك تثبت النون إذا لم تضف، وتحذفها في الإضافة، كما تفعل ذلك في التنوين، فإذا أثبت النون في التثنية والجمع فقد فصلته من الثاني، وبطل الجر، فلم
_________________
(١) هو أبو عثمان بكر بن محمد بن بقيسة وقيل بكر بن محمد بن عدي بن حبيب المازني العدوي نزهة الألباء ١٨٢.
[ ٢ / ٦٣ ]
يكن إلا النصب من ذلك قوله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١)، وقالت خرنق: (٢)
لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر
النازلون بكل معترك والطيبون معاقد الأزر (٣)
والشاهد في البيت: نصب " معاقد " لما ثبتت النون في الطيبين.
قولها: " سم العداة وآفة الجزر " يعني أنهم حتف من عاداهم، وآفة الإبل؛ لما ينحرونها للأضياف، و" النازلون بكل معترك " يعني النازلون بمواضع القتال والاعتراك، والغاشون للحروب، " والطيبون معاقد الأزر " يعني أنهم أعفاء، يقال: فلان طيب معقد الإزار، وهو كناية عن العفة.
قال سيبويه: " فإن كففت النون جررت كان المعمول فيه نكرة أو فيه الألف واللام، كما قلت: " هؤلاء الضاربو زيد ".
يعني أن النون لما كانت في التثنية والجمع بمنزلة التنوين في الواحد، وكانت الإضافة تعاقب التنوين عاقبت النون، فقد حصل لك بهذا أن قولنا: " الضاربا زيد " و" الضاربو زيد " جائز، وإن كان لا يجوز " الضارب زيد "؛ لأنك قد حذفت في التثنية والجمع النون، وجعلت الإضافة معاقبة لها، وكذلك لا يجوز " الحسن وجه " ويجوز " الحسنا وجوه " " الحسنو وجوه "؛ لمعاقبة النون الإضافة تشبيها " بالضاربي زيد " و" الضاربي زيد ".
قال سيبويه: " وإن شئت نصبت على قولهم: الحافظو عورة العشيرة ".
يعني أنك إن شئت حذفت النون استخفافا، ونصبت على تقدير النون، فقلت:
" الطيور أخبارا " كأنك أردت النون، وحذفتها تخفيفا، وإنما جاز هذا لأن الألف واللام بمنزلة " الّذين " و" اللّذين "،
وقد جاز حذف النون من " الذين " و" اللذين " تخفيفا، فحذفت أيضا من أسماء الفاعلين التي في معنى الذين قال الشاعر:
_________________
(١) سورة الكهف، آية: ١٠٣.
(٢) الخزنق بنت بدر بن هفان شاعرة جاهلية شعرها في الرثاء والهجا وهي أخت طرفة بن العبد لأمه الخزانة ٢/ ٣٠٦ - أعلام النساء ١/ ١٩٤ - الأعلام ٢/ ٣٤٧.
(٣) ديوان خرنق ٢٩، الخزانة ٢/ ٣٠١، الدرر ٢/ ١٥٠.
[ ٢ / ٦٤ ]
وإنّ الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد (١)
أراد الذين حانت بفلج دماؤهم، فحذف النون، ولو جعل الألف واللام مكانها لقال: إن الحائني بفلج دماؤهم.
والحافظو عورة العشيرة، كقولك: حفظوا بحذف النون، وكما حذف من " الذي " حذف مع الألف واللام، قال الأخطل في التثنية:
أبني كليب إن عمّيّ اللذا قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا
فحذف النون من " اللذا "، ولو جعل مكانها الألف واللام لقال " القاتلا الملوك " فحذف النون تخفيفا.
قال سيبويه: " وتقول فيما لا يقع إلا منونا عاملا في نكرة وإنما وقع منونا؛ لأنه فصل به بين العامل والمعمول، فالفصل لازم له أبدا مظهرا أو مضمرا، وذلك قولك:
" هو خير منك أبا وأحسن منك وجها "، ولا يكون المفعول فيه إلا ما كان من سببه ".
إن قال قائل: لم لم يقع " خير منك " و" أفضل منك " وبابهما مضافا؟ ففي ذلك جوابان: أحدهما أن هذا الباب وضع للتفضيل، فإذا قلت: " زيد أفضل من عمرو "؛ فقد زعمت أن فضل زيد ابتدأ من فضل عمرو راقيا صاعدا، فدللت بهذا على أنه أفضل من كل أحد مقدار فضله كمقدار فضل عمرو، فكأنك قلت: علا فضله عن هذا المقدار، فتبين المخاطب أنه قد علا عن هذا الابتداء، ولم يعلم موضع الانتهاء، فصار كقولك:
" سار زيد من بغداد " فقد علم المخاطب أن زيدا ابتدأ مسيره من بغداد، فجاوزها ولم يعلم أين انتهى، فلما كان معنى هذا الباب الدلالة على ابتداء التفضيل عن مقدار المفضل عليه، وكل من كان في محله ومنزلته، لم يكن بدّ من من ظاهرة أو مضمرة، فلما كانت كذلك نوّن ولم تصلح إضافته إلى المفضل عليه؛ لدخول " من " فاصلة بينهما لفظا وتقديرا، وانتصب ما بعده لتنوين الأول؛ لأنه ليس بفاعل، والفاعل " هو " مضمر في " أفضل " وفي " خير "
وهو الأول.
والعلة الثانية أنك إذا قلت: " زيد أفضل منك " فأفضل بمنزلة الفعل، لأنك إنما أردت به العبارة عن الفعل، فكأنك قلت: فضله يزيد على فضلك، ولذلك لم يثنّ ولم
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٦٥ ]
يجمع؛ لمّا كان متضمنا للمصدر وزيادته، فكان بمنزلة الفعل الذي هو متضمن للمصدر والزمان، فلما كان الفعل لا يضاف، ولم يضف هذا.
فإن قال قائل: فلم لا يكون " أفضل " وبابه إلا نكرة، وخالف باب الصفة المشبهة في لزوم التنكير، والصفة المشبهة يجوز فيها التنكير والتعريف؟ فالجواب في ذلك أن " أفضل " حين " منع التثنية والجمع بحلوله محل الفعل؛ بسبب دلالته على المصدر والزيادة كدلالة الفعل على المصدر والزمان منع التعريف، كما لا يكون الفعل معرفا، ولا يكون مثنّى ولا مجموعا.
فإن قال قائل: فلم لا يعمل إلا في نكرة؟ ففي ذلك وجهان:
أحدهما: أن المنتصب في " أفضل " وبابه إنما هو دال على نوع كما يدل مفسر " عشرين " وما جرى مجراه، فنكّر مفسر " أفضل " كما نكر ما فسر العشرين وبابها؛ لأنه لا يدل على شيء بعينه.
فإن قال قائل: لم وجب تنكيره؟
فالجواب في ذلك أنا إذا ذكرنا المقدار الذي هو العدد، لم يعلم على ماذا وقع؛ لأن الأنواع كلها مشتملة على المقادير، فلا بد من ذكر النوع المذكور مقداره؛ ليعلم أنه المقصود بالكلام، فلما كانت الحاجة إلى ذكر النوع- لما ذكرناه- وجب أن نذكر منه نكرة شائعة فيه؛ لأن كل ما كان معروفا هو في حكم نفسه، ولا يذهب الوهم إلى غيره، والنكرة شائعة في نوعها، فإذا أردنا إبانة النوع أبنّاه بالشائع فيه دون المنفرد منه.
ووجه آخر في هذا، وذلك أنا إذا أردنا الدلالة على النوع دللنا عليه بأخف الأشياء منه، وهو الواحد المنكور، كما أنا إذا احتجنا إلى تحريك شيء فقط، آثرنا أخف الحركات وهو الفتح إلا أن تعرض عليه علة مانعة.
والوجه الثاني من الوجهين الدالين على أن " أفضل " وبابه لا يعمل إلا في نكرة، هو أنه لا يكون إلا نكرة، فلما خالف في نفسه الصفات المشبهة، فلم يكن إلا نكرة نقص عملها على مقدار ضعفها، فلم تعمل إلا في نكرة.
فإن قال قائل: فإن الفعل نكرة في نفسه، ومع هذا فهو يعمل في المعارف والنكرات.
قيل له: الفصل بينهما أن الفعل يستحيل أن يكون معرفة بحال، وهو الأصل في
[ ٢ / ٦٦ ]
التأثير والعمل في الأسماء، فعمل في الأسماء كلها؛ إذ كانت الأسماء العاملة في الأسماء إنّما عملت لمضارعتها، وليس كذلك باب " أفضل "؛ لأنه اسم يعمل بمضارعة اسم هو أقوى منه، وهو الصفة المشبهة، فلما كانت الصفة المشبهة التي عمل " أفضل " وبابه لمضارعتها، تكون معرفة ونكرة وهي عاملة، ونقص " أفضل " عنها، فلم تكن إلا نكرة، نقص ما عمل فيه فلم يكن إلا نكرة.
ووجه ثان وهو أنا رأينا " أفضل " وبابه يعمل في واحد يكون معنى الجنس، فصار نسبته من الصفة المشبهة كنسبة " لا " من " إنّ " في أنها لا تعمل إلا في نكرة، وذلك أنّ " إنّ " تعمل في المعارف والنكرات، ولا تجعل الواحد بمعنى جنس، وقد ينصب ب " لا " كما ينصب بإنّ إلا أن " لا " تجعل الواحد في معنى الجنس، فلم تعمل إلا في نكرة، وكذلك " أفضل " وبابه، لما صار الواحد بعده في معنى الجنس لم يعمل إلا في نكرة، وخالف الصفة المشبهة كما خالفت " لا " " إنّ " وبابها فيما ذكرنا. فإن قال قائل: إذا جاز أن تقول:
" مررت برجل قائم أبوه وحسن وجهه " فتجريه على رجل، وترفع فاعله به، فلم لا تقول:
" مررت برجل خير منك أبوه وأفضل منك أخوه "، ونحو ذلك، فتجريه على الأول، وترفع به فاعله كما تقول: " مررت برجل خير منك وأفضل منك " فتجريه على الأول، وترفع ضميره به؟
قيل له: الفصل بينهما أن " حسن وجهه وقائم أبوه "، وما جرى مجراهما من أسماء الفاعلين، إذا نقلنا الضمير إلى الأول فجعلناه فاعلا في اللفظ، ثنّي وجمع وأنّث، على مقدار ما فيه من الضمير، وذلك قولك: " مررت برجل حسن الوجه، وبرجلين حسني الوجه، وبرجال حسني الوجوه، وبامرأة حسنة الوجه "، فلما جرت على ما قبلها فأشبهت اسم الفاعل الجاري على فعله، في تثنيته وجمعه وتأنيثه وتذكيره، وصار محله الفعل، فكذلك اسم الفاعل لما ثنيناه وجمعناه وأنثناه وذكرناه في قولنا: " مررت برجل ضارب زيدا "، وبرجلين ضاربين زيدا، وبرجال ضاربين زيدا، وامرأة ضاربة زيدا، على قولك:
" مررت برجل ضرب زيدا، ورجلين ضربا زيدا، ورجال ضربوا زيدا، وامرأة ضربت زيدا ".
فإذا كان اسم الفاعل لشيء هو من سبب الأول، جاز أن تجريه على الأول؛ لأنه يثنّى بتثنيته ويؤنث بتأنيثه، ويجمع بجمعه، فصار كأنه له فعل، وأما " أفضل " وبابه فإنه لا
[ ٢ / ٦٧ ]
يثنى ولا يؤنث ولا يجمع؛ لأنه ليس باسم الفاعل الجاري على فعله، ولا هو على ذلك البناء كما كان " حسن الوجه،
وقائم الأب، ونظيف الثوب "؛ لأن " حسن الوجه وقائم الأب " هو اسم الفاعل بعينه، غير أنّا نقلنا الفعل عن فاعله إلى غيره، وبقي بناء لفظ الفاعل على حاله، فبعد باب " أفضل " من شبه أسماء الفاعلين، وصارت كالأسماء الجوامد التي لم تشتق من الأفعال، كقولك: " مررت برجل قطن لباسه، وبرجل كتّان رداؤه " ألا ترى أنه لا يثنّى القطن ولا الكتان، ولا يجمع ولا يؤنث؛ لأنك تقول: " مررت برجل قطن قميصاه وكتان قمصه "، على معنى قميصاه قطن، وقمصه كتّان فيكون الابتداء والخبر في موضع نعت الأول، كما تقول: " مررت برجل أبوه قائم ".
ويجوز أن يجري على من هو له إذا أفرد كقولك: " مررت برجل أفضل منك وبامرأة خير منك "؛ لأن الأخير هو الأول، فهو يجري عليه وإن كان جامدا، ألا ترى أنك تقول: " مررت بجبل عشرين ذراعا "، و" مررت بأخيك زيد "، ونحو ذلك، وليس في شيء من هذا معنى الفعل، إلا أن الثاني هو الأول، وقد يكون فيه نعتا أو عطف بيان، فإن كان الجاري على الأول شيئا فيه معنى من معاني الفعل- وإن كان محله محل الأسماء الجامدة في أكثر أحوالها- فلا بد من ضمير يكون له فيه؛ لأنه وإن كان كذلك ففيه معنى الفعل، وهو قولك: " مررت برجل أفضل منك وخير منك "؛ لأنه في معنى يفضلك ويعلو عليك.
وقد أجاز قوم من العرب: " مررت برجل أفضل منك أخوه، وخير منك عمّه "؛ لأنه مأخوذ من فعل وإن بعد شبهه بأسماء الفاعلين، وهو قليل رديء؛ لما ذكرناه قبل، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
وقول سيبويه: " ولا يكون المعمول فيه إلا من سببه ".
يعني أنك إذا قلت: " هو خير منك أبا وأحسن منك وجها "، فأبوه هو الفاضل لا غير، وكذلك وجهه هو الحسن لا غير، إلا أنك نقلت فضل الأب وحسن الوجه إليه، فجعلته الفاضل والحسن لفظا، ثم فسرت ما به فضل وحسن، كما ذكرنا ذلك في باب الصفة المشبهة باسم الفاعل، فهذا قوله: " لا يكون المعمول فيه إلا من سببه ".
قال سيبويه: " وإن شئت قلت: هو خير عملا وأنت تنوي " منك ".
يعني أن تقدير " منك " لا بد منه، وإن كان محذوفا؛ لأن التفضيل لا بد فيه من أن
[ ٢ / ٦٨ ]
تذكر الغاية التي منها بدأ المفضل راقيا في الفضل، وذلك بمن فإن أظهرتها فهو حق الكلام، وإن حذفتها فلعلم المخاطب أن التفضيل لا يقع إلا بها.
قال سيبويه: " وإن شئت أخرت الفصل في اللفظ وأصله التقديم ".
يعني إن شئت قلت: " هو أفضل أبا منك " والفصل هو: " منك " لأنها فصلت ما قبلها من الإضافة إلى ما بعدها، أعني أنك إذا قلت: " هو أفره منك عبدا " لو حذفت " منك " وجب إضافة أفضل إلى ما بعده كقولك: " هو أفضل عبد " على
خلاف معنى " من "، فإذا جئت بها فقد منعت الإضافة، وفصلت الأول من الثاني.
وقوله: " وأصله التقديم " يعني أن أصل " منك " أن تكون مقدمة على التفسير، وذلك أن التفسير إنما يجيء بعد تمام المفسّر، وهي من تمامه؛ لأنها الدالة على موضع التفضيل، فهي من تمام أفضل، والتفسير تبيين الأفضل، فهذا معنى قوله: " وأصله التقديم "؛ يعني أصل الفضل الذي بيناه.
قال سيبويه: " لأنه لا يمنعه تأخيره عن عمله مقدما ".
يعني أنك إذا قدمت " منك " أو أخرته فهي فاصلة داخلة بمعنى التفضيل وقد عمل " أفضل " فيه وفي التفسير جميعا، فلك أن تقدم أيهما شئت، وإن كان أصل التقديم للفصل، كما أنك إذا قلت: " ضرب زيدا عمرو " جاز وإن كان الأصل فيه تقديم عمرو، وجاز تأخيره لأنه لا يحوّل المعنى عما كان عليه مقدما.
قال سيبويه: " كما قال ضرب زيدا عمرو، فعمرو مؤخر في اللفظ مبدوء به في المعنى، وهذا مبدوء به في أنه يثبت التنوين ".
يعني أن " منك " مبدوء به قبل التفسير، وهو الذي جلب التنوين ومن أجله دخل الكلام وإن كان مؤخرا في اللفظ، لأن دخوله يوجب التنوين، وموضعه التقديم فمن حيث جاز أن تقدم المفعول على الفاعل، بنية التأخير، جاز أيضا تقديم التفسير على " منك " بنية التأخير، وإنما جاز ذلك فيهما، لأن كل واحد منهما لا يخل به تأخيره عن موضعه في المعنى الذي له دخل في الكلام.
قال سيبويه: " وتعمل ".
يعني أن " منك " تثبت التنوين، ثم تعمل الاسم المنون في التفسير الذي بعده بالتنوين الذي فيه، أو بتقدير التنوين، لأن قولك: " أفضل منك أبا " ففي أفضل التنوين مقدر، وهو
[ ٢ / ٦٩ ]
محذوف لأنه لا ينصرف.
قال سيبويه: " ولا يعمل إلا في نكرة كما أنه لا يكون إلا نكرة ولا يقوى قوة الصفة المشبهة فألزم فيه، وفيما يعمل فيه وجها واحدا ".
وقد مر تفسير هذا في أول الباب.
[قول سيبوبه في العمل في الجمع]
وقال سيبويه: " ويعمل في الجمع كقولهم: هو خير منك أعمالا ".
فإن قال قائل: لم جاز التفسير في هذا بالواحد والجماعة، ولا يجوز في " عشرين " وبابه أن تقول: " عشرون
فلوسا وكلابا ".
فالجواب في ذلك أن " عشرين " قد فهم مقداره، وإنما الحاجة إلى معرفة الجنس الذي يجيء من بعده، فلم يكن لجمع الجنس معنى، إذ لا فائدة فيه أكثر من الدلالة على الجنس، وأنت إذا قلت: " هو أفره منك عبدا وخير منك عملا " لم يكن في " أفره " دلالة على عدد، فيجوز أن يكون له عبد واحد، وعمل واحد، ويجوز أن يكون له عبيد، فإذا قلت: هو أفره منك عبيدا وخير منك أعمالا دللت بلفظ الجميع على فائدة النوع وأنهم جماعة، وإذا قلت: " هو أفره منك عبدا " جاز أن يكون له عبد واحد، وعبيد كثيرة، فهذا فصل ما بينهما فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: " وإن أضفته فقلت: " أول رجل " اجتمع فيه لزوم النكرة وإن تلفظ بالواحد ".
يعني أنك إذا أضفت " أفضل " وبابه فإنك تضيفه إلى جمع هو أحدهم، ولا يكون إلا ذلك، تقول: " زيد أفضل الناس " و" حمارك أفره الحمير " و" عبدك خير العبيد " فتضيفه إلى جماعة هو أحدهم، كإضافة البعض إلى الكل، والواحد إلى جنسه، ولو قلت: " عبدك خير الأحرار " و" حمارك أفره البغال " لم يجز؛ لأنك أردت تفضيل شيء على جنسه، فلا بد من أن تضيفه إلى جنسه الذي تفضله عليه، ليعلم أنه قد فضل أمثاله من جنسه، ولو أردت تفضيله على غير ذلك، دخل فيه الفصل والتنوين، فقلت: " الفرس خير من الحمار " و" العلم خير من المال "، ونحو ذلك، فإذا قلت: " زيد أفضل الرجال "، و" حمارك أفره الحمير " جاز أن تجيء بواحد من هذا الجنس، فتضعه موضع جماعته؛ لأنك أردت بالرجال والحمير جنس الرجال وجنس الحمير، ولم ترد رجالا معهودين ولا حميرا معهودة.
[ ٢ / ٧٠ ]
ومثل ذلك: " أهلك الناس الدينار والدرهم " أردت جنس الدنانير والدراهم، ولم ترد دينارا بعينه معهودا، ولا درهما بعينه، فكذلك إذا قلت: " زيد أفضل الرجال " و" حمارك أفره الحمير " فإنما أردت جنس الرجال وجنس الحمير، ونوضح هذا بمسألة لو قلت: " زيد أفضل إخوته " لم يجز، وإذا قلت: " زيد أفضل الإخوة " جاز، والفصل بينهما أن إخوة زيد هم غير زيد، وزيد خارج عن جملتهم، والدليل على ذلك أنه لو سأل سائل، فقال: من إخوة زيد؟ لم يجز أن تقول: زيد وبكر وعمرو وخالد، وإنما تقول: عمرو وبكر وخالد ولا تدخل زيدا في جملتهم، فإذا كان زيد خارجا عن إخوته صار غيرهم، فلم يجز أن تقول: " زيد أفضل إخوته " كما لم يجز أن تقول: " حمارك أفره البغال "؛ لأن الحمار غير البغال كما أن زيدا غير إخوته، وإذا قلت: " زيد خير الإخوة " جاز لأنه أحد الإخوة، والاسم يقع عليه، وعلى غيره، فهو بعض الإخوة، ألا ترى أنه لو قيل لك: من الإخوة؟
عددته فيهم، فقلت: " زيد وعمرو وبكر وخالد " فيكون بمنزلة قولك: " حمارك أفره الحمير "؛ لأنه داخل تحت الاسم الواقع على الحمير، فلما كان ذلك على ما وصفنا جاز أن يضاف إلى واحد منكور يدل على الجنس، فيقول: " زيد
أفضل رجل " و" حمارك أفره حمار " فيدل " رجل " على الجنس، كما دل الرجال، وكما في " عشرين درهما " و" مائة درهم " و" أفضل منك أبا " الواحد المنكور في هذا الباب يدل على الجنس، وقد شرحنا ذلك قبل هذا الفصل، ولا يجوز في المضاف من هذا الباب التثنية والجمع والتأنيث، كما لم تجز في الذي قبل هذا التثنية والجمع والتأنيث، تقول: " زيد أفضل الرجال " و" الزيدان أفضل الرجال " و" الزيدون أفضل الرجال " و" هند أفضل النساء "، و" الهندات أفضل النساء " وإنما لم يثنّ ولم يجمع ولم يؤنث لمثل العلة التي لم يثنّ من أجلها " هذا أفضل منك " و" هذان أفضل منك "، وكذلك جمعه وتأنيثه؛ لأنهما جميعا للتفضيل إلا أن المضاف يفضّل على جنسه الذي هو بعضه، ودال على تفضيل غيره.
فقوله: " اجتمع فيه لزوم النكرة وأن يلفظ بواحد ".
يعني أنك إذا قلت: " أفضل رجل " فنكّرت لم يكن بدّ من التوحيد، وإذا وحّدت لم يكن بدّ من التنكير فيجتمع فيه " لزوم النكرة وأن يلفظ بواحد ".
قال أبو سعيد: يعني وأن توحد، فيجتمع فيه التوحيد والتنكير معا.
قال سيبويه: (وذلك لأنه أراد أن يقول: " أول الرجال " فحذفه استخفافا
[ ٢ / ٧١ ]
واختصارا، كما قالوا: " كل رجل " يريدون كل الرجال).
قال: وهذا بيّن لأن رجلا شائع في الجنس، والرجال للجنس، فأقاموا " رجلا " مقام الرجال.
قال سيبويه: (كما استخفوا بحذف الألف واللام استخفوا بترك بناء الجمع، واستغنوا عن الألف واللام اللتين في قولهم: خير الرجال وأول الرجال).
وقد تقدم هذا المعنى وشرحه؛ لأنهم يقولون: " خير الرجال " فتكون الألف واللام مع الجمع؛ لأن الذي يستوعب الجنس كله لفظ الجمع، ودخلت الألف واللام لتعريف الجنس، لأن الجمع بلا ألف ولام لا يدل على كل جنس، وإنما يدل على كل جماعة من الجنس، ألا ترى أنه يقال لكل ثلاثة من الرجال: " رجال " فإذا أدخلت الألف واللام تعرف على أحد معنيين: إما أن تدخلا على رجال معهودين، فيتعرفوا بدخولهما، وإما أن يكون دخولهما على حد تعريف الجنس، فإذا قلت: " زيد خير الرجال " فهذا اللفظ على حقه وأصله في الكلام، فإذا أرادوا التخفيف نزعوا الألف واللام، وغيّروا بناء الجمع إلى الواحد؛ لأن الواحد الشائع دال على النوع، مغن عن لفظ جماعة تدل على ذلك، فلم يؤثروا غيره في حال الاختصار والاستخفاف؛ لأنه أخف ألفاظ الجنس، وهو مغن عن غيره، فأما أن تدخل الألف واللام وتجمع، فتعطي الكلام حقه وأصله، وإما أن تختصر وتوجز فتكتفي بالواحد المنكور، فاعرف ذلك إن شاء
الله.
قال سيبويه: " ومثل ذلك في ترك الألف واللام وبناء الجمع قولهم: عشرون درهما، وإنما أرادوا عشرين من الدراهم، فاختصروا واستخفوا "
قال أبو سعيد: اعلم أن المقادير كلها محتاجة إلى إبانتها بالأنواع؛ لأنها تقع على الأشياء كلها، فإذا قلت: " عندي عشرون " احتمل أن يكون من الدراهم ومن الدنانير والثياب والعبيد، وغير ذلك من الأنواع، فإذا أردت إبانة ذلك لم يكن بدّ من ذكر النوع الدال على المقدار الذي ذكرته، وقد تقدم القول أن النوع حكمه أن يعرّف مجموعا بالألف واللام، فأما جمعه فلأنه واقع على كل واحد من ذلك الجنس، فهو إذا واقع على جماعة، وأما دخول الألف واللام فليتعرّف أنه أريد به الجنس، فيكون معرّفا به، فكان وجه ذلك أن تقول: " عشرون من الدراهم "؛ لأن النون قد فصلت، وليس " العشرون " عاملة في المعارف، فلو قلت ذلك لكنت قد أتيت بالكلام على وجهه وحقيقته، إلا أنه
[ ٢ / ٧٢ ]
يجوز فيه التخفيف كما ذكرنا فيما قبله، فإذا خفّف نزعت منه الألف واللام ووحّد، لأن الواحد المنكور شائع في الجنس، وقد مر شرح هذا مستقصى، فلما خففوه بنزع الألف واللام والتوحيد، وكانت العشرون عاملة في النكرات نزعوا " من " أيضا تحقيقا وأعملوا العشرين في درهما.
فإن قال قائل: ولم جاز أن تعمل " العشرون " وما جرى مجراها، وليست بفعل ولا جارية عليه، وإنما هي اسم جامد؟
فالجواب في ذلك أن " العشرين " في الجمع بمنزلة " ضاربين "، فلما كان " ضاربون زيدا " قد تدخل فيه النون فتنصب ما بعده كقولك: " ضاربون زيدا " وتنزع النون فتجر ما بعده كقولك " ضاربو زيد "، وكانت العشرون فيها النون إذا كان ما بعدها جنسا كقولك: " عشرون درهما "، وتنزع النون منها إذا كان ما بعدها مالكا، وما جرى مجراه للإضافة، كقولك: " عشرو زيد "، وكان " ضاربون " مقتضيا للمضروب كما كان " عشرون " مقتضيا للنوع، أشبه العشرون الضاربين، فنصب ما بعده مع النون، وخفض ما بعده مع نزعها.
وسنبين دخول النون على العشرين لم كانت عاملة في نكرة إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: " ولم يكن دخول الألف واللام يغير العشرين عن نكرته ".
يعني: ولم يكن دخول الألف واللام في الدراهم، إذا قلت: " عشرون من الدراهم "، يغير العشرين عن نكرته، لأنه مفصول منها، فلما كان دخول الألف واللام في الدراهم ليس يؤثر في العشرين معنى يزول بتنكيرها وتوحيدها، وكان نكرته الموحدة دالة على مثل ما دلت عليه الجماعة، استجازوا تخفيفها حين استوى المعنى بالتخفيف في
قولك:
" عشرون درهما "، والكلام على أصله في قولك: " عشرون من الدراهم " وذلك معنى قوله:
" فاستخفوا بترك ما لم يحتج إليه ".
قال سيبويه: " ولم تقو هذه الأحرف قوة الصفة المشبهة ".
يعني أنها لم تقو أن تعمل إلا في نكرة، والصفة المشبهة تعمل في المعرفة والنكرة، ولأنك تقول: " زيد حسن الوجه "، كما تقول " زيد حسن وجها " ولم تقو أن تجري على الأول، فتقول: " مررت برجل أفضل منك أبوه " كما قويت الصفة المشبهة في قولك:
" مررت برجل حسن الوجه أخوه ".
[ ٢ / ٧٣ ]
قال سيبويه: " ألا ترى أنك تؤنثها وتذكرها وتجمعها كالفاعل ".
وقد مر هذا الاعتلال مستقصى.
قال سيبويه: " وتقول: " مررت برجل حسن الوجه أخوه " كما تقول: " مررت برجل ضارب زيد أبوه ".
فإن قال قائل: ما هذا التشبيه، وكيف تقدير هذا الكلام؟ فالجواب في ذلك أنك إذا قلت: " مررت برجل حسن الوجه "، ففي " حسن " ضمير من " رجل " قد نقل إليه من الوجه، كما أنك إذا قلت: " مررت برجل ضارب زيد " ففي " ضارب " ضمير للرجل، إلا أنه غير منقول عن غيره إليه فإذا قلت: " مررت برجل حسن الوجه أخوه " نقلت ذاك الضمير من الوجه إلى الأخ، كما كنت تنقله إليه؛ لأنه من سببه، كما تقول: " مررت برجل ضارب زيد أبوه " فتجعل: " أبوه " مكان الضمير الذي كان في " ضارب " من رجل؛ لأنا قد بيّنا أن الصفة المشبهة تجري مجرى اسم الفاعل.
قال سيبويه: فإن جئت ب " خير منك " أو " عشرين " رفعت، لأنها ملحقة بالأسماء لا تعمل عمل الفعل فلم تقو قوة المشبهة، كما لم تقو المشبهة قوة ما يجري مجرى الفعل.
يعني أنك إذا قلت: " مررت برجل خير منك أبوه " و" برجل عشرون درهما ماله "، لم تجر " خيرا " و" عشرين " على الأول، وترفع ما بعده كما تجري اسم الفاعل على ما قبله وترفع ما بعده به، ولا تقول: " مررت برجل خير منك أبوه " كما تقول: " مررت برجل قائم إليك أبوه ".
وقوله: ولم يقو: " خير منك " و" عشرون رجلا " قوة الصفة المشبهة يعني لم يقو أن تقول: " مررت برجل خير منك أبوه " و" عشرين درهما دراهمه " كما تقول: " مررت برجل حسن الوجه أبوه " كما لم تقو الصفة المشبهة قوة اسم الفاعل الجاري على فعله لا تقول: " زيد الوجه حسن " كما تقول: " زيد الرجل ضارب "، وقد بيّنا هذا فيما تقدم.
قال سيبويه: (وتقول: " هو خير رجل في الناس "، و" أفره عبد في الناس "؛ لأن الفاره هو العبد).
يعني أنك إذا قلت: " هو خير رجل في الناس " و" أفره عبد " فأضفت، فقد صار الأول الذي هو " خير " و" أفره " بعض المضاف إليه لأن معناه خير الرجال، وأفره العبيد،
[ ٢ / ٧٤ ]
فلا بد من أن يكون هو رجلا من الرجال الذين أضيف إليهم، وهو عبد من العبيد، لما بيّنا من أن الإضافة توجب هذا، فإذا كان كذلك فقد صار هو العبد الفاره، والرجل الفاضل الذي فضل على جنسه.
وحقيقة معنى قوله: " لأن الفاره هو العبد ":
أن في " أفره " ضميرا يرتفع بأفره، وذلك الضمير هو الأول، وقد ارتفع بالفراهة، والفراهة له في الحقيقة، ولم تنقل إليه عن غيره، ولا يشبه هذا قولك: " هو أفره منك عبدا " لأن في " أفره " ضميرا من الرجل، يرتفع بأفره كما يرتفع الفاعل بفعله، وليست الفراهة له في الحقيقة وإنما الفراهة للعبد نقلت إليه.
قال سيبويه: " ولم تلق أفره ولا خيرا على غيره ثم تختصّ شيئا "
يعني أنك لم تلق أفره ولا خيرا على شيء نقل إليه عن غيره، ثم بيّن من المنقول عنه، كقولك: " زيد أفره منك عبدا " و" خير منك أبا " فالمعنى مختلف.
(وليس هاهنا فصل)
يعني: أنك إذا قلت: " هو أفره عبد " لم يكن ثم فصل وهو منك، والفصل يوجب أن الثاني غير الأول كقولك: " زيد أنظف منك ثوبا " فثوبا غير زيد، فمتى جعلت الثاني غير الأول احتجت إلى " من " وإذا جعلت الثاني هو الأول لم تحتج إليها على حد ما بينا.
قال سيبويه: " ولم يلزم إلا ترك التنوين كما أن " عشرين " و" خيرا منك " لم يلزم فيه إلا التنوين ".
قال أبو سعيد: يعني أن باب " أفضل رجل وخير رجل " لزم فيه ترك التنوين كما أن " عشرين رجلا " و" خيرا منك أبا " لزم فيه التنوين، وكل واحد منهما قد تقدمت علته.
وليس لزوم التنوين في " عشرين " و" خير منك " هو علة ترك التنوين في " أفضل رجل " و" خير رجل "، ولكن كل واحد منهما يلزم فيه الذي ذكر.
قال سيبويه: " وإنما أثبتوا الألف واللام في قولهم: " أفضل الناس " لأن الأول قد يصير به معرفة ".
يعني: أن باب المضاف في: " أفضل " يجوز تعريف الثاني فيه وتنكيره، وإنما جاز ذلك لأنه يجوز تعريف الأول فيه، ألا ترى أنك إذا قلت: " هذا أفضل رجل " فهو نكرة، قد فضل على هذا الجنس وهو منهم، تقول: " مررت برجل
أفضل رجل "، وقد يكون هذا
[ ٢ / ٧٥ ]
بعينه معرفة بتعريف ما أضيف إليه، فتقول: " مررت بزيد أفضل الناس "، وإنما جاز دخول الألف واللام من قبل أن المضاف يكتسي بالمضاف إليه تخصيصا، فإذا كان كذلك جاز أن تعرّف المضاف إليه، لتزيد المضاف تخصيصا بتعريف المضاف إليه، وإذا كان غير مضاف لم يكن مختصا بمعنى يخصه، فلم يجز دخول الألف واللام على التمييز؛ لأنه لا يغير الأول عن حاله، ولم يكن له معنى، إذا كانت الحاجة إلى واحد منكور شائع في الجنس دال عليه على ما قدمناه.
قال سيبويه: " فأثبتوا الألف واللام وبناء الجميع ولم ينوّن ".
يعني أنهم قالوا: " أفضل الرجال " فأثبتوا الألف واللام في الرجال، وجمعوا الرجال، ولم ينونوا " أفضل "، أعني أنهم لم يجعلوه في تقدير التنوين حين أضافوا، كما كان كذلك في حسن الوجه لأن النية فيه " حسن وجهه " فلذلك تعرف " أفضل الرجال " ولم يتعرف " حسن الوجه ".
قال سيبويه: " وفرقوا بترك التنوين والنون بين معنيين ".
أراد فرقوا بين معنى الإضافة والتمييز.
ونذكر من هذا الباب ما يكون عونا على معرفته وزائدا في إيضاحه، وإن لم يكن تفسيرا لشيء من ألفاظ سيبويه، ومن ذلك أنك إذا قلت: " زيد أفضل منك أبا "، فقد جعلت " أفضل " بمنزلة الفعل، كأنك قلت: " زيد يفضل أبوه على أبيك "، فهذا تستوي تثنيته وجمعه، ولا بد له من " من " ولا تدخله ألف ولام، ولا يضاف، لأنك عبرت به عن معنى الفعل، فأعطيته ما للأفعال، وأدخلت " من " للمعنى الذي ذكرناه من ابتداء التفضيل، فإن أردت أن تنقل هذا التفضيل إلى الذات فتجعله بمنزلة الفاضل أدخلت الألف واللام وأضفت، وثنيت وجمعت وأنثت، وأزلت من وتقديرها، فتقول: " زيد الأفضل أبا والأكرم خالا " " وهما الأفضلان " و" هم الأفضلون والأفاضل "، وجعلت بناء المؤنث على غير بناء المذكر في تفضيل الذات، فقلت: " هند الفضلى " و" الهندان الفضليان " و" الهندات الفضليات " والفضل، كما تقول: " زيد الفاضل " و" هند الفاضلة " إلا أن في الأفضل مبالغة في المدح ليست في الفاضل، قال الله تعالى: بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١).
_________________
(١) سورة الكهف، آية: ١٠٣.
[ ٢ / ٧٦ ]
ولا يصلح أن تقول: الأفضل منك أبا، لأن منك إنما تدخل إذا كان " أفضل " في معنى الفعل: لابتداء الغاية التي منها ابتداء الفضل فإذا نقلت إلى الذات بطل ذلك المعنى، وصار " الأفضل " بمعنى الفاضل، فكما لا يجوز أن تقول: " الفاضل منك " لم يجز أن تقول: " الأفضل منك ".
وقال الزجاج: فرقهم بالنون قولهم في التثنية " الأفضلان " والجمع " الأفضلون " مثل:
بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا فهذه النون فاصلة لأنها جعلت الآخر غير الأول.
قال سيبويه: (وقد جاء من الفعل ما أنفذ إلى مفعول، ولم يقو قوة غيره، مما تعدى إلى مفعول، وذلك قولك: امتلأت ماء، وتفقأت شحما).
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب مثل ما تقدم من نقل الفعل عن الثاني إلى الأول وذلك أن قولك: امتلأت ماء، معناه امتلأ مائي، وتفقأت شحما، أي تفقأ شحمي، ومثله: " تصببت عرقا " واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا (١) وإنما هو تصبب عرقي، واشتعل شيب الرأس، فنقل الفعل عن الثاني إلى الأول، ونزع عن الثاني، فارتفع الأول بالفعل المنقول إليه، فصار فاعلا في اللفظ، فمنع الفعل أن يعمل في فاعله على الحقيقة فيرفعه؛ لأنه لا يرتفع به أكثر من واحد وتوابعه، وانتصب المنقول عنه الفعل؛ لأن الفعل لا تصح إضافته إليه فينخفض به ولا يرتفع به وقد ارتفع به غيره، ولم يبق إلا النصب فنصب. فإن قال قائل: فلم نكّر ولم تدخل عليه الألف واللام كما فعل ذلك في الوجه من قولك:
حسن الوجه؟ فإن الجواب في ذلك أن " تفقأت شحما " وبابه وإن كان قد شابه " حسن الوجه " من جهة، فقد فارقه من غيرها، وذلك أن " حسن الوجه " انتقل الفعل عنه إلى اسم الفاعل، وصار المنقول عنه بمنزلة المفعول، والمنقول إليه بمنزلة اسم الفاعل الذي يضاف مرة وينون أخرى فيعمل، ولا يكتفي " الحسن " بنفسه، إذا أردت به حسن الوجه.
و" تفقأت " قد يكتفي بنفسه، فيقال: " تفقأت " ويسكت عليه، غير أن التفقؤ يكون من أشياء، فصار " تفقأت " بمنزلة " عشرين " لأنك تتفقأ من أشياء كثيرة، كما أن " العشرين " تكون من أشياء كثيرة، فلما كان إبانة " العشرين " بنكرة الجنس على طريق التمييز، وجب أن تكون إبانة التفقؤ بنكرة على طريق التمييز؛ ولا يجوز إدخال الألف
_________________
(١) سورة مريم، آية: ٤.
[ ٢ / ٧٧ ]
واللام، ولا التقديم ولا الإضمار في ذلك عند سيبويه، لا يجوز أن تقول: " شحما تفقأت " ولا " عرقا تصببت "، ولا "
تصببت العرق " ولا " عرق تصببته "، كما لم يجز في " العشرين " وما مر من أبواب التمييز شيء من ذلك.
وزعم المازني وأبو العباس المبرد أنه يجوز تقديم التمييز في هذا الباب، فتقول:
" عرقا تصببت "، و" نفسا طبت "، و" شحما تفقأت "، واحتجوا لذلك بأن قالوا: العامل في التمييز شيئان: أحدهما اسم جامد، والآخر فعل متصرف، فالاسم الجامد نحو " العشرين درهما " و" أفضل منك أبا " وهذا الضرب لا يجوز تقديم التمييز فيه على الاسم المميز، والضرب الثاني وهو ما كان العامل فيه متصرفا، وذلك " تفقأت شحما ".
قالوا: هذان الضربان في التمييز يشبهان الحال، وذلك أن العامل في الحال على ضربين: فعل متصرف، وشيء في معنى فعل غير متصرف، فما كان فعلا متصرفا جاز التقديم فيه والتأخير، كقولك: " قام زيد ضاحكا "، و" ضاحكا قام زيد "، وما كان العامل فيه معنى الفعل، لم يجز تقديم الحال عليه، وذلك قولك: " هذا زيد قائما " و" خلفك زيد قائما " ولا يجوز: " قائما هذا زيد "، و" قائما خلفك زيد "، واحتجوا في ذلك أيضا ببيت أنشدوه، وهو قول الشاعر:
أتهجر سلمى للفراق حبيبها وما كان نفسا بالفراق يطيب (١)
أراد: وما كان يطيب نفسا بالفراق.
وكأن الحجة لسيبويه في ذلك أن هذه الأشياء المنصوبة قد كانت فاعلة نقل عنها الفعل، فجعل الأول في اللفظ، ولو نصبناها وقدمناها لأوقعناها موقعا لا يقع فيه الفاعل؛ لأن الفاعل متى تقدم الفعل لم يرتفع به، وكذلك إذا قدمناه لم يصح أن يكون في تقدير فاعل نقل عنه الفعل، إذ كان هذا موضعا لا يقع فيه الفاعل، ووجه ثان وهو أن هذا الباب لا يعمل إلا في نكرة، فهو أضعف من باب الصفة المشبهة باسم الفاعل فلما كانت الصفة المشبهة باسم الفاعل لا يجوز تقديم ما عملت فيه عليها كان هذا أحرى بالامتناع من ذلك.
_________________
(١) قائله المخبل السعدي واسمه ربيع بن ربيعة بن مالك ويقال إنه لأعشى همدان واسمه عبد الرحمن بن عبد الله ونسب لقيس بن الملوح العامري العيني ٣/ ٢٣٥ - الخصائص ٢/ ٣٨٤ - ابن يعيش ٢/ ٧٣.
[ ٢ / ٧٨ ]
فإن قال قائل: فإن هذا الباب قد يعمل في المعارف كما يعمل في النكرات، وذلك قولك: " سفه زيد نفسه "، و" غبن رأيه " و" وجع ظهره "، قال الله ﷿:
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (١)، وقال بعض الشعراء:
أيجع ظهري وألوي أبهري وما الصحيح ظهره كالأدبر (٢)
قيل له هذه أحرف شاذة حملت على معانيها، فإذا قال: " سفه نفسه " فكأنه قال:
" سفّه نفسه "، وتأويل آخر وهو أن تجعله سفه في نفسه، فحذف الخافض وأوصل الفعل، وكذلك " غبن رأيه " على معنى جهل رأيه، وإن شئت على التأويل الآخر، وهو " غبن في رأيه "، و" وجع في ظهره " معناه وجع من ظهره فإن شئت وجع من ظهره وإن شئت على معنى وجع ظهرا على التأويلين اللذين مرّا وإذا شذ الشيء في باب لم يجعل أصلا يقاس عليه.
وأما البيت الذي أنشدوه:
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها وما كان نفسا بالفراق يطيب (٣)
فإن الرواية عند كثير من أصحابنا: " وما كان نفس بالفراق تطيب ".
وإذا كان كذلك فلا حجة فيه وربما اضطر الشاعر فأدخل الألف واللام في هذا الباب، وهو يريد طرحهما.
قال الشاعر:
رأيتك لمّا عرفت جلادنا رضيت وطبت النفس يا بكر عن عمرو (٤)
أراد وطبت نفسا، غير أنه أدخل عليها الألف واللام لمّا علم أنه يريد نفسا بعينها، وهي نفس المخاطب، ومثله:
" فأرسلها العراك " ونحوه (٥)
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ١٣٠.
(٢) اللسان (بهر) ٥/ ١٥٠، اللسان (دبر) ٥/ ٣٥٤.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) شرح ابن عقيل (حاشية الخضري) ١/ ٨٦ وشرح شواهد ابن عقيل ص ٣٨.
(٥) جزء من بيت قائله لبيد بن ربيعة الصحابي وصف به حمروحش تعدو إلى الماء. فأرسلها العراك ولم يذدها ولم يشفق على نفص الدّخال =
[ ٢ / ٧٩ ]
وقوله: " وقد جاء من الفعل ما قد أنفذ إلى مفعول " أراد " تفقأت وامتلأت " ونحوهما لأنهما أفعال قد أنفذت إلى ما بعدها من التمييز، وهو " شحما وماء وعرقا "، وأشباه ذلك.
ومعنى " أنفذ " أي أعمل فيه.
" ولم يقو قوّة غيره مما تعدى إلى مفعول " يعني: ولم يقو قوة " ضربت زيدا " الذي قد تعدى إلى مفعول؛ لأن " ضربت " ونحوه يتعدى إلى المعارف والنكرات، وتقدّم مفعولاتها وتؤخر، وليس ذلك في: " تفقأت شحما " وبابه.
قال سيبويه: " ولا تقول: امتلأته ولا تفقأته، ولا يعمل في غيره من المعارف ".
قال أبو سعيد: وإنما لم يجز أن تقول: تفقأته؛ لأن الضمير معرفة، وقد قدمنا أنه لا يعمل في الضمائر ولا في غيرها من المعارف، وهي ما فيه الألف واللام، أو كان مضافا إلى معرفة.
قال سيبويه: " ولا يقدّم المفعول فيه فتقول: ماء امتلأت "
وقد تقدم تفسير هذا، وما فيه من الاختلاف، ثم قال سيبويه مشيرا إلى: " تفقأت شحما "، و" تصببت عرقا ":
" وذلك لأنه فعل لا يتعدى إلى مفعول وإنما هو بمنزلة الانفعال "
قال أبو سعيد: اعلم أن في أوزان الأفعال ما يكون متعديا وغير متعدّ، ومنه ما لا يكون متعديا ألبتّة، على معان مختلفة، فمن ذلك أن " فعلت " يتعدى كل ما كان على وزنه، وفعلت لا يتعدى ما كان على وزنه، " وانفعلت " غير متعدّ أيضا نحو انطلق وانقطع وإنما لم يتعدّ لأنه وضع في أصله لقبول المفعول تأثير الفاعل، كقولك: كسرته فانكسر، وقطعته فانقطع، وجررته فانجر ونحو ذلك.
وربما استعمل للفاعل المبتدئ بالفعل الذي لا يتعداه، كقولهم: " انطلق زيد " كما تقول: " ذهب وعدا "، ولم يجئ متعدّيا في شيء من كلامهم؛ إذ كان الأصل ما ذكرناه، وقد يكون من الأمثلة ما يكون مجراه مجرى الانفعال في حال، ومجرى غيره في أخرى،
_________________
(١) = ديوان لبيد ٨٦، الخزانة ١/ ٥٢٤، ابن يعيش ٢/ ٦٢، ٤/ ٥٥.
[ ٢ / ٨٠ ]
وذلك نحو: " تفعّل وافتعل "، وتقول: كسّرته فتكسّر، وقطّعته فتقطّع، وفقّأته فتفقّأ، وصبّبته فتصبب.
وقد يجيء على غير ذلك تقول: تجبر الرجل وتكبر وليس على قولك: جبرته فتجبر و" تجرّيت الشيء "، و" تعلقت الرجل " على غير معنى الانفعال؛ إذا كان متعديا، وكذلك " افتعل " نحو شغلته فاشتغل، وغررته فاغترّ، فهذا مثل الانفعال، وقد تقول:
" ارتبطته واشتريته "، كما تقول: ربطته وشربته على غير الانفعال ونحو ذلك.
فلما كان هذان المثالان قد يجريان مجرى الانفعال أو غيره، وكان الانفعال لازما لموضعه، غير متعدّ بحال كان
قوله: " تفقأت " هو مطاوعة " فقأت " و" امتلأت " مطاوعة " ملأت "، وقد بينّا أن المطاوعة إنما هي قبول فعل الفاعل كالانفعال الذي بينّاه.
اعلم أن " تفقأت " و" امتلأت " اللذين ذكرهما لا معنى لتعديهما؛ إذ كانا بمنزلة الانفعال في هذا الموضع، فلا يجوز أن يتعديا، كما لا يتعدى " انفعل " الذي هو مثل " انكسر " " واندفع " من كسرته ودفعته.
فإن قال قائل: فلم زعمتم أنهما مثلان في هذا الباب؟ فالجواب في ذلك: أنك تقول: " ملأته فامتلأ " و" فقأته فتفقأ "، كما تقول: " كسرته فانكسر، ودفعته فاندفع " فهذا حجة فساد تعدّي هذه الأفعال؛ إذ كانت على ما وصفنا مع ما تقدم من الاعتلال لذلك.
قال سيبويه: " ومثله: دحرجته فتدحرج ".
يعني: مثله في فعل المطاوعة، فيكون " دحرجته " مثل " ملأته "، و" تدحرج " مثل " امتلأ "، ولا يتعدى إذ كان معناه الانفعال.
قال سيبويه: " وإنما أصله امتلأت من الماء، وتفقأت من الشحم، فحذف هذا استخفافا ".
يعني: أن قوله: امتلأت ماء، وتفقأت شحما، إنما هو امتلأت من الماء، وتفقأت من الشحم، والماء والشحم هاهنا جنسان بمنزلة عشرين من الدراهم، فإذا حذفت " من " نقلت الجنس إلى واحد منكور شائع فيه، فقلت: امتلأت ماء وتفقأت شحما كما قلت: " عشرون درهما "، وتفسيره تفسير العشرين.
قال سيبويه: " وكان الفعل أجدر أن يتعدى؛ إذا كان عشرون ونحوه يتعدى وهو في أنهم قد ضعفوه مثله ".
[ ٢ / ٨١ ]
قال أبو سعيد: يعني أن " امتلأت وتفقأت " وبابه أولى بالعمل في المنكور الذي بعده؛ إذ كانوا قد عدوا العشرين إلى المنكور المميز له وهو جامد فإذا كانوا قد عدوه للعلة التي ذكرناها من شبهه باسم الفاعل، كان ما هو فعل على الحقيقة أولى بالتعدي، وأحق بالعمل والنفوذ، غير أنهم قد ضعّفوا هذا الفعل للعلة التي ذكرناها آنفا، حتى منعوه التعدي إلى غير المنكور، فلما حل هذا المحل صار بمنزلة " العشرين ".
قال سيبويه: " وتقول: هو أشجع الناس رجلا، وهما خير الناس اثنين ".
قال أبو سعيد: إذا قلت: " هو أشجع الناس رجلا وهما خير الناس اثنين " فمعناه هو أشجع الناس إذا صنفوا رجلا رجلا، وهما خير الناس إذا صنفوا اثنين اثنين، ولا يصح في هذا أن تقول: " هو أشجع الناس رجالا "؛ لانقلاب المعنى؛ لأنك إذا قلت: " هو أشجع الناس رجالا " كان بمنزلة قولك: " هو أفره الناس عبيدا، ومعناه عبيده أفره من عبيد غيره، وإنما أردت بقولك: " هو أشجع الناس رجلا " ما أردت بقولك: " حسبك به رجلا "، على التمييز،
والشجاعة له غير منقولة إليه عن غيره.
وإن أردت بقولك: " هو أشجع الناس رجلا " ما أردته بقولك: " هو أشجع الناس رجالا " جاز، كما يجوز: " هو أفره الناس عبيدا وعبدا، وإنما تقول هذا إذا أردت أن قبيلته ورجاله أشجع من رجال غيره، كما تقول: " هو أشجع الناس قبيلة ".
وإن أدخلت " من " في الوجه الأول جاز أن تقول: " هو أشجع الناس من رجل " كما تقول: " حسبك بزيد من رجل " فإن أردت به: " هو أشجع الناس رجالا " كما تقول: " هو أفره الناس عبيدا " لم يصلح أن تقول: " هو أشجع الناس من رجل " كما لا تقول: " هو أفره الناس من عبد "، وقد جعلت " هو " للمولى.
وإنما انتصب " رجلا " و" اثنين " في هذين الموضعين، لأن المضاف إليه قد صار بمنزلة التنوين، وهو المجرور الذي قاله سيبويه، فانتصب ما بعده؛ لأنه يصير بمنزلة اسم منون كقولك: " خير منك أبا " و" أحسن منك وجها ".
قال سيبويه: " والمجرور هاهنا بمنزلة التنوين، وانتصب الرجل والاثنان كما انتصب الوجه في قولك: هو أحسن منك وجها ".
وإنما انتصب " وجها "؛ لأن " منه " قد منعت " أحسن " من الإضافة إلى " الوجه " فامتنع الجر في " الوجه " وصارت منه بمنزلة النون في " عشرين " التي تمنع إضافة
[ ٢ / ٨٢ ]
" العشرين " ما كانت موجودة، وكذلك " منه " إذا كانت موجودة أو مقدرة، امتنع " أحسن " من الإضافة إلى " وجه " وانتصب " وجها " على ما ينتصب عليه " درهما " بعد " عشرين " وصار " الناس " في قولك: " أشجع الناس وخير الناس " بمنزلة " منه " في " أحسن منه وجها " وبمنزلة النون في عشرين، فمنع إضافة: " أشجع " إلى " رجل " و" خير " إلى " اثنين " فانتصب " رجلا " و" اثنين "، كما انتصب " وجها " و" درهما " في " أحسن منه وجها "، و" عشرين درهما ".
قال سيبويه: " ولا يكون إلا نكرة كما لم يكن ثم إلا نكرة ".
يعني لا يكون " أشجع الناس رجلا " إلا نكرة، ولا تقول: " هو أشجع الناس الرجل " كما لم تقل: " هو أحسن منه الوجه " ولا يكون " وجها " في " أحسن منه وجها " إلا نكرة، وقد بينا تفسير ذلك فيما مضى.
قال سيبويه: " والرجل هو الاسم المبتدأ " يعني أن قولك: " هو أشجع الناس رجلا " على غير قولك هو أشجع الناس أبا؛ لأن قولك: " هو أشجع الناس أبا " ليست الشجاعة في الحقيقة للأول، وإنما هي لأبيه منقولة إليه لفظا، وأبوه غيره، وفي: " أشجع الناس رجلا " ليست الشجاعة منقولة إليه عن غيره، بل هو الرجل الشجاع فهو كقولك:
" حسبك بزيد رجلا " و" أكرم به فارسا ".
قال: يعني في المسألة التي ذكرها " هو أشجع الناس " كما تقول: " حسبك بزيد رجلا " و" أكرم بزيد رجلا " وهو الممدوح بهذا والمتعجب منه، ولم يرد " هو أشجع الناس رجلا " على حد قولك: " هو أفره الناس عبدا " إذا كان هو للمولى، وقد ذكرنا سائر الوجوه فيه، فاعرف ذلك إن شاء الله.
وقال أبو الحسن: (١) هو جميع الرجال؛ لأنك إنما أردت من الرجال، فكان " رجل " إنما يدل على هذا المعنى، وكذلك " اثنان " هما كل اثنين؛ لأنك إنما أردت هما خير الناس إذا صنفوا اثنين اثنين.
والاثنان كذلك إنما معناه هو خير رجل في الناس، وهما خير اثنين في الناس، وإن شئت لم تجعله الأول، فتقول: " هو أكثر الناس مالا ".
_________________
(١) هو أبو الحسن سعيد بن سعدة الأخفش الأوسط.
[ ٢ / ٨٣ ]
قال أبو سعيد: والذي قاله أبو الحسن تفسير، وقد دخل فيما قلناه.
أما قوله: " لأنك أردت من الرجال ". فمعنى ذلك أنك إذا قلت: " هو أشجع الناس رجلا " فهو بمنزلة قولك: " هو أشجع الناس من الرجال "، ثم تنزع " من " وتوحّد الرجال، وتنكّر الواحد على ما ذكرناه؛ ليدل على الجنس، فتقول: " هو أشجع الناس رجلا " كما أنك إذا قلت: " عندي عشرون درهما " فمعناه من الدراهم وجئت بنكرة من جنس الدراهم، وحذفت من لتدل على الجنس، وقد مر نحو هذا فيما تقدم.
[قول سيبويه في جريان هذا المجرى أسماء العدد]
قال سيبويه: " ومما أجري هذا المجرى أسماء العدد، تقول فيما كان لأدنى العدد بالإضافة إلى ما يبنى لجمع أدنى العدد إلى أدنى العقود ".
قال أبو سعيد: اعلم أن أدنى العدد الذي يضاف إلى أدنى الجموع، ما كان من ثلاثة إلى عشرة، نحو ثلاثة وأربعة وخمسة وعشرة.
وأدنى الجموع على أربعة أمثلة، وهو أفعل وأفعال وأفعلة وفعلة، " فأفعل " نحو:
" ثلاثة أكلب وأربعة أفلس "، وأفعال نحو: " خمسة أجداع وسبعة أجمال "، وأفعلة نحو:
" ثلاثة أحمرة وتسعة أغربة، وفعلة نحو: " عشرة غلمة وخمس نسوة ".
وأدنى العدد يضاف إلى أدنى الجموع، وإنما أضيف من قبل أن أدنى العدد بعض الجمع، لأن الجمع أكثر منه فأضيف إليه، كما يضاف البعض إلى الكل، كقولك: " خاتم حديد " و" ثوب خزّ " لأن الحديد والخز جنسان، والثوب والخاتم بعضهما.
فإن قال قائل: وكيف صارت إضافة أدنى العدد إلى أدنى الجمع أولى من إضافته إلى الجمع الكثير؟
قيل له: من قبل أن العدد عددان: عدد قليل وعدد كثير، فالقليل ما ذكرناه من الثلاثة إلى العشرة، والكثير ما جاوز ذلك، والجمع جمعان: جمع قليل، وهو ما ذكرنا من هذه الأبنية الأربعة التي قدمنا، وجمع كثير، وهو سائر أبنية الجمع، فاختاروا لإضافة أدنى العدد إليه أدنى الجمع؛ للمشاكلة والمطابقة، وقد يضاف إلى الجمع الكثير، كقولهم: " ثلاثة كلاب "، و" ثلاثة قروء " لأن الجمع الكثير والقليل قد يضاف إلى جنسه؛ فعلى هذا إضافتهم العدد القليل إلى الجمع الكثير، ولهذا قال الخليل: إنهم إذا قالوا: " ثلاثة كلاب " فكأنهم قالوا: ثلاثة من الكلاب، فحذفوا وأضافوا استخفافا.
وينزعون الهاء من الثلاثة إلى العشرة في المؤنث، ويثبتونها في المذكر، كقولهم:
[ ٢ / ٨٤ ]
" ثلاث نسوة " و" عشر نسوة " و" ثلاثة رجال " و" عشرة رجال " فإن قال قائل: لم أثبتوا الهاء في المذكر ونزعوها من المؤنث؟ ففي ذلك جوابان: أحدهما: أن الثلاث من المؤنث إلى العشر مؤنثات الصيغة، فالثلاث مثل: " عناق "، وأربع مثل: " عقرب " وكذلك إلى العشرة، قد صيغت ألفاظا للتأنيث، مثل عناق، وأتان، وعقرب، وقدر، وفهر، ويد، ورجل، وأشباه لذلك كثيرة، فصيغت هذه الألفاظ للتأنيث، فصارت بمنزلة ما فيه علامة التأنيث، وغير جائز أن تدخل هاء التأنيث على مؤنث تأنيثه بعلامة أو غيرها، وهذا القول يوجب أنه متى سمي رجل بثلاث لم تصرفه في المعرفة؛ لأنها قد صار محلها محل عناق، إذا سمي بها رجل.
وأما الثلاثة إلى العشرة في المذكر، فإنما دخلت الهاء فيها لتأنيث الجماعة ولو سمي رجل بثلاث من قولك: " ثلاثة " لانصرف في المعرفة والنكرة؛ لأنه يصير محلها: محل " سحابة " و" سحاب "، وإذا سمي رجل بسحاب انصرف في المعرفة والنكرة.
والقول الثاني: أنه فصل بين المذكر والمؤنث بالهاء، ونزعها يدل على تأنيث الواحد وتذكيره.
فإن قال قائل: فهلا أدخلوا الهاء في المؤنث، ونزعوها من المذكر؟
فالجواب أن المذكر أخف في واحده من المؤنث، فثقل جمعه بالهاء وخفف جمع المؤنث؛ ليعتدلا في الثقل.
وفي الفرق بينهما وجه آخر، قاله بعض البصريين، وهو أنه قد تلحق الهاء في جمع المذكر في الموضع الذي تسقط
فيه من المؤنث، كقولهم: " عناق " و" ثلاث أعنق "، و" عقاب " و" ثلاث أعقب " ثم قالوا: غراب، و" ثلاثة أغربة "؛ لأن العقاب مؤنث، والغراب مذكر.
وقد فرق بينهما بعض الناس بمثل هذا المعنى من غير هذا الطريق، فقال: لما قالت العرب: قرد وقردة، وقردة وقرد حملوا " الثلاث " إلى " العشر " على ذلك، فأثبتوا فيما واحده مذكر الهاء، كما أثبتوا الهاء في " قردة " حين كان واحدها مذكرا فاعرفه إن شاء الله تعالى.
واعلم أن " الثلاثة " إلى " العشرة " من حكمها أن تضاف إلا أن يضطر الشاعر، فينون وينصب ما بعدها، فيقول: " ثلاثة أثوابا " ونحو ذلك، والوجه ما ذكرناه من
[ ٢ / ٨٥ ]
الإضافة.
وإنما كان ذلك الوجه؛ لما قدمنا ذكره؛ لأنه بمنزلة إضافة الشيء إلى النوع الذي هو منه، كقولنا: " ثوب خزّ " و" خاتم حديد " وكذلك أضيف: " مائة ثوب " و" ألف ثوب " ومع ذلك فإن الإضافة في اللفظ أخف.
وتعرّف " ثلاثة " بإدخال الألف واللام على ما بعدها، فتقول: " ثلاثة الأبواب " و" خمسة الأشبار "، قال ذو الرمة:
وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع
وقال آخر:
وما زال مذ عقدت يداه إزاره فدنا فأدرك خمسة الأشبار (١)
فإن قال قائل: فلم قالوا: " ثلاثة أثواب " و" عشر نسوة "، ولم يقولوا: " واحد أثواب، واثنتا نسوة ".
فالجواب في ذلك: أن الواحد والاثنين يكون لهما لفظ يدل على المقدار والنوع، فيستغنى بذلك اللفظ عن ذكر المقدار الذي يضاف إلى النوع، كقولك: " ثوب " و" امرأتان " فدل: " ثوب " على الواحد من هذا الجنس، ودلت " امرأتان " على ثنتين من هذا الجنس، فاستغنى بذلك عن قولك " واحد أثواب " و" اثنتا نسوة " وقد جاء في الشعر، قال الراجز:
كأنّ خصييه من التّدلدل ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل (٢)
أراد حنظلتان، فأضاف " ثنتا " إلى نوع الحنظل.
وأما ثلاثة إلى العشرة، فليس فيه لفظ يدل على النوع والمقدار جميعا، فأضيف المقدار الذي هو الثلاثة إلى النوع وهو ما بعدها.
فإن سأل سائل، فقال: ما معنى قول سيبويه: " ومما أجري هذا المجرى " وإلى ماذا أشار بهذا؟ وكيف جريه
مجراه؟
فالجواب في ذلك: أن الفصل الذي قبل هذا، وهو قولك: " زيد أشجع رجل "
_________________
(١) ديوان الفرزدق ٣٧٨ - الخزانة ١/ ١٠٣ - شواهد المغني ٢٥٦.
(٢) الرجز لخطام المجاشعي في هجاء شيخ كبير الخزانة ٣/ ٣١٤ - الحماسة ٤/ ١٣٨.
[ ٢ / ٨٦ ]
و" أشجع الناس رجلا " قد يكون فيه منصوب ومخفوض على معنيين مختلفين، ومعنيين متفقين، فجرى باب العدد مجرى: " أشجع الناس رجلا " و" أشجع رجل في الناس " في معنى اجتماع الجر والنصب فيه؛ لأنك تقول في باب العدد: " ثلاثة أثواب "، و" عشرون درهما " و" مائة درهم " فيكون بعضه منصوبا؛ وبعضه مخفوضا؛ على ما توجبه العلل التي نفسرها، إن شاء الله تعالى، على ما كان في الفصل قبل هذا.
قال سيبويه: " وتدخل في المضاف إليه الألف واللام لأنه به يكون الأول معرفة، وذلك قولك: " ثلاثة أثواب " و" أربعة أثواب " و" أربعة أنفس "، وكذلك تقول فيما بينك وبين العشرة، وإذا أدخلت الألف واللام قلت: " خمسة الأثواب وستة الأجمال " وقد مر تفسيره.
قال سيبويه: " فلا يكون هذا أبدا إلا غير منون يلزمه أمر واحد لما ذكرت لك ".
يعني أنه لا بد في الثلاثة وما بعدها إلى العشرة من الإضافة، وترك التنوين، وقد أبنّا ذلك، وأنه غير مستقيم في الكلام التنوين والتقدير: إلا أن يضطرّ شاعر إليه.
قال سيبويه: فإذا زدت على العشرة شيئا من أسماء أدنى العدد، فإنه يجعل مع الأول اسما واحدا استخفافا، ويكون في موضع اسم منون، وذلك قولك: " أحد عشر درهما، واثنا عشر درهما وإحدى عشرة جارية ".
قال أبو سعيد: اعلم أنك إذا جاوزت العشرة بنيت النّيّف والعشرة إلى تسعة عشر فجعلتهما اسما واحدا، كقولك: " أحد عشر " و" تسعة عشر "، وفتحت الاسم الأول والأخير، والذي أوجب بناءهما جميعا أن معناه " أحد وعشرة " و" تسعة وعشرة "، فنزعت الواو وهي مقدرة، والعدد متضمن لمعناها فبنيا؛ لتضمنهما معنى الواو، وجعلا كاسم واحد.
واختير الفتح لهما؛ لأن الثاني حين ضم إلى الأول صار بمنزلة هاء التأنيث التي يفتح ما قبلها، وفتح الثاني؛ لأن الفتح أخفّ الحركات، ولا يكون إلا مثل الأول؛ لأنهما اسمان جعلا اسما واحدا، فلم يكن لأحدهما على الآخر مزية، فجريا مجرى واحدا في الفتح، وقد قلنا: إن الذي أوجب فتح الأول هو ضم الثاني إليه، وأجري الثاني مجراه؛ لأنه
ليس أحدهما أولى بشيء من الحركات من الآخر، وانتصب ما بعدهما من قبل أن فيهما تقدير التنوين، ولا يصح إلا كذلك.
[ ٢ / ٨٧ ]
والدليل على أنه لا يصح كذلك أن تقديره: " خمسة " و" عشرة "، فالخمسة ليس بعدها شيء أضيفت إليه، فوجب أن تكون منونة، والعشرة محلها محل الخمسة، فكانت منونة مثلها.
وأيضا فإنا لم نر شيئين جعلا اسما واحدا وهما مضافان، أو أحدهما مضاف، فوجب نصب ما بعدهما للتنوين المقدر فيهما، وإنما جاز نزع الواو، وجعل الاسمين اسما في العدد؛ لأن حكم العدد أن يكون لكل شيء منه لفظ يدل عليه؛ كقولك: ثلاثة وسبعة، وألف، ولو جعلت مكان سبعة " ثلاثة " و" أربعة "، ومكان الألف " مائة " و" تسعمائة " لدل على الألف، ولكن الوجه أن يدل اللفظ جملة على العدد المقصود؛ ولذلك جعلا كاسم واحد؛ لأن ذلك هو الباب وجعل ما بعدهما واحدا منكورا.
أما جعلنا له واحدا؛ فلأنهما قد دلا على مقدار العدد، وبقي الدلالة على النوع، فكان الواحد منه كافيا؛ إذ كان ما قبله قد دل على المقدار والعدد.
وأما جعلنا له منكورا فلأن النكرة شائعة في جنسها، وليست ببعض الجنس أولى منه ببعض، فكانت أشكل بالمعنى الذي أردت له من الدلالة على الجنس، وأدخل فيه من غيرها، فبيّن بها النوع الذي احتيج إلى تبيينه، وذلك قولك: " أحد عشر رجلا " و" خمس عشرة امرأة ".
أما المذكر فإنك تقول: " أحد عشر رجلا واثنا عشر رجلا وثلاثة عشر رجلا إلى " تسعة عشر رجلا " فأما " أحد " فالهمزة فيه منقلبة من الواو وإنما هو من " وحد "، و" واحد " فاعل منه، وتصرّفه فتقول: " توحّد " كما تقول: " توكّل "، وقلما تبدل الهمزة من الواو المفتوحة، وإنما سمع في هذا الحرف الواحد، وفي قولهم: " امرأة أناة " في معنى: وناة، إذا كانت ساكنة رزانا، وقالوا " أخذ " فزعم بعضهم أن الأصل: " وخذ "، ولذلك قالوا:
" اتخذ " كما قالوا " اتعد " ولو كان الأصل من الهمزة لقالوا: " ايتخذ " كما قالوا: " ايتمن " و" ايتسى " من الأمانة والأسوة. وكان " اتخذ " من " وخذ " كما قيل في " وعد ": " اتعد ". وقد ذكرنا الكلام على " اتخذ " في باب الإدغام مستقصى، وسنقف عليه إن شاء الله تعالى.
فإن قال قائل: فإذا زعمتم أن النيّف مبنيّ مع العشرة، فلم قلتم في حال الرفع: " اثنا عشر "، وفي حال النصب والجر " اثني عشر "، والمبني لا يتغير؟ فالجواب في ذلك: أن قولنا: " اثنان " إعرابه قبل آخره؛ فإذا أضفناه جعلناه مع غيره اسما واحدا، وحل ذلك
[ ٢ / ٨٨ ]
الاسم الذي تضيفه إليه، أو تجعله معه اسما واحدا محلّ النون، فجرى التغيير على الألف مع الاسم الذي بني معه، كما جرى التغيير عليها مع النون، ويكون ذلك الاسم على حاله، كما كانت النون على حالها.
وعلة أخرى أنّ " الاثنين " لا يبنى في الموضع الذي يكون الواحد والجمع فيه مبنيّا، وهو " الذي " و" الذين " مبنيان، و" اللذان " معرب، وكذلك الواحد والجماعة من النيف مبني، والاثنان معرب، وثبتت الهاء في: " ثلاثة " إلى: " تسعة " في المذكر إذا كان نيفا، كما أثبتّها في: " ثلاثة " إلى " تسعة " في الآحاد، ونزعتها من العشرة؛ كراهية أن يجمعوا بين تأنيثين من جنس واحد؛ ولأن كونها في أحدهما دلالة على الآخر، إذا كانا بالجملة واحدة.
فإن قال قائل فقد قالوا: " إحدى عشرة "، وهذه الألف للتأنيث والهاء للتأنيث. قيل له: إذا كان التأنيث بالألف لم يمتنع دخول التاء عليها؛ لأن الألف للتأنيث بمنزلة شيء من نفس الحرف، كقولهم: " حبلى " و" حبليات "، فلا تسقط ألف التأنيث، وإذا قالوا:
" مسلمة " فجمعوا، قالوا: " مسلمات " فأسقطوا التاء مع التاء، ولم يسقطوها مع الألف، وكذلك يسقطونها مع " ثلاثة " من العشرة، ولا يسقطونها من عشرة مع إحدى.
وأما " ثنتا عشرة " ففيها لغتان: ثنتا عشرة واثنتا عشرة، فالذي قال " اثنتا عشرة " بناه على المذكر فقال للمذكر: " اثنان "، وللمؤنث " اثنتان "، كما يقول: " ابنان " و" ابنتان " والذي يقول: ثنتان بنى " ثنت " على مثال: " جذع "، كما قالوا: " بنت " فألحقها بجذع، ثم قال: ثنتان، كما تقول: " بنتان "، ولم تدخل هذه التاء على تقدير أن يكون ما قبلها مذكرا؛ لأنها لو دخلت على سبيل ذلك، لأوجبت فتح ما قبلها.
والكلام في تغيير الألف في: " ثنتان واثنتان " إذا قلت: " ثنتا عشرة " و" ثنتي عشرة " مثل الكلام في: " اثني عشر " وأما " ثماني عشرة " فإن أكثر العرب يقولون: " ثماني عشرة " كما يقولون: " ثلاث عشرة "، " وأربع عشرة "، ومنهم من يسكّن الياء. فيقول: " ثماني عشرة ". قال الشاعر:
صادف من بلائه وشقوته بنت ثماني عشرة من حجته (١)
وإنما أسكن الياء كما أسكن في: " معديكرب " و" قالي قلا " و" أيادي سبا "؛ لأن
_________________
(١) قائلة نفيع بن طارق الخزانة ٣/ ١٠٥ - العيني ٤/ ٤٨٨.
[ ٢ / ٨٩ ]
الياء أثقل من غيرها، وغيرها من الصحيح إنما يفتح إذا جعل مع غيره اسما واحدا، فسكنت الياء؛ إذ لم يبق بعد
الفتح إلا التسكين.
وسنذكر هذا في موضعه بأتم من هذا الكلام إن شاء الله تعالى.
وفي " عشرة " لغتان: إذا قلت: " ثلاث عشرة " فأما بنو تميم فيفتحون العين ويكسرون الشين، ويجعلونها بمنزلة كلمة، وأما أهل الحجاز فإنهم يفتحون العين ويسكّنون الشين فيجعلونها مثل " ضربة " وهذا عكس لغة أهل الحجاز وبني تميم، لأن أهل الحجاز في غير هذا يشبعون عامّة الكلام، وبنو تميم يخففون.
فإن قال قائل فلم قالوا: " عشرة " فكسروا الشّين؟ قيل له: من قبل أن عشر التي في قولك: " عشر نسوة " مؤنثة الصيغة، فلم يصحّ دخول الهاء عليها، فاختاروا لفظة أخرى يصح دخول الهاء عليها، وخفف أهل الحجاز ذلك، كما يقال: " فخذ وفخذ " " وعلم وعلم " ونحو ذلك.
قال سيبويه: " فعلى هذا يجرى من الواحد إلى التسعة ".
قال: يعني من: " أحد عشر " إلى " تسعة عشر ".
قال سيبويه: فإذا ضاعفت أدنى العقود كان له اسم من لفظه، ولا يثنى العقد، ويجري ذلك الاسم مجرى الواحد الذي لحقته الزوائد للتثنية، ويكون حرف الإعراب الواو والياء، وبعدهما النون.
قال أبو سعيد: اعلم أنهم إذا جاوزوا: " تسعة عشر " صاغوا لفظا للمؤنث والمذكر على صيغة واحدة، وألحقوا آخرها واوا ونونا في الرفع، وياء ونونا في الجر والنصب، وفسروه بواحد منكور من الجنس منصوب، وذلك قولهم: " عشرون درهما ".
فإن قال قائل: ما هذه الكسرة التي لحقت أول: " العشرين " وهلا جرت على " عشرة " فيقال: " عشرون " أو على: " عشر " فيقال: عشرون؟
فإن الجواب في ذلك أن " عشرين " لما كانت واقعة على الذكر والأنثى كسروا أولها؛ للدلالة على التأنيث، وجمع بالواو والنون؛ للدلالة على التذكير، فتكون آخذة من كل منهما بتأثير.
فإن قال قائل: فقد كان ينبغي على هذا القياس أن يجعلوا هاتين العلامتين في الثلاثين إلى التسعين.
[ ٢ / ٩٠ ]
قيل له: قد يجوّز له أن تكون الثلاث التي في الثلاثين هي الثلاث التي للمؤنث، وتكون الواو والنون لوقوعه على التذكير، فيكون قد جمع للثلاثين لفظ التأنيث والتذكير، فيكون على قياس العلة الأولى مطردا.
ويجوز أن يكون قد اكتفوا بالدلالة في: " العشرين " عن الدلالة في غيره من الثلاثين إلى التسعين؛ لأن العشرين أول، وهو يقع على المؤنث والمذكر، والثلاثين إلى التسعين تجري على مثل ما جرى عليه " العشرون "، فإذا وقع: "
العشرون " على المذكر والمؤنث كان الثلاثون مثله، واكتفوا بعلامة التأنيث في: " العشرين " عن علامته في: " الثلاثين ".
ودليل آخر في كسر العين من عشرين، وهو أنا رأيناهم قالوا في ثلاث عشرات:
" ثلاثون ". وفي أربع عشرات " أربعون " وكأنهم جعلوا ثلاثين عشر مرار ثلاثة، وأربعين عشر مرار أربعة، إلى التسعين، فاشتقوا من لفظ الآحاد ما يكون لعشر مرار ذلك العدد، فكان قياس العشرين من الثلاثين أن يقال: " اثنين " و" اثنون " بعشر مرار اثنين، إلا أنهم تجنبوا ذلك؛ لأن الاثنين لا يكون إلا مثنى، فلو قلنا: اثنون، كنا قد نزعنا " اثن " من الاثنين، فأدخلنا عليه الواو والنون، و" اثن " لا يستعمل إلا مع حروف التثنية، فبطل استعماله في موضع العشرين، فلما اضطروا لهذه العلة إلى استعمال العشرين كسروا أوله؛ لأن اثنين وثنتين مكسورا الأول، فكسروا أول العشرين لذلك، وأدخل الواو والنون، لأنه يقع على المذكر والمؤنث، وإذا اختلط المؤنث والمذكر في لفظ غلّب التذكير، وانفرد اللفظ به.
ودليل آخر؛ وهو أنهم يقولون في المؤنث: " إحدى عشرة، وتسع عشرة " فلما جاوزوها إلى العشرين، نقلوا كسرة الشين التي كانت للمؤنث إلى العين، كما يقولون في:
" كذب " " كذب " وفي: " كبد كبد " وجمعوا بالواو والنون، كما يفعلون في الأشياء المؤنثة المحذوفة منها الهاءات عوضا من المحذوف، كقولهم في " سنة ": سنين وسنون، وفي " أرض " أرضون وأرضين وفي: " ثبة " ثبون وثبين، وهذا كثير جدّا، والجمع بالواو والنون له مزية على غيره من الجموع، فجعل عوضا من المحذوف.
واعلم أن " عشرين " ونحوها ربما جعل إعرابها في النون، وأكثر ما يجيء ذلك في الشعر، فإذا جعلوا إعرابها كذلك ألزمت الياء؛ لأنها أخف من الواو، كما فعلوا ذلك في " سنين " إذا جعلوا إعرابها في النون، قالوا: " أتت عليه سنين ".
[ ٢ / ٩١ ]
قال الشاعر:
وأنّ لنا أبا حسن عليا أب برّ ونحن له بنين (١)
وأنشد بعضهم:
أرى مرّ السّنين أخذن مني كما أخذ السّرار من الهلال (٢)
وقال سحيم بن وثيل الرّياحي (٣)
وماذا يدّري الشعراء مني وقد جاوزت حد الأربعين
أخو خمسين مجتمع أشدّي ونجّدني مداورة الشؤون (٤)
وهذا قول عامة أصحابنا أنه متى لزم النون الإعراب لزم الياء، وصار بمنزلة قنّسرين وغسلين، وأكثر ما يجيء هذا في الشعر.
وقد زعم بعضهم أنه قد يجوز أن تلزم الواو، وإن كان الإعراب في النون، وزعم أن " زيتون " يجوز أن يكون " فيعول "، ويجوز أن يكون " فعلون "، وهو إلى " فعلون " أقرب؛ لأنه من الزيت، وقد لزم الواو.
قال سيبويه: " لو سمي رجل بمسلمون كان فيه وجهان: إن جعلت الإعراب في الواو فتحت النون على كل حال، وجعلت في حال الرفع واوا، وفي حال النصب والجر ياء، كقولك: " جاءني مسلمون "، و" رأيت مسلمين " و" مررت بمسلمين "، وإن جعلت الإعراب في النون ألزمته الياء على كل حال "، فتقول: " جاءني مسلمين "، و" رأيت مسلمينا "، و" مررت بمسلمين "، فهذا ما ذكره، ولم يزد عليه شيئا.
وقد رأينا في كلام العرب وأشعارها بالرواية الصحيحة وجها آخر، وهو أنهم إذا سموا بجمع فيه واو ونون، فقد يلزمون الواو على كل حال، ويفتحون النون، ولا يحذفونها في الإضافة، وكأنهم حكوا لفظ الجمع المرفوع في حال التسمية وألزموه طريقة واحدة، قال الشاعر:
_________________
(١) الخزانة ٣/ ٤١٨ وفيها أن البيت لسعيد بن قيس الهمداني.
(٢) قائلة جرير يهجو الفرزدق ديوان جرير ٤٢٥.
(٣) سحيم شاعر معروف في الجاهلية والإسلام عده ابن سلام في الطبقة الثالثة عن الشعراء المسلمين الخزانة ١/ ١٢٦، طبقات ابن سلام ٥٩، ٤٨٥.
(٤) الخزانة ١/ ١٢٦ - ٣/ ٤١٤، حماسة البحتري ٧.
[ ٢ / ٩٢ ]
ولها بالماطرون إذا أكل النمل الذي جمعا
خلفة حتى إذا ارتبعت ذكت من جلّق بيعا
وقفت للبدر ترقبه فإذا بالبدر قد طلعا (١)
ففتح نون الماطرون، وأثبت الواو، وهو في موضع جر.
والعرب تقول: " الياسمون " في حال الرفع والنصب والجر، ويقولون: " ياسمون البرّ "، فيثبتون النون مع الإضافة ويفتحونها، ومنهم من يرويه: بالماطرون، ويعرب نون " الياسمون "، ويجري ذلك مجرى " الزيتون " وهو
الأجود، والدليل على ذلك قول الشاعر في أبيات تروى لأبي دهبل، ولعبد الرحمن بن حسان أولها:
طال ليلي وبتّ كالمحزون واعترتني الهموم بالماطرون (٢)
وفي القصيدة:
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوّا ص ميزت من جوهر مكنون
فإذا زدت على " العشرين " نيّفا أعربته، وعطفت " العشرين " عليه كقولك: " أخذت خمسة وعشرين " وهذه " ثلاثة وعشرون "، لأنه لا يصح أن يبنى النيّف مع العشرين؛ لأنه معرب، ولا يصح أن يبنى اسم مع اسم وأحدهما معرب، ولم يقع الآخر موضع شيء منه، كوقوع: " عشر " في موضع النون من " اثني عشر ".
وينصب النوع الذي بعد: " العشرين " إلى: " التسعين " ويوحّد وينكّر، والذي أوجب نصبه أن " عشرين " جمع فيه نون بمنزلة: " ضاربين " ويجوز إسقاط نونه إذا أضيف إلى مالك كقولك: هذه عشرو زيد وعشرون يطلب ما بعده ويقتضيه.
كما أن: " ضاربين " يطلب ما بعده ويقتضيه، فتنصب ما بعد " العشرين " كما تنصب ما بعد " الضاربين " من المفعول للتشبيه الذي ذكرناه، إلا أن " عشرين " لا يعمل إلا في منكور ولا يعمل فيما قبله؛ لأنه لم يقو قوة " ضاربين " في كل شيء؛ لأنه اسم جامد غير مشتق من فعل، فلم يتقدم عليه ما عمل فيه؛ لأنه غير متصرف في نفسه، ولم يعمل
_________________
(١) قال المبرد قال أبو عبيدة: هذا الشعر يختلف فيه فبعضهم ينسبه إلى الأحوص وبعضهم ينسب إلى يزيد بن معاوية. اللسان (مطر) ٧/ ٢٩، العيني ١/ ١٤٩، الخزانة ٣/ ٢٧٨.
(٢) قائلة أبو دهبل الجمحي وقيل الأحوص انظر الخزانة ٣/ ٢٨٠، الخصائص ٣/ ٢١٦.
[ ٢ / ٩٣ ]
إلا في نكرة؛ من قبل أنّ المعنى في: " عشرين درهما " عشرون من الدراهم، فاستخفوا وأرادوا الاختصار فحذفوا من وجاءوا بواحد منكور شائع في الجنس، فدلوا به على النوع، وقد مر هذا مستقصى فيما مرّ.
ولا يجوز أن يكون التفسير إلا بواحد؛ إذ كان الواحد دالّا على نوعه مستغنى به، فإذا أردت أن تجمع جماعات مختلفة، جاز أن تفسر " العشرين " ونحوها بجماعة، فيكون " عشرون " كل واحد منها جماعة، ومثل ذلك قولك: " قد التقى الخيلان " وكل واحد منهما جماعة خيل، فعلى هذا تقول: " التقى عشرون خيلا " على أن كل واحد من
العشرين خيل.
وقال الشاعر:
تبقّلت من أول التبقّل بين رماحي مالك ونهشل (١)
لأن مالكا ونهشلا قبيلتان، وكل واحدة منهما لها رماح، فلو جمعت على هذا لقلت: " عشرون رماحا قد التقت "، يريدون عشرون قبيلة لكل واحدة منها رماح، ولو قلت عشرون رمحا، كان لكل واحد منها رمح، وقال الشاعر في مثل ذلك.
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
لأصبح القوم أوبادا ولم يجدوا عند التفرق في الهيجا جمالين (٢)
أراد جمالا لهذه الفرقة، وجمالا لهذه الفرقة، فإذا بلغت المائة جئت بلفظ يكون للمذكر والأنثى، وهو " مائة " كما قال: " عشرون " وما بعدها من العقود، وبينت المائة بإضافتها إلى واحد منكور.
فإن قال قائل: ما العلة التي لها أضيفت إلى واحد منكور؟ فالجواب في ذلك: أنها شابهت " العشرة " التي حكمها أن تضاف إلى جماعة، و" العشرين " التي حكمها أن تميز بواحد منكور، فأخذت من كل واحد منهما شبها فأضيفت لشبه العشرة، وجعل ما تضاف إليه واحدا لشبه العشرين؛ لأن ما تضاف إليه نوع يبينها كما بيّن النوع المميز العشرين.
فإن قيل وما شبهها من العشرة والعشرين؟ قيل أما شبهها من العشرة، فلأنها عقد
_________________
(١) البيت لأبي النجم العجلي من لاميته: شواهد الكشاف ٩٤.
(٢) البيتان لعمرو بن العداء الكلبي انظر الخزانة ٣/ ٣٨٧، اللسان (عقل) ١٣/ ٤٨٤ الأغاني ١٨/ ٤٩، مجالس ثعلب ١/ ١٤٢.
[ ٢ / ٩٤ ]
العشرة كما أن العشرة عقد الواحد؛ لأن مائة عشر مرات عشرة، كما أن العشرة عشر مرات واحد.
وأما شبهها من " العشرين " فلأنها تلي التسعين، وحكم عشرة الشيء كحكم تسعته، ألا ترى أنك تقول: " تسعة أثواب، وعشرة أثواب "، فتكون العشرة كالتسعة والمائة من التسعين كالعشرة من التسعة، والتسعون كالعشرين، فإذا ثنيت " مائة " أضفت كإضافة المائة، وذلك قولك: " مائتا درهم " و" مائتا ثوب " ونحو ذلك. ويجوز في الشعر إدخال النون على المائتين، ونصب ما بعدها، قال الشاعر:
إذا عاش الفتى مائتين عاما فقد ذهب اللذاذة والفتاء (١)
وقال آخر:
أنعت عيرا من حمير خنزره في كل عير مائتان كمره (٢)
فإذا أردت تعريف المائة والمائتين أدخلت الألف واللام في النوع وأضفتهما إليه كقولك: " مائة الدرهم ومائتا الثوب ".
فإذا جمعت المائة أضفت الثلاث فقلت: ثلاثمائة إلى تسعمائة.
فإن قال قائل: هلّا قلتم: ثلاث مائتين أو مئات، كما قلتم: ثلاث مسلمات وتسع تمرات؟
فالجواب في ذلك أنا رأينا " الثلاث " المضاف إلى المائة قد أشبهت " العشرين " من وجه، وأشبهت الثلاث التي في الآحاد من وجه، فأما شبهها بالعشرين فلأن عقدها على خلاف قياس الثلاث إلى التسع، لأنك تقول ثلاثمائة وتسعمائة، ثم تقول: " ألف " ولا تقول: " عشر مائة "، فصار بمنزلة قولك: عشرون وتسعون، ثم تقول: مائة على غير قياس التسعين، وتقول في الآحاد: " ثلاث نسوة " و" عشر نسوة " فتكون العشر بمنزلة الثلاث فأشبهت ثلاث المائة العشرين، فبيّنت بواحد، وأشبهت الثلاث في الآحاد فجعل بيانها بالإضافة.
والدليل على صحة هذا أنهم قالوا: " ثلاثة آلاف " فأضافوا الثلاثة إلى جماعة؛ لأنهم
_________________
(١) قائله الربيع بن ضبع الفزاري الخزانة ٣/ ٣٠٦ - ابن يعيش ٦/ ٢١، الهمع ١/ ٢٥٣.
(٢) قائله الأعور بن براء الكلبي معجم البلدان ٣/ ٤٧١، اللسان (خنزر) ٥/ ٣٤٤.
[ ٢ / ٩٥ ]
يقولون: عشرة آلاف، فلما كانت عشرته على قياس ثلاثته أجروه مجرى: " ثلاثة أثواب "؛ لأنهم قالوا: عشرة أثواب، فإذا قلت: ثلاثمائة، فحكم المائة بعد إضافة الثلاثة إليها أن تضاف إلى واحد منكور، كحكمها حين كانت منفردة ويجوز أن تنوّن وتميّز بواحد كما قيل: " مائتان عاما ".
وأما قوله تعالى: ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (١) فإن أبا إسحاق الزجاج (٢) زعم أن سنين منتصبة على البدل من ثلاثمائة، ولا يصح أن تنتصب على التمييز؛ لأنها لو انتصبت على التمييز فيما قالوا، لوجب أن يكونوا قد لبثوا تسعمائة سنة، كما أنك إذا قلت: " عشرون رماحا " فكل واحد منها رماح، فيكون " عشرون رماحا " ستين رمحا أو أكثر، وليس ذلك معنى الآية، وقبيح أن تجعل " سنين " نعتا لها؛ لأنها جامدة ليس فيها معنى فعل.
وقال الفراء: يجوز أن تكون سنين منصوبة على التمييز، كما قال عنترة:
فيها اثنتان وأربعون حلوبة سودا كخافية الغراب الأسحم (٣)
ويروى: سود.
قال: فقد جاء التمييز " سودا " وهي جماعة، قال أبو سعيد ولأبي إسحاق أن يفصل بين هذا وبين سنين؛ لأن سودا إنما جاء بعد المميز، فيجوز أن يحمل على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة، كما تقول: " كلّ رجل ظريف عندي "، وإن شئت قلت: " ظريف " فتحمله مرة على اللفظ ومرة على المعنى، وليس قبل " سنين " شيء وقع به التمييز، فتكون " سنين " مثل " سودا ".
واعلم أن " مائة " ناقصة بمنزلة " رئة " و" إرة " فلك أن تجمعها فتقول: " مئون " في حال الرفع، ومئين في حال النصب والجر، وإن شئت قلت: مئين، فجعلت الإعراب في النون وألزمته الياء، وإن شئت قلت: مئات، كما تقول: " ديات ".
وأما قول الشاعر:
_________________
(١) سورة الكهف، آية: ٢٥.
(٢) أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج كانت صناعته خرط الزجاج فلزم أبا العباس المبرد حتى صار من كبار النحاة وتوفي عام ٣١١ هـ نزهة الألباء ٢٤٤.
(٣) البيت من معلقة عنترة ديوانه ١٣ (ط بيروت) ابن يعيش ٣/ ٥٥.
[ ٢ / ٩٦ ]
وحاتم الطائي وهّاب المئي (١)
فقد اختلف النحويون في ذلك، فقال بعضهم: أراد جمع المائة على الجمع الذي ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، كقولك: " تمرة وتمر "، فكأنه قال: " مائة " و" مئ " مثل:
" مع " ثم أطلق القافية للجر.
وقال بعضهم: " أراد المئيّ " وكان أصله المئيّ على مثال " فعيل "؛ لأن الذاهب من المائة إما ياء وإما واو، فإن كانت ياء فهي: " مئيّ " وإن كانت واوا انقلبت أيضا ياء، وصار لفظها واحدا ثم تكسر الميم، وذلك أن بني تميم يكسرون الفاء من فعيل إذا كانت العين أحد الحروف الستة، وهي حروف الحلق، كقولك: " شعير " و" رحيم " فيقولون في ذلك: " مئيّ " وأصله: مئيّ.
ومما جاء على هذا المثال من الجمع " معيز " جمع معز، و" كليب وعبيد "، وغير ذلك مما جاء على فعيل، فعلى هذا
القول مئيّ مشددة، ويجوز تخفيفها في القافية المقيدة، كما ينشد بعضهم قول طرفة:
أصحوت اليوم أم شاقتك هر ومن الحبّ جنون مستعر (٢)
وقال بعض النحويين: إنما هو " مئين " فاضطر إلى حذف النون كما قال:
قواطنا مكة من ورق الحمى (٣)
ويجوز أن يكون " المئي " على فعول مثل عصي وقسيّ ثم خفف، كما قال:
تعال نصنع رجلا مثل عدىّ نصنعه من الرّقاع والعصىّ
أما قول حسان:
وذلك أن ألفكم قليل بواحدنا أجل أيضا ومين (٤)
أراد: ومئين، فحذف الهمزة ألبتة كما قالت:
ها من أحسّ لي أخوين كالبدرين أم من راهما
أرادت رآهما، فحذفت الهمزة ألبتة، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) هذا البيت من رجز أورده أبو زيد في نوادره. الخزانة ٣/ ٣٠٤ - ابن الشجري ١/ ٣٨٣.
(٢) انظر الخصائص ٢/ ٢٨، ٣٢٠ - ديوان طرفة (بتحقيق الجندي) ٦٧٢، وهر اسم امرأة.
(٣) قائله العجاج ديوان ٥٩، الخصائص ٣/ ١٣٥ - الدرر ١/ ١٥٧ - اللسان (هم) ١٥/ ٤٨.
(٤) ديوان حسان ٣٤٦.
[ ٢ / ٩٧ ]
فإذا بلغت إلى الألف أضفت إلى واحد، فقلت: ألف درهم، كما أضفت " المائة " إلى الواحد حين قلت: مائة درهم، والعلة فيه كالعلة فيها؛ من قبل أن الألف على غير قياس ما قبله؛ لأنك لم تقل: عشر مائة، كما قلت: تسعمائة، وصغت لفظا يدل على العقد الذي بعد تسعمائة، غير جار على شيء قبله، كما فعلت ذلك بالمائة، حين لم تجرها على قياس التسعين، فإذا جمعت الألف جمعته على حد ما يجمع عليه الواحد.
وتضيف ثلاثته وأربعته إلى جماعة نوعه، فتقول: ثلاثة ألف وعشرة ألف، كما قلت: ثلاثة أثواب وعشرة أثواب.
وإنما خالف جمع الألف في الإضافة جمع المائة؛ لأن الألف عشرته كثلاثته، فصار بمنزلة الآحاد التي عشرتها كثلاثتها، وليس عشرة المائة كثلاثتها، وقد بينا هذا فيما تقدم، وليس بعد الألف شيء من العدد على خلاف لفظ الآحاد إلى الألف، فإذا تضاعف أعيد عليه اللفظ بالتكرير كقولك: عشرة آلاف ألف ومائة ألف ألف ونحو ذلك،
وإنما قلت: عشرة آلاف درهم، لأن الألف قد لزم إضافته إلى واحد يبيّنه، وكذلك جماعته كواحده في تبيينه بالواحد من النوع، واعلم أن " الألف " مذكر، تقول: أخذت منه ألفا واحدا، وقال الله ﷿: بِثَلاثَةِ آلافٍ (١) فأدخل الهاء على الثلاثة فدل على تذكير الألف، وربما قيل: هذه ألف درهم، يريدون: " هذه الدراهم " فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى:
قال سيبويه: " فعلى هذا يجرى الواحد إلى التسعة ".
يعني يجرى النّيّف من " أحد عشر " إلى " تسعة عشر " مجرى واحدا في بناء أحدهما مع الآخر، وقد بيناه بما فيه.
قال سيبويه: " فإذا ضاعفت أدنى العقود كان له اسم من لفظه ولا يثنى ذلك العقد " يعني " عشرين " واسمها من لفظها؛ لأنها ليست بتثنية شيء ينطق به ولا بجمعه؛ لأنك لا تجد شيئا من العدد تقع عليه عشر، فقد صح أنه ليس بتثنية عشرة، ولا بجمع شيء ينطق به.
قال سيبويه: " ويجرى ذلك الاسم مجرى الواحد الذي لحقته الزيادة للجمع،
_________________
(١) سورة آل عمران، آية: ١٢٤.
[ ٢ / ٩٨ ]
كما لحقته الزيادة للتثنية، ويكون حرف الإعراب الواو والياء، وبعدهما النون، وذلك قولك: عشرون درهما ".
قال أبو سعيد: يعني يجرى " العشرون " بما لحقه من الواو والنون بمنزلة اسم كان على عشر، فجمع جمع السلامة، الذي هو بمنزلة التثنية في سلامة الواحد، ولحاق الزيادة، ويدخل التغيير على زيادته من واو إلى ياء، كما قد عرفت في الجموع السالمة.
قال سيبويه: " فإن أردت أن تثلث أدنى العقود كان له اسم من لفظ الثلاثة يجرى مجرى الاسم الذي كان للتثنية، وذلك قولك: " ثلاثون عبدا "، وكذلك إلى أن تتسّعه ".
قال أبو سعيد: يعني أن الثلاثين قد فعل بها ما فعل بالعشرين من إجرائها على حد جمع السلامة، إلا أن لفظها مأخوذ من الثلاثة، بإسقاط الهاء غير مغيّر منه شيء، إلا إسقاط الهاء، وكذلك إلى التسعين مأخوذ من الثلاثة إلى التسعة على حد ما ذكرناه من أخذ " الثلاثين " من " الثلاثة ".
قال سيبويه: " وتكون النون لازمة له كما كان ترك التنوين لازما للثلاثة إلى العشرة ".
قال أبو سعيد: يعني أن النون والتمييز لازم للعشرين إلى التسعين، كما كان ترك التنوين والإضافة لازما للثلاثة إلى العشرة، وقد ذكرنا هذا مشروحا فيما مضى.
قال سيبويه: " وإنما فعلوا هذا بهذه الأسماء؛ وألزموها وجها واحدا؛ لأنها ليست كالصفة التي في معنى الفعل، ولا التي شبّهت به ".
قال أبو سعيد: يعني إنما ألزموها النون ولم يجيزوا إضافتها إلى الجنس، فيقولوا:
" عشرو درهم "، كما قالوا في الصفة التي في معنى الفعل، يريد اسم الفاعل: " ضاربون زيدا " و" ضاربو زيد "، وفي الصفة المشبّهة: حسنون وجوها؛ وحسنو وجوه؛ لأنها- أعني عشرين- لم تقو قوة اسم الفاعل والصفة المشبهة فلم تصرّف تصرفهما، وألزمت طريقا واحدا، وقد مرّ في هذا ما يغني عن إعادته.
قال سيبويه: " ولم يجز حين جاوزت أدنى العقود فيما تبيّن به من أيّ صنف العدد، إلا أن يكون لفظه واحدا، ولا يكون فيه الألف واللام لما ذكرت لك، وكذلك هو إلى التسعين فيما يعمل فيه، ويبيّن به من أيّ صنف العدد ".
[ ٢ / ٩٩ ]
قال أبو سعيد: يعني أنه لا يجوز أن يجعل المميز من " أحد عشر " الذي يلي أدنى العقود إلى " تسعة وتسعين " إلا واحدا منكورا لا ألف فيه ولا لام.
قال سيبويه: (فإذا بلغت العقد الذي يليه تركت التنوين والنون وجعلت الذي يعمل فيه ويبيّن به العدد من أيّ صنف هو واحدا).
قال يعني: إذا بلغت عقد العشرة وهو " مائة " أضفت إلى واحد منكور.
قال سيبويه: (كما فعلت ذلك فيما نوّنت فيه، إلّا أنك تدخل فيه الألف واللام، لأن الأول يكون به معرفة ولا يكون المنّون به معرفة، وذلك قولك: " مائة درهم " و" مائة الدرهم ").
قال أبو سعيد: يعني بينت " مائة " بواحد أضفتها إليه، كما بيّنت ما فيه النون، وما كان في تقدير التنوين نحو: " خمسة عشر " بواحد ميّزه؛ لأن الواحد الذي أضيفت إليه المائة قد يكون معرفة بدخول الألف واللام عليه، وقد تكون " المائة " معرفة بإضافتك إياها إليه، والواحد الذي يميز " العشرين " ونحوها لا تدخله الألف واللام، ولا يتعرف الأول به، وقد مر تفسير هذا.
قال سيبويه: (وكذلك إن ضاعفته فقلت: مائتا الدرهم ومائتا الدينار).
يعني أنك تضيف " المائتين " إلى واحد بينهما، كما أضفت المائة، وتعرّف ذلك الواحد بإدخال الألف واللام، كما فعلت ذلك بالمائة.
قال سيبويه: " وكذلك العقد الذي بعده واحدا كان أو مثنى، وذلك قولك: ألف درهم وألفا درهم ".
قال أبو سعيد: يعني أن ألف درهم وألفي درهم، كمائة درهم ومائتي درهم.
قال سيبويه (وقد جاء في الشعر بعض هذا منونا، قال الرّبيع بن ضبع الفزاري):
إذا عاش الفتى مائتين عاما فقد ذهب اللذاذة والفتاء (١)
وقال آخر:
أنعت عيرا من حمير خنزره في كل عير مائتان كمره (٢)
_________________
(١) سبق الحديث عنه الخزانة ٣/ ٣٠٨.
(٢) سبق الحديث عنه.
[ ٢ / ١٠٠ ]
قال أبو سعيد: قد ذكرنا هذين البيتين بما يستحقانه من التفسير.
قال سيبويه: " وأما تسعمائة فكان ينبغي أن تكون في القياس " مئين " أو " مئات "، ولكنهم شبّهوه بعشرين وأحد عشر، حيث جعلوا ما يبيّن به العدد واحدا؛ لأنه اسم لعدد ".
قال أبو سعيد: يعني أن القياس في " تسعمائة " كان بجمع المائة، فكان ينبغي أن تقول: " ثلاث مئات " أو " ثلاث مئين "، وذلك أن " ثلاثا " و" تسعا " تضاف إلى جماعة في الآحاد فانبغى أن تكون هاهنا أيضا مضافة إلى جماعة غير أنهم أضافوها إلى واحد، وبينوها كما بيّنوا " أحد عشر " و" عشرين " بواحد، وقد بينا وجه الشبه فيه.
قال سيبويه: " وليس بمستنكر في كلامهم أن يكون اللفظ واحدا، والمعنى جمع حتى قال بعضهم في الشعر من ذلك ما لا يستعمل في الكلام، قال علقمة بن عبدة ":
بها جيف الحسرى فأمّا عظامها فبيض وأما جلدها فصليب (١)
وقال آخر:
لا تنكروا القتل وقد سبينا في حلقكم عظم وقد شجينا (٢)
قال أبو سعيد: يعني ليس بمستنكر في كلام العرب أن يكون اللفظ واحدا، ويكون عبارة عن جميع، ولا سيما في باب العدد، كما قلنا في: " عشرين درهما "، و" مائة درهم "، وقد استعملت العرب لفظ الواحد بمعنى الجميع في الشعر، لمّا لم يستعمل في الكلام؛ لأن من كلامهم في مواضع كثيرة العبارة عن الجميع بواحد، فحمل الشاعر هذا المعنى بأن استعمل لفظ الواحد بمعنى الجمع في غير تلك المواضع، وهو البيت الذي أنشده لعلقمة.
وإنما يريد وأما: " جلودها " فاكتفى بقوله: " جلدها " عن جلودها، وإنما يصف فلاة قطعها، ويذكر بعدها فيقول: " بها جيف الحسرى " أي بها جيف الإبل المعيبة التي قد تركت في هذه الفلاة لبعدها، " فأما عظامها فبيض " أي قد
تفصّلت وظهرت من اللحم، وأكلت الطيور والسباع ما عليها من اللحم، وأما جلودها فقد سال ودكها عليها، بوقوع
_________________
(١) قائله علقمة بن عبده بن ناشرة بن قيس شاعر جاهلي عاصر امرأ القيس الخزانة ١/ ٥٦٥ / ديوان علقمة ٣ - الخزانة ٣/ ٣٧٩.
(٢) قائله المسيب بن زيد مناة الغنوي الخزانة ٣/ ٣٧٩ - المقتضب ٢/ ١٧٢ ابن يعيش ٦/ ٢٢ - المخصص ١/ ٣١ - ١٠/ ٣٠.
[ ٢ / ١٠١ ]
الشمس وإحمائها لها، وكان ينبغي أن يقول: " جلودها " كما قال: " عظامها ".
وأما البيت الثاني فالشاهد منه: " في حلقكم عظم " وإنما أراد في حلوقكم، لأنهم جماعة، وكأنّ هؤلاء قوم سبوا من عشيرة هذا الشاعر، وباعوا ما سبوا منهم، ثم ثاب لعشيرة هذا الشاعر ظفر لمن سبي منهم، فقتلوا منهم، فقال شاعرهم وهو: " المسيّب بن زيد مناة الغنوي " من القبيلة التي عاقبت وقتلت، ويخاطب الآخرين، الذين سبوا منهم:
لا تنكروا القتل وقد سبينا
والأبيات في غير كتاب سيبويه، يقولها المسيب بن زيد مناة الغنوي، يخاطب حنظلة بن الأعرف الضبابيّ:
إن تك مقتولا فقد سبينا أو تك مجذوعا فقد شرينا
أو تك مفجوعا فقد وهينا في حلقكم عظم وقد شجينا (١)
" شرينا " أي باعونا، وقوله: " شجينا " أي شجينا نحن، و" في حلقكم عظم " هذا مثل، كأنّه يقول: قد غصصتم؛ لشدة ما نزل بهم كأنّ في حلوقكم عظاما لا تنزل ولا تخرج، ومعنى " شجينا " أي شجينا نحن أيضا كما أصابكم، ولا تنزل الغصّة ولا تخرج، ومن ذلك شجيت الساق بالخلخال، إذا لم يكن الخلخال قلقا فيها، ويقال: " فلان شجى " في حلق فلان " إذا كان يثقل عليه أمره فلا يستسيغه، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: " واختص بهذا الباب إلى تسعمائة ".
يعني أضيف: " الثلاث " و" التسع " وما بينهما إلى " مائة " وهي واحدة، وليس ذلك بالقياس في إضافة: " الثلاث "؛ لأن الثلاث حكمها أن تضاف إلى جماعة، غير أن الثلاث خصت بالإضافة إلى مائة.
وقد تقدم المعنى الذي له خصّت بذلك.
قال سيبويه: (كما أن " لدن " لها مع غدوة حال ليست لها في غيرها تنصب بها).
يعني: أن " لدن " ينخفض ما بعدها؛ لأنها بمنزلة " عند " فتقول: " من لدن زيد " و" لدن عشية " و" لدن عتمة " وما أشبه ذلك، وهو القياس فيها، غير أنهم قد قالوا: " لدن غدوة " فنصبوا بها " غدوة " خاصة، وإنما نصب بها " غدوة "؛ لأن فيها لغات: منهم من
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ١٠٢ ]
يقول: " لدا ولد " وغير ذلك، فالذي نصب بها شبه النون الداخلة على " لد " بعد فقدها منه، بمنزلة النون الداخلة في " عشرين "، بعد نزعها منه في قولك: " عشرو زيد " و" عشرون درهما "؛ إذ كانت تسقط في حال، وتثبت في حال، وقال بعضهم: " لدن غدوة " فنصب بها " غدوة " خاصة، كأنه أدخل النون على " لد " في لغة من يسكّنها ثم فتح الدال؛ لالتقاء الساكنين كما قالوا: " اضربن زيدا "، ففتحوا الباء لالتقاء الساكنين.
قال سيبويه: (كأنه ألحق التنوين في لغة من قال " لد "، وذلك قولك: " من لدن غدوة " وقال بعضهم من لدن غدوة كأنه أسكن الدال ثم فتحها، كما قال: " اضربن زيدا "، ففتح الباء لما جاء بالنون الخفيفة، والجر في " غدوة " هو الوجه والقياس وتكون النون من نفس الكلمة بمنزلة من وعن).
قال أبو سعيد: يعني أن النون في " لدن " بمثلة النون في " من " والدليل على ذلك أنه يخفض بها مع ما بعدها، مع ثبات النون، فعلمنا أن النون من صيغتها، وقد مرّ الكلام في هذا الفصل.
قال سيبويه: " وقد يشذّ الشيء من كلامهم عن نظائره ويستخفون الشيء في موضع لا يستخفونه في غيره ".
يعني في شذوذ " غدوة " مع " لدن ".
ومن ذلك قولهم: ما شعرت به شعرة وليت شعري.
قال أبو سعيد ﵀: يعني أن مصدر " شعرت " إنما هو " شعرة " في أكثر المواضع بإثبات الهاء، وهي مع " ليت " بحذفها؛ إذ قالوا: " ليت شعري " لما كثر استعمالها طرحوا الهاء منها.
ومثل ذلك تقول: امرأة عذراء بيّنة العذرة، كما تقول: حمراء بينة الحمرة، ويقولون لمن افتضها: هو أبو عذرها، يريدون أبو عذرتها، أي صاحب عذرتها، وجرى ذلك مثلا لكل من يستخرج شيئا أن يقال له: أبو عذرها، والأصل فيه: " عذرة المرأة " واستخفوا بطرح الهاء حين جرى في كلامهم مثلا، وكثر استعمالهم له.
قال سيبويه: (وتقول العمر والعمر، ولا يقولون في اليمين إلا بالفتح، يقولون كلّهم: " لعمرك " وسترى أشباه هذا في كلامهم إن شاء الله تعالى).
قال أبو سعيد: وإنما قالوا في اليمين بالفتح حين كثر الحلف، فاختاروا أخفّ
[ ٢ / ١٠٣ ]
اللفظين، وتركوا الآخر الذي في معناه، وإنما يستدل " سيبويه " بما ذكر من ذلك، أنّ اللفظ قد تكون له حال، لا
تكون لنظيره لضرب من العلل.
قال سيبويه: (ومما جاء في الشعر على لفظ الواحد يراد به الجمع:
كلوا في بعض بطنكم تعفّوا فإن زمانكم زمن خميص) (١)
قال: وهو مثل البيتين الأولين أراد في بعض بطونكم، ومعنى هذا البيت أنهم في زمن من مجاعة فيأمرهم أن يأكلوا بعض الشبع، فإن الزمان فيه جدوبة.
قال سيبويه: (ومثل ذلك في الكلام قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا (٢)، و" قررنا به عينا " وإن شئت قلت: أعينا وأنفسا، كما قلت: ثلثمائة وثلاث مئين ومئات ".
وقد مر تفسير ذلك.
قال سيبويه: " ولم يدخلوا الألف واللام كما لم يدخلوا في امتلأت ماء ".
قال أبو سعيد ﵀: يعني لم يدخلوا الألف واللام في " طبت به نفسا " ونحوه.