وهى حروف النفي شبهوها بألف الاستفهام، حيث قدم الاسم قبل الفعل؛ لأنهن غير واجبات، كما أن الألف وحروف الجزاء غير واجبة وكما أن الأمر والنهي غير واجبين، وسهل تقديم الاسم فيها لأنها نفي واجب، وليست كحروف الاستفهام والجزاء.
قال أبو سعيد وقد قدمنا أن قولك: " زيد ضربته " أجود من " زيدا ضربته " وقولك:
" أزيدا ضربته " في الاستفهام أجود من قولك: " أزيد ضربته "، وقد توسطت هذين البابين حروف يتقارب النصب فيها والرفع، وهي " ما " و" لا "، تقول: " ما زيدا ضربته " و" ما زيد ضربته " و" لا زيدا كلمته ولا عمرا أكرمته، وإن شئت قلت: " لا زيد كلمته " " ولا عمرو أكرمته ".
وإنما تقارب النصب فيها والرفع، لأنها تشبه حروف الاستفهام من جهة، وتشبه المبتدأ من جهة.
فأما شبهها بحروف الاستفهام؛ فلأنها حروف دخلت على المبتدأ فأخرجته من حد الإيجاب إلى حد النفي، كما أن حروف الاستفهام أخرجت ما دخلت عليه من الإيجاب إلى الاستفهام.
وأما شبهها بالمبتدأ فلأنها نقيضة المبتدأ، ونفي له، والنفي يجري مجرى الإيجاب، ألا ترى أنك إذا قلت: " قام زيد "، فنفي هذا أن تقول: " ما قام زيد "، تردّ الكلام على لفظه وتدخل حرف النفي.
وأنشد أبياتا بالنصب منها قول جرير:
[ ٢ / ٣ ]
ولا حسبا فخرت به لتيم ولا جدا إذا ازدحم الجدود (١)
أراد فلا ذكرت حسبا فخرت به، وقد يجوز أن تكون " لا " للنفي ونوّن الحسب اضطرارا، وقد كان يونس يذهب إليه.
قال: " وإن شئت رفعت، والرفع فيه أقوى؛ إذ كان في ألف الاستفهام؛ لأنهن نفي واجب ".
يعني لما جاز أن يكون الرفع في الاستفهام، وإن كان الاختيار النصب كان الرفع في حروف النفي أقوى؛ لأنها لم تبلغ أن تكون في القوة مثل حروف الاستفهام والجزاء؛ لشبه المبتدأ الذي ذكرناه.
قال: (فإن جعلت " ما " بمنزلة " ليس " في لغة أهل الحجاز لم يكن إلا الرفع؛ لأنك تجيء بالفعل بعد ما عمل فيه ما هو بمنزلة فعل يرفع، كأنك قلت: ليس زيد ضربته).
يعني أن أهل الحجاز يرفعون الاسم ب " ما "، ويجعلونها بمنزلة " ليس " فإذا قلت:
" ما زيد ضربته "، فالرفع لا غير في " زيد " على قولهم؛ لأنهم جعلوها عاملة في " زيد " فغير جائز أن تضمر فعلا آخر ينصب زيدا، وقد رفعته ب " ما " وذكرت " ضربته " بعد ما عملت " ما " في " زيد "، فكأنك قلت: " كان زيد ضربته " و" ليس زيد ضربته ".
قال: (وقد أنشد بعضهم هذا البيت رفعا:
وقالوا تعرّفها المنازل من منى وما كلّ من وافى منى أنا عارف) (٢)
كأنما قال: اطلبها في المنازل. قال: (فإن شئت حملته على " ليس ").
يعني إن شئت جعلت " كلّ " مرفوعا بما، وجعلت " أنا عارف " في موضع الخبر، وأضمرت في عارف " ها " تعود إلى " كلّ " كأنك قلت: أنا عارفه، وهذا على لغة أهل الحجاز.
قال: (وإن شئت حملته على " كلّه لم أصنع " وهذا أبعد الوجهين).
_________________
(١) الخزانة ١/ ٤٧٧، ديوان جرير ١٦٥.
(٢) البيت لمزاحم العقيلي، انظر شرح شواهد المغني ٣٢٨.
[ ٢ / ٤ ]
يعني: وإن شئت رفعت كلا بالابتداء، وجعلت الجملة في موضع الخبر، وأضمرت الهاء في " عارف " على لغة بني
تميم كما قلت: " كلّه لم أصنع " فرفعت " كلّ " بالابتداء، وأضمرت في " أصنع " هاء تعود إلى " كلّ "، ومعنى قوله: " وهذا أبعد الوجهين ".
يعنى: رفع كل بالابتداء أبعد الوجهين؛ وذلك لأن من يرفعه بالابتداء لا يعمل " ما "؛ فإذا لم يعملها أمكنه أن يعمل " عارف " في " كل "، فإذا لم يعمل فقد قبح؛ إذ قد وجد السبيل إلى الكلام المختار، ولا ضرورة تدعو إلى غيره، ومن رفع " كلّ " " بما " فهو لا يجد السبيل إلى إعمال " عارف " في " كل " إلا بحذف " ما "، وحذفها يغير المعنى.
قال: (وقد زعم بعضهم أنّ " ليس " تجعل ك " ما " وذلك قليل لا يكاد يعرف، فهذا يجوز أن يكون منه: " ليس خلق الله مثله " و" ليس قالها زيد ").
يعني أن بعضهم يجعل " ليس " محمولة على " ما " فيلغي عملها، ولا يجوز أن يكون الذي يفعل هذا من العرب، إلا من كانت من لغته في " ما " إلغاؤها، فتحمل " ليس " على " ما "، وتجعلها حرفا لا تعمل في اللفظ شيئا، كما لم تعمل " ما "، وليس على هذه اللغة دليل قاطع، ولا حجّة تقطع العذر؛ لأن كل ما يستشهد به يحتمل التأويل؛ لأنه إذا احتجّ محتج بقولهم: " ليس خلق الله مثله " فقال: " خلق " فعل، ولو كانت " ليس " فعلا لما وليها الفعل، فللقائل أن يقول في: " ليس " ضمير الأمر والشأن و" خلق " وما بعده جملة في موضع الخبر؛ فلذلك قال سيبويه: " فهذا يجوز أن يكون منه " لهذا المعنى الذي ذكرناه.
وقد احتجوا بشيء آخر- وهو أقوى من الأول- وهو قول بعض العرب: " ليس الطيب إلا المسك " فقالوا: هذا بمنزلة: ما الطيب إلا المسك، قالوا: ولو كان في " ليس " ضمير الأمر والشأن، لكانت الجملة التي في موضع الخبر قائمة بنفسها، وفي موضع خبرها، ونحن لا نقول: " الطيب إلا المسك " بغير تقديم حرف النفي، وليس الأمر على ما ظنوا؛ لأن الجملة إذا كانت في موضع خبر اسم قد وقع عليه حرف النفي فقد لحقها في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: " ما زيد أبوه قائم " فقد نفيت قيام أبيه كما لو قلت: " ما أبو زيد قائم " وعلى هذا يجوز أن تقول: " ما زيد أبوه إلا قائم "، كأنك قلت: " ما أبو زيد إلا قائم ".
[ ٢ / ٥ ]
وأنشد لحميد الأرقط، على لغة من يجعل " ليس " بمعنى " ما ":
فأصبحوا والنّوى عالي معرّسهم وليس كلّ النوى يلقي المساكين (١)
فنصب " كلّ " بيلقي، وجعل " ليس " بمعنى " ما "، كأنه قال: ما يلقي، وبقول هشام أخي ذي الرمة:
هي الشفاء لدائي إن ظفرت بها وليس منها شفاء الداء مبذول (٢)
على قولك: ما منها شفاء الداء مبذول.
قال: (هذا كله سمع من العرب، والوجه والحد فيه أن تحمله على أن في " ليس " إضمارا، وهذا مبتدأ كقوله: " " إنه أمة الله ذاهبة ").
يعني ضمير الأمر.
قال: (إلا أن بعضهم قال " ليس الطيب إلا المسك " و" ما كان الطيب إلا المسك ").
وكان هذا عنده أقوى من الحجة الأولى؛ وذلك أن الذين رفعوا المسك في " ليس " هم الذين نصبوه في " كان " فأشبه أن يكون لفرق بين ليس وكان، والوجه هو الذي ذكرناه، ولو جعل في " كان " ضمير الأمر والشأن لرفع المسك أيضا.
قال: (فإن قلت: " ما أنا زيد لقيته " رفعت إلا في قول من نصب " زيدا لقيته "؛ لأنك شغلت الفعل بضميره).
يعني أنك إذا قلت: " ما أنا زيد لقيته " فالذي ولى حرف النفي غير زيد، ففصل بين " زيد " وبين حرف النفي، فصار " زيد " بمحله في الابتداء، وكان الاختيار فيه الرفع، وهذا يشبه قولك: " أنت زيد ضربته " لما فصلت بين ألف الاستفهام وبين " زيد " وقد مضى الكلام في هذا.
قال: (وهو فيه أقوى لأنه عامل في الاسم).
يعني الرفع في: " ما أنا زيد ضربته " أقوى منه في: " أنت زيد ضربته " لأن " ما " عاملة
_________________
(١) العيني ٢/ ٨٢ - الخزانة ٤/ ٥٨ - آمالي ابن الشجري ٢/ ٢٠٣.
(٢) انظر شواهد المغني ٢٤٠، الدرر ١/ ٨٠، المقتضب ٤/ ١٠١.
[ ٢ / ٦ ]
في الاسم الذي بعدها، يعني في لغة أهل الحجاز فلما كانت عاملة في الاسم الذي بعدها، وألف الاستفهام غير عاملة كان الرفع أقوى في " ما ".
قال: (وأما ألف الاستفهام وما في لغة بني تميم يفصلن ولا يعملن، فإذا اجتمع أنك تفصل وتعمل الحرف فهو أقوى).
يعني أن " ما " وألف الاستفهام في لغة بني تميم يفصلن عن الاسم الذي وقع الفعل على ضميره باسم آخر، كقولك: " أأنت زيد ضربته " و" ما أنا زيد لقيته "، فصلت الألف و" ما " عن زيد بدخول " أنا " و" أنت " بينهما، وهما لا يعملان في الاسم الذي يليها فمجراهما واحد.
فإذا جئت إلى لغة أهل الحجاز في " ما " فصلت بينها وبين الاسم الذي وقع الفعل على ضميره وأعملتها في الاسم
الذي يليها، فبعد النصب عن الاسم الذي وقع الفعل على ضميره؛ لبعدها منه لمّا اجتمع الفصل بينها وبينه، وعملها فيما وليها، ويجوز " ما أنا زيدا لقيته " على قول من قال في الابتداء: " زيدا لقيته "، والاختيار الرفع.
واعلم أن الجملة إذا كانت في موضع خبر اسم متقدم، أو في محل بعينه كان سبيلها كسبيلها إذا وقعت مبتدأة، ويختار فيها ما يختار في الابتداء.
وكونها خبرا في أربعة أشياء. وهي: خبر المبتدأ، وخبر كان وأخواتها، وخبر إن وأخواتها، والمفعول الثاني في " ظننت " وأخواتها، تقول: " زيد أبوه ضربته " و" كنت زيد ضربته " و" إني عمرو كلمته " و" حسبتني أخوك رأيته "، وإنما صار الاختيار الرفع في هذه الأشياء؛ لأنك جئت بهذه الجمل، وهي كلام قائم بنفسه، فوضعته في موضع خبره، فينبغي أن تعطي الكلام حقه وإعرابه، ثم توقعه في هذا الموقع، ويجوز نصبه بما جاز في الابتداء.
وأما قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (١) فإنه على قول من يقول: " زيدا ضربته ".
فإن قال قائل: فأنتم تزعمون أن قول القائل: " إني زيد كلمته " الاختيار فيه الرفع؛
_________________
(١) سورة القمر، آية: ٤٩.
[ ٢ / ٧ ]
لأنه جملة في موضع الخبر، فلم اختير النصب في: " إنا كلّ شيء خلقناه " وكلام الله تعالى أولى بالاختيار؟ فالجواب أن في النصب هاهنا دلالة على معنى لا يوجد ذلك المعنى في حالة الرفع؛ وذلك أنك إذا قلت: " إنا كلّ شيء خلقناه بقدر "، فتقديره: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، فهو يوجب العموم؛ لأنه إذا قال: إنا خلقنا كلّ شيء فقد عمّ، وإذا رفع فقال: كلّ شيء خلقناه بقدر، فليس فيه عموم؛ لأنه يجوز أن نجعل " خلقناه " نعتا لشيء، ويكون " بقدر " خبرا لكل، ولا تكون فيه دلالة لفظه على خلق الأشياء كلها، بل تكون فيه دلالة على أن ما خلق منها خلقه بقدر، ومثل هذا في الكلام " كلّ نحوي أكرمته في الدار " فقد أوجبت أنه ما بقي أحد من النحويين إلا وقد أكرمته؛ لأن تقديره:
أكرمت كلّ نحوي أكرمته في الدار، وإذا قلت: " كلّ نحوي أكرمته في الدار "، وجعلت " أكرمته " نعتا لنحوي، فمعناه كل من أكرمته من النحويين فهو حاصل في الدار، ويجوز أن يكون في النحويين من لم تكرمه في الدار.
قال: وقد قرأ بعضهم: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ (١).
والاختيار الرفع وهو الأكثر في القراءة، ونصبه على إضمار فعل، كأنه قال: وأما ثمود فهدينا فهديناهم يعني قراءة من قرأ: إنا كلّ شيء خلقناه، وإن كان الاختيار الرفع لقراءة من قرأ " وأما ثمود فهديناهم " والاختيار الرفع
لأن " أمّا " من حروف الابتداء، وقد بينا ما في ذلك.
قال: (وتقول: " كنت عبد لله لقيته " لأنه ليس من الحروف التي ينصب ما بعدها كحروف الاستفهام وحروف الجزاء وما شبه بها).
يعني " كنت " ليس مثل هذه الحروف التي يختار النصب فيما بعدها كحروف الاستفهام، وحروف الجزاء، وما شبه بها من الأمر، وحروف النفي، وليس بفعل ذكرته ليعمل في شيء فينصبه أو يرفعه، ثم تضم إلى الكلام الأول الاسم، يعني أن " كنت " ليست بجملة مبنية على فعل عطفت عليها جملة أخرى كقولك: " ضربت زيدا وعمرا كلمته "، فوجب أن يكون الاختيار الرفع فيما كان في موضع الخبر على ما وصفنا.
وتكلم بكلام طويل لم يخرج عن الجملة التي عندنا، فأرى أن الجملة التي تقع في
_________________
(١) سورة فصلت، آية: ١٧.
[ ٢ / ٨ ]
موضع الخبر لا تشبه الجملة المعطوفة، وكان فيما ذكر أن الجملة التي تقع في موضع الخبر قد حالت بين الأول وبين مفعوله أن تنصبه، فكيف يختار فيه النصب وقد حال بينه وبين مفعوله.
يعني أنك إذا قلت: " كنت زيد ضربته " فقد وقع " زيد ضربته " في موضع مفعول " كنت " كأنك قلت: " كنت قائما "، فإذا كانت الجملة قد منعت كنت المنصوب وحلت في محله، لم تشبه الجملة المعطوفة وهي " ضربت زيدا وعمرا كلمته "؛ لأن الأول قد نصب مفعوله، وعطف الثاني عليه، فأجري مجراه في تسلطه على مفعوله.
قال: (ومثله " قد علمت لعبد الله تضربه "، فدخول اللام يدلّك على أنه إنما أراد به ما أراد إذا لم يكن قبله شيء).
يعني أن اللام منعت من أن يكون " عبد الله " مفعولا لعلمت فارتفع كما يرتفع في الابتداء، وكذلك وقوع هذه الجملة في موضع خبر كان قد منع كان من التسلط عليها، ونصبها لها كما تنصب خبرها فصارت كالمبتدأ، وليس ذلك بمنزلة حروف العطف.
قال: (وترك الواو في الأول هو كدخول اللام هنا). يعني ترك الواو في " كنت زيد ضربته " حين جعلته خبرا، ولم تجعله عطفا كدخول اللام في: " قد علمت لعبد الله تضربه ".
قال: (فإن شاء نصب كما قال الشاعر، وهو المرّار الأسديّ:
فلو أنها إياك عضّتك مثلها جررت على ما شئت نحرا وكلكلا)
وهذا البيت على قول من قال: " إني زيدا ضربته "، وأنت إذا قلت: " إني زيدا ضربته " ثم خاطبت زيدا لقلت: " إني
إياك ضربتك " فيكون " إياك " بمنزلة " زيد "، والكاف بمنزلة الهاء، والتقدير: لو أنها إياك عضت مثلها عضتك مثلها، وإذا قلت: " إني زيد ضربته " ثم خاطبت زيدا قلت: " إني أنا ضربتك ".