(وذلك قولك: إذا كنت تحذّر: إيّاك، كأنك قلت: إياك نحّ وإياك باعد، ومثله أن تقول: نفسك يا فلان، أي اتق
نفسك).
هذا الذي ذكره سيبويه من إضمار الفعل صحيح، وبعض النحويين يأباه، ويزعم أنه لا مضمر ينصبه، وكذلك يزعم في قولنا: خلفك زيد، أنّ خلفك ينتصب لا بإضمار فعل ولكن بمخالفته ما بعده.
وهذا كلام فاسد، لأنّ المنصوب لا بد له من ناصب مضمرا كان أو مظهرا، وليست مخالفة أحدهما للآخر بموجبة نصبا من قبل أن كلّ واحد منهما قد خالف صاحبه؛ فلو كانت المخالفة توجب النصب انتصبا جميعا؛ لأن كلّ واحد منهما قد خالف الآخر، ففي كل واحد منهما مخالفة توجب له النصب، فعلم أن المخالفة لا تنصب.
وهذا الفعل الناصب لإيّاك لا يحسن إظهاره، وذلك أن العرب اكتفت بإياك وكان موضعها غير مشكل.
_________________
(١) قائله: أبو دؤاد، ديوانه: ٣٢٢، وهو ضمن كتاب (دراسات في الأدب العربي) للمستشرق (جوستاف جرونباوم) ترجمة: إحسان عباس، بيروت ١٩٥٩؛ تاج العروس (رشق).
[ ٢ / ١٦٩ ]
قال: (ومن ذلك قولك: إيّاك والأسد، وإياك والشرّ).
وأما قوله: إيّاك والأسد فإنه يضمر فعلا ينصب به إياك، كما قدّمنا، ويعطف الأسد على إياك كأنه قال: زيدا فاضرب وعمرا.
فإن قال قائل: إذا جعلت الأسد عطفا على إياك بالواو فقد شاركه في معناه. لأن المعطوف بالواو يشارك المعطوف عليه. ألا ترى أنّك تقول: ضربت زيدا وعمرا؛ فالضرب واقع عليهما جميعا، فينبغي أن يكون الأسد مشاركا لإياك؛ فيكون الأسد مشاركا مخوفا كما كان المخاطب، أو يكون المخاطب محذورا مخوفا كما أن الأسد محذور مخوف.
قيل له: لا يستنكر أن يكون التخويف واقعا بهما وإن كان طريق التخويف مختلفا؛ ألا ترى أنك تقول: خوّفت زيدا الأسد؛ فزيد مخوّف والأسد مخوّف وليس معناهما واحدا إلّا أن الأسد مخوّف منه وزيد مخوّف، على معنى أنه يجب أن يحذر منه، ولفظ خوّفت قد تناولهما جميعا، وكذلك إياك والأسد المعنى الناصب لهما معنى واحد وإن كان طريق التخويف مختلفا فيهما.
وأمّا إياك والشر فليس يخاطب نفسه ولا يأمرها، وإنما يخاطب رجلا يقول له:
إيّاك باعد عن الشرّ فينتصب إيّاك بباعد وما أشبهه، وتحذف حرف الجر من الشرّ وتوقع الفعل المقدّر عليه فيعطفه على الأوّل لأنّ الفعل قد وقع على الأول.
ومثله: إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب، يعني: يرميه بسيف أو ما أشبهه، وأن في موضع نصب كأنّه قال: إيّاي وحذف أحدكم.
وزعم الزجّاج (١) أنّ معناه: " إيّاي وإيّاكم وأن يحذف أحدكم الأرنب " والذي قاله لا يحتاج إليه؛ لأن قوله وأن يحذف أحدكم قد دلّ على أنهم حذّروا من فعلهم أن يأتوه إلى المتكلم.
(وزعم أن بعضهم يقال له: إياك، فيقول: إيّاي) كأنّه أعاد لفظ المتكلم لما قيل له منه واستجاب له، كأنّه قال: إياي احذر احفظ، وحذفهم الفعل الناصب لإيّاك لما كثر
_________________
(١) هو إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق الزجاج له معاني القرآن توفي ٣١١ هـ معجم الأدباء ١: ١٣٠، الفهرست ٦٠، مراتب النحويين ١٣٦.
[ ٢ / ١٧٠ ]
استعمالهم له وصيروا لفظه نائبا عن المضمر كحذفهم " حينئذ الآن ".
قولهم: حينئذ الآن كلام جرى للعرب محذوفا من حينئذ ومن الآن، ومعنى ذلك:
أن ذاكرا ذكر شيئا فيما مضى يستدعي مثله في الحال فقال له المخاطب: حينئذ الآن معناه: كان هذا الذي ذكرت حينئذ في الوقت الذي ذكرت واسمع الآن غير ذلك أو نحوه من التقدير، ولا يستعملون الفعل الذي حذف، وكذلك لا يستعملون الفعل الناصب لإيّاك.
قال: وإذا قلت: إياك والأسد فلا بدّ من الواو لأنه اسم مضموم إلى آخر. يعني معطوف عليه.
فإن قال قائل: فقد تقول: إياك من الأسد وإيّاك من الشرّ فلم لا يجوز حذف حرف الجر وإيصال الفعل إلى الأسد وإلى الشرّ؟ فيقال: إيّاك الأسد وإياك الشرّ.
قيل له: لأن حروف الجر لا تحذف إلّا في المواضع التي حذفتها العرب فيها، ألا ترى أنك تقول: أخذت من زيد درهما، ولا يجوز أخذت زيدا درهما، وتقول: اخترت من الرجال زيدا وتحذف " من " فتقول اخترت الرجال زيدا، لأن العرب قد استعملت ذلك، قال الله ﷿: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا (١).
وكان ابن أبي إسحاق يجيز حذف من فيقول: إياك الشرّ في الشعر وأنشد:
فإيّاك إياك المراء فإنّه إلى الشّرّ دعّاء وللشّرّ جالب (٢)
قال سيبويه: (المراء منصوب بفعل غير الفعل الذي نصب إياك، كأنه لما قال:
إياك اكتفى ثم أضمر فعلا آخر نصب به المراء كأنه قال: اتق المراء، وإذا قال: إياك وأن تكلم زيدا جاز أن تقول: إياك أن تكلم زيدا بغير واو ولا حرف جر، وإنّما جاز هذا في " أنّ " لأنّ " أن " الخفيفة والمشددة إذا اتصلت بهما
حروف الجر جاز حذفها كقولك: أنا راغب في أن ألقاك وحريص على أن أحسن إليك، ولو قلت: أنا راغب أن ألقاك وحريص أن أحسن إليك جاز، ولو جعلت مكان أن المصدر فقلت أنا راغب في لقائك حريص على الإحسان إليك لم يجز حذف حرف الجر، لا يجوز: أنا راغب
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٥٥.
(٢) ينسب للفضل بن عبد الرحمن بن عباس القرشي: الخصائص ٣: ١٠٤؛ شرح المفصل ٢: ٢٥؛ إنباه الرواة ٤: ٧٠؛ ومعجم الشعراء ١٦٠.
[ ٢ / ١٧١ ]
لقاءك وحريص الإحسان إليك، وإنما لم يجز في المصدر المحض ما جاز في " أن " لأن " أن "؛ وما بعدها من الفعل وما يتعلق بالفعل من فاعل أو مفعول بمعنى المصدر وطال فجوزوا حذف حرف الجر منها لطول الكلام.
ومن ذلك قولهم: رأسه والحائط، كأنه قال: خلّ رأسه مع الحائط، وقولهم:
شأنك والحجّ، كأنه قال: شأنك مع الحج، ومن ذلك امرأ ونفسه، كأنك قلت: دع امرءا مع نفسه، فصارت الواو في معنى مع كما صارت في معنى مع: في قوله ما صنعت وأخاك).
لأنه إذا حذف " مع " وهي منصوبة قام ما بعد الواو مقامها في النصب.
وقد ذكرنا نحو هذا في غير هذا الموضع.
قال سيبويه: (وإن شئت لم يكن فيه ذلك المعنى وهو عربيّ جيد).
يريد إن شئت لا تقدر " مع " وجعلت كل واحد منهما منصوبا بالفعل، وعطفت أحدهما على الآخر أدّى معنى " مع " وإن لم يكن مقدرا بلفظه، كأنه قال: عليك رأسك وعليك الحائط، وكأنه قال: دع امرأ ودع نفسه، وليس ينقض هذا ما أردت في معنى " مع " من الحديث، ومثل ذلك " أهلك والليل " كأنه قال بادر أهلك قبل الليل ". وتحقيق المعنى في ذلك أنه عطف الليل على الأهل وجعلهما مبادرين، ومعنى المبادرة: مسابقتك الشيء إلى الشيء كقولك: بادرت زيدا المنزل، كأني سابقته إليه، فكأن الليل والرجل المخاطب يتسابقان إلى أهل الرجل، فأمره الآمر أن يسابق الليل إليهم ليكون عندهم قبل الليل.
وقال: (قال بعض العرب: " ماز رأسك والسيف " كما تقول: رأسك والحائط وهو يحذّره كأنه قال: اتق رأسك والحائط).
وقولهم: " ماز رأسك والسيف " كثير من النحويين يقولون: إنه أراد ترخيم مازن فلم يكن اسم الرجل الذي خوطب بهذا مازنا، ولكنه كان من بني مازن بن العنبر بن عمرو بن تميم وكان اسمه كدلما أسر بجيرا القشيريّ، فجاءه
قعنب اليربوعيّ ليقتله، فمنع المازني منه، فقال للمازنيّ: ماز رأسك والسيف، وترخيمه على أحد وجهين: إمّا أن يكون سمّاه بمازن؛ إذ كان من مازن، وقد تفعل العرب مثل هذا في بعض المواضع، كقولهم: " الأشعرون " يريدون الأشعريون، جعلوا كل واحد منهما مسمّى بالأشعر الذي هو اسم جد، ثم ترخّمه على ذلك.
[ ٢ / ١٧٢ ]
وإمّا أن يكون ترخيما بعد ترخيم؛ كأنه رخم مازنيا فصار مازنا، ثم رخّم مازنا فصار ماز، ونحوه مذكور في الترخيم. وتقديرهم: اتق رأسك والحائط على تقديرين في الانتصاب، ومعناه: اتق رأسك أن يدقه الحائط أو يكسره أو نحو ذلك، واتق الحائط أن يصيب رأسك بسوء، وإذا ثنّيت هذه الأشياء لم تذكر الفعل معها، ولو قلت: الليل الليل لم يحسن أن تقول بادر الليل الليل، وإذا قلت الليل منفردا حسن أن تقول: بادر الليل، وكذلك لو قال قائل: الله الله في أمري لم يحسن أن تقول: اتق الله الله في أمري.
وإذا قال: الطريق الطريق، لم يحسن أن تقول: خلّ الطريق الطريق، وإذا قال:
الطريق حسن أن تقول: خلّ الطريق؛ كما قال جرير:
خلّ الطريق لمن يبني المنار به وابرز ببرزة حيث اضطرّك القدر (١)
والاسمان المعطوف أحدهما على الآخر لا يذكر الفعل فيهما- أيضا- كقولك:
رأسك والحائط و" امرأ ونفسه " ولو أفردت أحدهما حسن لو قلت: اتق رأسك، أو احفظ نفسك، واتق الجدار، كان جائزا حسنا وقبح في التكرير؛ لأنك لما كررت شبّه الأول من اللفظين بالفعل فأغنى عنه وصار بمنزلة " إياك " النائب عن الفعل، كما كانت المصادر كذلك، كقولهم: الحذر الحذر، والنجاء النجاء، وضربا ضربا، كأنهم جعلوا الأول بمنزلة الزم وعليك ونحوه من تقدير الفعل، ودخول فعل على فعل محال.
قال سيبويه: (ومن ثم قال عمرو بن معدي كرب:
أريد حباءه ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد (٢)
وقال الكميت:
نعاء جذاما غير موت ولا قتل ولكن فراقا للدّعائم والأصل (٣)
_________________
(١) البيت لجرير: ديوانه ١: ٢١١؛ المقاصد النحوية ٤: ٣٠٧؛ شرح الأشموني ٢: ٤٨١؛ شرح المفصل ٢: ٣٠؛ لسان العرب (برز).
(٢) البيت لعمرو بن معدي كرب: شرح المفصل ٢: ٢٦؛ الأغاني ١٠: ٢٧؛ خزانة الأدب ٦: ٣٦١، ١٠: ٢١٠؛ تاج العروس (عذر)، الشطرة الأولى من البيت مثل تمثل به أمير المؤمنين علي- كرّم الله وجهه- حين ضربه ابن ملجم لعنه الله، الميداني ٢: ٥٧.
(٣) ينسب للكميت البيت غير موجود في ديوانه:-
[ ٢ / ١٧٣ ]
وكقول ذي الإصبع:
عذير الحيّ من عدوا ن كانوا حيّة الأرض (١)
ولا يظهر الفعل الذي نصب عذير، ولا الفعل الواقع على نعاء، لأن ذلك أقيم مقام الفعل، ودخول فعل على فعل محال).
قال أبو سعيد: أنا أذكر أصل عذيرك وما يراد به لينكشف معناه والفعل الناصب له:
تقول العرب: من يعذرني من فلان، ويفسّر على وجهين:
أحدهما: من يعذرني في احتمالي إياه.
والآخر: من يذكر لي عذرا فيما يأتيه وقوله: عذيرك من خليلك يخرّج على وجهين:
أحدهما: من يعذرني في احتمالي إياه وإن لم يذكر لي عذره فيما يأتيه.
والآخر: من يذكر عذره فيما أتاه أو نحوه من الألفاظ، واختلفوا في عذير؛ فقال بعضهم: هو بمنزلة عاذر يقال: عاذر وعذير كشاهد وشهيد، وقادر وقدير، وعالم وعليم.
وضعّف المفضّل بن سلمة اللغوي (٢) هذا أن يكون بمعنى العذر مصدرا قال:
" لأن المصادر على فعيل لا تأتي إلّا في الأصوات، نحو: الصرير والصهيل والصليل والزئير، وأجاز أن يكون مصدرا بمعنى العذر غير أنه اختار الأول، وسيبويه يقدر عذير تقدير عاذر، وقد أفصح به في غير هذا الموضع ".
فإذا قال: عذيرك على معنى عاذرك كأنه قال: هات عاذرك أو أحضر عاذرك،
_________________
(١) الإنصاف ٢: ٥٣٩؛ سيبويه ١: ١٣٩؛ شرح المفصل ٤: ٥١؛ تاج العروس (جذم)؛ اللسان (نعا).
(٢) ديوانه: ٤٦، الأغاني ٣: ٨٩؛ الشعر والشعراء ٢: ٧٠٨؛ خزانة الأدب ٢: ٤٠٨.
(٣) هو المفضل بن سلمة بن عاصم أبو طالب اللغوي أخذ عن ابن السكيت وثعلب له تصانيف كثيرة: البارع، معاني القرآن، المقصور والممدود. تاريخ بغداد ١٣: ١٢٤، معجم الأدباء ١٩: ١٦٢ مراتب النحويين ١٥٧.
[ ٢ / ١٧٤ ]
وكذلك أحضر عاذر الحيّ من عدوان، ونعاء في معنى أنع من النعي وهو اسم واقع موقع فعل مثل نزال وحذار، ولا يحسن ذكر الفعل معه.